رواية جامحه بقلبه الفصل السادس6 بقلم داليا السيد

رواية جامحه بقلبه الفصل السادس6 بقلم داليا السيد 

 

 الفصل السادس

قُبلة

توقفت فجأة.. 

جسدها تجمد بمكانه.. 

هناك.. عند طرف الساحة... رأته

واقفا.. طويلا.. ثابتا.. كما اعتادت رؤيته دائما وبجانبه.. 

أيلا. 

كانت تقف ممسكة بيده، تتحدث معه بشيء ما، ملامحها هادئة.. كأنها لم تختفِ منذ دقائق

لم تتحرك مهرة لثوانٍ، أقدامها كانت واهنة وعقلها يرفض تصديق ما تراه.. 

ثم اندفعت نحوهما بسرعة، تكاد تتعثر بخطواتها "أيلا!"

رفعت الصغيرة رأسها، وما أن رأتها حتى ابتسمت ببراءة "مامي"

انحنت مهرة بسرعة، جذبتها لأحضانها بقوة، تضغط عليها كأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى، يديها ترتجف، وقلبها يكاد يخرج من صدرها 

"أين كنتِ؟ أخبرتك ألا تخرجي وحدك أو تبتعدي عني"

لكن رغم الغضب، صوتها خانها.. خرج مكسورا، ممتلئا بالخوف لا الغضب

رفعت الصغيرة وجهها، لم تفهم سبب هلعها "كنت ألعب.. ثم رأيت أبيه"

تجمدت.. 

توقفت أنفاسها للحظة.. رفعت عيونها ببطء.. 

لتصطدم بعينيه.. 

كان واقفا أمامها، الرمادية تراقبها بصمت.. نظراته لم تكن كأي مرة سابقة.. 

شيء ما تبدل.. شيء لم تفهمه بعد

تحدث بهدوء وهو ينظر للصغيرة "هي خرجت عندما رأتني"

الفتاة تعرفه لذا اندفعت له، كانت سعيدة لرؤيته وسألته هل أتى ليلعب معها؟ 

تلك الفتاة تأخذه لمكان آخر يفقد فيه هويته ولا يرى سواها.. 

مهرة فقدت الكلمات فلم ترد فورا.. 

فقط ظلت تحتضن أيلا أكثر.. كأنها تستمد منها الحياة

أخيرا قالت بصوت منخفض "شكرا.. "

أصبحت فجأة تشكره كثيرا رغم أنه لا يستحق إلا.. 

صمت قصير مر بينهم.. لكنه لم يكن مريحًا

نظراته انتقلت من مهرة.. إلى الطفلة بين ذراعيها وتأملها.. بدقة.. 

هو الآخر نطق ببطء "هي لا تخشى الغرباء"

رفعت مهرة عيونها له فورًا، قلبها انقبض لكن أيلا سبقتها بالكلام وهي تلتفت له وتبتسم "أنت لست غريب، أنت صديقي"

شيء ما.. ارتطم داخله ولم يبتسم هذه المرة.. 

فقط ظل ينظر لها.. 

للحظة أطول مما يجب ومشاعر ذمتداخلة تتلاعب به، لا يفهمها ولا يعرفها

تنهد مهرة جعله يرتد لها.. وقال بهدوء يحمل معنى لم تفهمه "نعم"

تلاقت العيون مجددًا.. صامتة.. مشحونة.. مليئة بما لم يُقال

وكأنهم لم يكونا زوجين.. كلاهم لا يعرف الآخر.. يراه لأول مرة.. 

ومشاعر.. 

تراكمت.. بينهم.. غير مفهومة ولا مسمى لها

أضاف وهو لا يترك نظراتها "هي بحاجة لمراقبة أفضل منكِ"

معه حق لكنها لم تعترف بذلك فأبعدت نظراتها عنه وقالت "لولا أنها تعرفك ما كانت تحركت بعيدا"

اعتدلت وهو ظل واقفا فعادت تقول "هل.. هل تنتظر أحد؟"

وضع يداه بجيوبه وقال "هل يهمك الأمر؟"

رفعت وجهها له فالتقت بالظلام بنظراته.. 

يعرف جيدا كيف يثير غضبها لكنها لم تفعل فعادت لابنتها وقالت "حبيبتي هل تأتين بحذائك لنذهب؟"

لم تجادل الفتاة لكنها نظرت له وقالت "هل ستذهب يا بائع اللعب؟"

ضغطت راحتها على كتف ابنتها بعتاب "أيلا.. هو ليس كذلك"

رفعت وجهها لأمها بتساؤل "وماذا يكون مامي؟ هو أخبرني أنه سيأتيني باللعبة وأنا أثق به فهو طيب"

حدق بالفتاة، تلك البساطة.. ذلك القبول السريع له.. الإحساس الغريب الذي يضغط صدره دون تفسير

رفع عيونه ببطء ليلتقي بعيني مهرة.. كانت زائغة، تهرب منه، لا تواجه نظراته 

"هل هي هكذا دائما؟"

سؤال جديد، نقاش يخنقها بشكل لا تفهمه

ابتلعت ريقها "ماذا؟"

هدوئه أصبح ثقيل على قلبها، يكاد يمنع عنها الهواء وهو يجيب ببطء أكثر "تثق بالناس بسرعة"

لا تعرف لماذا شعرت أن السؤال يحمل شيء أعمق.. أخطر ومع ذلك ردت بسرعة "هي مجرد طفلة"

لكن عيونه ظلت تحبسها، لم يتركها.. ولم يقتنع

اقترب خطوة وصوته انخفض "أو ربما هناك سبب آخر؟"

تبعثرت قوتها كشظايا اللؤلؤ المنثور

حرارة ارتفعت لوجنتيها وجسدها وتحول برد الشتاء فجأة لحر الصيف.. 

لم تجد ما ترد به.. فقدت الطريق وتاهت بلا عودة.. 

يد أيلا جذبتها للواقع "مامي هل أذهب؟"

أدركت أنها كانت تضغط على كتف ابنتها فحررتها وعيونها تسقط على وجه الصغيرة "نعم حبيبتي، لا تتأخري"

وتابعتها وهي تسرع لمكان الأحذية وهو يتابع وجهها المتورد.. 

هو يعرفها جيدا، هناك ما تخفيه عنه.. 

مسلم أخبره أنه لم يصل للكثير عنها فهناك فترة لم يعرف أحد عنها شيء وعندما ظهرت بشقتها الحالية كانت ابنتها بعمر العام تقريبا.. 

اليوم أخبره بمكانهم هنا وقرر الانضمام لهم بعد انتهاء عمله

أنفاسه اخترقت عنقها وكلماته تهب على أذنها "مما تخافين مهرة؟"

ابتعدت بلا تفكير وهي تلتفت لتواجه وجهه القريب بلا مراعاة لمكانهم بين الوجوه المتطفلة 

نظراته سجنتها، أنفاسه أحرقتها و.. سطوته ما زالت تخيفها.. 

يد أيلا قبضت على يدها وصوتها أنقذها من الرد الضائع "أنا متعبة مامي"

بلحظة كانت تحملها بحنان واضح فأراحت الطفلة رأسها على كتف أمها فتراجع غضبه وهو يرى حنانها على طفلتها وقال 

"لنذهب، الجو ربما يتبدل بلحظة"

لكنها لم تتحرك معه بل جمدت بمكانها وهي تقول "سأطلب سيارة أجرة، شكرا لك"

توقف، تنفس بقوة محاولا إبقاء قناع الهدوء مستقرا على وجهه، صراعاتهم الماضية كانت تنتهي بكوارث ولكن هنا لا مجال لها 

رفع يده لشعره ودفعه للخلف، عانى يوما طويلا وغير جيد تماما

العمل كان مرهق، نارا لا تكف عن التذمر لتجاهله أمور الزفاف

وأخيرا تقرير مسلم الذي لم يمنحه شيء مفيد عنها فقرر أن يعرف بنفسه.. 

ولذا قاد من القاهرة إلى هنا وهو بالطبع يعرف أين هي.. 

أغمض عيونه محاولا السيطرة حتى عاد لها "مهرة.. ألا يمكن أن نتوقف مرة واحدة عن الجدال، خاصة وأن الوقت لا يسمح بذلك والفتاة متعبة؟"

تراجعت.. 

هل هذا رحيم العزايزي؟ 

رحيم الذي لا يطلب.. بل يأمر؟ 

رحيم الذي لا يهدأ.. بل يشتعل؟ 

نظرت له وكأنها تراه لأول مرة.. وهو رأى ذلك بوضوح

رأى حيرتها.. ارتباكها.. وذلك الخوف الذي تحاول دفنه داخلها

لكنه هو نفسه.. لا يملك تفسيرًا لما يحدث داخله 

كل ما يعرفه.. أنه لا يريد أن يبتعد.. لا عنها.. 

ولا عن.. أيلا

عندما لم ترد نفخ بقوة وكأن قراره أُجبر عليه "لمرة واحدة.. نحاول أن نتصرف بعقل"

سكتت.. 

لحظة قصيرة.. لكنها كانت كافية لتعلن هزيمتها المؤقتة

هزت رأسها أخيرًا بالموافقة.. تحركت وهو تنحى جانبا ليترك لها الطريق 

لكن بدل أن يبتعد.. تحرك بجوارها.. بهدوء، كأنه أصبح جزءً من طريقها

يدها كانت تحمل ابنتها بإحكام وكأنها تخشى أن تُنتزع منها بأي لحظة 

أما هو.. فكانت عيناه عليها ثم عاد ينظر أمامه لكن صوته خرج فجأة.. منخفض.. هادئ.. إلا أنه كان يحمل ما يكفي ليربكها تماما 

"شيء غريب حقا"

لفت وجهها له، نظرت لوجهه الجامد بحذر "ماذا!؟"

لم يلف وجهه لها، ظل يسير وكأن شيئا لم يكن.. لكن كلماته سقطت ببطء.. ثقيلة "إحساسي معها.. ليس غريب"

وقفت.. تجمدت خطواتها

قلبها سقط.. 

أما هو فأكمل السير.. وكأن شيء لم يقال

سكون ثقيل ملأ السيارة.. لم يكن هدوء مريح.. بل ذلك الصمت الذي، يضغط على الأعصاب، يختبر القدرة على الاحتمال.. 

احتضنت ابنتها بين ذراعيها.. رأس الصغيرة استقر على صدرها، أنفاسها منتظمة، كأنها لم تكن قبل قليل سببًا في انهيار عالم كامل

وهي ظلت جامدة، لم تتحرك، تحمي ابنتها بحماية غريزية، تخشى أن تُنتزع منها إن خففت قبضتها قليلا من حول جسد صغيرتها

لم تنظر له وهو يقود بنفس الصمت.. 

عيناه على الطريق.. لكن عقله لم يكن هناك.. 

لف وجهه للمرة العاشرة لمن تجلس جواره جامدة بلا حركة.. 

توقفت نظراته عليها.. على وجهها المتعب.. عيونها التي لا تواجه عيونه.. 

هل افتقدها حقا؟ 

هو لا يتوقف عن التفكير بها منذ اقتحمت حياته.. 

عاد للطريق.. 

قليلا ما كانت تجلس بجواره وهو يقود عندما كانا متزوجين، كان يرفض ذلك، أراد دائما أن يكون وحده وهي تذهب له حيث يكون.. 

أراد أن يكون.. 

تنفس بقوة، أراد أن يدخن لكنه امتنع لأجل الصغيرة.. ما زال يذكر جلسة النفس وتعبها السابق

لفت وجهها له عندما وصلها صوت أنفاسه فلف وجهه والتقى بنظراتها للحظة.. 

كانت نظرة طويلة وغريبة وكأنه كان يفتقد شيء هام جدا وأخيرا عاد له.. 

عاد للطريق وهي ابتلعت ريقها وقالت "أنت لست معتاد على القيادة بنفسك"

هل ما زالت تذكر عاداته التي لم تكن كلها حقيقية معها؟ 

مرر يده بشعره وأجاب ببطء "بل أفضل القيادة خاصة إذا كان الأمر خاص"

شعرت بغموض يلف الرجل الذي عاشت معه ثلاثة أشهر، كأنها لا تعرفه.. 

السكون حل من جديد لكنه قطعه "هناك أشياء قد لا تعرفينها عني مهرة"

أبعدت وجهها وقالت بلا تفكير "أو أنك رفضت أن تجعلني أعرفها"

سقطت نظراته عليها لكنها لم تمنحه وجهها، هي اختصرت كل ما كان بتلك الكلمات وهو حاول أن يفكر قبل أن يتحدث لكنه يفقد السيطرة معها رغما عنه 

"كنتِ تفتقدين الكثير وقتها وكان من الصعب.. "

ولم يكمل وهي فهمت.. عاد لإهانتها

لم يتبدل كما ظنت "كان من الصعب أن تواجه عالمك بفتاة ليست مثلك، ابنة مدرب فروسية لن تصل أبدا لمستواك"

الخلاف الأزلي.. حرب الطبقات 

اعتصر جبينه بأصابعه محاولا التماسك وعدم الانصياع وراء جنون العظمة معها "مهرة، كنتِ تعلمين أن هناك أشياء لا يمكن التغاضي عنها ومع ذلك"

حاولت ألا ترفع صوتها وتصرخ بوجهه كي لا تفزع ابنتها بل قالت بصوت جعله يهتز من داخله 

"مع ذلك تركت كل ما أمرتني بتركه، ارتديت ما أردته أنت، تعلمت كل ما أردتني أن أتعلمه، ولكنك نسيت أننا مهما حاولنا تجميل المظهر فالأصل يظل واضحا وأنت اكتشفت ذلك لذا رفضته"

فك ربطة عنقه.. زر القميص يقبض على أنفاسه فحرره وقال "لم يكن هذا سبب انفصالنا مهرة.. عدنان.."

قاطعته بقوة واهنة "عدنان وهم أنت صنعته كي تبرر به انفصالنا، أنت تعلم وتدرك جيدا أي امرأة تزوجت لكنك أغلقت عقلك وصممت أذنك عني"

هجومها كان شرس.. لم يعتاد عليها كذلك.. 

لف وجهه لها والتقى بالغضب فقط بنظراتها فعاد للطريق وقال "تبدلتِ كثيرًا مهرة"

منعت الدموع من الظهور نهائيا، تعبت من الضعف والاستسلام "أتساءل من كان السبب؟"

رمقها بنظرة جانبية قبل أن يقول "لكنك تزوجتِ، هل وجدتِ نفسك معه؟ منحك ما لم أمنحه لكِ؟"

ابتلعت ريقها، هل الحقيقة صعبة هكذا أم معها هي فقط؟ 

لم تعرف بأي كلمات تجيبه فقط قالت "لا أظن الأمر يهمك"

ضرب عجلة القيادة بقوة وخرج الأمر عن سيطرته وهو يهتف "يهم مهرة، يهم عندما تكونين لرجل سواي"

فزعت أيلا من صوته وتحركت وبدأت تبكي ولكنها ربتت عليها ومنحتها كلمات تهدئة لتدرك أنها معها حتى سكنت وعادت للنوم 

أما هو فأدرك جنونه وفقدانه للتحكم واندفاعه بكلماته.. 

ماذا يعني بما قال؟ هي لم تعد تخصه ليهتم 

الصمت كان أفضل من أي حديث فاشل كالذي كان وهي جمعت شتات نفسها داخلها وما زالت كلماته ترن بأذنها "عندما تكونين لرجل سواي"

ماذا عنى بذلك؟ لماذا الغضب سيطر عليه؟ 

توقف أمام بيتها والوقت تأخر.. 

نزلت وهو فعل المثل وللمرة الثانية لا يستأذنها وهو يحمل الفتاة عنها ويتحرك للداخل وهي بجواره..  

عندما أغلقت باب غرفة أيلا لم تجده فأغلقت عيناها واستندت على الباب.. 

لكنها انتفضت عندما سمعت ضوضاء بالمطبخ.. هل سهيلة مستيقظة!؟ 

أسرعت للمطبخ وتجمدت على عتبته.. 

كان واقفا أمام الموقد يصنع قهوة لنفسه وسيجارته بفمه ودخانها يلف حوله متصاعدًا لأعلى 

لا تصدق أنه يفعل ذلك.. 

"ماذا تفعل هنا؟"

لم ينظر لها ولم ينزع السيجارة من فمه ويداه تنهي ما كان يفعله حتى التفت لها وفنجان القهوة بيده وعيونه لفت على وجهها المعترض 

"أصنع قهوة حتى تنتهي"

وتحرك تجاها مجبرًا إياها على التراجع لتفسح له وهو يخرج للصالة وهي بحالة من الذهول 

عندما تبعته كان قد ألقى جاكته على الأريكة وأشعل سيجارة أخرى وتحرك ليجلس وهي ما زالت غاضبة 

"ألا تفهم أن وجودك هنا خطأ بذلك الوقت؟"

ظل ينفخ الدخان دون النظر لها حتى قال "اجلسي مهرة تعلمين أني لا أهتم بما يظنه الآخرون"

نعم هي تعلم ذلك.. غروره لا نهاية له لكن.. 

تحركت لتقف أمامه وهي تقول بصوت حاولت أن يكون هادئ لأجل ابنتها "لكني أهتم رحيم، هي سُمعتي من نتحدث عنها"

تناول القهوة وسط دخانه وأجاب ببرود "تعلمين أننا لابد أن نتحدث"

أشاحت بيداها والضيق أخذها ولم تعد تتحمل ما يفعله وجوده بها "أنا لا أعلم سوى أننا انتهينا من بعضنا البعض ولم يعد هناك ما يمكن أن نتحدث عنه"

ظل هادئا هدوءً مخيفًا وعيونه ضاقت ووجه اختفى خلف سحابة الدخان وهي تضع جدار الماضي بينهم 

أنهى القهوة وأطفأ السيجارة وهو يتلاعب بآخر قطرات هدوء داخلها حتى نهض وتحرك ليقف أمامها بقامته الطويلة 

"وذنب من كان؟ هل ستظلين تخبريني أنني كنت ذلك الطاغي الذي تحدثتِ عنه ونسيتِ جدالك معي بكل وقت وإجاباتك المستفزة وعدم طاعتك لي بكثير من الأمور؟ لست وحدي من هد هذا الزواج"

نعم ليس وحده من فعل لكن هي من حاربت كي لا ينهد وهي من حملت الأنقاض وحدها 

سقطت دمعة وحيدة، مثلها تماما، ورمشت معها عيونها وهي تواجه نظراته القاسية ولكن بلا خوف 

"لا، لست وحدك حقا، لكن أنا وحدي من كنت أحاول ترميمه، أنا وحدي من حاولت الوقوف بوجه الريح العاصف ولكني لم أستطع التحمل وأنا أراك وأنت.. "

وتوقفت.. 

مال رأسه متعجبا من صمتها المفاجئ وردد كلماتها بتساؤل "تريني وأنا ماذا؟"

الدموع تكاثرت، غلبتها، سقطت.. 

تنفست بتعب واضح وارتجفت يدها وهي ترفعها لجبينها وهو لا يتراجع "تريني ماذا مهرة؟ لا مجال للتراجع الآن"

نعم هو على حق وهي أضعف من أن تجادل لذا عادت ترفع له وجهها وتكمل بصوت واهن 

"وأنت تقلل مني، تخبرني بكل لحظة أنني فتاة أتيت بها من الشارع وليس مهندسة ديكور تصمم لشركاتك أفضل الإعلانات"

رفع رأسه للحظة ثم ابتعد مرددا "هل تصدقين نفسك؟ إعلاناتك كانت.. "

قاطعته بصوت ثابت "كانت الأفضل على مدار السنوات التي عملت بها بشركاتك، لكنك رفضت الاعتراف بذلك منذ أصبحت لك، وقذفت بها كلها بسلة المهملات، فقط كي لا تكون مهرة النادي الأفضل"

التفت لها ولكنها منحته ظهرها وهي تخاطب نفسها قبله "أنت حتى اخترت لي سباق كنت تعلم أني لست مؤهلة له وأجبرتني عليه ووقفت تصفق لهزيمتي لأول مرة كي تخبرني بعدها أن الاعتزال هو الأفضل.. وفعلت"

والتفتت لتواجه وجهه المواجه لها، أكتافه ارتخت فجأة ولم يفكر بالهروب منها وهي تكمل "تركت كل شيء لأني آمنت أنك تختار الأفضل لي حتى فهمت"

ظل يحدق بها، رأى نظرتها الغريبة عنه لأول مرة وهي لم تقطع الاتصال البصري بل أصرت عليه 

"فهمت أنك كنت تتعمد التقليل مني لأظل خاضعة لك وأظل أنا لا شيء، دمية وربما الدمية أفضل مني ولم ترضى أنت حتى بذلك وصارت حياتنا جحيم"

أدرك أن هناك الكثير مما فاته بحياتهم معا، تحرك وهو يحاول إيجاد أي باب يمكنه الولوج منه ربما كان الأمر مختلف 

لم ترفع وجهها الباكي له.. وهو لم ينتظر عيونها وخرج صوته منخفضًا.. مثقل بالكثير مما اكتشفه ولم يكن يراه على حقيقته ولكنها وضعت الصورة واضحة أمامه لأول مرة 

"ولو أخبرتك أني لم أفكر بتلك الطريقة أبدا هل تصدقيني؟"

ورفعت وجهها له.. لا تعرف الرد على سؤاله.. لا تعرف أين رحل عقلها؟ 

رحلت حتى الكلمات.. سكنها الفراغ والألم 

أحنى رأسه ليقترب من وجهها وقد ارتفع ألم غريب بقلبه لرؤية دموعها والألم الواضح بكل ملامحها "كنت أراكِ صغيرة، مهرة جامحة بحاجة للترويض، لكن لتكون مهرتي أنا"

 لا.. لم تكن تلك هي الحقيقة.. لم تكن ترى ذلك 

هزات رأسها جعلته يدرك أنها لا تصدقه فرفع يده لوجنتها، لمس رطوبة دموعها ومحاها بإبهامه وترك أصابعه تلمس بشرتها التي يعرف ملمسها جيدا

ولا امرأة كان لها نفس تأثيرها عليه.. ولا امرأة رغب بأن يلمسها ويقربها منه سواها

هي بالنسبة له سحر، سحر سقط عليه فجعله ممسوس بها هي فقط

رفع وجهها له وعيونها الغائرة بلون البنفسج كانت تلمع بمواجهته، تعلم تأثير لمساته عليها "ليس من حق أحد التمتع بكِ سواي"

وهبط من علياه على شفاها بلا أي تفكير، منذ رآها وهو لا يرغب سوى بتلك القبلة، ما زال يذكر مذاقها والآن.. 

هو نفس المذاق، نفس المتعة.. 

ضاعت.. ارتبكت مشاعرها بل انهزمت تحت سطوته واستجابت للحظة.. 

وكانت قُبلة.. 

لكن باللحظة التالية كانت قد أفاقت من الحلم ودفعت يداها بصدره لتبعده عنها بقوة وقد التهب وجهها وتعالت أنفاسها وتعالى معه غضبها منه ومن نفسها

تراجعت خطوة للخلف، أنفاسها ما زالت متلاحقة، عيونها مشتعلة بالغضب والارتباك "كيف تفعل ذلك؟"

مرر أصابعه بشعره.. صوته خرج أخفض.. لكنه أخطر "لأني ما زلت أريدك" 

اتسعت عيونها.. 

ارتجف شيء داخلها.. لكنها رفضته فورًا "لكن أنا لم أعد لك رحيم"

عاد واقترب خطوة.. ببطء.. بثقة "وأنا لم أعتد التنازل عما أريده"

اشتعلت نظراتها أكثر، ورفعت ذقنها بعناد "حتى ولو كان هذا الشيء لا يريدك؟"

توقفت حركته لحظة، تجهم وجهه.. 

سؤالها أصابه بمقتل.. 

لكن بدلًا من أن يتراجع قال بهدوء قاتل "كاذبة"

سكتت.. لثانية واحدة.. لكنه رآها

رأى الارتباك.. رأى الذكرى.. 

رأى مهرة القديمة.. التي لم تختفِ تماما فابتسم ابتسامة خفيفة بلا راحة وهمس "أنا أعرفك أكثر مما تعتقدين"

والتفت إلى حيث ترك جاكته وجذبه وتحرك للباب وأغلقه خلفه وهي جامدة مكانها ككل مرة بعد رحيله

***** 

تصاب الخيول بالاكتئاب وحالات الحزن الشديد، فهي تبدو وقتها خاملة، فاقدة للشهية، تميل للانعزال وشرود الذهن

ينخفض حماسها للعمل أو المتعة، وعدم التفاعل مع المحيط

والمهرة خاصتنا تحمل الكثير من صفات الخيل.. ما كان بدأ يدفعها للاكتئاب بلا وعي.. 

حاولت التغلب على فقدان الشهية وعدم الانعزال، رفضت البقاء بالبيت وقاومت انخفاض حماسها للعمل 

لكن قلبها كان منكمش، منعزل عن باقي أعضاء جسدها، انفصل حتى عن عقلها ورفض الانصات له.. 

تلك القبلة التي هاجمها بها جعلتها غاضبة، غاضبة جدا ولا رغبة لها برؤيته مرة أخرى.. 

كيف سمحت له أن يفعل بها ذلك؟ 

لا يمكن أن يعود لسيطرته عليها.. 

لا، لن تقبل

قذفت حقيبة أوراقها الخاصة بالرسومات على مكتبها وهي لا تعرف كيف ستواجه مرة أخرى بعد ما كان؟ 

داليدا دقت الباب ودخلت وهي تقف بجوار مكتبها وتقول "لقد عاد ويطلبك بالرسومات بعد عشر دقائق"

تهالك جسدها على المقعد.. 

كانت حقا متعبة ولا تفهم هل من تأثير الورم أم إرهاق عدم النوم وقلة الطعام؟ 

الدكتور لم يخبرها أي شيء عن مرضها.. 

لم تنظر لماري وهي تجيبها "هل لدي الكثير من المواعيد اليوم؟"

تأملتها داليدا، هي تعرفها جيدا، عام ونصف تعمل معها فبالتأكيد تحفظها جيدا "تبدين متعبة، هل تطلبين إذن وترحلين؟"

رفعت وجهها لها وابتسمت ابتسامة لم تصل لشفاها "وهو هنا؟ لا أظن، أنتِ لا تعرفينه"

وأدركت ما قالته.. لا أحد عرف بعلاقتهم حتى الآن فهل تحاول إثارة القيل والقال؟ 

اعتدلت وأكملت "من الميديا عرفت أنه لا يرحم أحد بالعمل، فقط القهوة وأي مواعيد ليست ضرورية قومي بتأجيلها"

تفهمت داليدا ولم تشك بكلماتها وهي تتحرك للخارج

أخرجت لوحاتها، مشروعها الحالي لحملة الإعلانات الجديدة سيسقط بين يديه بعد دقائق معدودة وهي لا تظن أنه سيقبل به.. 

سيلقي به بسلة المهملات ويخبرها أنها طراز قديم، رحل واندثر ووقتها ستقدم استقالتها وترحل وتنهي وجوده من حياتها

ستجد حلًا لأيلا.. 

هي تؤمن أن من خلقها لن يتخلى عنها.. تتقبل كل ما يمنحه لها

فقط تطلب رحمته.. ومنحها القدرة على اجتياز الابتلاء

هزت لها همت سكرتيرته رأسها وهي تقول "هو بانتظارك"

ابتسمت لها بلا روح وأخذت نفس عميق قبل أن تدق بابه وربما تمنحها الذاكرة شيء عن الماضي

أول مرة دخلت فيها مكتبه.. 

كان قد رآها بالمصعد، اصطدم بها بالأساس وهي تندفع للداخل دون أن تراه ثم تجمدت

سب وشتم بصوت منخفض وأوراقها تسقط ورسوماتها تبعثرت بكل مكان.. 

والتقت العيون..

هي لا تصدق أنها ترى رجل أحلامها! 

من سقطت بهواه مثل كثير من العاملات بالجروب وقربها منه اليوم كان خيال.. 

عيونها كانت محور نظراته.. شعرها المثير بلونه الغريب.. كل شيء بها كان غريب 

وبدأت العلاقة بدعوة على الغداء وبعدها طلب زواج والسقوط من السماء على الأرض الصلبة لتتحطم لشظايا بلا رحمة 

واستيقظت من الحلم.. الكابوس

لم يرفع وجهه من على شاشة الحاسوب وهي تتحرك للداخل لكن عندما قالت "طلبتني؟"

رفع رأسه.. واجه الارهاق الواضح عليها.. 

أدرك أن ما كان بينهم بالأمس فعل بها ما فعله به

تراجع بالمقعد وهو يلفها بنظراته، أنيقة جدا، لم يكن يلاحظ ذلك وقت زواجهم لكن الآن يسترد شريط الذكريات

كلاهم يلتقي بنقطة واحدة.. الذكريات

أشار للمقعد وقال "نعم، أحتاج لرؤية خط الحملة قبل عودتي القاهرة"

منعت ارتباكها من الظهور، تجنبت النظر بعينيه لما كان بالأمس.. 

ظهرت خطوط الغضب بصعوبة بجوار التعب على وجهها

لم تجادل ولم تجلس كما رغب، بل وضعت التصميمات على مكتبه وقالت "وأنا جاهزة"

لم يترك وجهها الشاحب، شعرها المشدود للخلف مظهرا وجنتاها البارزتين وقال "هل سهرتِ عليها الليل كله؟ تبدين كمن لم ينم منذ عام"

كان يستفذها مرة أخرى لكنها لم تنجرف خلفه وأشارت للتصاميم وقالت بهدوء "تلك هي البداية، الفكرة تنحصر في تغيير طريقة الإعلان نفسه.. "

تجهم للحظة، أدرك رغبتها بتجاهل ما كان فلم يمكنه دهس كبرياؤه فاعتدل ومنحها اهتمامه وهو يشعل سيجاره.. 

عندما انتهت ظل لحظة واجما.. يحدق باللوحات التي افترشت سطح مكتبه وعقله حقا يستوعب خطتها وأفكارها.. 

تراجعت وظلت واقفة وهو يطفأ سيجارته الثانية أو الثالثة دون أن ينطق حتى رفع وجهه لها وقال "هل هناك من شاركك بالأمر؟"

رفعت البنفسجية له.. كانت تعلم أنه لن يعترف بها 

انحنت تلم صورها وهي تجيبه "أنا أعمل وحدي، لكن لو رغبت بسواي فأنا.. "

أوشكت على قول أنها ستترك العمل بالشركة عندما تفاجأت بيده تمسك يدها فرفعت وجهها له ورمقته بنظرة حادة وهو يقول "أخبرتك أني أريدك أنتِ"

دق قلبها مرة أخرى، فقدت السيطرة عليه.. لمعت عيونها، ارتفع جرس إنذار قوى من عقلها يحذرها من تأثير ذلك الرجل المدمر عليها 

لن تسمح له بالتسرب تحت جلدها مرة أخرى

ستضع العمل جدار حاجز بينهم.. هذا لو استطاعت

كادت تنزع يدها من يده ولكنه قبض عليها بقوة فهتفت "رحيم اتركني"

لكنه لم يفعل، هو فقد عقله بسببها ولا يمكنه تركها الآن "تعلمين أني لا أستطيع"

حاولت الإفلات من قبضته وهي تهتف "فقط تذكر أنني لم أعد زوجتك وأن لك خطيبة تنتظرك وسيمكنك فعلها بسهولة"

وجذبت يدها بلحظة شروده وابتعدت وهو ينهض ليتبعها.. 

وقف خلفها وهي تلف جسدها بذراعيها، ربما تحمي نفسها بهما من الضعف الذي يجتاحها.. 

أو ربما منه هو وتأثيره عليها.. 

هذا ما قررته بالأمس، ما طالبها به عقلها 

"لا تقحمي نارا بالأمر فهذا يخصنا نحن الاثنان"

التفتت له، رفعت رأسها ونظراتها له، هل هو جاد حقا؟ 

وهو ما قالته "هل تمزح؟ أقحم من إذن؟ هي خطيبتك وزواجكم بعد عدة أيام، أنا لا معنى لكلماتي هذه من الأساس، فقط العمل هو كل ما يربطنا رحيم"

مرة أخرى يخفض صوته وهو يميل تجاها قائلا "كاذبة"

ظلت النظرات متصلة.. 

عيونها تتحرك بين عيونه وكأن لا مكان لهما سوى رماديته

هي تنتمي له، هي مهرته.. 

هو أرضها الصلبة التي تخطو فوقها بحرية

هي له ولا يفهم كيف تركها من الأساس؟ 

ارتباكها يظهر على ملامحها لكنها لن تقبل به

لم تعد ضعيفة كما كانت ولا متسولة بلهاء تسعى فقط لإرضائه

بل أصبحت، مهرة النادي، مديرة قسم الإعلانات، اسمها يرن بأذن من يسمعه 

"لا"

رفع وجهه..

للحظة رأى التحدي بعينيها، صدمه تلك القوة التي ظهرت بها أمامه

رفضها له لم يكن من سماتها.. 

غطت رموشه عيناه.. انغلقت على عدم الفهم داخلهم وسؤال خرج باردا 

"لا أفهم؟"

أشاحت بيدها وابتعدت..

هاربة..

تعلم أنها لا تعني له سوى لعبة، دمية يرفض تركها تضيع منه "ما الذي لا تفهمه رحيم؟ أنني لم أعد أحلم بك؟ لقد توقفت عن ذلك الحلم منذ سنوات" 

والتفتت له لتكمل بوجهه "لأن الحلم أصبح كابوس لا يطاق"

الجمود حل عليهم.. 

سكون لا يحتمل فرض سيطرته وأسقط جو من البرودة تناسبت مع الرياح العاصفة بالخارج حتى تخطى هو الأمر.. 

التفت لمكتبه.. 

جذب سيجارة وأشعلها ورأسه يدق من الأفكار والصداع يطارده ككلب ضال 

نفخ الدخان ونفخ معه غضبه والتفت أخيرًا ليقطع الصمت "إذن والد أيلا ما زال بحياتك"

أغمضت عيونها وشعرت بالضعف يلفها وتمنت لو تتهاوى على أي مقعد لكنها تماسكت وعادت له بلا خوف فلا شيء يمكن أن يصيبها أكثر مما كان 

"ماذا تريد مني رحيم؟ أنا تركت كل شيء وابتعدت، رحلت لبلد آخر ليرتاح كلانا والآن أنت تفتح الجراح مرة أخرى، لماذا؟"

تحرك لها، لمس ذراعيها بيداه، رائحة احتراق التبغ تلفهم والدخان يسجنهم بدائرتهم، كما هو ماضيهم معا

لانت نبرته وضعفه مرفوض لكنه خارج عن سيطرته معها "لأنكِ تدركين كما أدرك أن هناك شيء ما زال يربطنا"

لمعت دموع بعيونها وضعف يسقطها مهزومة ونظراتهم ثابتة وكلماته حقيقة لم تعد تستطيع إنكارها.. 

وانفتح الباب فجأة وسقطت يداه عنها وكلاهم يلتفت للصوت النسائي 

"حبيبي مفاجأة أليس.. "

وسقط الصمت.. 

تجمدت الأنفاس لثوانٍ.. كأن الزمن توقف عند عتبة الباب.. 

للحظة فقط سيطر السكون المخيف على ثلاثتهم لكن.. 

خطوات نارا على أرضية المكتب كانت موسيقى سخيفة تزعزع الصمت ونظراتها كاسمها

نارية.. 

نظراتها التقت بالاثنان ثم ثبتت على مهرة وانتهت خطواتها أمامهم.. 

وقفت.. 

أنيقة، واثقة، ملامحها تحمل صدمة خفيفة لم تستطع إخفاءها بالكامل.. 

لكنها لم تكن من النوع الذي يسمح لدهشته أن تُرى طويلًا

رفعت حاجبها بابتسامة باردة وهي تعود وتنقل نظراتها بينهما.. 

بين المسافة التي كانت أقرب مما يجب بالقياس لعلاقتهم السابقة.. 

وبين التوتر الواضح الذي يملأ المكان

صوتها خرج باردا بشكل غريب، لكن تحته نصل حاد يكفي لجرح الاثنين "واضح أني أتيت بوقت.. غير مناسب"

ابتعد رحيم خطوة للخلف.. ليس ابتعادا كاملا.. لكنه كافٍ ليدعي أن شيئًا لم يكن "نارا.. كنتِ في القاهرة!"

قالها بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية.. لكنها خرجت مشدودة أكثر مما ينبغي... 

عيناها لم تفارق مهرة.. ثابتة عليها.. تتحداها أن تفر من أمامها ومهرة لم تكن لتفعل "وبدلت رأيي رحيم.. أردت مفاجأتك"

ثم التفتت لتواجهه مباشرة "لكن من الواضح أن المفاجأة كانت من نصيبي أنا"

سقط الصمت مرة أخرى.. 

مهرة لم تتحرك.. 

لم تهرب.. لم تبرر.. 

فقط وقفت.. ترفع رأسها.. تواجه.. رغم التعب الذي يسحبها لأسفل ومعاناتها مع ذلك الرجل

لكن يدها.. كانت لا تزال ترتجف قليلا.. 

لاحظتها نارا.. ابتسمت وهي تمنحهم كلمات تعرف تأثيرها "كنت أعلم.. أن الماضي سيعود لكنه عاد أسرع مما توقعت" 

توتر الجو فورًا.. حتى ردت مهرة "لا شيء عاد، الماضي سيظل ماضي"

التفت هو لها.. نظراته حادة قاتمة وتحمل غضب لم يخفيه ونارا تولت الرد

بل التحدي "جيد، لأن أنا، الحاضر، والمستقبل ولن أقبل بشيء سواي"

والرحيم فقد رحمته ولم تعجبه الكلمات فخرج صوته محملا بنبرة تحذير "نارا.. كفى"

لكنها تجاهلته وهي تقترب خطوة من مهرة.. لتقف أمامها مباشرة "حقا أنا أندهش!"

ونظرت لها من أعلى لأسفل.. 

تقييم واضح بدون خجل ونظرة تعني التقليل من المرأة التي تواجها "كنت أظن أنكِ أذكى من ذلك، لا أحد يلفظ ما قذفه مرة أخرى"

وانحنت تجاها أكثر وهي تقصد ما تقوله "خاصة عندما يكون أقل منه.. بكثير"

الإهانة مؤلمة.. لكن.. 

المهرة تعرف كيف تهزم هزيمتها.. 

ابتسمت.. 

ابتسامة صغيرة.. لكنها لم تظهر ضعفها أبدًا "وأنا ظننت أنكِ واثقة بما يكفي.. ولستِ بحاجة لكلمات لإثبات ذلك"

ارتطمت الكلمات ببعضها.. 

لحظة.. 

كل واحدة فيهم تقيس الأخرى لكن.. 

رحيم تدخل أخيرا ليوقف الأمر.. صوته كان حادًا "هل تتوقفن؟"

التفتت نارا له وعيوبها تشع ببريق غاضب، رافضة لكلماته "ماذا؟ هل أغضبتك كلماتي؟"

ثم عادت لمهرة وكأنها لم تُقاطع "على فكرة.. أنا لم آتِ لأتنافس"

توقفت لحظة.. وابتسمت ببطء وهي ترفع يدها التي ظهرت بها دبلته وقالت بزهو الانتصار "أنا بالفعل فزت"

ومرة أخرى الصمت.. 

لكن.. مهرة شعرت بوخزة.. 

وخزة ضربت قلبها رغما عنها وقد ظنت أن الأمر لم يعد يهمها.. 

لكنها لم تسمح لمشاعرها بالظهور.. 

رفعت رأسها أكثر وقالت بثبات "رائع، حافظي إذن على فوزك جيدا"

ولمعت نظرات نارا أكثر.. كأنها وجدت ما كانت تبحث عنه "هذا ما أنوي فعله بالضبط"

ثم التفتت لرحيم مرة أخرى.. 

اقتربت منه حتى وقفت بجواره.. لمست ذراعه كعادتها والتصقت به.. بشكل مقصود جدا.. 

"أم ماذا رحيم؟"

سؤال بسيط.. لكن معناه كان أعمق بكثير.. ورحيم ظل يواجه نظراتها بلا رد فوري 

لف وجهه ونظرة واحدة منه لمهرة.. كانت كفيلة بقول كل شيء.. 

وهنا.. 

ابتسامة نارا اختفت للحظة وهي تضغط على ذراعه لتعيده لها

وفعل.. 

التقى بنظراتها وقال "لا مجال لكلماتك هذه نارا، هنا مكان للعمل"

ظلت تواجه عيونه، الرماد تحول لظلام مخيف، محذر وهي تلقت رسالته ومع ذلك قالت "وهذا العمل بينكم أنتم فقط حبيبي؟"

ابتعد عنها لمكتبه ليدهس السيجارة ويجذب أخرى ليشعلها وهو يقول "عندما يخص الإعلانات، فنعم لأنها هي المسؤولة أمامي"

 لن يجرح نارا فهي خطيبته وزوجته القادمة.. من تقبلت العودة له رغم أنه خانها وتزوج امرأة أخرى.. 

ولكن مهرة.. مهرته.. هي الأخرى لا يمكنه جرحها.. ليس الآن.. 

سقطت نظرات نارا على اللوحات المنثورة على مكتبه ثم عادت له ومهرة تتحرك للمكتب "مستر رحيم هل ترغب بالرسومات؟"

نفخ الدخان وجعله ستار يخفيهم عن نظراته وهو يرتد لخلف المكتب "نعم"

ورفع عيونه لها وهي تتوقف عن جمع الرسومات وتلتقي بنظراته "لم أقرر بشأنهم بعد"

أخفضت نظراتها وهزت رأسها وشعرت برغبة بإنهاء كل ذلك فاستدارت وهي تقول "تمام"

وتحركت لتذهب لكن نارا لم تتركها هكذا "لديك من هم أفضل رحيم، لما لا ترسلها بعيدا وتضع واحدا منهم بدلا منها؟ بالنهاية هي لا تليق بالعزايزي جروب، ألم تخبرني ذلك دائما؟"

رفع وجهه لنارا والغضب انتصر عنده ومهرة تقف دون أن تنظر لأي منهما والألم يهزمها تلك المرة وكل ما فعله أن هتف 

"قلت كفى"

ولم تواجه نظراتهم، لم تمنح نارا نظرة الانتصار لأن دموعها وصلت لعيونها.. 

نارا عرفت جيدا كيف تؤلمها وتهد أي طريق يمكن أن يُبنى بينها وبين رحيم مرة أخرى.. 

هي لا تليق بالعزايزي جروب، بل بصاحب العزايزي جروب نفسه، هو أخبر خطيبته ذلك

الألم مزقها.. كرامتها تم دهسها ومع ذلك حافظت على هدوءها وشموخها أمام غريمتها.. 

تحركت وخرجت دون حتى غلق الباب خلفها

واختفى أثرها خلف الباب وهمت تغلقه بلا ضوضاء حتى سقط الصمت

مخيف.. قاتل

مشحون.. خانق.. كأن الهواء نفسه توقف

رحيم ثابت بمكانه للحظات.. 

عيونه على الباب الذي انغلق خلف المهرة التي انسحبت من السباق بكبرياء مجروح

نارا عرفت جيدا كيف تصيب الهدف.. 

السيجارة أحرقت إصبعه فانتبه واعتدل ليضعها بالمطفأة.. 

بينما نارا تراقبه.

بدون ابتسامة هذه المرة فالأمر لم يعد يخص الصراع بل القلب.. 

لذا لا مجال للتمثيل الآن.. فقط عيون.. تراقب، تحلل وتفهم.. تفهم أكثر مما يجب

أو تُخمن.. 

تحركت خطوة ببطء، قوامها الفاتن معروف فهي تحافظ عليه بكل الطرق كعارضة أزياء قوامها هو رصيدها رغم أنها ليست كذلك

صوتها خرج هادئا لكن مهزوز "من الواضح.. أن الماضي لم ينتهي"

لم يرد.. 

بهدوء شديد جلس خلف مكتبه دون منحها نظراته التي ثبتت على لوحات مهرة وببرود قال "انتهيتِ؟"

رفعت حاجبها كعادتها ونبرته لم تروق لها فقالت بعناد واضح "لا رحيم، لم أنتهي"

اقتربت لطرف مكتبه ويدها استقرت على لوحة من لوحات مهرة وكأن المهرة تخبرها أنها باقية ولم ترحل 

تنفست بقوة وأكملت "لم أنتهي، وأندهش من رد فعلك"

أيضا لم ينظر لها، جزء من عقله معها والآخر مع من خرجت وهو يعلم أنها مجروحة، بالأمس كانت تتحدث بنفس الكلمات ونارا أكدت الأمر

هكذا هو يراها.. أقل منه.. لا ترقى لمستواه

هو من فعل بها ذلك.. 

صوتها جذبه مرة أخرى "أم أنك ترى أن ما حدث طبيعي؟"

التفت لها أخيرا.. عيناه لم تكن عادية

باردة.. لكن تحتها غاضب حارق.. ومخيف "ما حدث.. " 

وسكت لحظة محاولا كبح جماح غضبه وهو يختار كلماته بدقة قاتلة وصمته تلاعب بصبرها "هو أنكِ تجاوزت حدودك"

تجمدت ملامحها.. لا تصدق أنه يلومها هي.. يلقي بالذنب عليها و.. 

تماسكت بتأني وهي تقترب أكثر تكاد تلتصق بمقعده وضحكت بسخرية خفيفة تناسبت مع نبرة صوتها "أنا؟"

جذب السجائر وواحدة لمست شفاهه، أشعلها ونفخ دخانها ببطء وكأن دخانها هو الشيء الوحيد الذي يمنعه من الانفجار 

نهض ليبتعد عنها ولكنها تبعته ورفعت وجهها له وأكملت "لأني كنت أتحدث عن.. زوجتك السابقة؟"

لم ينظر لها من بين الدخان.. لم ينفِ ما قالته.. لم يبرر ما قال

فقط نظر لها 

النظرة وحدها كانت كفيلة بدفع أي أحد للتراجع خطوة 

لكن نارا لا تتراجع بل أكملت بتحدي "أم غضبت لأني أخبرتها حقيقتها، الحقيقة التي أخبرتني أنت بها، غضبت لأنها انجرحت؟"

بسهولة أخفى ما بداخله.. 

ليس رحيم العزايزي من تهزه امرأة أو تغوص داخل أعماقه، حتى لو كانت خطيبته.. 

مال رأسه قليلا و أخفض صوته مما غلفه بالقوة والخطر "أنا غاضب.. "

ويده التي تمسك السيجارة بينهما، تشير لها وهو يكمل "لأن أسلوبي بالعمل ليس به إهانة أو تقليل من قيمة أحد، وما قلته عنها كان بوقت غضب وتعلمين السبب"

شحب وجهها وابتلعت ريقها من عتاب نظراته لها 

لم ترد وخيمت لحظة ثقيلة بينهما حتى قالت "إذن هو هي من تغضب لها وليس أي أحد"

لمعة سريعة مرت بعينه، اختفت بالحال "لا تتجاوزي حدودك معي نارا، رحيم ليس اسم على مسمى"

والهدوء كان زائف.. يحمل إنذار العاصفة وهي تتراجع

ليس من الخوف.. بل من الفهم..

كانت تربط.. تجمع.. تفكر.. 

لكنها ظلت صامتة وهو يتحرك مبتعدا وهي تنظر للفراغ أمامها حتى التفتت لظهره المواجه لها وسحابة الدخان تحاوطه "تهددني لأجلها؟"

لم يرد.. 

ظلت مكانها وقالت "أنا لن أسمح لك بتكرار الأمر معي رحيم"

عندما لم يرد تحركت له.. 

وقفت أمامه وسقطت نظراته عليها وهي تمنحه نظرة غضب نارية كما هو صوتها "أنا لن أسمح لها بأن تأخذك مني مرة أخرى هل تسمعني؟"

كان يرفض تهديها لكنه يدرك مشاعرها لذا ظل هادئا ولم يثور بوجهها فقط قال "لا تفكري بأن تخبريني ماذا أفعل من عدمه نارا، لأن لا أحد يأخذ قراراتي سواي"

الجنون هزمها وهي تهتف "أنت ما زلت تريدها رحيم، وجودك هنا بدلا من أن تكون معي لنتم إجراءات الزفاف يعني ذلك، وجودها بمكتبك.."

رفع نبرة صوته ليوقفها "وجودها بمكتبي كان للعمل، هذا ما ترفضين استيعابه"

 تراجعت وهو الآخر ارتد للمكتب ليدهس السيجارة وتحرك للبار الجانبي وحصل على مشروب لا يتناسب مع روتين يومه الصباحي لكن ما يحدث يتطلب شيء يوقف جنونه

تحركت بلا هدى ويداها تفرك بعضها البعض ونظراتها ضائعة بين الشك واليقين وهو تناول المشروب دون النظر لها حتى قالت "حسنا رحيم، لننسى ما حدث ونعد معا، هناك الكثير ينتظر رأيك بالقاهرة"

تناول رشفة أخرى والمشروب يحرق جوفه ثم قال "لا يمكنني ذلك، لدي الكثير هنا لإنهائه قبل اجازة الزفاف"

أشاحت بيداها وفلت العقل منها "أم ترغب برؤيتها لتضمد لها جراحها؟"

تناول ما تبقى بالكوب جرعة واحدة ووضعه على المائدة بصوت أفزعها كما كان صوته "كفى!"

انتفض جسدها من صوته المختلط بصوت الكوب 

التفت لها ورأت عيناه تحترق بلون الأحمر من الغضب مما جعلها تتراجع من الخوف "لا أرغب بكلمة أخرى بذلك الأمر نارا هل تسمعيني؟"

النبرة كانت مخيفة رغم صوته الهادئ. جعلتها تحدق به ودموعها تكونت بعينيها 

تنفس بقوة وتحرك للمكتب وعاد لجهازه ومنحه اهتمامه فتحركت هي بخطى بطيئة للباب وقبل أن تختفي خلفه منحته نظرة رجاء أن يوقفها لكنه لم يفعل

لم يمنحها حتى نظرة فتحركت مغلقة نفس الباب خلفها 

تدرك أن الأمر يتكرر من جديد وربما تخسره مرة أخرى.. 

تراجع بالمقعد، أغمض عيونه وتنفس بقوة وهو يفك ربطة عنقه 

لم يرى في ظلام عينيه سوى عيونها.. تلك التي امتلأت بالألم قبل أن ترحل

انكسارها الداخلي الذي أسقطتها به نارا يخترق قلبه كخنجر حاد.. 

اللعنة نارا، أنتِ نار تحرق كل ما حولها كي تعيش هي.. 

أسند رأسه على أصابعه والصداع يرتد له أقوى مما كان، هو الملام.. هو من منح نارا السم بيده لتضعه لمهرة وتدمرها بلا رحمة

كان يشعر وكأن الأبواب تغلق في وجهه واحدا تلو الآخر، فهل هذا يعني أن الماضي انتهى كما قالت هي؟ 

هل يمكن أن يكون لقائهم الغير مرتب هذا بلا معنى؟ لينتهي إلى اللا شيء؟ 

دقات الباب تعيده وهمت تقول "موعد الاجتماع بعد خمس دقائق مستر رحيم"

رفع وجهه لها ومنع ملامحه من إظهار أي شيء "تمام، أرغب بقهوة"

أحنت رأسها "حاضر يا فندم"

خرجت واعتدل ونظراته تسقط على رسوماتها وظل يتفحصهم وهو يذكر عملها بالماضي وكيف كان لا يمنحه اهتمام.. 

تفحص اللوحات بتمعن وصمت موقفا الذكريات.. 

للمرة الأولى.. لا يبحث عن خطأ بعملها

**** 

دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها بهدوء.. 

خطواتها كانت ثابتة في البداية.. منتظمة.. كأن شيئا لم يحدث

لكن.. 

مع كل خطوة كان شيء بداخلها يتفكك حتى وصلت لمكتبها.. 

وضعت يداها على سطحه.. تستند عليه كأن الأرض فقدت ثباتها فجأة تحت قدميها

أغلقت عينيها.. أنفاسها خرجت بطيئة لكنها لم تهدأ، لم توقف ألم قلبها.. لم تطفئ الفوضى بداخلها، لم تمس ذلك الألم الذي استقر بقلبها

ما زالت تسمع صوت نارا.. كلماتها.. نظراتها.. 

صمته.. 

فجأة وجدت نفسها تضحك.. ضحكة قصيرة، مكسورة.. بلا روح "رائع مهرة"

همست بها لنفسها.. تسخر من قلبها قبل أي أحد.. ثم رفعت وجهها ببطء وعيونها تستقر على لوحاتها الساكنة على سطح مكتبها.. 

تلك اللوحات التي تمنت، حلمت كثيرا أن يراها.. يقدرها حق قدرها لكن.. هل رآها يوما؟ 

تحركت يدها ولمست إحدى الرسومات.. أصابعها كانت ترتجف كأنها كانت تلمس ذكرى.. لا ورق "ما الذي كنتِ تنتظرينه!؟"

سألت نفسها بصوت غير مسموع سوى لقلبها و.. عقلها "أن يدافع عنكِ"

ابتسمت بمرارة.. واعترفت بالحقيقة التي تعرفها "رحيم لا يدافع عن أحد.. إلا نفسه"

وتكررت الجملة داخلها.. كأنها تحاول إقناع نفسها بها

لكن قلبها الواهن خانها.. تراجع عنها بخيانة معتادة عاد يهمس "لكنه لم يتركها تكمل هو أوقفها هو.. "

لكنها توقفت.. عندما أدركت الحقيقة.. 

سحبت يدها.. اعتدلت وكأنها ترفض دفاعها الواهن عنه 

"كفى"

قالتها بصوت مرتفع قليلا، توقف قلبها عن جنونه ودفاعه عن رجل لا يستحق، وتحركت بعصبية، بغضب، بيأس 

تجمع لوحاتها.. ترتبها بلا هدى.! بلا نظام حتى توقفت من الصداع الذى هاجمها فجأة مما جعلها تهتز 

رفعت أصابعها لرأسها وكأن الصداع يذكرها بمرضها فتحركت للمقعد وجلست بتعب واضح وقد حاولت أن تسيطر على جسدها المرتجف والمنهك

لكن الأفكار كانت أسرع.. هاجمتها بلا رحمة توقظها قبل أن تهزمها العاصفة

أيلا.. 

وجهها ظهر أمامها بالحال.. ضحكتها.. صوتها "مامي"

انقبض قلبها بقوة.. ارتفع شيء داخلها.. حاربت ضعفها.. رفضت هزيمتها 

"لا يمكن أن أضعف الآن.. أيلا بحاجة لي"

الدموع سكنت عيونها التي عادت لمكتبها، أوراقها.. كل شيء كما كان لكن.. 

هي ليست نفس المرأة.. 

نهضت لمقعدها وفتحت جهازها وسحبت أحد التصميمات 

وعادت للعمل.. ليس هروبا.. بل نجاة

**** 

لم يلتقي كلاهم مرة أخرى بذلك اليوم.. بل رحل اليوم بكل ما به.. 

لم يهاتف نارا ولم يحاول إصلاح خلافهم، لكنه لم يوقف إجراءات الزفاف.. هو واقع ولن يتبدل 

بمنتصف اليوم التالي قطع رنين هاتفه محادثته الهامة مع محمود حيث كان ينظم معه الأمور قبل رحيله وما أن نظر للهاتف حتى تراجع.. 

نظر لمحمود وقال "أحتاج للرد"

أومأ محمود له فنهض للنافذة وأجاب "ماما!؟ أنتِ بالقاهرة؟"

المرأة كانت تسافر عند أخته بالدنمارك ثم تعود من أجله.. 

لم تقبل بزواجه من مهرة، لم تراها من الأساس ولم تمنحه أي تعليق عندما انفصل. 

صوتها أتاه مبتهجًا "نعم حبيبي، نارا أرسلت لي تذكرة الطيران لأجل زفافكم"

تنفس بعمق وهو يذكر ذلك الزفاف الذي تبقى عليه أيام لا تعد ومع ذلك لم يهتم بأي تفصيله به 

"هل رحمة أتت معك؟ اشتقت لها وللأولاد"

ضحكت والدته وقالت "ستأتي قبل الزفاف بيوم.. علاء زوجها لم يمكنه أخذ اجازة قبل ذلك، وسيعودون بعد الزفاف مباشرة"

اشتعلت سيجارته وهو يجيبها "جيد، كيف هي صحتك؟"

هتفت "بأفضل حال حبيبي، متى سأراك؟ ظننتك هنا للاستعداد للزواج"

رفع أصابعه لجبينه لحظة قبل أن يجيبها "سأفعل ماما، فقط الشركة هنا جديدة وبحاجة لي قبل اجازة الزواج"

صمت حل بالهاتف فقال "ماما هل ما زلتِ معي؟"

عادت تجيبه "نعم رحيم، أنتظرك لتناول الغداء معي غدا"

فتح فمه ليعترض لكن لا يعلم لماذا شعر بوجود نارا خلف كل ذلك فتراجع وقال "سأحاول ماما، اهتمي بنفسك حتى أراكِ"

أجابت بحنان "حاضر حبيبي، سأفعل لأراك أخيرا عريسا وأنتظر أولادك"

أغمض عيونه ولا يعلم لماذا اخترقت أيلا أفكاره عند هذا الجزء.. تنهد وكلاهم يغلق 

ظل واجما ووجه أيلا.. ابتسامتها.. صوتها الطفولي "هو صديقي وأنا أثق به"

تلك الطفلة تتملكه بشكل غريب! 

انتهى من اجتماعه بطريقة أدهشت محمود لأن اجتماعات رحيم لا تنتهي كما عرف عنه الجميع ذلك.. 

وترك المكتب ونزل لسيارته غير عابئ بمسلم ولا رجاله بل تحرك للسيارة وقاد بنفسه ورجاله تتبعه بسيارة أخرى.. 

**** 

ما أن فتحت باب شقتها حتى اندفعت أيلا لها فحملتها بين ذراعيها رغم ما تحمله من حقائب عملها لكن الصغيرة لا تهتم وصوتها موسيقى بأذن مهرة "مامي، افتقدتك"

ضمتها لها بابتسامة حقيقية "وأنا أيضا حبيبتي"

ابتعدت الصغيرة بوجهها عن كتف والدتها وهتفت "تعالي لرؤية ما أحضره لي صديقي"

تجهم وجهها.. تولاها الصمت.. كلمة صديقي عنت الكثير مما رفضته ولا ترغب بقبوله.. 

أفلتت الفتاة منها ولكنها قبضت على يدها وجذبتها وهي تتحرك معها لمكانها الخاص باللعب وهناك رأته.. 

قلبها كان يعلم.. لن يتركها.. 

كان على الأرض جسده الطويل ممدد ويستند على ذراعه ووجه ارتفع لها.. 

نظرة تحدي بعينه.. لن تجرؤ على رفض وجوده.. 

"لقد عرف اللعبة التي أردتها مامي وأحضرها لي"

انتبهت لصوت أيلا وأنها تركت يدها واستقرت أمامه على الأرض ولعبة كبيرة من ألعاب البنات كانت أمام ابنتها.. تقوم بتركيبها

هتفت الفتاة "هل رأيتِ مامي.. هو أيضا يساعدني بتركيبها.. تعالي، أحتاج لكِ"

سهيلة خرجت بنفس الوقت "مساء الخير مدام"

التفتت لها وهي تحمل القهوة وتتحرك له بها وتضعها له وكأنه صاحب البيت.. 

الغضب حل محل التيه الذي كان يأخذها وارتدت عيونها له.. 

لمعت عيناه عندما التقى بها وبلحظة رأت نارا وسمعت كلماتها 

التفتت وأرادت أن تتحرك لمكان بعيد عنه.. ولكن 

صوت أيلا أوقفها "هيا مامي تعالي"

لم تلتفت وهي تقول "أحتاج لتبديل ملابسي أيلا"

وتحركت لغرفتها وأغلقت الباب وتحركت بخطوات غاضبة.. يداها تعتصر بعضها البعض 

كيف يجرؤ على أن يأتي هنا بعد ما كان؟ 

كيف يمكنه أن يواجها وهو من طعنها بكرامتها مرة بل مرارا بلا رحمة؟ 

تعبت.. جلست على طرف الفراش وعقلها لا يمنحها أي مساعدة وقلبها جبان، خائن لن تلجأ له

رفعت يداها وأسندت رأسها عليهم وهي لا تعرف لماذا عاد لحياتها الآن وكل الطرق مؤصدة بوجهها؟

لماذا يتسرب كالسم داخل حياتها.. وابنتها؟ 

ابنتها.. 

رفعت وجهها.. لن تتركها له، لن يفوز مرة أخرى

نهض تاركا الفتاة تكمل لعبتها بعد أن منحها تعليمات بسيطة لتكمل لعبتها الجديدة وتحرك لمكان الجلوس ليشعل سيجارة وكوب القهوة بيده ونظراته على باب غرفتها

هل ستتركه دون أن تعود له؟ 

نفخ الدخان وتناول بعض القهوة وتحرك دون أن يجلس.. عقله يدفعه للرحيل لكن شيء ما يجبره على البقاء.. 

أيلا.. مهرة.. 

أنت مجنون.. 

كان عليه التحرك للقاهرة حيث ينتظره الكثير لا التواجد هنا حيث تنتظره معركة لا يعمل لأين ستنتهي؟ 

رفع الكوب لفمه عندما انفتح الباب ورآها أمامه.. 

جمد.. 

الجينز يلف جسدها بشكل لا يمكن تفويته.. بلوزتها أحكمت حول صدرها بشكل أنيق و.. مثير.. مثير جدا.. 

شعرها تهاوى بلا انتظام خلفها، يتبعها كتاج الملكة وخصلاتها لفت وجهها بطريقة انسيابية وتناغمية مظهرة نعومة بشرتها 

عيونها لمعت ببريق ناري لم يظهر لونهم الحقيقي ولكن بدت حارقة.. قاتلة 

يده تجمدت بالهواء وهي تتحرك تجاه ابنتها متجاهلة وجوده وكأنها لا تراه.. 

تلك المهرة لا يعرفها.. 

هادئة هدوء قاتل.. مثيرة، ثقتها ارتفعت لعنان السماء.. تتحداه بلا تراجع ولا استسلام، تجمح به و.. بقلبه

على الأرض استقرت.. بجوار ابنتها.. كما ستكون دائما

جلس أمامهم كما كان.. لكنها لم تمنحه أي اهتمام وبعد لحظة كانت أيلا تجذب كلاهم لها وتفقدهم التوتر الذي كان يلفهم

أخبرتها أنها جائعة فنهضت ولم تمنحه أيضا اهتمامها، فقط تحركت للمطبخ.. 

لم تواجه نظرات التساؤل بعيون سهيلة عن هوية الضيف فأيلا أخبرت العالم عن صديقها الجديد وهي لم تغير الأمر

عادت بصينية الساندويتشات، أخذها منها ولم ترفض وتناولوا جميعا الطعام وما زالوا يكملون اللعب وبلا وعي انفتح الحديث بينهم.. 

لمسة يد.. نظرة عين.. 

جو عائلي افتقده منذ سنوات الطفولة، موت والده ثم زواج أخته وهجرتها مع علاء.. 

الآن هي تمنحه له.. تلك الفتاة الصغيرة جرته لعالم وجد نفسه يريده.. يرتاح به 

انتهى الطعام وهي نظرت لساعتها وقالت "أيلا موعد نومك حبيبتي"

تذمرت أيلا واستعانت به.. لكن نظرته للمهرة جعلته يرتد للصغيرة بابتسامة جعلته أكثر وسامة "مامي على حق، اللعبة ستنتظرك للغد"

لكنها منحته رد لم يتوقعه.. ولا هي "ولكنك لن تنتظر"

ثبتت نظراته عليها.. وتوقفت أنفاسه.. أو نسى أن يتنفس.. 

لكن عندما تذمر قلبه بدقات قوية تنفس بعمق وهو يراها تخفض نظراتها وتنهض لتضع قبلة على وجنة مهرة التي تلقت الكلمات بجمود مماثل له 

عندما توقفت أمامه وجد نفسه يعتدل، يحيط وجهها براحتيه "ظننت أنكِ سعيدة باللعبة"

هزت رأسها وتساقط شعرها الأسود المبعثر على وجنتيها فعاد وقال "إذن لماذا لا تبدين كذلك؟"

رفعت عيونها له.. شيء ما بهما.. تلك العيون تذكره بشيء أو بأحد لكن.. 

"لأنك لن تأتي مرة أخرى لتلعب معي، مامي قالت أنك لن يمكنك أن تبقى عندنا"

رفعت رأسها تتحداه أن يقول عكس ما قالت، أفلت نظراتها وعاد للطفلة وقال "وهل ترغبين بأن أكون هنا مرة أخرى؟"

عيناها الجميلة ظلت تنظر له ببراءة ونبرتها الصادقة تمس القلب "نعم، أنت طيب وتشتري لي الألعاب وتلعب معي، فتاة بالنادي كانت تلعب مع رجل كبير مثلك لكنه لم يكن صديقها بل والدها وليس لديها صديق وأنا ليس لي والد ولكن لي صديق"

تمزق قلب مهرة.. تفتت لمليون ألف قطعة لأجل ابنتها.. 

رغبتها بأب كانت عالقة بذهنها.. والآن تعلقت به.. تراه بديل عن الأب

صديق.. 

قبضة حديدية قبضت على قلبه لكلمات الفتاة.. 

سقطت داخل أعماقه وأحرقت جموده.. غروره.. سطوته.. 

جعلته أضعف مما كان يظن أنه سيكون بأي يوم

نظرات مهرة كانت ضائعة وهو يراها تقاوم الدموع.. تفر منه ولا تواجه "ربما يأتي والدك لرؤيتك ووقتها لن تحتاجين لصديق"

كان يتسرب لمنطقة خطر وعليها التدخل لكن أيلا لها شخصيتها التي صنعتها هي لها "أنت أفضل منه، هو لم يهتم بي لكنك تفعل، شكرا لك"

وفلتت من راحتيه لتضع قبلة على وجنته "طابت ليلتك أبيه"

وتحركت لغرفتها وسهيلة تتبعها بينما سقطت دمعة على وجنة مهرة.. 

مسحتها قبل أن يراها وقلبها يدق بعنف داخل صدرها 

نهضت واقفة.. لا تمنح الضعف أي سطوة.. ليس وهو هنا.. ينهض ليواجها فقد حان وقت المواجهة

صراع جديد من صراعاتهم معا 

رفعت وجهها له.. التقت بالرمادي الساكن بمقلتيه.. سطوته انطفأت.. لا تراها

نظرة لا تعرفها هي كل ما واجهته 

أشعل سيجارة لتختفي النظرات فقالت "أيلا مندفعة كما تعلم.. و.. أنا لا أعلم.."

قاطعها دون اهتمام بكلماتها "رجالي لا تعثر على أي شيء يخص العام الذي تبع انفصالنا مهرة، أين كنتِ وقتها؟ هل والد أيلا أخفاكِ بمغارة تحت الأرض؟"

ارتجفت شفاها وضمت قبضتها بجوارها كي تخفي ارتجافهم ورفعت رأسها لتحتفظ بهدوء زائف "وهل حياتي تهمك هكذا حتى تُسخر رجالك لمعرفة تفاصيلها؟"

مال تجاها، اقترب من وجهها بطريقته التي تجعلها تضعف.. تتهاوى من برج ثقتها العالي "نعم، نعم مهرة، أخبرتك كثيرا أني أهتم بكِ وبما يخص أيلا"

ابتعدت وهاجمت "لأجل ماذا؟ لتثبت أني تلك الحقيرة التي لا ترقى لمكانتك؟"

جذبها من ذراعها لتواجه نظراته القاتمة وقال بصوته الهادئ والمخيف "بل لأعرف ما تخفيه عني.. تلك القصة عن المكانة أصبحت سخيفة جدا ولا مكان لها الآن، أصبح اسمك علامة داخل الشركة وخارجها"

جمدت أمامه، هل يعترف بذلك؟ 

عاد ليقربها منه وهو يكمل "أين كنتِ طوال هذا العام مهرة؟ من هو زوجك وأين هو؟"

ثبتت نظراتها عليه بلا قدرة على النطق.. 

لحظة صمت.. لكن ليس صمت عادي.. بل معركة.. معركة تحدث داخلها

صراع لم ولن ينتهي منذ سنوات ولا تعلم هل اليوم وصل لنهايته؟ 

رفعت ذقنها ببطء.. تجمع كرامتها من تحت ركام السنوات الراحلة "ولماذا تريد أن تعرف؟"

سؤال بسيط.. لكن.. حاد.. مخيف.. قاسي

لكنه مع ذلك لم يبتعد.. بل زاد اقترابا.. كاد ينهي المسافة بينهما لحد خطير وصوته الهادئ أكثر خطرًا "لأن ابنتك ظهرت فجأة في حياتي.. ولا شيء يحدث فجأة بلا سبب"

ارتجف قلبها.. لكن حافظت على ملامحها مجهولة.. لا تمنحه أي شيء من النيران المشتعلة داخلها.. 

حتى صوتها لم يخرج مهزوزا "وإن لم يعجبك السبب؟"

رفع رأسه.. نظرته لها طالت.. ثقيلة.. 

كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف عينيها بالقوة وعندما فشل قال بنفس الهدوء "سأعترف أنني لا أحب الجهل.. أكثر من الكذب"

تجمدت.. كلماته تصيب الأعماق.. تؤلم ولا ترحم 

ومع ذلك ابتسمت بسخرية خفيفة.. لكنها كانت مهزوزة "أنت دائما تحب السيطرة رحيم، حتى على ما لا يخصك"

ضغط على ذراعها بقبضته قليلا "وأنتِ دائما تهربين من الإجابة"

سكتت.. 

هو على حق.. منذ التقيا وهي لا تفعل شيء سوى الهروب منه ومن مواجهته 

اقترب بشكل أصبح خانق وكأنه يسرق الهواء من حولها.. يوقفه عنها بأمر منه "سأكرر السؤال مرة واحدة فقط.. أين كنتِ؟"

تلك المرة لم تكن نبرة ضغط فقط.. بل بها شيء آخر.. 

خوف؟ شك؟ أو غيرة هو لم ولن يعترف بها؟ 

تراجعت.. تفلت منه ليس خوفا منه.. بل من نفسها 

ولكن ظلت النظرات عالقة.. هي لحظة لا يمكن كسرها "وأنت؟"

سألته فجأة وهو اعتدل لتكمل هي "أين كنت طوال تلك السنوات؟ لماذا الآن فقط تتذكر أن تسأل؟"

سكت.. تلك مرته الأولى بالسكوت.. 

سؤالها قذيفة أصابت الهدف.. حطمت شيء ما داخله 

عيونه لم تفلت منها لكن ما تحطم داخله كان يتحرك وهو لا يفهمه.. 

وهذه المرة هي من تولى الدفة.. ضغطت "أم أن ظهورها فقط هو ما جعلك تهتم؟"

تحركت عروق فكه.. ضم قبضتيه بجواره.. تنفس بعمق كما اعتاد.. لكن

صوته لم يفلت من تحت سيطرته "لا تحرفي الحديث مهرة"

ضحكت.. ضحكة قصيرة عصبية بلا روح.. عنت الكثير ولكن لم تعبر عما داخلها "أنا لا أفعل.. أنا فقط أمنح ما يحدث تفسير"

وعادت له "وهو تفسير حقيقي"

الصمت عاد، ثانية.. اثنان.. 

كان هو من يمنح ما كان تفسير حتى.. 

ومضت عيناه ببريق وهو يقول فجأة "أنتِ لم تتزوجي"

 كان إقرار وليس سؤال.. كان حكم

وهي جمدت.. ولأول مرة خانتها عيناها.. 

وقتها أدرك.. استوعب.. فهم ما لم يكن يفهمه 

خطى خطوة لها، نظراته تكاد تحرق كل شيء أمامه وهو يضع الاثباتات الواحدة بجوار الأخرى حتى يصل للنتيجة ولكن تبقى خطوة 

"إذًا من هو والدها؟"

ابتلعت ريقها.. اختنقت الكلمات داخل جوفها.. انحبست مع ما كانت تحبسه داخلها من ماضي وذكرى.. 

وهو تابعها.. تابع كل ما تبدل على ملامحها.. صمتها.. ارتجاف يداها.. شفاها.. حتى الألم بعيونها.. تابعها 

وعرف.. فهم "بل لم يكن هناك أحد؟ لم يكن هناك زوج ولا أب"

لم تنهار.. لم تخف

بل رفعت عيناها له بتحدي.. لم تمنحه حتى نظرة انكسار.. فقط صمت

هتف بلا قوة على التوقف "ثلاثة سنوات.. نعم، كيف لم أفهم؟ تحدثي.. أيلا.. "

وقبل أن يكمل كان صوت صغير من الخلف يوقفه عن أن يكمل "مامي"

تجمد كلاهم.. 

التفتا بنفس اللحظة.. 

أيلا كانت تقف عند مدخل غرفتها.. تفرك عينيها الصغيرة بنعاس وشعرها مبعثر أكثر حول وجهها "صوتكم مرتفع.. أيقظني.. لماذا تتشاجران؟"

وكان الصمت.. صمت جديد.. مختلف.. 

صمت اعتراف

عيناه كانت تتحرك للطفلة.. الآن فهم لماذا عيناها تبدو مألوفة؟ 

لأنها ببساطة.. 

تشبهه.. 

هي تحمل عيونه.. شعره.. وربما شكل وجهه

تحركت الطفلة تجاه أمها الساكنة أمامها غير قادرة على الحركة وأمسكت يدها وهي تضغط عليها بقوة "لماذا يصرخ بكِ؟ هل غضب مني لذا صرخ بكِ أنتِ؟"

مهرة فقدت النطق.. 

كانت ضائعة ما بين سرها الذي لم تخرجه طوال تلك السنوات وما بين لحظة المواجهة وخوفها على ابنتها من الصدمة.. 

رحيم كعادته لم يرحمها.. لم يمنحها أي نظرة بل تحرك.. 

خطوة واحدة ليس لأجل مهرة

بل نحو أيلا.. حتى توقف أمامها

نزل لمستواها ببطء حتى توقف أمامها وتحركت نظراته على وجهها الصغير.. 

الخوف مزق شيء داخله.. لذا قال "أخبرتني من قبل أن اسمك أيلا مهرة.. "

هزت رأسها ونبرته الخافتة منحتها شعور بالراحة واندثر الخوف وعيونها ثابتة على شبيهتها 

عاد لها، يبتلع ريقه "حسنا لكن لكل واحد منا اسم أب، مثلا أنا اسمي رحيم علي العزايزي فما هو اسمك؟"

ضغطت يد مهرة على يد ابنتها ومع ذلك لم تحاول أن توقفه عما يفعل فقد وصلت للنهاية وارتفعت صافرة الحكم 

الطفلة أجابت بلا خوف "أيلا"

الصمت سقط وبدا أنها كانت ليلته.. الاسم لم يكن مجرد اسم

عيونه ثبتت على الصغيرة ثم قال بصوت منخفض جدا "ماذا؟ أيلا ماذا؟"

مهرة لم تتحمل وصوتها خرج مهزوزا "رحيم.. "

لم يرفع وجهه لها وعيونه ثابتة على الفتاة وهمس "اسكتي"

لم تكن قسوة منه.. بل صدمة تمنع أي صوت آخر 

وعاد للصغيرة "اسمك بالكامل ماذا أيلا؟"

ابتسمت الطفلة ببساطة وأجابت

وتجمد الهواء

               الفصل السابع من هنا

تعليقات



<>