
لحظة الحساب
وضعت سهيلة القهوة على المائدة ولم تدرك التوتر الذي كان بين الجالسين صامتين، بانتظار رحيلها
سيجارته لا تفارقه، أشعلها بعد أن دخلت أيلا غرفتها بأمر من والدتها وودعته بطريقة مؤدبة
لم ينكر أنها أحسنت تربية طفلتها وحدها، لكن التوتر في المكان كان يخنق الهواء
جذب الفنجان وتناول رشفة مع دخان سيجارته، وهو يرى يديها المتلاحمتين بحجرها
توترها مخفي بطريقة هائلة، قلبها يكاد يتوقف من شدة الضغوط التي تواجها..
ما بالها ترفض التفكير بالعقل..
ابنتها بحاجة لأمان بوقت هي قد لا تتواجد به لتوفره لها ورحيم هو أمانها الوحيد
لا.. هو لا يرغب بذلك.. قد يدمر الفتاة بدلا من أن..
"مهرة أنا أتحدث معك"
رفعت وجهها له، رأى الحيرة في عينيها، ارتفع التساؤل داخله مما تخفي تلك المرأة
"ماذا! ماذا قلت؟"
مال رأسه محاولا قراءة ما وراء البنفسجية، بلا فائدة، وضع الفنجان وعاد لها "سألتك متى أنجبتِ أيلا؟ متى تزوجتِ لإنجاب طفلة بعمرها؟"
نهضت.. لا تعرف ما الذي عليها قوله أو فعله
خطواتها كانت شاردة، كما لو كان عقلها محاصر في جحيم لا ينطفئ
قبضته جذبتها لتجد نفسها بمواجهته..
قامته الطويلة لم تتبدل..
نظراته العميقة تخيفها كما كانت بعد زواجهما
عطره يخنقها، يثقل أنفاسها.. لم تحبه بأي يوم وعندما منحته ما وجدته مناسبا
رفضه.. قذفه بوجهها بلا سبب
صوته كان هادئ، حاد "للمرة المليون، ما الذي تخفيه مهرة؟ ما الذي تخافين من قوله؟"
لم تحرر ذراعها من قبضته، ظلت ثابتة، ولم تفك اشتباك العيون وهي تجيبه "لا شيء أخاف منه رحيم، الخوف انتهى منذ خرجت من حياتي"
تراجع، قذف الحقيقة بوجه فاجأه، دفعه بقوة مائة متر بالدقيقة بموجة من الغضب والخذلان
انفلت ذراعها من يده ومنحته ظهرها
"تعلمين أنكِ من كان يدفعني للغضب بتصرفاتك"
تنفست بقوة، زفرت ذكريات كانت لا ترغب بحضورها ولكن الأمور لا تسير حسب هواها "هذا ما كنت تخبرني به دائما"
والتفتت له ورأى وجه مختلف، وجه متألم، ناقم، غاضب "ولكن الحقيقة هي أنك لم تسمعني ولو مرة واحدة، دائما أنت الصواب، ومهرة لابد أن تظل بالحضيض، حيث تنتمي، لا يجب أن يكون لي رأي، لا يجب أن أتميز، أنجح، أحقق أحلامي"
تراجع.. سقط قناع الكبرياء الملتصق به
أشاحت بذراعيها وصوتها يرتجف "كل قراراتي فجأة أصبحت بلا معنى، عملي فاشل، البيت أفضل.. وبلا جدال استقريت بالبيت"
وتحركت له ورفعت يدها، إصبعها يتحرك لصدره "لأجلك، تركت كل شيء لأجلك أنت"
اهتز من داخله.. كلماتها مثل عاصفة هوجاء..
اقتلعته بلا رحمة..
ولم تتراجع..
هاتفه قطع المواجهة.. ولم يجذبه، لم يوقف الرنين بل تركه..
كان بمثابة جرس إنذار للعالم الخارجي
صمت الهاتف وهي ما زالت واقفة بثبات، ترفع وجهها له بقوة ونظراتها أوقدت داخله شعلة القوة والكبرياء
مال عليها، لمعت رماديته وصدر صوته مخيف "ولأجلي أيضا قررتِ العمل لدى عدنان؟ لأجلي تجاهلتِ أوامري وذهبتِ له؟"
لم تتراجع، هي لحظة الحساب، ثلاث سنوات من الحسابات المؤجلة، حساب تم دفع ثمنه مقدما
رمشت وهتفت بقوة "لم أفعل، أنت اخترت تصديقه هو ولم تسمعني، أنهيت كل شيء دون أن تتأكد"
الثقة تزعزعت فجأة، ما الذي تحاول فعله الآن؟
أشاح بيده وهو يبتعد من أمامها "لم أكن بحاجة للتأكد، كنتِ تندفعين بكلماتك عنه، عيونك لمعت لإغراءاته"
صمتت..
هو تقريبا لا يسمعها.. كما اعتاد أن يفعل
التفت لصمتها..
واجهته دموع لم يفهمها فارتد لها ورفع يده محذرا "اسمعي، أنا لا أحب الكذب، ولو كنتِ تظنين أن كلماتك هذه ستبدل شيء فأنتِ تحلمين، وجودك بحياتي انتهى وزواجي من نارا سيتم فقط احذري أي تلاعب بالعمل لأني لن أرحمك"
وتحرك خارجا وتركها بمكانها.. وحيدة
كل شيء حولها أصبح فجأة جنونا لا يُفهم
لا تصدق أنه قال ما قال..
يشكك بها مرة أخرى..
رحيم العزايزي لن يتغير
حتى بعد لحظة الحساب
****
العمل لم يعد يسيطر عليه كما كان.. ترك القلم على الحامل والورقة ظلت بيضاء
لم يرسم أي شيء..
هو لا يرسم سوى بغرفة لا يدخلها أحد بمكتبه بالجروب لذا أي محاولة خارجه فاشلة وهو ما حدث ..
لكن لم يكن هذا هو السبب الآن..
نهض لمكتبه وجذب سيجارة وأشعلها وما زالت كلماتها تلاحقه..
نفخ الدخان ثم جذب هاتفه وطلب إياد "مستر رحيم"
تحرك للنافذة والدخان يتبعه "هل وصلت الأقمشة؟"
الصوت كان ثابت "نعم، تم إرسال العينات للمصنع مع تصميماتك الأخيرة"
راجع معه ما يخص العمل ثم أغلق ومع ذلك ظل ذهنه بها..
ضغط زر الاستدعاء ولحظة ودخل مسلم ووقف خلفه وهو يقول "نعم مستر رحيم"
لم ينظر له وهو يقول "هل لديك من يقدم لنا خدمات هنا؟"
ضاقت عيون مسلم.. لا يفهم طلب رئيسه "لا أفهم يا فندم"
التفت له ونظراته لا تظهر من بين الدخان "أحتاج لبعض التحريات عن.. "
وصمت.. التردد يوقفه..
لكن الغضب والفضول يدفعاه بلا هوادة
وفجأة ظهرت أمامه صورة أردعته
أيلا..
عيونها… نفس النظرة
نفس الإحساس الغريب الذي لمسه وهو معها
شد على فكه…
"مهرة"
ظل مسلم جامدا كعادته، لم يبدي دهشته ولا أفكاره، احتفظ بها لنفسه وهو يسأل "والتحريات عن ماذا بالضبط؟"
تحرك للمكتب ودهس السيجارة بالمطفأة وتحرك لحارسه ووقف أمامه وقال بلهجة آمرة "عن كل ما يخصها"
وصمت قليلا ثم أكمل "وعن طفلتها، كل ما يخصهما منذ انفصالنا وحتى اللحظة التي ستأتيني بكل شيء عنها"
ابتلع الرجل ريقه، تفاحة آدم تحركت بعنقه وبعدها قال "مدام مهرة؟"
مال رأسه وهو يواجه مسلم ونظرات التساؤل تملأ عيونه "نعم مسلم، مدام مهرة، هل لديك مانع؟"
ثبات مسلم أمامه كان يكلفه الكثير فغضب رحيم مخيف لذا هز رأسه مرة بالنفي "لا يا فندم"
وتحرك وكأنه يفر منه وظل هو بمكانه ورأسه لا يهمد وأيلا تملأ الجزء الثاني من عقله وأمها حجزت الجزء الأول لنفسها..
****
كان عليه الرحيل للقاهرة لحضور اجتماعات لا يمكن تأجيلها ومع ذلك ظل جزء من عقله مشغول بها وبالطفلة ومليون سؤال يتلاعب داخل عقله..
لم يمكنها تناول أي أقراص لوقف الصداع المزمن، الطبيب أخبرها أن تنتظر حتى تتم الفحوصات النهائية وبعدها يتم منحها خطة العلاج..
الورم لا يؤلم لكن قلبها هو ما يتألم..
ظهور رحيم الآن ضغط على جراحها القديمة كلها فأحياها كلها دفعة واحدة..
أسندت رأسها على أصابعها وكأن أصابعها ستوقف الصداع..
لا تنام، الطعام قليل جدا والراحة معدومة.. ستنهار قريبا
تمضي أكبر وقت ممكن مع أيلا، تفكر أنها تودعها..
ومع ذلك تُهلك نفسها بالعمل كي توفر المال الكافي..
رفعت رأسها ورأت آخر صورة من مجموعة الصور الخاصة بالإعلان الذي ينتظره منها..
لم تضع أي تعديل على مجموعة الصور، الفكرة واتتها منذ فترة فهل سيخبرها أنها أيضا قديمة الطراز؟
كان شعور مريح ذلك الذي أتاها عندما عرفت أنه رحل للقاهرة ومحمود عاد لمكتبه
شعرت أن الشركة كلها تنفست بغياب عديم الرحمة.. زوجها السابق
يوم الجمعة أتى أخيرا..
الاستيقاظ متأخرًا كان حلم لكن أيلا لم تمنحها إياه، منذ الصباح الباكر وهي تقفز على فراشها
"مامي، مامي هيا استيقظي، ألن نذهب المنتزه كما وعدتني؟"
فتحت عيونها بصعوبة فالصداع لم يمنحها نوما كافيا "حبيبتي، ما زال الوقت مبكرا"
حاولت العودة للنوم لكن أيلا لم تكن لتسمح لها وهي تهتف "هيا مامي لا وقت للنوم"
وسقطت بجسدها على جسد أمها لتوقظها فاستسلمت لها
هي تعلم أن طفلتها تستمتع بالحدائق الواسعة وإطعام البط بالبحيرة، رحلة ترغب بها كل اجازة لولا كلمات مهرة بالتنويع..
الغداء كان بالمطعم الذي تفضله الصغيرة وبانتظارهم للطعام سمعت صوت رجولي ينطق باسمها "مهرة، أنتِ مهرة النادي أليس كذلك؟"
رفعت وجهها للرجل بأواخر الأربعينات وربما أكثر، ملامحه ليست غريبة عنها لكنها لا تذكره
ابتسامته لم تمنع الدهشة بنظراته وهو يكمل "ألا تذكريني؟"
نفت برأسها لكنه عاد يكمل "كابتن معتز شلبي، مدرب الخيل بنادي سبورتنج، قابلتك هناك عندما هاج الفرس يوم السباق وكاد يدمر الكثير من حوله وأنتِ من تولى أمره"
وبالفعل تذكرت تلك الواقعة، كان آخر سباق قامت به، بعدها تركت الخيل لأجل من ظنت أنه يستحق
هي تركت كل عالمها لأجله وبالنهاية.. هو من تركها
ابتسمت للرجل وقالت "نعم تذكرت، مرحبا كابتن معتز، آسفة ربما لأني رأيتك مرة واحدة ومنذ فترة"
ضحك بطريقة ودية وهتف "بحثت عنكِ كثيرا بعد رؤيتك بالسباق ولكني عرفت أنكِ اعتزلتِ للزواج"
هزت رأسها مرة أخرى وقالت "نعم، وهذه ابنتي أيلا"
ابتسم للفتاة وقال "والدتك فارسة ماهرة بحق، هذا غير أنها تعرف جيدا كيف تتعامل مع الخيل"
رددت مهرة مقولة والدها الذي علمها ركوب الخيل "الفروسية ليست مجرد ركوب للخيل، بل هي فن يجمع بين قوة الشخصية والتوافق الحركي مع الجواد"
منحها نظرة غريبة وصمت لحظة ثم قال "سيد النادي، رحمة الله عليه هو صاحب تلك المقولة"
دمعت عيونها لذكر والدها فقد كانت تعشقه وتعشق كل أوقاتهم معا حتى رحل وتركها وهي بالثانية عشر بعد أن صنع منها فارسة تتحاكى بها الألسنة
كونت ثقتها بنفسها وقوتها البدنية مع الفرسة التي كانت بالنادي حيث كان والدها يعمل مدرب للخيل، سقاها كل شيء وهي بالرابعة وبالثامنة كانت تجتاز سباقات الأطفال وتفوز
ومع ذلك هو رفض أن تنحصر حياتها بالخيل..
طالبها بالتفوق بالدراسة ودخول الجامعة المفضلة لها، فنون جميلة، والديكور كان مصيرها ومنه استقت أفكار كثيرة لكنها لم تسلكه طريق بل الإعلانات كانت طريقها..
لم يكسرها أحد سوى قلبها وندمت..
واليوم يكسرها المرض وابنتها..
عاد يقول "هل من فرصة للعودة؟"
عادت له ونظراتها مليئة بالدهشة..
كانت حقا تشتاق للخيل والركوب على صهوة جواد أصيل يطير بها ويسابق الريح..
لكن..
أخفضت وجهها وقالت "للأسف صعب.. عملي وابنتي وحتى لياقتي البدنية لم تعد تصلح"
لكنه رفع رأسه ولمعت عيونه على جسدها وهو يهتف "قوامك ما زال رائع ومناسب جدا واللياقة سهل استعادتها فقط قرري واتركي الأمر لي"
وأخرج كارت من جيب جاكته ومنحه لها وأكمل "هذه أرقامي وأنا بالنادي طوال الوقت وسيشرفني العمل معك مدام مهرة"
حيته بابتسامة مشرقة، كلماته منحتها دفعة إيجابية كانت بحاجة لها من وسط العتمة التي كانت تغرق بها
"لم لا تعودي مامي؟ أخبرتني أنكِ تعشقين ذلك"
داعبت طعامها بالشوكة دون أن تتناوله والأفكار تمنحها حقيقة لم تنساها، المرض
لم تواجه ابنتها وهي تجيبها "لم يعد من الممكن العودة أيلا، أحتاج لتدريبات شاقة ووقتي لا يسمح، عملي الآن هو الأهم"
تناولت الفتاة طعامها وحدها كما علمتها وعادت تقول "وعدتني أنكِ ستعلمينني أليس كذلك؟"
تصاعدت الدموع لعيونها التي ارتفعت لابنتها، ترى هل ستكون على قيد الحياة لتوفي بوعدها لابنتها؟ أم سيقتلعها المرض من أحضان طفلتها؟
انتهوا بمنطقة الألعاب التي تفضلها أيلا وجلست هي تتابع بعض رسائلها على اللوح الالكتروني خاصتها عندما شعرت بالوقت تأخر فرفعت وجهه لتبحث عن طفلتها
نهضت عندما لم تراها.. بحثت جيدا بكل مكان
بدأ التوتر يتملكها، المنطقة آمنة وهي ليست مرتهم الأولى
نادت بصوت قوي "أيلا، أيلا أين أنتِ؟"
ولكن بلا فائدة
لم تهتم بأن المكان للصغار فقط وهي تندفع للداخل كالمجنونة وقد فقدت عقلها
ابنتها هي كل ما تملك لو ضاعت، ضاعت هي الأخرى..
ظلت تندفع بين الألعاب كالمجنونة، عيونها تبحث في كل زاوية، كل ركن، كل ظل صغير يمكن أن تختبئ خلفه طفلتها
قلبها يضرب بعنف داخل صدرها، شجاعة الفارسة ضاعت، أنفاسها متلاحقة ولا تكفيها، واسمها لا يتوقف عن الخروج من بين شفتيها المرتعشتين
"أيلا!.. أيلا!"
لكن لا إجابة..
لا صوت..
لا أثر..
بدأت الرؤيا تبهت أمام عيونها، والخوف تسلل لداخلها كسم بطيء يفتك بها دون رحمة
تخيلاتها بدأت تسبقها..
حادث.. ضياع.. اختفاء..
لا.. لا.. لا..
قلبها وعقلها هتفا بالنفي ولسانها انعقد من شدة الخوف