رواية وداد الحب الفصل الرابع4 بقلم فاطمة شلبي


رواية وداد الحب الفصل الرابع4 بقلم فاطمة شلبي


"يوسف" وصل قدام باب شقته حط المفتاح في الكالون ودخل بخطوات تقيلة وساند طوله بالعافية..أول ما دخل لقى الشقة كحل الدنيا ساكتة تماماً والأنوار كلها مطفية وملك نايمة جوا.. بص حواليه بتعب ومحبش يدخل الأوضة عشان ملك متشفوش فمشى ببطء ورمى جسمه على كنبة الصالة وغمض عيونه واستسلم للنوم وهو غرقان في ألمه وجروحه.

​وعلى الناحية التانية ..
في البيت الكبير.. وصل "ياسين" ودخل أوضته وهو مهدود الحيل أول ما قفل الباب اتفتح تاني ودخلت أمه "سهام" بملامح جدية وعيون كلها فضول وسألته مباشرة..
_ ​كنت فين كل ده يا ياسين؟!

​ياسين اتنهد بتعب واضح وهو بيقلع جزمته..
​= كنت في مشوار ضروري تبع الشغل يا ماما.. في حاجة؟؟

​سهام قربت وقعدت جنبه على السرير.. وقالت بتأييد..
​_ طيب كويس إنك مهتم بالشغل ومصحصح كده.. دلوقتي كل حاجة بقت في إيدك أنت.

​ياسين بصلها باستغراب وعقد حواجبه..
​= في إيدي ازاي يا ماما؟! إحنا عيلة.. وليا ولاد عم على فكرة ويوسف أخويا كمان معايا في الصورة..

​سهام بدأت تبرر وتفرش لخطتها..
​_ عارفة يا حبيبي بس أنا قصدي شايف يعني جدك وتفكيره.. بيفكر صح وبيأمن العيلة.

​ياسين اتنرفز من لفها ودورانها..
​= من ناحية إيه يا ماما مش فاهم؟! قولي عل طول عاوزة إيه؟!

​سهام قامت وقفت قدامه بكل جدية وقالت..
​_ يعني.. عارف إن عمك عبد العزيز ملهوش ولاد صبيان فكان جدك عاوز يجوز زين وحبيبة عشان يضمن إن حاجة حبيبة وورثها يبقوا تحت إيد زين..وكده العيلة مخسرتش القرش برا..

​ياسين بصلها بذهول واستغراب شديد..
​= مش فاهم برضه.. عاوزة توصلي لإيه يا ماما من كل الكلام ده؟!

​سهام بصت له بملامح حادة وقالت بجدية..
​_ بقول يا حبيبي يعني.. إحنا أولى بالورث ده! زين رفض الجوازة والخطوبة النهاردة.. وحبيبة معلقتش وسكتت ومعنى كده إنهم مش عاوزين بعض! يبقى الطريق بقا فاضي لينا.. وليك أنت بالذات.

​هنا ياسين اتنفض من مكانه..
= أنتي ازاي بتفكري كده؟! أنتؤ عارفة ومن زمان إن زين وحبيبة لبعض وهيتحوزوا.. بقلم فاطمةشلبي إمتى بقى؟ دي حاجة بتاعتهم الله أعلم بيها..! ليه بقى عاوزة تدخليني في المتاهة دي وتخليني أقف وش لوش قدام ابن عمي؟! 

​سهام حاولت تهدي اللعب وبسطت الموضوع ببرود..
​_ يا حبيبي أنا عاوزة مصلحتكم .. مش أحسن ما يجي حد غريب من برا العيلة ويتجوز حبيبة ويقاسمكم في الثروة والشركات دي كلها؟!

​ياسين بصلها بضيق..
​= تقومى تعملي نسخة تانية من يوسف فيا أنا؟! عاوزاني أدمر حياتي وحياة بنت عمي عشان الفلوس؟! إنسي يا ماما الموضوع ده تماماً وشيليه من دماغك.

​سهام بصت له بقلة حيلة ونظرة خايبة..وقالت وهي بتلف ضهرها..
​_ طيب يا حبيبي.. براحتك بس افتكر إني بديك نصيحة لمستقبلك وأنت حر في الآخر.

​وسابته وخرجت وقفلت الباب وراها..وياسين فضل قاعد مكانه والضيق واكل قلبه من طمع أمه اللي مش ناوي ينتهي..!

_________________//_____________//_______________

تاني يوم الصبح..
الشمس طلعت والكل بدأ يتحرك صحيت "حبيبة" وعيونها على اللوحات بتاعتها..بدأت ترتبهم وتجهزهم في صمت...كانت ناوية تاخدهم وتوديهم المرسم في السر أول ما الكل يخرج من البيت الكبير.. في العادي كانت دايماً بتستعين بـ "زين" عشان يساعدها ويوصلهم..بس المرة دي قررت بـ كبرياء وجفاء إنها مش هتنطق بكلمة معاه ولا تتعامل معاه بعد بروده ووقوفه سلبي في قصة خطوبتهم.

​وفعلاً..اتسحبت وخرجت في السر بعد ما الكل نزل وراح على شغله...زين رن عليها كتير جداً عشان يطمن عليها ويوصلها اللوحات كالعادة....بس لما لقاها مبتـردش..أخد نفس طويل وقرر يقفل السيرة دي ويشوف حوارها بعدين..لأن وراه معركة تانية في الشركة وشغل جديد ومسؤولية كبيرة لسه بيستكشفها.

​في الشركة.. وصل "زين" و"ياسين"سوا ودخل كل واحد فيهم على مكتبه.. في مكتب ياسين، الباب خبط ودخلت السكرتيرة وقالت بعملية..
​_ لو سمحت يا مستر ياسين.. الأوراق دي محتاجة إمضتك بسرعة عشان في عملاء شغلهم متعطل.

ياسين بصلها بثبات وهدوء..أخد القلم ومضى الورق فوراً..وبعدين رجعهولها وقال بنبرة آمرة..
​= تمام.. خدي الورق ده ووديه لمكتب مستر زين هو لسه محتاج يعرف تفاصيل كتير عن حركة الشغل والشركة.

كان "زين" قاعد في مكتبه الجديد بيبص حواليه وهو مش حابب قعدة المكاتب ولا الشغل ده أصلاً بس أول ما افتكر مصلحة عيلته وكلمة جده "عثمان" وهو بيقوله "وتسيب بيتك يغرق يا زين؟!
 قرر يجمع الدنيا ويوقف الشركة على رجلها تاني.. قطع حبل تفكيره خبط رقيق على الباب وفتح ودخلت سكرتيرة ياسين.. زين اتعدل في قعدته وبصلها بانتباه..فقالت بجدية..
​_ مستر زين.. أنا نـدى سكرتيرة مكتب مستر ياسين.. حضرتك لو محتاج أي حاجة بخصوص ملفات الشغل أو الحسابات أنا تحت أمرك في أي وقت.

زين ابتسم لها بشكر وهدوء..
​= شكراً ليكي يا ندى.. حالياً أنا محتاج أعمل اجتماع عاجل مع الموظفين ورؤساء الأقسام بقلم فاطمةشلبي عاوز أشوف الشغل ماشي ازاي وإيه الخساير اللي حصلت في آخر فترة..وعاوزك تتصلي بمستر مروان مدير المصنع خليه يسيب كل اللي في إيده ويجيلي هنا فوراً عشان أتابع معاه الشغل برا وبلغي ياسين يدخل على قاعة الاجتماعات.

ندى هزت راسها بطاعة ونفذت كل أوامره بالملي وبسرعة.

​أما في شقة يوسف.. 
صحيت "ملك" من النوم.. وبصت حواليها في الأوضة تدور على يوسف ملقتش له أي أثر وإنه مجاش قامت بملل وضيق وفتحت الباب وخرجت للصالة.. بس أول ما خطت خطوتين اتجمدت مكانها واتفاجأت بـ يوسف نايم على الكنبة بـ هدومه.. قربت منه بخطوات بطيئة وأول ما ملامحه بانت في النور شافت وشه كله جروح وكدمات وزرقان ومتبهدل على الآخر! ملك من خضتها وصدمتها صرخت بصوت عالي.

​يوسف اِتنفض من على الكنبة مفزوع..وعيونه حمرا ومش قادر يفتحها وزعق بضيق وهو ماسك دماغه..
​_ في إيه؟! بتصرخي كده ليه على الصبح فزعتيني!

ملك بصت لملامحه بذهول ورعب..وقالت ونبرة خوف مش قادرة تداريها..
​= مال وشك يا يوسف؟! إيه اللي حصلك ده؟! أنت كنت في خناقة  ولا إيه ؟؟

يوسف زفر بضيق حاد وقام وقف..
​_ يا شيخة فزعتيني وطيرتي النوم من عيني! كل الصريخ ده عشان وشي؟ مفيش حاجة.. شوفي أنتي رايحة فين وسيبيني في حالي!

وصلت "حبيبة" المرسم..
كانت حاسة بضربات قلبها سريعة من الخوف من اكتشاف أمرها بس أول ما دخلت وشافت اللوحات بتاعتها معروضة..هديت تماماً.. سلمت اللوحات الجديدة لـ "شريف" صاحب المرسم اللي استقبلها بابتسامة إعجاب واضحة وهو بيتفحص الشغل..
​= شغلك تحفة يا أنسة حبيبة بجد بتبدعي كل مرة! اللوحات بتاعتك عاملة شغل عالي جداً ومبيعاتها بتزيد يوم بعد يوم.

​شريف بصلها بتركيز أكتر وكمل بنبرة تشجيع..
​= أنا عاوزك تشدي حيلك معانا في الفترة الجاية المرسم محتاج ريشتك دي.. وياريت ما تتأخريش في التسليم تاني الطلب على شغلك بقى كتير.

​حبيبة حست بانتصار غريب جواها..أخيراً حد بيقدر مجهودها من غير ما يقلل منه أو يربطه بفلوس العيلة...ابتسمت بـ "نصر" وثقة وقالت..
​_ شكراً لحضرتك بجد على التقدير ده.. واطمن من النهاردة مفيش أي تأخير..أنا هكون ملتزمة جداً.
​خرجت حبيبة من المرسم وهي حاسة إنها بدأت تلاقي طريقها الخاص.. طريق بعيد عن تسلط زين وبعيد عن قفص العيلة الذهبي.
_______________//_____________//__________________

 في البيت الكبير..
 نزلت "مريم" على السلم بهدوء وهي جهزة عشان تفطر وتروح جامعتها.. في نفس الوقت كان "زياد" قاعد على السفرة بيفطر وأول ما لمح خيالها نازل..عينيه اتثبتت عليها وتابع حركتها لحد ما قعدت.. مريم قعدت وفطرت في صمت وهدوء تام ولما خلصت وقامت عشان تخرج وتلحق مشوارها..زياد حط الشوكة من إيده ووقفها بنبرة هادية بس ثابتة..
​_ على فكرة.. طريقنا واحد يا مريم استني أوصلك.

​مريم بصت له بهدوء وردت برقة..
​= شكراً يا زياد مش عاوزة أتعبك.. أنا طلبت أوبر خلاص وزمانه على وصول.

​زياد عقد حواجبه وبصلها باستغراب وضيق بدأ يظهر على ملامحه..
​_ أوبر؟! وليه ما أنا بوصلك كل يوم في طريقي .

سكت لثانية وهو بيتأملها بانتباه ..وكمل بنبرة حادة شوية
​_ بعدين أنتي رايحة الجامعة ولا رايحة فرح مش فاهم؟! إيه الفستان اللي أنتي لابساه ده؟!

​مريم اتفاجأت..وبصت للبسها باستغراب وبعدين رفعت عيونها فيه.. دي أول مرة في حياته يعلق على لبسها أو يتدخل فيه! ردت بدفاع وعفوية..
​= ماله لبسي مش فاهمة؟! دريس بينك عادي وهادي جداً.. إيه المشكلة فيه يعني؟!

​زياد أخد نفس واتكلم باقتضاب وعصبية مكتومة..
​= المشكلة إن الجامعة عاوزة ألوان غامقة ووقار شوية.. وبعدين مش معنى إنك بقلم فاطمةشلبي مش راضية تلبسي حجاب زي ملك وحبيبة إنك تلبسي أي حاجة كده وتخرجي بيها..! شوفي حاجة تانية يكون لونها غامق عن ده وياريت يعني يبقى أي حاجة غير الفساتين دي خالص.

​مريم عروق العناد عندها اشتغلت..حست بضغط غير مبرر وفي نفس الوقت حاجة جواها فرحت باهتمامه..بس كبريائها خلاها تقف قدامه بندية وقالت بعناد..
​= بس أنا لبسي مفهوش أي مشكلة خالص يا زياد وأنا مرتاحة كدة ومش هغيره.

​وقفت قدامه وعيونها في عيونه والجو بينهم بقا مشحون بشرار غيرة وعناد ملوش آخر.

وقف زياد وبصلها ببرود أشد من الأول وقال بنبرة قاطعة..
​"_ مفيش جامعة النهاردة."

​مريم عيونها وسعت من الصدمة  وقالت بعصبية وصوت بدأ يعلى..
​= وده.. وده أعتبره أمر يعني يا زياد؟!

​زياد بحسم ..
​"_ أيوه.. أمر."

​مريم اتصدمت من كمية البرود والثبات اللي بيتكلم بيه..وحست إن كبريائها اتهان قدام تحكمه المفاجئ ده فردت بحدة وعناد أعمى..
​= على فكرة بقى.. أنا مش بمشي بأوامر حد.

​هنا زياد ضحك ضحكة سخرية باردة ..
​_ شاطرة.. بس بتعرفي تمشي بأوامر سهام كويس أوي.

​الكلمة نزلت على مريم.. فزعقت بنرفزة ودموعها بدأت تلمع في عيونها..
​= زياد!.. بعد إذنك دي ماما! ومقبلش إنك تقلل منها أو تجيب سيرتها بالشكل ده كده .

​زياد لف ضهره ومشي خطوات ناحية الباب..وقبل ما يخرج التفت لها وقال بنبرة آمرة وأخيرة قفلت بيها كل منافذ الهروب..
​_ مفيش خروج.. ومفيش أوبر.. ومفيش جامعة بالشكل ده قدامك عشر دقائق بالظبط تغيري وتنزلي.. أنا مستنيكي في العربية.. لو مجيتيش همشي وساعتها مش هتعتبي باب البيت ده النهاردة.

​سابها وخرج وقفل الباب وراه وساب مريم واقفة في نص الصالة بتتنفس بسرعة وعقلها شغال تفكير بين كرامتها اللي مش عوزاها تتكسر وبين نظرة الغيرة والتحكم اللي شافتهم في عيون زياد لأول مرة. 

كانت "ملك" واقفة في المطبخ..وعقلها شغال تفكير واستغراب في اللي حصل ليوسف ومنظره اللي يخض ده...بس نفضت أفكارها وقررت تقابله بنفس البرود اللي اتعامل بيه معاها حضرت الفطار ورصته على السفرة وقعدت تاكل بكل هدوء كأنها قاعدة في مطعم لوحدها.

​طول الوقت ده كان "يوسف" قاعد على الكنبة متابعاها في سكوت تام..مستني منها كلمة... بس لقاها معلقتش ولا الهوا وبتكمل أكلها بمنتهى اللامبالاة.

​حس إن كبريائه بيتجرح أكتر وأكتر.. فقام بهدوء ومشي لحد السفرة وقعد على الكرسي اللي قصادها.. وطى راسه وعينه مثبتة في أطباق الأكل اللي قدامه.. واتكلم بهمس..
​_ على فكرة يعني.. أنتي مش ساكنة لوحدك في الشقة دي عشان تفطري لوحدك كده ..!

​ملك رفعت عيونها وبصت له بنظرة باردة وصوت هادي ومستقر خالي من أي مشاعر..
​= أنا جهزت فطار ليا أنا بلو أنت عاوز تفطر..الأكل قدامك مش همنعك يعني عادي.

​يوسف بصلها بطرف عينه..الكلمة وقفت في زوره وحس بتقل في صدره
بس ملقاش رد يرد بيه على برودها ده..فضل ساكت وعينه في الطبق .
_________________//_____________//_______________

العربية وقفت قدام بوابة الجامعة..
الأجواء جوا العربية كانت مشحونة بالسكوت مريم كانت قاعدة ومقاطعة الكلام تماماً بعد ما غيرت الفستان ونزلت في الميعاد زياد بصلها وملامحه هديت شوية وقال بنبرة طالع منها الانتصار..
_ ​" كان من الأول يا مريم.. مكنش له لزوم العناد."

​مريم مردتش عليه فضلت باصة برا الشباك بجفاء.. زياد مد إيده وقفل إزاز العربية وبصلها بجدية..
​= محاضراتك النهاردة هتخلص الساعة ٤ بالظبط.. هعدي عليكي أخدك بلاش تروحي في أي حتة ولا مع أي حد سامعة؟!

​مريم مادتلهوش أي اهتمام فتحت باب العربية ونزلت بسرعة ورزعت الباب وراها بدون ما تنطق بحرف واحد وسابته ومشيت وسط زحمة زمايلها.. زياد تابعها بعيونه لحد ما اختفت جوا المبنى، وبعدها دور عربيته وطلع على كليته وهو جواه راحة إنها سمعت كلامه..

​وفي نفس الوقت..
مقر الشركة الكبيرة.. كان أول اجتماع لولاد العم لسه منتهي الموظفين خرجوا والكل ساب القاعة ومبقاش فاضل غير "زين" و"ياسين" قاعدين قصاد بعض..
وفجأة ياسين قطع السكون واتكلم بنبرة حادة..
_ ​مكانش له لزوم اللي حصل امبارح ده يا زين.. خالص!

​زين بص لياسين بملامح باردة مفيهاش أي تعبير وسأله باستغراب مصطنع..
​= حصل إيه إمبارح مش فاهم.؟!

​ياسين اتنرفز وزعق بحدة..
​_ اللي عملتوه أنت وزياد مع يوسف.. الموضوع كان خلاص اتحل في البيت الكبير وجدي أخد قراره وملك رجعت شقتها.. ليه الغدر ده والضرب اللي عملتوه؟! 

​زين قفل الملف اللي في إيده بهدوء مرعب وسند ضهره لورا وبص لياسين بنظرة حاسمة..ورد بصوت مستقر ومنخفض..
​= أظن دي حاجة عائلية..ملهاش أي علاقة بالشغل يا ابن عمي.. إحنا هنا عشان نوقف الشركة على رجلها وبس.. تقدر دلوقتي تروح على مكتبك تشوف اللي وراك ولو عندك أي كلام تاني حابب تقوله.. كلمني فيه بالليل في البيت.

​ياسين اخد حاجته وخرج من القاعة ورزع الباب وراه وراح على مكتبه وهو بيغلي من جوا..

رجعت "حبيبة" البيت وهي بتحاول تتسحب وتدخل أوضتها في صمت.. قلبها بيدق بعنف وكل أملها إن محدش ياخد باله من غيابها... بس يا فرحة ما تمت! 
بمجرد ما خطت جوا الصالة،خبطت في وش "عبد العزيز" اللي كان واقف ومستنيها.. أول ما شافته اتجمدت في مكانها والارتباك بان على ملامحها..
​"بـ.. بابا؟!"

​عبد العزيز وقف قدامها وقفل طريقها وسألها بنبرة حادة وصوت جهوري..
​_ كنتي فين كده على الصبح؟!

​حبيبة اتلعثمت وبدأت تتوه في الكلام..
​= كنت.. كنت.. آآ..

​عبد العزيز قطعها بحدة أكبر
​_ ما تنطقي! كنتي فين ؟؟

​صوته العالي جمع الكل في الصالة "وفاء" أمها دخلت بسرعة ووقفت قدام بنتها بتحاول تحميها..
​= في إيه يا عبد العزيز؟ بتزعق للبنت كده ليه؟!

​عبد العزيز بصلها بغضب مفرط وقال..
​_ بنتك يا هانم بتستغفلني! مفكرة إني مش عارف باللي هي بتعمله.. ومفكرة إني مش عارف إن اللي بيساعدها ومهربها من ورايا هو ابن عمها..

​حبيبة اتصدمت.. كان مراقبها؟ كان عارف كل حاجة؟ ردت بدموع في عينيها ودفاع..
​= يا بابا افهمني.. أنت عارف إني بحب الرسم وبحب أكمل في طريقي ده..أنت اللي ممانع من غير سبب.

​عبد العزيز قرب منها وعيونه بتطلع شرار..
​_ تقومي تلفي من ورا ضهري يا حبيبة؟ بتكدبي عليا ؟؟

​حبيبة ردت بأسف وانكسار..
​= صدقني مكنتش حابة أعمل كده.. بس حضرتك ممانع وزين هو اللي وقف جنبي وحتى جدي عثمان عارف وموافق!

​فقطع كلامهم صوت "الجد عثمان" القوي وهو بيتدخل وبص لعبد العزيز وقال بكل حزم..
​_ أنا اللي اديتها الإذن يا بني.. وشغلها ده فخر لينا ومفهوش أي حاجة غلط.

​"سهام" اللي كانت بتراقب الموقف بشماتة رميت كلمتها المسمومة بضيق..
​= محسساني إنها بتشتغل في حاجة مهمة! أومال لو كنتيدخلتي طب ولا هندسة زي الناس كنتي  عملتي إيه؟!

​"ثريا" ردت بحدة وهي بتبص لسهام..
​_ لو كان التفكير في الكليات هو المقياس.. كان ابنك عامل بنتي كويس وراعي ربنا فيها..

​عبد العزيز تجاهل كل الكلام ده وبص لحبيبة بجمود وقال..
​_ اطلعي على أوضتك.. وحسابي معاكي بعدين..
​طلعت حبيبة وهي حاسة إن أملها في إن الموضوع يتحل بيتبخر وإن الصراع جوا البيت الكبير بقى أكبر بكتير.

_________________//_________________//_____________

رجع "زين" البيت في وقت متأخر..
 كان الهدوء مخيم على المكان مفيش غير صوت خطواته دخل أوضته وهو بيحاول يطرد صور المشاكل من دماغه بس لقى "ثريا" أمه واقفة مستنياه بملامح مش مطمنة...قام زين من مكانه بسرعة وبصلها باهتمام..
​_ خير يا ماما؟ في حاجة؟ ملك كويسة؟

​ثريا قعدت بهدوء وقالت بصوت واطي ..
​= ملك كلمتني يا بني.. بتقولي جوزها مضروب..قولي يا زين.. أنت ليك يد في اللي حصل ليوسف؟ أنت عملت حاجة؟

​زين لف وشه للناحية التانية بهدوء ورد بصوت مستقر..
​_ هعمل إيه يعني يا ماما؟ هو اللي مش مريح نفسه تلاقيه دخل في خناقة مع حد..

​ثريا بصتله بشك وكأنها بتقرأ اللي جوه عيونه
​= متأكد يا زين؟

​هز زين راسه بهدوء وثبات..
​_ مفيش غير كده.. متقلقيش.

​اتنهدت ثريا وسكتت بس لفت نظر زين إنها لسه واقفة ومتحركتش فبصلها بفضول..
_ ​شكل في حاجة تانية؟!

​ثريا اتكلمت بضيق واضح..
​= عمك عبد العزيز.. الصبح عرف موضوع الشغل بتاع حبيبة.. وعرف إنك كنت بتساعدها.. الدنيا اتقلبت في البيت وهو حالف ما يعدي الموضوع ده بالساهل.

​زين اتخض وملامح وشه اتغيرت للجدية والخوف عليها..
​_ وحبيبة؟ كويسة؟ عمي عمل لها حاجة؟!

​طمنته ثريا بسرعة..
​= لا يا بني معملش حاجة.. بس زعق لها قدام الكل..وقال إن مستنيك تيجي.. عاوز يواجهك ويشوف ازاي تتجرأ وتساعدها من وراه وتكسر كلمته.

​زين اتنفس بعمق.. وحس إن المواجهة مع عمه بقت حتمية..

في جنينة البيت الكبير..
كانت "مريم" قاعدة كالعادة لوحدها وسط الخضرة والهدوء لمحت من بعيد خيال "زياد" وهو جاي ناحيتها بخطوات هادية ومخبي إيده ورا ضهره. 

​أول ما وصل وقف قدامها مريم لفت وشها وقامت عشان تمشي وتسيبه بس هو وقفها بسرعة وقال بنبرة رجاء هادية..
​_ استني بس يا مريم.. رايحة فين؟

​لفت وشها وبصت له بضيق حاد وحواجب معقودة تحاول تداري بيهم إنها لسه زعلانة..
​= خير؟ في حاجة تاني عاوز تؤمر بيها؟!

​زياد بصلها بهدوء تام وعيونه فيها لمعة طيبة..وابتسم ابتسامة خفيفة وبعدين قال بنبرة دافية..
​"_ كل سنة وأنتي طيبة."

​مريم اتسمرت في مكانها وبصت له باستغراب وحيرة..
​= بمناسبة إيه مش فاهمة؟!

​هنا زياد مد إيده من ورا ضهره.. وطلع علبة هدايا شيك جداً وقدمها ليها..
​"_ بمناسبة عيد ميلادك."

​مريم عيونها وسعت من المفاجأة والصدمة لجمت لسانها.. مكنتش متوقعة أبداً إنه يفتكر في وسط مفرمة المشاكل دي كلها...مدت إيدها وأخدت منه الهدية ببطء ورفعت عيونها المدمعة فيه وقالت بصوت مرتعش من التأثر..
​"= شكراً يا زياد.."

​سكتت ثواني..وبعدين ضحكت باستهزاء ووجع بسيط على نفسها وكملت..
​= تعرف.. إنك البني آدم الوحيد في البيت ده كله اللي افتكر النهاردة؟!

​زياد بصلها بهدوء وثبات وقال..
​_ أنا فاكر من بدري أوي على فكرة ومستني اليوم.. بس أنتي اللي قفشتي واتخانقتي معايا الصبح وضيعتي اللحظة.

​مريم حواجبها اترفعت بحدة وعادت لـ نبرة الدفاع..
​= أنا برضو ولا أنت ؟؟

​زياد ضحك على شكلها..
​_ شوفتي؟ أهو أنتي كده دايماً.. بتقلبي وتتحولي في ثانية.

​مريم ..ضحكت برقة وبصت في الأرض بكسوف عشان تداري ملامحها اللي فكت تماماً.. زياد ابتسم بهدوء وارتياح لما لقى ضحكتها نورت وشها وقال..
​_ طيب.. أعتبر كدة خلاص صافي يا لبن ومفيش زعل؟

​مريم هزت راسها ورجعت خصلة من شعرها ورا ودنها وقالت بهدوء ونبرة رقيقة..
​= مفيش زعل يا زياد متقلقش.. وشكراً ليك مرة تانية..

​وسابته والابتسامة مش مفارقة وشها وطلعت على أوضتها بسرعة وهي حاضنة الهدية وفرحانة من قلبها..وسابت زياد واقف في الجنينة وهو حاسس إنه ملك الدنيا بضحكتها دي.

وهي طالعة على السلم والابتسامة لسه منورة وشها قابلت "ياسين" اللي كان نازل وملامحه مجهدة.. أول ما عينه جت على العلبة الشيك اللي في إيديها وقف وسألها بفضول مستغرب..
​_ منين دي يا مريم؟!

​مريم ردت بهدوء ونبرة فخر..
​"= دي من زياد."

​ياسين عقد حواجبة وبصلها باستغراب شديد..
​"_ من زياد؟! وبمناسبة إيه بقى إن شاء الله؟!

​مريم الابتسامة اختفت من وشها وحل مكانها ضيق حقيقي وردت بنبرة عتاب..
​= بمناسبة عيد ميلادي..

​ياسين اتسمر مكانه وبص لها ثواني بيحاول يفتكر التواريخ في دماغه وقال بنبرة خجولة..
​_ هو.. هو كان النهاردة؟!

​مريم هزت راسها وردت بجفاء..
​= أيوه.. كان النهاردة.

​ياسين حاول يلطف الجو ويخرج من موقفه البايخ فضحك بخفة وطبطب على كتفها..
​_ طيب يا ستي..كل سنة وأنتي طيبة يا قطة.. كبرتي أهو! بقيتي كام سنة دلوقتي؟!

​مريم بصت في عيونه وضيقها زاد..وقالت بمرارة..
​"= ٢٠ سنة يا ياسين."

​ياسين عيونه وسعت بصدمة حقيقية..
​_ بجد؟! أنتي بقيتي عشرين سنة إمتى؟!

​مريم هزت راسها بضحكة باهتة وموجوعة..
​= تخيل؟ أنت اللي مش بتدور يا ياسين.. لا أنت ولا يوسف! محدش فيكم أنتم الاتنين عارف إني عايشة هنا في البيت ده تقريباً.. حتى ماما..!

​دموع مريم المحبوسة بدأت تلمع..وخرجت الوجع الساكن جوا قلبها من سنين..
​= عمري في حياتي ما حسيت إن ليا إخوات بيخافوا عليا ويدوروا ورايا زي ملك.. ملك عندها زياد وزين أختهم دي بالنسبة لهم بالدنيا كلها وميسمحوش لحد يمس شعرة منها.. تعرف؟ ساعات بحسدها على حبهم واهتمامهم ليها.. تقريباً محدش بيدور عليا في البيت ده كله ولا حاسس بوجودي غير زياد!

​الكلمات نزلت على ياسين زي الكرباج..لجمت لسانه وخلته يبص في الأرض بقلة حيلة وخزي.. هو عارف ومتأكد إنه غلطان في حقها هو ويوسف وإنهم سابوها في الظل وسط دوامة المشاكل رفع عينه وبصلها وحاول يلم الموضوع ويداوي جرحها..
​_ متكبريش الموضوع يا مريم.. مفيش حاجة لكل ده ويا ستي متزعليش وحقك عليا.. ليكي عندي هدية محصلتش وهعوضك عن اليوم ده قولي إيه رأيك؟

​مريم بصت له بابتسامة حزينة وهزت راسها برفض وقالت..
​"= مش بالهدايا يا ياسين.. مش بالهدايا خالص.. عن إذنك."

​سابته واقف مكانه في نص السلم مشلول مش عارف ينطق وطلعت أوضتها وقفلت الباب وسابت وراها ياسين والذنب بياكل في ضميره من تقصيره مع أخته الصغيره.

__________________//_______________//_____________

​عند زين ..
كان رايح جاي وعقله شغال تفكير الضيق واكله من كلام أمه ومستني الصبح عشان يواجه عمه...ممسكش نفسه طلع تليفونه ورن على "حبيبة".

​جوا أوضتها..كانت حبيبة قاعدة مخنوقة وفاقدة الأمل ولمحت شاشة تليفونها بتنور باسمه ردت بسرعة من غير تفكير بس جالها صوته بنرفزة وعصبية ..
​_ أنتي إيه اللي عملتيه النهاردة ده؟! عاجبك اللي حصل في البيت ده كله بسببك؟!

​حبيبة اتعدلت في قعدتها وردت بحدة ودفاع..
​= عملت إيه يعني؟! كده كده كانوا هيعرفوا إني بشتغل .

​زين أخد نفس طويل وحاد بيحاول يسيطر على جنونه..
​_ يا بنتي أنتي هتجننيني! ما أنا اللي كنت باخد الشغل بنفسي وأسلمه وبحميكي من الوش ده كله أنتي إيه اللي نزلك من البيت أصلاً النهاردة؟! وكلمتك الصبح كتير ومردتيش عليا ليه؟!

​حبيبة افتكرت بروده في حوار الخطوبة فردت ببرود وجفاء..
​= ومكنتش هرد عليك دلوقتي كمان.. أنا مابقتش محتاجة مساعدة من حد!

​زين سكت لثانية بتعجب وصدمة من طريقتها..
​_ وده من إمتى إن شاء الله؟!

​حبيبة بتأكيد ..
​= من دلوقتي يا زين.. بعد كده أنا هنزل بنفسي وأكمل شغلي ومش محتاجة إنك تتدخل في أي حاجة تخصني.

​هنا زين صوته علي بنرفزة وغيرة عميا ملقاش طريقة يداريها بيها..
​_ تنزلي فين؟! وتتعاملي مع مين؟! وأنتي ازاي أصلاً تروحي تقابلي اللي اسمه شريف ده لوحدك في المرسم؟! جرى في دماغك إيه؟!

​حبيبة استغربت هجومه وسألته ..
​= وإيه المشكلة في كده يعني مش فاهمة؟! رايحة شغل!

​زين زعق بغيرة واضحة ..
​_ لا مشكلة كبيرة..!عشان يا أستاذة يا محترمة.. أنتي عارفة كويس إني كنت باخدلك الشغل أسلمه بنفسي عشان البني آدم ده بيكون لوحده في المرسم ومبحبش رجلك تعتب هناك..

​حبيبة ردت بسرعة واندفاع عشان تدافع عن نفسها..
​= لا والله! بنته كانت هناك معاه في المكتب وشوفتها بنفسي..

​زين سكت للحظة وحاول يهدي ضربات قلبه السريعة ونبرة صوته وقال بجمود بيقفل بيه الكلام..
​_ ميخصنيش بنته ولا غيره يا حبيبة.. اللي يخصني ويوجع الدماغ إنك شغلتي أسلوب العند بتاعك ده والنتيجة إنه جه على دماغنا ودماغك في الآخر..!

​حبيبة نبرتها هديت وحاولت تلم الموضوع بعد ما حست بخوفه..
​= اهو اللي حصل بقى يا زين.. وبكره تتدبر إن شاء الله والامور تهدى.

​زين رد بنبرة هادية..
​_ أنا هكلم عمي بكره الصبح احاول أحل معاه الموضوع ده وأقنعه.. متقلقيش.

​حبيبة برجاء..
​"= زين.."

​قطع كلامها..
​_ خلاص يا حبيبة.. أنا هشوف الموضوع ده وهتصرف.. وبعدين جدي عثمان عارف وموافق خلاص يعني موقفنا قوي.. متقلقيش ونامي وارتاحي يلا.. تصبحي على خير...

​حبيبة اتنهدت براحة غريبة حلت في صدرها بعد كلماته وردت برقة..
​"= وأنت من أهله."

​قفلت معاه..حست إن بالرغم من كل الجفاء والبرود اللي بينهم.. زين بيفضل هو الأمان الوحيد ليها في البيت الكبير ده.

                الفصل الخامس من هنا
تعليقات



<>