رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل السادس6 بقلم اريا السوهاجية


رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل السادس6
 بقلم اريا السوهاجية


ساد الصمت المرعب أرجاء بهو قصر آل المنشاوي بعد صرخة "عمر" المدوية التي هزت الحوائط. كانت أنفاسه تتصاعد بسرعة وغضب أعمى وعيناه تشتعلان بنيران تكفي لحرق القصر بمن فيه، وهو ينظر إلى أشلاء زجاجة العطر البلورية المحطمة تحت أقدام "شهد"، وإلى السائل الثمين الذي يملأ الرخام وتفوح رائحته النفاذة في كل مكان.
ارتجف جسد شهد للحظة واحدة من أثر المفاجأة وبشاعة التهمة، لكنها سرعان ما استجمعت شجاعتها وقوتها المستمدة من طهارة نفسها وأصلها الطيب. نظرت إلى "نادين" التي كانت تتصنع البكاء والشهيق، وتضع يدها على صدرها وتمثل دور الضحية المصدومة ببراعة فائقة، ثم التفتت بعينين حادتين نحو عمر وقالت بصوت نابع من أعماق كرامتها:
"سرقة؟! أنا حرامية يا عمر بيه؟! لاه.. لحد هنا واصل واكتم صوتك ده! أنا بنت صالح المنشاوي، أبويا عاش ويموت وعمره ما مد يده على حاجة مش بتاعته، ولا دخل جوفه لقمة حرام! أنا ممدتش يدي على حاجة تخص حريمك، والست دي هي اللي رمت الزجاجة تحت رجلي بوعيها وبقصدها عشان تعمل اللعبة الدنيئة دي وتلم عليا الساحة!"
تأففت "فريدة" بغيظ وتقدمت خطوة وهي تصفق بيديها بسخرية لاذعة وصاحت:
"يا ملقاطة يا كدابة! كمان بتتبلي على نادين؟ الزجاجة دي نادرة وغالية وعمر جايبها لي بنفسه، إيه اللي هيخلي نادين تكسرها لو مكنتش شافتك وأنتِ بتسرقيها من غرفتي؟! أنتِ واحدة جاية من الفقر وعينك فارغة، ولما اتمسكتي متلبسة بتقلبي الترابيزة علينا!"
اقترب عمر من شهد بغضب مرعب، وشق الممر بخطواته العنيفة، حتى وقف أمامها مباشرة وثبّت عيونه القاتلة في عينيها، وضغط على ذراعها بقوة جعلتها تتأوه خفتة، وقال بفحيح حارق:
"بتقولي مين اللي يكتم صوته يا بنت صالح؟! أنتِ نسيتي نفسكِ في بيتي وعاد هتعلي صوتكِ وتكدبي كمان؟! الدليل تحت رجلكِ والعطر كاسي المكان، والظاهر إن الدلال اللي شفتيه الصبح من أبوي خلاكي تتجبري وتفتكري إنك بقيتي صاحبة ملك! قسم بالله الليلة دي مش هعديها، وهعرفكِ كيف تمدي يدكِ على حاجة حريمي!"
وفي اللحظة التي رفع فيها عمر يده وصوته، جاءت ضربة قوية ومدوية من عصا الأبنوس الثقيلة على الأرض الرخامية، ضربة جعلت الجميع يتجمد في مكانه كأصنام من ثلج.
كان "الحاج كمال" يقف بكامل هيبته ووقاره الصعيدي، وعيناه تطلقان شرارات من الغضب الصارم، ونظر إلى عمر بنظرة حادة جعلت عمر يتراجع خطوة للخلف رغماً عنه ويترك ذراع شهد. صاح الحاج كمال بصوت جهوري زلزل القصر:
"نزّل يدك دي يا عمر!! أنت اتجننت واصل في عقلك وعاد ترفع يدك على بنت عمك وشرفك في بيتي؟! وعاد تصدق ألاعيب الحريم وخدعهم المكشوفة دي وتنسى إنك راجل وكبير الساحة؟!"
التفتت فريدة بسرعة تحاول استعطاف الحاج كمال وقالت بنبرة باكية:
"يا عمي كمال، دي سرقت عطري الغالي ونادين قفشتها.. إحنا مش متبليين عليها، دي حرامية!"
نظر الحاج كمال إلى فريدة ونادين بنظرة ساخرة وقاطعة، ثم قال بلهجة صعيدية صارمة لا تقبل النقاش:
"أنا خابر زين مين الحرامي ومين اللي عقله مسموم في البيت ده! شهد بنت صالح المنشاوي، ودم المنشاوي ميمدش يده على مال غيره واصل. الغوايش الدهب والألماظ ماليين القصر ومحطوطين في كل زاوية، هتروح تسرق زجاجة عطر؟! لاه يا حريم المنشاوي، العبو غيرها.. اللعبة دي قديمة ومكشوفة، وأنا كنت واقف أول الممر وشفت نادين وهي بتاخد الزجاجة وترميها تحت رجل شهد بعينيا دول!"
سقطت الكلمات كالصاعقة على رؤوس الثلاثي المرح. شحب وجه نادين تماماً وتراجعت للخلف وهي تتلعثم بالاعتذار والخوف، واشتعل وجه فريدة بالخزي والغيظ، بينما انسحبت يسرا بهدوء للخلف كالعادة لتحمي نفسها من الغضب.
التفت الحاج كمال إلى عمر وقال بنبرة لوم حادة:
"شايف يا كبير رجالة المنشاوي؟ شايف كيف حريمك بيمشوك وراهم وكيف كنت هتمس شرفك وبنت عمك بسبب كدبة؟ حسك عينك ألمحك واجف المواقف دي عاد، والزم حدودك مع مرتك!" ثم وجه كلامه الصارم لنادين وفريدة: "وعقاباً ليكي يا نادين على كدبك ومؤامرتك، مفيش خروج من غرفتك لمدة شهر، والدهب اللي في يدك ده كله هينزل وهيتاخد منكِ! وفريدة حسابها معايا بعدين.. غورا من وشي حالاً!"
انصرفت الزوجات الثلاث وهن يجررن أذيال الخيبة والغيظ القاتل، والكره بداخلهم لشهد تضاعف مئة مرة، وأقسمن أن المرة القادمة ستكون القاضية.
بقي البهو خالياً إلا من عمر وشهد. التفت عمر ببطء نحو شهد، وكان يشعر بداخل أعماقه بخليط غريب من خزي الرجال لأنه تسرع، وفي نفس الوقت بعناد وكبرياء يمنعانه من الاعتذار. نظر إلى عينيها فوجد فيهما نظرة عزة وشموخ غريبة، لم تبكِ ولم تترجاه، بل كانت تنظر إليه بنظرة عتاب قوية هزت قلبه لأول مرة.
استدارت شهد بكرامة وهدوء ودخلت غرفتها وأغلقت الباب، تاركة عمر يقف في الممر، يستنشق رائحة العطر المسكوب، ويدور في عقله ألف سؤال وسؤال عن هذه الفتاة التي كلما حاول كسرها، تزداد شموخاً وقوة، وتجبره رغماً عنه أن يفكر فيها!
وفي منتصف الليل.. كان القصر غارقاً في السكون، لكن عمر لم يستطع النوم. كان يتقلب في فراشه وصورة عيني شهد الشامخة لا تفارق مخيلته. قرر النزول ليشرب الماء، وأثناء سيره في البهو الخافت، تناهى إلى سمعه صوت بكاء خافت ومكتوم يأتي من غرفة شهد الأرضية.
اقترب عمر بخطوات صامتة كالقط، ووضع أذنه على الباب مستمعاً بفضول غريب لم يعهده في نفسه من قبل. كانت شهد تبكي بحرقة وتناجي ربها وتتحدث إلى صورتها مع والدها الراحل وتقول بنبرة ممزقة:
"يا بويا يا صالح.. القصر ده واعر وعمر قاسي وظلمني.. بس وحياتك عندي وعندي شرفك وطهارتك ما هخليهم يكسروني واصل، وهعيش هنا بكرامتي لحد ما حقي يرجع والكل يعرف مين هي بنت صالح!"
اهتز شيء ما في صدر عمر.. شعر بشعور غريب يطرق باب قلبه لأول مرة، شعور بالندم والذنب، لكن كبرياءه الصعيدي سرعان ما انتفض ليخرس هذا الشعور. وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما هو مستغرق في التفكير والسمع، انفتح باب الغرفة فجأة ومباغتة لتجد شهد نفسها وجهاً لوجه أمام عمر وهو واقف يتصنت عليها وعيناه غارقتان في تفاصيل وجهها الباكي!

                      الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>