رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل الرابع4 بقلم اريا السوهاجية
👑 رواية (عُمَر وزوجتهُ الرَّابِعَة) - البارت الرابع 👑
بعد رحيل "عمر" الصاخب وغلقه للباب الحديدي الضخم بعنف هز جدران قصر آل المنشاوي، ساد البهو السفلي هدوء مرعب كهدوء المقابر، لكنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة. انكمش جسد "شهد" المرتعش، وتلاقت يداها فوق صدرها وهي تستمع لصوت صدى أنفاسها وسط جدران هذا القصر الذي شعرت فجأة أنه تحول إلى سجن ضخم يخنقها. لم تدم تلك اللحظات من الصمت الموحش لأكثر من ثوانٍ معدودة، حتى التفتت شهد ببطء وعيناها الحمراوان من أثر البكاء والخوف تتفحص المكان، لتجد نفسها محاصرة تماماً بحصار من نوع آخر.
كانت تظن أن رحيل عمر سيعطيها هدنة لتستوعب ما حدث مع المأذون وكيف أصبحت في لحظة "الزوجة الرابعة" لرجل لا يطيق سماع اسمها، لكنها كانت واهمة. كانت الزوجات الثلاث (فريدة، ونادين، ويسرا) يقفن أعلى السلم الرخامي الواسع، يرمقنها بنظرات حاقدة تقطر سماً وتشفيًا. وبدأن ينزلن درجات السلم ببطء شديد وثقة متعالية، وكأنهن ضباع جائعة تطوق فريستها المكسورة المستضعفة. صوت كعب أحذيتهن الفخمة كان يضرب الأرض الرخامية بقسوة تزيد من توتر الأجواء وكأنه طبول حرب أعلنت رسمياً ضد هذه الفتاة الريفية البسيطة.
تقدمت "فريدة" (الزوجة الأولى) بخطوات متبخترة تشع كبراً وغروراً، وقفت على بعد خطوتين فقط من شهد وربعت ذراعها، ونظرت إلى دموع شهد بسخرية لاذعة وأنفاسها تتصاعد بغيظ مكتوم وقالت بصوت حاد:
"سمعتي جوزك قالك إيه يا شاطرة؟ قالك على الورق وبس! يعني مالكيش أي قيمة ولا عازة في البيت ده.. الشنطة القماش الصغيرة اللي جيتي بيها من ريحة الفقر والريف برة، هترجعي بيها قريب جداً ومكسورة الجناح كمان. إياكِ تفتكري إنك لما اترميتي في حضنه ليلة إمبار وهو سكران ومش في وعيه ولا حاسس بالدنيا إنك كدة سحبتيه أو لفتي نظره.. عمر بيه المنشاوي مستحيل يبص لأشكال الزبايل دي، أنتِ هنا مجرد غلطة وهيصلحها ويرميكي برة!"
ولم تفوت "نادين" (الزوجة الثانية) الفرصة لتفريغ غلها الطويل، فتقدمت بحقد وعيناها تتفحصان ملامح شهد البريئة، وضحكت ببرود مستفز يثير الأعصاب، ثم أكملت بلهجة آمرة ومتعالية:
"مش كدة وبس يا فريدة.. الهانم الفلاحة فاكرة إن لقب الزوجة الرابعة وكتاب المأذون هيدوها حصانة ونفوذ في قصر المنشاوي، وهي مسكينة متعرفش إنها هنا من اليوم ورايح مجرد خدامة بلقب رسمي ومكتوب في الدفاتر! القصر ده كبير عليكي وعلى اللي خلفوكي، ومن بكرا الصبح أول ما الشمس تطلع، شغل البيت كله من غسيل السجاد وتنظيف الممرات ومسح الرخام هيكون على إيدك وتحت رجلينا، عشان تعرفي مقامك زين وتدفعي تمن الفضيحة والريتش اللي عملتيه لينا ليلة إمبارح قدام الخدم والناس!"
أما "يسرا" (الزوجة الثالثة)، فكانت الأخطر بينهن؛ لم تصرخ ولم تظهر غضبها علناً، بل اقتربت بهدوء وثعبانية شديدة، وارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة تقطر خبثاً، ثم همست وهي تتظاهر بالصعبانية والشفقة المزيفة:
"تؤ تؤ.. حرام عليكم يا بنات، سيبوها في حالها، البنت لسه يتيمة وباباها مات من أسبوع وواضح إنها جاهلة ومتعرفش حاجة في ألاعيب السهو والمسكنة.. بس يا خسارة يا شهد، الصدمة الكبيرة ليكي لما تكتشفِ إن عمر عمره ما هيبص في وشك ولا هيعتبرك ست اصلاً! إحنا تلاتة هوانم وفي قمة الجمال والدلال وعايشين معاه في القصر ده زي الأخوات على الورق وبس وراضيين ومجبرين عشان الفلوس والاسم، تفتكري أنتِ بجلبيتك البسيطة دي اللي هتحركي شعرة فيه أو تخليه يقرب منك؟ أنتِ واهمة يا حبيبتي.. نهايتك هنا هتكون صعبة جداً."
كانت الكلمات المسمومة تنزل على مسمع شهد كالسياط المحمية بالنار، تحرق روحها وتطعن كرامتها. في البداية، شعرت بالانكسار الشديد والرغبة في البكاء والهروب والارتماء على قبر والدها لتشكو له قسوة الدنيا بعد رحيله. ولكن، فجأة وسط هذا الضغط والظلم والتحقير، شعرت بشيء غريب ينتفض في أعماق روحها المكسورة. رنت في أذنها فجأة كلمات والدها الراحل الأخيرة وهو على فراش الموت وهو يمسك يد الحاج كمال ويوصيه عليها: "بنتي شهد أمانة في رقبتك يا كمال.. ملهاش غيركم في الدنيا، أوعى تخلي حد يكسرها أو ييجي عليها بعد ما أموت".
تذكرت شهد في تلك اللحظة أنها ابنة رجل عزيز النفس، طاهر السيرة، وأنها لم تخطئ ولم تذنب في شيء ليلة أمس؛ فعمر هو من ترنح وسقط عليها بغياب وعيه. فلماذا تقبل أن تكون ملطشة أو ضحية لسلاطة ألسنتهن الشيطانية؟ لماذا تكون سلبية ومستسلمة وتتحمل إهانات لا ناقة لها فيها ولا جمل؟ إن صمتها الآن سيعني ذبحها كل يوم في هذا القصر.
مسحت شهد دموعها فجأة بحركة سريعة، عنيفة، وقوية تنم عن تحدٍ غير متوقع زلزل أركان المكان. رفعت رأسها الشامخ، وشدت قامتها بتحدٍ لم يعهده أحد فيها، ونظرت في عيون فريدة المتكبرة مباشرة دون طرفة عين ولا خوف، وقالت بصوت نبرته قوية، واثقة، وجهورية ألجمت لسان فريدة وجعلت نادين تتراجع خطوة للخلف من الصدمة:
"اسمعي منك ليها وافهمي الكلام ده زين عشان مش هعيده واصل! أنا هنا في بيت عمي الشقيق، وبأمر من الحاج كمال كبير العائلة وهيبتها، وهو اللي جاب المأذون برغبته وبنفسه وصان عرضي وعرض ابنه اللي كان ضايع ليلة إمبارح! وعمر اللي بتتفاخروا بيه وبتقولوا مش طايقني ورماني، بقيت مراته رسمي وحلاله قدام ربنا والشرع والقانون والناس كلها غصب عن أي حد. لو هو مش عايزني، فأنا كمان متمنيتش أكون هنا ولا أدخل قصركم الكئيب ده ولا أشوف وشوشكم.. بس إياكم، إياكم ثم إياكم تفتكروا إني هكون جارية أو خدامة عند حد فيكم! القصر ده كبير وليك خدمه وشغالينه اللي بيقبضوا فلوس، أما أنا هنا اسمي الزوجة الرابعة، يعني مقامي من مقامكم، واللقب اللي شايلينه أنا شايلاه زيي زيكم بالظبط في الدفاتر، وأعلى منكم كمان في البيت ده لأني بنت عم عمر ومن دمه ولحمه ومش غريبة عن العيلة، والمرة الجاية اللي واحدة فيكم هتفكر ترفع صوتها عليا أو تقولي مقامك، هعرفها مقامي ومقامها زين وميهمنيش حد واصل!"
اتسعت عيون فريدة بصدمة ذهول قاتلة، واشتعل وجه نادين باللون الأحمر من شدة الغيظ والذهول، وكادت فريدة أن تفقد أعصابها وترفع يدها لتضرب شهد من فرط المفاجأة والغل بعد أن تجرأت هذه الريفية وردت عليها بقوة، لكن صوتاً رخامياً جهورياً قويًا هبط فجأة من أعلى السلم ليوقف الأنفاس في صدور الجميع ويشل حركتهم في ثانية واحدة.
كان هذا صوت "الحاج كمال" كبير العائلة الذي كان يقف ويتابع الموقف والتحدي من بعيد في صمت. نزل درجات السلم بوقاره وهيبته الصعيدية وهو يستند على عصاه، ونظر إلى شهد بنظرة فخر واعجاب خفية التمعت في عينيه لأنها لم تكن سلبية ودافعت عن كرامتها وعرضها، ثم وجه كلامه الصارم للزوجات الثلاث بنبرة حاسمة كالسيف:
"شهد هنا هي ست من ستات البيت ده غصب عن عين أي حد في القصر، وأي كلمة إهانة أو تقليل أو شغل بيت هتوجهوها ليها، هعتبرها إهانة لشخصي أنا وعصايا دي هترد على اللي تغلط! وكل واحدة فيكم تلزم غرفتها وحدودها وتعرف مقامها، وإلا وقسم بالله العظيم هيكون ليا معاكم تصرف تاني خالص يزعلكم كلكم.. غورو على غرفكم حالاً!"
انصرفت الزوجات الثلاث بسرعة وهن يغلين ويكاد الغيظ والكره يقتلهن من قوة رد شهد وحماية الحاج كمال الشديدة لها، وصعدن إلى الأجنحة العلوية وهن يتوعدن في السر ببداية حرب خفية، شرسة، ومؤامرات دنيئة لا ترحم لكسر هذه الفتاة رغماً عن أبيه. بينما دخلت شهد غرفتها الأرضية البسيطة وأغلقت الباب بالمفتاح، واستندت بظهرها عليه وهي تتنفس بصعوبة وقلبها يدق بعنف من شدة المواجهة، لكنها ابتسمت بنصر وعزة، وأقسمت أمام مرآتها ألا تظهر ضعفها أو تكون ملطشة لأحد بعد اليوم مهما حدث.
وفي المساء.. تحولت أجواء القصر إلى ترقب وتوتر شديد. عاد عمر إلى القصر وهو يجر خطاه بعصبية مفرطة وضيق شديد بعد يوم شاق ومليء بالضغوطات في الشركة، ودخل البهو وعيناه الحادتان تبحثان بشكل غامض وغير مفهوم عن شهد.. كان يتوقع بكبريائه ورجولته أن يجدها باكية، منكسرة، ومتألمة في زاوية غرفتها المظلمة بعد كلمات الصباح القاسية.
ولكنه عندما تقدم نحو المطبخ الخارجي ليطلب قهوته، تفاجأ بها تقف وسط المطبخ، تساعد الخدم بثقة كاملة، وهدوء، وعزة نفس شديدة تظهر في مشيتها وحركاتها وكأن شيئاً لم يكن، بل كانت تبدو أكثر جمالاً وقوة.
تلاقت نظرات عمر الحادة والمليئة بالغيظ بنظرات شهد القوية، الثابتة، والمتحدية التي لم تنكسر أمامه. واشتعلت في تلك اللحظة شرارة مواجهة جديدة صامتة بينهما وسط المطبخ، شعر فيها عمر لأول مرة في حياته، وبأنفاس محبوسة، أن زوجته الرابعة لن تكون صيداً سهلاً أو كسرة مفرومة كباقي زوجاته، وأن الحرب في قصر آل المنشاوي قد بدأت للتو ولن تنتهي بسهولة!
