
الحياة لا تمنح كل شيء، هي تقايض.. تبيع وتشتري والفائز من يخرج بالأرباح
أغلقت الباب خلفها ببطء، ربما لا ترغب بأن يشعر بها وقد تمنت رحيله لكن من داخلها عرفت أنه لن يفعل
وقف بمنتصف الصالة الواسعة، سيجارته بين أصابعه ونظراته تجوب المكان وكأنه يبحث عن شيء لا يراه..
هو بالفعل كان يبحث..
يبحث عما فعلته بحياتها بعد تركه والذهاب لبلد أخرى بعيدا عنه
التفتت له، تبحث عن قوة المهرة داخلها، جموحها بلا شيء يوقفها
واستحضرتهم من حيث كانت تسير معهم طوال سنوات عمرها ولكن عندما حاولت أن تبدو طبيعية..
علمت أنها لم تكن كذلك..
التفت لها، عيونه ضاقت عليها وهي تتحرك تجاهه ومنحها ما يفتح به حوار "كنتِ تنوين تركي واقفا هكذا كثيرا؟"
صوته خرج هادئا.. هدوء تعرفه جيدا، الهدوء الذي يسبق العاصفة ويخيف من يلفهم
اقتربت خطوة وقالت بهدوء متكلف، أحاطت نفسها به منذ عرفت بمرضها وعودته لحياتها "ظننت أنك رحلت بعد أن أحضرتنا"
جذب نفس عميق من سيجارته، ثم أخرجه ببطء وكأنه يتسلى بإفقادها هذا الهدوء الذي لا يعرفه عنها وواجه نظراتها "وأتركك ترحلين وكأن الأمر عادي؟"
تجمدت ملامحها للحظة، الخوف لا مكان له الآن لذا تماسكت سريعا "أمر؟ أي أمر؟ أنا.. لا أفهم ماذا تقصد؟"
ابتسم.. ابتسامة خفيفة بلا روح، ابتسامة لم تملأ حتى نصف فمه "حقا!؟"
عاد واقترب خطوة، ثم أخرى.. حتى أصبح قريبا منها بما يكفي ليجعل أنفاسها ترتبك وأفكارها تتبعثر "أنتِ تجيدين تعليم الفتاة الحديث، كلماتها ذكية"
انقبض قلبها داخل صدرها، لكن ملامحها لم تتحرك "الأطفال تتحدث كثيرا، لا يمكننا التحكم بكلماتهم كما تظن"
أمال رأسه قليلا، يدرس وجهها وكأنه يقرأ ما خلفه "أنا لا أظن.. أنا متأكد"
صمت لحظة، ثم أكمل بصوت أخفض ولكن له تأثير سوط قوي على جلد عاري "هي تعرف كيف تخفي كل ما يخص والدها.. أمامي"
ارتجفت أصابعها دون أن تشعر، فشبكت يديها معا لتخفي ذلك وبحثت عن كلمات ترد بها "هي مجرد طفلة لا تعي ما تقول"
ضحك بخفوت، ضحكة قصيرة بلا مرح "هي لم تبدو وكأنها لا تعي ما تقول"
صمت.. ونظرته لها مباشرة، نظرة اخترقت كل محاولاتها للثبات "تقصد من؟"
ورفعت ذقنها بقوة غريبة لا تعلم من أين واتتها "أخبرتك أنها.. طفلة"
ضاقت عيناه من عنادها وتمسكها بكلماتها والغضب بدأ ينجح بالتسرب لنبرته "ولكن أنا لست طفل مهرة"
سكتت.. لم تجد أي رد
اقترابه منها كاد يسحب كل الهواء من حولها، ينسف المسافات ويحطم خطوط الدفاع الباقية وصوته أصبح أخفض.. أخطر
"تزوجتِ؟"
وكان السؤال تلك المرة كالسهم.. مباشر
رفعت البنفسجية القاضية له، لمعت ببريق غريب لم يعد يعرفه، للحظة كادت الحقيقة تخرج منها.. لكنها ابتلعتها والعناد سيطر
"حياتي الشخصية ليست من حقك"
تصلب فكه، اشتدت قبضته على ما تبقى من السيجارة وجز على أسنانه والحقيقة تصفعه "كان من حقي بيوم ما"
ردت بسرعة، متشبثة بحبل أمان ضعيف ولكنه الوحيد "ولكنه انتهى بهذا اليوم"
صمت.. لحظة ثقيلة مرت بينهم والنظرات لا تنفصل
فجأة نطق بكلمات مختلفة "نحن انفصلنا بالطلاق منذ ثلاث أعوام وعدة شهور.. ربما أربع أعوام"
تجمد جسدها بالكامل
أكمل هو وعيونه ثابتة عليها "وهي عمرها؟"
السؤال كان قنبلة أصابتها وأحرقتها بمكانها.. وضاعت الكلمات من حلقها.. لم تجد شيئا تقوله
تراجع خطوة، يراقبها.. كالصياد يراقب فريسته بعد إصابته لها وصمته بعدها كان أشد من أي كلمات..
كان فقط يراقب صمتها والصمت أحيانا كان أبلغ من أي إجابة حتى.. ابتسم وقال "من الواضح أنكِ وجدتِ البديل بسرعة"
الكلمة جرحتها.. اعتاد إهانتها وهي تسقط مهزومة بسهولة ومع ذلك لم تظهر ذلك.. بل ظلت مرفوعة الرأس وهي تبادله القذيفة
"وأنت؟"
لم تعطه الفرصة، أكملت بقوة "ألم تعلن خطبتك؟ أم أنها ليست بديل؟"
اشتعلت عيناه من الغضب، هذه هي مهرته التي يعرفها، مهرة جامحة، تجمح به بلا حدود، لذا شيء آخر ظهر مع الغضب، شيء يشبه الغيرة
اقترب فجأة، صوته خرج خافتا لكنه مشحون "هناك فارق"
ظلت تواجه نظراته بتحدي رغم ضعفها الساكن داخلها "وما هو؟"
انحنى قليلا، حتى أصبح قريبا منها بشكل أربكها، أفزعها، وكأنه يقصد إخافتها لتهتز قوتها "أنا لم أخفي أي شيء بأي وقت"
الكلمة ضربتها بمكان حساس، بل بمقتل لكنها لن تستسلم، ليس الآن، لم تستعد بعد "ولا أنا"
صمت.. طويل.. خانق
وابتعد فجأة، أطفأ سيجارته بعنف واضح "لا مهرة.. أنتِ تخفين الكثير"
تحرك نحو الباب، ثم توقف قبل أن يفتحه ودون أن يلتفت لها قال بصوته الهادئ المخيف "وأنا سوف أعرف"
تصلبت مكانها
أكمل.. بنفس النبرة "حتى ولو لم ترغبي بقول شيء"
وفتح الباب وغادر أخيرا..
ما أن أغلق الباب خلفه حتى سقطت على المقعد خلفها، أنفاسها تتلاحق، يدها ترتجف وهي ترتفع إلى صدرها
قلبها..
لم يعد يحتمل
والخوف..
لم يعد يمكن إخفاؤه
****
ما أن دخل الفندق حتى رأى نارا تتحرك له من قاعة الانتظار، الوقت مبكرا جدا والمكان يكاد يكون خاليا من الأشخاص..
أجلت عودتها لتبقى معه وهو تركها ونساها
رفع رأسه لها وهو يلتقي بها بمنتصف القاعة والغضب بدا واضحا على معالم وجهها
"لست بالشركة ولا بالفندق، وإجاباتك مختصرة بالهاتف، هل لي بتفسير رحيم؟"
أشعل السيجارة ومسلم تراجع لمنحهم مساحتهم الشخصية وهو نفخ الدخان وقال "حبيبتي تعلمين أني لا أحب تلك اللهجة ولا تلك الطريقة"
لم تهتم بغروره ولا برودته معها بل أكملت "أين كنت رحيم؟ اختفيت.. لا شركة ولا فندق.. حتى العشاء نسيته وكأن لا شيء كان بيننا، بقيت لأجلك وأنت لا تهتم"
أبعد وجهه والضيق تملكه فلف وجهه لها وقال "هذا ليس مكان مناسب للشجار نارا، لنصعد لجناحي ونتحدث، أنا حقا متعب"
لكنها لم تتحرك فأدرك أنها لن تتراجع فمال تجاها وقال "نارا هانم تتخلى عن كبريائها بإعلان غضبها هكذا على الملأ؟ تنسين العيون المتطفلة عزيزتي"
يعرف كيف يسيطر على كل ما يواجه وهي أولهم، التفتت وتحركت للمصعد فنفخ بقوة وهو يعلم أن النوم كان حلم ورحل..
ليس الآن، بل منذ رأى عيون المهرة..
وقفت بمنتصف صالة الجناح وفستانها المتألق يلفها بأناقة، تقدم وهو يفك ربطة عنقه وأزرار قميصه العلوية وهي لا تنتظر
هتفت "والآن ماذا؟ أحتاج إجابات رحيم"
كوب زجاجي امتلأ بالمشروب ومكعبات الثلج ملأت الكوب وأدار المشروب به ورفعه لفمه وتناوله جرعه واحدة
رغم احتراق حلقه بالمشروب إلا أنه كان بحاجة له، مهرته جمحت بقوة وهو لا يقوم بدور المشاهد
وأخيرا السيجارة تحترق والدخان يتصاعد من حوله حتى قال "إجابات على ماذا؟"
الجنون يتعالى داخلها من هدوئه الغريب، أشاحت بيداها وهتفت "أين كنت؟ ما السبب لتجاهل العشاء ومكالماتي؟"
تحرك وأسقط جسده على الأريكة والسيجارة تؤازره ونظراته انغلقت على ما بداخله وما زال لا يفكر سوى بأيلا ووالدها المجهول والسر..
"نارا.. أنا لا أُسأل من أحد"
سقطت على المقعد بجواره ووجها الشاحب يواجه "أنا لست أحد رحيم، أنا زوجتك وهذا حقي"
الدخان خيم عليه كما هي الذكريات..
كانت أمامه الآن، فوق صهوة الجواد الأبيض الذي ابتاعه لها مخصوص..
كلفه الكثير لكن وقت رآها على ظهره، جسدها النحيف يرتفع وينخفض بسهولة ويسر وهي تنحني للأمام تكاد تحتضن عنق الجواد
شعرها الأحمر تطاير خلفها، ابتسامتها كانت ترافقها، سهم ينطلق بلا حواجز توقفه، تنتصر بلا اهتزاز.
مهرة جامحة بلا تراجع..
ثقتها علت على كل المخاطر
وعرف أنها لن تكون سوى له
حتى تزوجوا..
صوت غاضب جذبه بقوة "رحيم"
عاد لها "نحن لم نتزوج بعد نارا"
هتفت بلا تصديق "ماذا؟ هل هذا هو ردك على كل كلماتي؟"
أغمض عيونه وعبث بهما بأصابعه، ذهنه مشوش، رأسه يعج بالأفكار ولا مكان لنارا به الآن ومع ذلك هو لا يرغب بإغضابها زواجه منها هو الصواب
هي المرأة التي أحبته..
انتظرته رغم زواجه من مهرة وبإشارة منه هرعت لأحضانه ولو طلبها الآن لفراشه فلن تعترض
أطفأ السيجارة قبل أن تحرق أصابعه وقال "لا، فقط أنا متعب، منذ وصلنا هنا ولم أنم والعمل.. "
لكنها قاطعته بقوة، هي امرأة ذكية وليست شفافة "بل هي السبب، مهرتك الجامحة من تأخذك وتجعلك تائهة ولا تدرك ما يدور حولك"
ظل هادئا، لم يغضب أو تثور ثائرته، عيونه ثابتة عليها ثم تنهد وقال "لا تدعي غيرتك تعميكِ، مهرة انتهت من حياتي يوم طلاقنا، وجودها اليوم لأجل العمل فقط وتعلمين أنه لم يكن اختياري"
ونهض ولكنها نهضت وواجهته "بل اختياري رحيم، يمكنك نزعها وإلقائها خارج الشركة فأنت الآن تملك كل شيء بيدك"
وضع يداه بجيوبه وأخذ نفس عميق قبل أن يجيبها "لست بحاجة لأفعل، هي ليست شيء هام لأمنحها اهتمامي، ولا أنتِ"
ثم ابتعد وعاد يفك ما تبقى من أزرار قميصه وهي تلتفت لتتبعه بنفس الغضب وهو ينزع القميص ويتحرك للغرفة التي ينام بها وهي لم تقبل بذلك
تبعته..
ألقى القميص بلا اهتمام وهي ما زالت تهتف به "بل أهتم رحيم، أهتم لأنك لم ترى نظراتك لها بذلك الحفل ولا بالغداء وهي تجلس مع ذلك الرجل، أنت ما زلت تفكر بها"
تحرك للحمام وفتح المياه وصب الكثير من الزيوت والصابون بها وهي تقف على باب الحمام تنتظر الرد وفعل "أفعل، لكن كشخص بمكانة هامة بشركة يهمني أن أنتزعها من الحضيض، عملها هام، وهي لن تتكرر بسهولة نارا، هل تستوعبين ذلك؟"
ظلت تحدق به كما كان يفعل حتى قالت بجنون "لديك موظفين أفضل بكل فروع الجروب، لم لا تبعدها؟"
فك حزام بنطلونه وهو يتحرك لحوض الغسيل واستحضر عدة الحلاقة وهي تتحرك لتقف بجواره بلا خجل
رآها بالمرآة وهو يضع صابون الحلاقة على وجهه ولكن ملامحها لم تثبت
اختفت..
وجه مهرة هو ما حل محلها
بنفس النظرة.. نفس الاقتراب.. لكن الفرق كان قاسيا
مع نارا.. كان حاضرا فقط بجسده
مع مهرة.. كان يفقد نفسه بالكامل وهو ما كان يغضبه أكثر.. منها ومن نفسه
ببداية زواجهم..
يدها أمسكت يده "دعني أفعل رحيم"
توقفت يده بماكينة الحلاقة ونظراته تسقط على قامتها الصغيرة بجواره.. ليلتهم كانت رائعة، تمنحه شعور رائع بالاكتفاء ومع ذلك لا يكتفي منها..
للحظة كاد يترك الآلة لها ولكن شيء ما داخله رفض فأبعد يدها برفق وقال "لا مهرتي، الجموح هنا قد أدفع أنا ثمنه"
وتغافل عن رؤية الإحباط الذي تجمع على وجهها
ماذا كان سيحدث لو تركها تفعل؟
اللون الأحمر ظهر من بين المسحوق الأبيض على وجهه ونارا تهتف "لقد جرحت نفسك رحيم"
شتم بصوت منخفض وجذب منديل ورقي ووضعه على الجرح والتفت لها وقد تملكه الغضب وفقد هدوءه
"والآن هل تتركيني لأنتهي نارا؟ لدي اجتماع بالعاشرة وبحاجة لأنتهي من حمامي وإفطاري وأنتِ لا تلاحظين كل ذلك"
تورد وجهها، ارتفعت الدموع لعيونها، تحركت مسرعة للخارج
نفخ وهو يلقي بالمنديل بالقمامة والتفت ليتبعها للخارج وقبض على يدها قبل أن تفتح باب الجناح وأوقفها وهي تبكي بقوة
"نارا اهدئي، أخبرتك أني متعب وتعلمين أني أفقد السيطرة وقت التعب"
حاولت إيقاف البكاء ويداه تقبض على ذراعيها ونطقت بكلمات متقطعة من بين الدموع "آسفة" ورفعت وجهها له والتقى بدموعها المسيطرة وهي تكمل "أنا أحبك رحيم، رؤيتي لمهرة أصابتني بالجنون، هل يمكنك العودة لها؟"
السؤال كان حاد، بدون تزيين، كأنه كان يسأله لنفسه
وسكت..
للحظة طويلة.. أطول مما يجب
ثم قال "لو كنت أريد.. ما كنت تركتها من الأساس"
الرجاء هو كل ما كان بعيونها التي ارتفعت له وصوتها المليء بالحب والشجن "لكنك لم تقابلها طوال تلك السنوات والآن هي هنا"
رفع يداه ومسح دموعها وهو يجيب "وأنتِ أيضا هنا، أخبرتك أنكِ خطيبتي وأنتِ من سأتزوجها بالموعد المحدد، ألم نحجز القاعة والفستان وكل ما يلزم الزفاف؟"
من بين راحتيه هزت وجهها وبلا مقدمات ارتفعت على أصابع قدميها رغم الكعب العالي وتعلقت بعنقه وهي تلصق فمها بفمه وهو تفاجأ منها
قبلاتهم كانت معدودة، لم يرغب بذلك لكنه لم يرفضها بالطبع..
تجاوب معها ولفها بذراعه..
بلحظة استجاب ولكنه فعل عندما شعر أنها شفاه يعرفها، لمستها الحانية.. أنفاسها الرقيقة
مهرة..
ضغطت يداه على جسدها وضمها أكثر، مهرة هي المرأة الوحيد التي تسجنه بقبلتها، تسحره بعناقها..
هي المرأة التي لا يكتفي من ملمس بشرتها ولا كلماتها الرقيقة وهي بين ذراعيه
"رحيم.. آه أنا أحبك رحيم"
تراجع عندما جذبه صوت نارا من الحلم، ابتعد..
تلاحقت أنفاسها وتورد وجهها
استجمع نفسه، استعاد قوته الضائعة مع أحلامه المغيبة وهمس "نارا لابد أن تذهبي الآن"
أخفضت عيونها وشعر بخجل مزيف، لن يقارنه بتورد المهرة بأول قبلة لهما وكيف فرت من بين ذراعيه وهما بمكتبه بالشركة..
تحركت خارجة بسرعة وهو تنفس بقوة وأغمض عيونه وهو يرفع يده ليبعد شعره الذي سقط على جبينه
نفذت كلمات من بين شفتيه "اللعنة عليكِ مهرة، لماذا الآن؟"
****
كان نهارا ليس جيدا على الجميع..
مكالمة سكرتيرة الطبيب أغلقت يومها..
سافر الطبيب لحضور دورة تدريبية مفاجئة.. عليها تأجيل خطة العلاج حتى يعود ولن يعود قبل اسبوعين وربما أكثر
جدولها مغلق حتى نهاية اليوم ولن يمكنها رؤية أيلا خلاله..
حتى مكالمة عمتها كانت سيئة، لديها عريس وسترسل لها بياناته برسالة على الهاتف وهي أخبرتها بالرفض فانتهت المحادثة بشجار..
وتقريبا لن تهاتفها مرة أخرى
كل شيء كان سيء مما دفع الصداع لرأسها طوال الوقت والسكرتيرة تضع لها فنجان القهوة الثالثة "تبدين بحالة سيئة جدا"
لم تنظر لها وهي تضع اللمسة الأخيرة من كاريكاتير الإعلان الذي تخطط له "نعم، هل من اقتراحات دليدا؟"
ضحكت دليدا "أنتِ لستِ ممن يرحب بأي اقتراحات مس مهرة"
رفعت رموشها لها وابتسامة قصيرة لاحت على فمها "حقا!؟ هل هذا تذمر؟"
استدارت لتذهب وهي تجيبها "بل واقع و.. "
قطعت كلماتها مما جعل مهرة ترفع وجهها لتعرف السبب عندما رأته واقفا مستندا بكتفه على الباب، عاقدا ذراعيه أمامه
جمدت..
لفت بمقعدها ولم تنهض، رؤيته أتت بسرعة لم تتوقعها..
بدت نظراته قاتمة، غامضة بلا معنى، لم يختلف عن الأمس بل فجر اليوم..
فقط استبدل ملابسه، هي تعرف أنه لا يقضي وقت كبير بنفس الملابس، يهتم جدا بمظهره وأناقته..
دليدا ارتبكت "مستر رحيم.. "
اعتدل وتحرك للداخل وصوت هادئ خرج منه "اطلبي لي قهوة"
هزت رأسها بنفس الارتباك وهي تهرع خارجة من جواره وهو يجول بنظراته بالمكتب حتى ثبت عليها "ظننتك لن تأتي!؟”
ابتلعت ريقها، تذكرت ما كان وهي بالأساس لم تنساه، جلس أمام مكتبها فأجابته "لدي جدول مزدحم"
السيجارة اشتعلت بقداحته التي تحمل أول حرف من اسمه، هدية والده عند أول نجاح لعرض الأزياء الخاص به وهو بالثامنة عشر
كل حكاية تخصه محفورة داخل عقلها.. وربما قلبها
سأل بهدوء "هل هي أفضل اليوم؟"
دقات على الباب وداليدا تدخل بالقهوة وهي تناولت قهوتها ربما تستجمع منها شجاعتها فمن الواضح أنه لن يتركها
خرجت داليدا وهو حمل فنجانه وهي اضطرت للرد "نعم، هي بخير، هل.. هناك شيء بالعمل؟"
حاولت حصر علاقتهم بالعمل، لكن هي تعرف أن رحيم لا يُقاد
نفخ الدخان وأجاب ببرود "عرفت أن لديكِ لقاء مع عادل مرسي اليوم"
مدير الإعلانات بشركة عدنان.. الماضي يصر على حصارها.. ومعه
لمعت البنفسجية، تعلن عن مهرة التي يعرفها، رفعت ذقنها وهي تقول "مستر محمود لديه تعاقد معهم منذ الصيف الماضي"
لمعت مقدمة السيجارة بلهيب واضح من نفسه العميق الذي جذب النيكوتين لصدره ثم نفخ الدخان بطريقة متقطعة قبل أن يتجاهل نظراته الحادة ويقول
"كان.."
ولف وجهه لها، سكنت رماديته على البنفسجية والتوت معدتها الفارغة منذ الأمس وغثيان يكاد يصيبها وصوته يخيفها أحيانا
"أنا أنهيت التعاقد"
عداوته مع عدنان يعلمها الجميع، التنافس بينهما يصل لما تحت الحزام، خاصة بعد ما كان أثناء زواجهم..
لم تجيبه وهو يفحص ملامحها، باحثا عن أي رد فعل لكنها ظلت جامدة "لا يعجبك قراري؟"
لم تتحرك فقط تنفست، ارتفع صدرها خلف جاكيتها المحكم على جسدها النحيف
عندما توقفت عن ركوب الخيل لم تفرط في لياقتها ولكن الأمر بحساب مع وجود طفلة تحتاج كل وقتها، هذا لو وجدت وقت
"لا أهتم، هو قرارك والأمر يخصك"
قوتها تعجبه، لطالما فعلت..
نهض، أطفأ السيجارة وعاد لها "أظن أن لديكِ تصوير اليوم"
كان إقرار وليس سؤال، هزت رأسها فأغلق جاكته وقال "ألغيته، لا يعجبني الإعلان، جددي أفكارك فهي قديمة الطراز"
وتحرك خارجا وتركها والغضب يصارع ليجعلها تنهض وتلقي كلمات وقحة بوجهه وربما تخبره أنها لا ترغب بالبقاء هنا لكن..
ابنتها بحاجة لأموال..
مرضها بحاجة لأموال..
حياتها لا يمكن أن تنهار لأنه دخلها مرة أخرى
لن يدمرها مرتان..
ظلت تبكي أسابيع بعد طلاقهم.. تظل الليل كله تبكي وبالنهار تنظر للهاتف تنتظر أن يهاتفها ويخبرها أنه نادم على الطلاق ولابد أن يعودوا حتى سقط الواقع على رأسها بالنهاية..
لم تراه
لم يهاتفها..
ولم يندم..
****
الجميع كان يتهامس بالشركة، رحيم أطال من فترة وجوده ولم يرحل كما ظنوا بل ولم يترك الشركة..
نارا رحلت للقاهرة لمتابعة أمور الزفاف، والدها عاد من باريس لحضور الزفاف خصيصا، بالطبع أليست ابنته الوحيدة؟
عاد من لقاء هام ودخل السيارة وأخرج هاتفه وأجرى مكالمة "إياد أرسلت لك مجموعتي الجديدة أريد رؤية عينات القماش بمجرد عودتي"
إياد مدير مكتبه بالمجموعة وهو ينفذ تعليماته بحذافيرها "حاضر مستر رحيم"
أغلق والتفت مسلم له وسأل "سنبقى أكثر من ذلك؟"
لم ينظر له وهو يجيب رسائل على هاتفه "هل لديك مشكلة بذلك؟"
عندما تحتد كلماته يتراجع الجميع ومسلم يعلم ذلك "لا.. "
تردده جعله يرفع وجهه لحارسه الشخصي ومنحه مفتاح للتكملة "ولكن.. "
تجهم الوجه الجامد، ملامح رئيسه لا تمنحه أي خير لكن هو يطالب برد "ظننت أنك لن تبقى أكثر من يومان ولكن.. لدينا الكثير بمصر"
وضع الهاتف بجيبه ومنحه كامل اهتمامه "وهذا الكثير تعرفه أكثر مني مسلم؟"
ابيض وجه مسلم، تاهت منه الكلمات ورحيم دفع وجهه لزجاج النافذة غير راضي عن نفسه فعاد وقال "الشركة كانت تنهار مسلم ويومان غير كافيان لإعادتها كما ظننت"
تنفس مسلم، رفع يده لربطة العنق وضبطها بلا وعي وقال "نعم، أنا لم أقصد التدخل مستر رحيم"
لم يرد..
مرت السيارة من أمام نادي سبورتنج، من أشهر وأقدم النوادي بالإسكندرية وتذكر وقتما أتى معها لحضور سباق ودي هنا..
لماذا تتساقط كل الذكريات عليه الآن؟
ماذا تفعلين بي مهرة؟
رفع ذراعه وأبعد كم جاكته ونظر بالساعة ثم قال فجأة "بيت مهرة مسلم"
التفت مسلم له بحدة والتقى بقتامة نظراته فابتلع ريقه وهز رأسه ومنح السائق أوامره..
سهيلة فتحت الباب ونظرت له بدهشة فقال "المدام موجودة؟"
نفت "لا، من حضرتك؟"
نقطة صغيرة انطلقت من مكان ما لتقف بجوار سهيلة وتقول "بائع اللعب، هل أحضرت لعبتي؟"
ابتسم لها غصبا، لا يفهم سر تأثيرها الغريب عليه..
أجاب بنبرة مرحة نادرا ما تخرج منه "نسيتِ أنكِ لم تصفيها لي"
هتفت بصوتها الطفولي "ألم تفهم أني كنت مريضة؟"
سهيلة نهرتها وهو ضحك بتلذذ وهي ترد على سهيلة "هو صديقي، هو من ساعدنا يوم كنت مريضة"
وتحركت لتمسك يده بيدها الصغيرة وقالت "تعالى، ادخل كي أصف اللعبة لك"
حاولت سهيلة إيقافها لكنه قال "لا تقلقي، المدام لن تمانع بوجودي"
ركن اللعب الخاص بالفتاة كان أمامه بلحظة، على الأرض وهي جلست وأحضرت كتاب صغير ثم نهضت له وأشارت لصورة
"ها هي، مامي قالت أنها لم تجدها، أظن أنها لم تبحث جيدا فهل ستفعل أنت؟"
مرر أصابعه على خصلات الطفلة المبعثرة حول وجهها، هل ملامحها تذكره بشخص يعرفه؟
الآن هي لا تشبه مهرة كثيرا، فقط اتساع عيونها لكن بلون أكثر قتامة..
أبعدت يده وقالت بغضب طفولي أسره "لا تلمسني، مامي قالت، لا يجب أن يلمسني الأغراب"
ظل يحدق بالفتاة والكلمة قذفت لهيب حارق داخله لا يفهم سببه، حتى جذب نفسه من نيرانه وقال بصوت منخفض "مامي على حق"
ابتعدت لألعابها ولكنه لم يتركها وسهيلة تقول "هل تفضل تناول شيء؟"
هز رأسه بالنفي فابتعدت
نزل على الأرض ومدد ساقاه الطويلة ومال على ذراعه ليواجه وجهها وهو يمنحها باقي المكعبات لإكمال ما تبنيه..
ملامحها تجذبه بشكل يخيفه "تحبين مامي كثيرا؟"
لم تنظر له وهي تأخذ منه الجزء الناقص وتجيبه "مثل البحر والسماء"
ابتسم مرة أخرى ولكنه تطرق لما يريد "ووالدك؟ ألا ينال بعض الحب؟"
لم تنظر له وهي تبحث عن قطعة أخرى فدفعها لها وهي تجيبه "لا أعلم، عندما يأتي سأعرف"
رحلت الابتسامة، وحلت التساؤلات مكانها وانطلقت لفمه "يأتي من أين؟"
عيونها ليست بلون البنفسجي كما ظن، بل هي..
صوتها أخذه "من السفر، مامي تقول أنه يعمل ببلد أخرى وعندما ينتهي عمله سيأتي لرؤيتي"
هذا لا يعني شيء..
حلقة مفرغة يلف بها ولا مخرج منها..
وتبقى السؤال الحاسم "أنتِ لم تسأليني عن اسمي؟"
ملت من المكعبات فجذبت البازل الخاص بها وقالت "أنت بائع اللعب"
هل حقا تجادله ابنة الثلاثة أعوام؟
جمع معها القطع والصور وقال "هذا ليس اسمي"
رفعت وجهها الصغير له وتناثر شعرها حول وجهها وهي تقول "ولكنه يعجبني"
لم يجادلها وصمت لحظة.. منحها وهلة للعبتها ثم عاد وسأل "حسنا ماذا عنكِ ما اسمك؟"
لم تنظر له، اهتمامها باللعبة هو كل ما يجذبها ولكنها قالت ببراءة "أيلا"
ضاقت عيناه قليلا ثم عاد وسأل "أيلا ماذا؟"
فكرت للحظة، ثم قالت ببساطة
"أيلا مهرة"
سكت…
الاسم استقر بعقله بطريقة غريبة
"من غير اسم بابا؟"
هزت كتفيها ببراءة
"مامي فقط"
وقبل أن يجادل انفتح الباب ورآها تدخل، وجهها يحمل كل ما كانت تحاول إخفاؤه ونظراته تلتقي بها واستنكار واضح واجهه
أيلا انطلقت لها وهي تهتف "مامي، هل رأيتِ بائع اللعب؟ أتى ليرى اللعبة التي أرغب بها وسألني عن كم أحبك وعن اسمي واسم بابا"
واتسعت عيناها…
دقات قلبها ارتفعت بشكل مرعب
ونظراتها تحركت ببطء نحوه…
لتجده ينظر لها
نظرة لم ترها من قبل..