رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل الخامس5
بقلم اريا السوهاجية
مرت نظرات التحدي بين "عمر" و"شهد" في ردهة المطبخ الخارجي كشرارات البرق التي تسبق العاصفة المدمرة. كان عمر يقف بطوله الفارع، وعضلات جسده متوترة من أثر الغضب والضغوط التي عاشها طوال اليوم في الشركة بسبب خسارة الصفقة الكبرى. كان يظن بكبريائه ورجولته الصعيدية أنه بكلماته الجارحة التي ألقاها في الصباح قد سحق كبرياء هذه الفتاة اليتيمة، وجعلها تنكمش في زاوية غرفتها الأرضية المظلمة تبكي حظها المائل.
لكن وقوفها أمامه الآن، برأس مرفوع، وعينين ثابتتين كالصقر، وهي تتحرك بين الخدم بخفة وعزة نفس دون أن تهتز شعرة منها، أشعل بداخله مزيجاً حارقاً من الغيظ والفضول. تقدم عمر نحوها بخطوات بطيئة، مدروسة، ومهيبة، فانسحب الخدم من حولهما بغريزة الخوف والاضطراب، وتركوا المساحة كاملة للزوجين الجديدين في مواجهة صامتة حبست الأنفاس.
وقف عمر أمامها مباشرة، وحجب بجسده الضخم ضوء المطبخ عنها، ونظر إلى يديها الناعمتين التي كانت تحمل بعض الأطباق الفخارية، ثم قال بنبرة تهكمية منخفضة، ولكنها حادة كالموس تخترق الصمت:
* "شايفك واقفتلي في المطبخ، وبتتحركي في الساحة يمين وشمال، وعاملة فيها ست البيت والآمرة الناهية.. إنتِ مسمعتيش كلامي الصبح واصل يا بنت صالح؟ أنا مش جولت وأمرت إن رجلك دي متخطيش عتبة غرفتك الأرضية، وملمحش طيفك في طريقي واصل؟ كيف عاد تتجرأي وتخالفي قولي في أول يوم ليكِ هنا؟"
وضعت شهد الأطباق من يدها على الطاولة الرخامية ببطء شديد وبثبات عجيب، دون أن تصدر أي صوت يدل على الخوف. ثم التفتت إليه بكامل جسدها، وربعت ذراعيها فوق صدرها، ورفعت عينيها لتنظر في عينيه الحمراوان اللتين ما زالتا تحملان أثر الإرهاق والغضب، وقالت بنبرة هادئة، رخامية، ولكنها حملت قوة زلزلت ثقته بنفسه:
* "سمعت كلامك زين يا عمر بيه.. ومجتلكش إني نسيته. بس أنا هنا مش في سجن، ولا أنت قفلت عليا بقفل حديد. أنا في بيت عمي الشقيق، الحاج كمال، وهو اللي طلب مني أعيش بكرامتي وراسي مرفوعة ومستخباش من حد. المطبخ ده والمكان ده قسيت فيه لقمة عيش أبويا الله يرحمه لسنوات، والمساعدة والعمل مش عيب واصل.. العيب هو إن الواحد يفضل مستخبي، وخايف، ومنكمش من ناس زيه زيهم، مخلوقين من طين واحد. لو حضورك بيهز غيري، فأنا بنت المنشاوي، وميهزنيش غير اللي خلقني!"
تصلب فك عمر، وعروق عنقه برزت من شدة الغيظ المنتفض في عروقه. لم يعتد في حياته كلها أن تراجعُه امرأة، فما بالك بهذه الفتاة الريفية البسيطة التي فرضها والده عليه؟ اقترب منها أكثر، حتى لم يعد يفصلهما سوى أنشات قليلة، وشعرت شهد بأنفاسه الحارة الغاضبة تلوح في وجهها، وهمس بفحيح مرعب كالأفاعي:
* "بتتحديني يا شهد؟ عاد الفلاحين هيركبوا ليهم جوانح ويعلمونا الأصول والحديث في بيتنا؟ إياكِ تفتكري إن حماية أبوي ليكي هتدوم طول العمر، أنا هنا كبير الساحة دي، وأنا اللي بشتري وببيع، وكلمتي أنا اللي هتمشي في الآخر.. الزمي حدودكِ واقعدي في غرفتك أحسن لكِ، لإن غضبي لو طلع عليكي مش هيرحمك، واصبري عليا!"
وقبل أن تمنحه شهد فرصة للرد أو تراجع موقفها، استدار عمر بعصبية مفرطة، وخرج من المطبخ وهو يجر خطاه السريعة نحو الجناح العلوى، يشعر لأول مرة في حياته بأن كبرياءه قد خُدش، وأن هناك امرأة تملك الجرأة لتقف في وجهه وتنظر في عينيه بندية.
وما إن وطأت قدماه ممر الغرف العلوية الفخم، حتى وجد "الثلاثي المرح" في انتظاره كالعادة، وكأنهن مصفوفات في كمين. كانت "فريدة" تقف في المقدمة وبجانبها "نادين" بينما "يسرا" تقف في الخلف ترتسم على وجهها ابتسامتها الماكرة الخبيثة. تقدمت فريدة بخطوات سريعة، ودلفت خلف عمر إلى داخل غرفته الفسيحة، وأغلقت الباب وقالت بنبرة مليئة بالتحريض والغل المكتوم:
* "شفت يا عمر؟ شفت السنيورة اليتيمة اللي أبوك جبرها علينا وعليك وعمل لها قيمة؟ واقفة تحت في المطبخ وبتتحدى الكل وعاملة ريس على الخدم، وكمان ردت عليا الصبح قدام نادين ويسرا وقللت من مقامي ومقام حريمك وهددتنا بعمك! البنت دي مش سهلة واصل يا عمر، دي حية ومقروصة، وناوية تسحب البساط من تحتنا كلنا، وتتمسكن لحد ما تسيطر على قلب أبوك وتورث القصر وكل أملاك المنشاوي وتطلعنا إحنا برة المولد بلا حمص!"
هنا تقدمت "نادين" بحقد أعمى وأكملت:
* "فريدة معاها حق يا عمر، دي واقفة تحت وراسها براسك، والخدم بقوا يهمسوا ويقولوا إن الزوجة الرابعة هتركب القصر كله!"
ثم تدخلت "يسرا" بنبرتها الناعمة، السامة، التي تعرف كيف تضرب تحت الحزام:
* "وعلى فكرة يا جوزي يا حبيبي.. الحاج كمال زعق لنا الصبح كلنا، وهددنا بعصايته وطردنا لغرفنا عشان خاطر عيونها ودموعها المزيفة.. البنت دي خطر على هدوء البيت وعلى هيبتك أنت بالذات وسط البلد، ولازم تلاقي لها صرفة سريعة، وتكسر مناخيرها اللي رافعاها في السما دي قبل ما تركبنا كلنا ونبقى ملطشة ليها."
اشتعت النيران في رأس عمر كأنها بركان ينفجر؛ خسارة الصفقة التجارية بالأمس، وإجبار والده له على الزواج من يتيمة، والآن تمرد شهد في المطبخ وسلاطة لسانها، وتحريض زوجاته الثلاث اللواتي يضغطن على أعصابه! شعر أن رجولته تهدر وهيبته تضيع في بيته. نظر إلى زوجاته الثلاث بعيون تشع شرراً وصاح بصوت جهوري زلزل الأبواب وهز الجدران:
* "محدش يتدخل بيني وبينها واصل! اقفلي بقك منك ليها! أنا خابر زين هكسر دماغها الناشفة دي كيف.. ومن بكرا الصبح هتشوفوا عمر تاني خالص، وهعرفها مين هو كبير القصر ده ومين اللي بيمشي كلامه.. غورا من وشي دلوقتي!"
خرجت الزوجات الثلاث من غرفته وهن يشعرن بنشوة الانتصار، فالتحريض أتى بثماره، وعمر أصبح قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه شهد في أي لحظة. وفي تلك اللحظة بالذات، في بهو القصر الأرضي المظلم، كانت شهد قد أنهت عملها وتسير في الممر الهادئ متجهة إلى غرفتها لتستريح من عناء هذا اليوم الطويل الحافل بالمصائب.
لكن المؤامرة كانت قد طُبخت في الخفاء أسرع مما تتخيل. فجأة، ظهرت "نادين" من زاوية الممر الخافت، وكانت تقف في طريق شهد مباشرة، وفي يدها زجاجة عطر بلورية فخمة، مطعمة بالذهب ومرصعة بالفصوص الثمينة جداً، وهي زجاجة نادرة تعود ملكيتها لـ "فريدة" وأهداها لها عمر في ذكرى زواجهما.
نظرت نادين إلى شهد بابتسامة شماتة مرعبة، وقبل أن تستوعب شهد ما يحدث، وبحركة سريعة، خبيثة، ومباغتة، رمت نادين زجاجة العطر الثمينة على الأرض الرخامية مباشرة تحت أقدام شهد، لتحطم الزجاجة إلى مئات الأشلاء الصغيرة، ويتناثر العطر الفواح في كل أرجاء الممر.
وفي نفس اللحظة، صرخت نادين بأعلى صوتها، صراخاً حاداً، ومصطنعاً ملأ القصر بالكامل وأيقظ حتى الحراس في الخارج:
* "الحقيني يا فريدة!! الحق يا عمي كمال! الحق يا عمر!! البنت الريفية الحرامية دخلت غرفتنا في السر وسرقت عطورنا وحاجاتنا الغالية، ولما كشفتها ومسكتها متلبسة رمت الزجاجة الغالية على الأرض وكسرتها عشان تضيع الدليل!! دي حرامية وجاية تسرق القصر وتسرقنا كلنا يا ناس!!"
اتسعت عيون شهد بالصدمة والذهول القاتل، وتجمدت الدماء في عروقها وهي تنظر إلى أشلاء الزجاج تحت قدميها ثم إلى نادين التي تمثل البكاء والخوف. وفي أقل من لمح البصر، نزل عمر من الدرج الأعلى بسرعة الصاروخ، وعيناه تتطاير منهما شرارات الموت والدمار، وخلفه فريدة ويسرا، ونزل الحاج كمال مستنداً على عصاه بملامح مصدومة.
وقف عمر أمام شهد، ينظر بغضب أعمى إلى العطر المسكوب والزجاج المكسور الذي يخص فريدة، ثم رفع عيونه القاتلة نحو شهد، وضغط على يده بقوة حتى تشنجت أصابعه، وصاح بصوت هز أركان القصر كالعاصفة:
* "سررررقة؟! كمان طلعتي حرامية وجاية تسرقي حريمي في بيتي يا بنت صالح؟! قسم بالله ما هيرحمك مني حد الليلة دي!!"
وقفت شهد وسط النيران، محاصرة بتهمة دنيئة ومؤامرة شيطانية، وعمر يتقدم نحوها وعيناه لا تريان سوى الانتقام، بينما الزوجات الثلاث يبتسمن في الظلام بنصر وتشفي، فكيف ستنجو شهد من هذه المصيدة الشرسة؟
