رواية جامحه بقلبه الفصل السابع7 بقلم داليا السيد

رواية جامحه بقلبه الفصل السابع7 بقلم داليا السيد 

ابنتي

النظرات سبحت بينهم بمحيط الصمت الذي لفهم.. 

مهرة أغلقت عينيها.. تنتظر ضربة جاءت متأخرة لكنها كانت تنتظرها.. 

أما هو فلم يتحرك.. لم ينطق بكلمة.. 

لم يرمش تقريبا.. 

حتى انتبه لنفسه.. عاد للواقع بعد خوض معركته التي كان يخوضها وحده..

الطفلة استمعت لسؤاله "اسمك بالكامل ماذا أيلا؟"

وبعدها أجابت ببراءة "أيلا رحيم"

وتركت كلاهم يتلوى فوق جمر مشتعل من لهيب الذكريات المؤلمة.. 

وهو وجد نفسه أخيرا يكرر بصوت مكسور لأول مرة "رحيم..؟"

الطفلة هزت رأسها بثقة طفولية وأكملت "مامي قالت ذلك.. اسمك مثل اسم بابي"

الصمت تلك المرة لم يعد صمتًا.. بل سقوط.. وللهاوية.. بلا نجاة

رفع عينيه ببطء شديد نحو مهرة.. نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتكسر كل شيء وتجعل الحقيقة الغائبة.. 

واضحة

ولمعت عيناه وهو ينطق بألم غريب لم يعرفه من قبل "ابنتي؟"

حل سكون مخيف لم يقطعه سوى همس الأنفاس تعزف سيمفونية لا معنى لها

سكوته كان انكسار.. 

سكوتها كان خوف.. 

وسكوت أيلا كان عدم فهم.. 

 انفلتت أيلا للخلف لتلتصق بأمها.. لا تفهم شيء مما يدار حولها 

نهض.. يترنح من داخله.. يحاول استيعاب ما كان.. ما صار.. ما سيكون

لا يصدق ما يحدث من حوله وخرج صوته خافتا.. مبحوحا.. مذبوحا "أنتِ.. "

انكسار.. ضعف سكنه بلا مقاومة منه وهو يرفع وجهه لها وهي لا تواجهه "كيف جرؤتِ؟"

شحبت.. رحلت من عروقها الدماء

لطالما كانت تنتظر تلك اللحظة.. تعلم من داخلها أن عليها الوصول لذلك اليوم.. لكنها كانت تفر منها.. 

لم تجيبه وهي تحدق بالفراغ.. بسنوات الضياع التي عاشتها وحدها.. 

صوته كان قوي وكأنه رمم نفسه بسرعة "تركتِ الفتاة تنشأ بدون أب"

اهتز جسدها تحت قوة نبرته.. 

رفعت عيونها له.. ولأول مرة لم تعد خائفة.. 

لم يعد هناك مجال للهرب فقد وصلت للنهاية.. 

اهتزت شفاها وهي تجيبه "وأنت.. هل كنت تريدها؟"

سقط السؤال بينهم كصفعة.. جعله يتجمد.. 

رمش.. كأنه لم يسمع جيدا فقال بصوت مخيف "ماذا!؟"

ضغطت على جسد صغيرتها المرتجف والملتصق بها.. عيناها تلمع.. بلا ضعف وإنما بألم عاد حيا.. 

همست بصوت مسموع لكن متألم "هل كنت ترغب بطفل رحيم؟ أم كنت كل يوم تحذرني من الحمل، تخبرني أن الوقت ليس مناسب للإنجاب، العمل بحاجة لك، حياتنا ليست مستقرة لطفل"

تنفست بقوة.. تخطف الذكريات من بين براثن الجحيم الذي كانت تعيشه "لم ترغب بطفل مني.. من امرأة لم تليق يوما بابن العزايزي"

كان جامدا.. كلماته ترتد له.. كانت تنهض من بطن النسيان، مؤلمة.. له

وهي لم ترحمه.. أكملت المذبحة بنبرة مهتزة "هل نسيت عندما أخبرتني أنه لو حدث حمل فلن يتم؟”

واكتملت الصدمة.. عليه

دفعته ليرتد للخلف خطوة.. كأن الكلمات ضربته في صدره وهو نطق بلا وعي "أنا.."

لكنها لم تتركه يتحدث.. كان عليها أن تكمل ما بدأته حتى النهاية "أنا كنت حامل وقتها رحيم"

واختفى الهواء.. اختنقت الأنفاس.. ارتفعت الدقات

“بيوم ما نسيت قرص من الأقراص دون قصد وظننت أن الأمر لا يهم لكن.."

وابتلعت ريقها.. دمعة سقطت بنفس الوقت وهي تستحضر تلك الأيام.. الخوف الذي سكنها من أن تكون حامل.. 

انتظار دورتها الشهرية.. 

أمضت أيام بالجحيم من الخوف حتى رأت اختبار الحمل بعيون متسعة، غارقة بالدموع ولم تعرف ماذا تفعل؟ 

عادت تجذب نفسها من سقطات الماضي "يوم قررت إخراجي من حياتك.. كنت حامل.. يوم صدقت شكوك بي ومنحتني الطلاق.. كنت أحمل ابنتنا ولم أجرؤ على إخبارك"

اهتز كيانه الشاهق.. 

وهي لا ترحمه "كنت تبحث عن طريقة لتتخلص منها قبل حتى أن تعرف بوجودها"

وانفجر البركان الكامن داخله.. هتف "كفى"

صراخه كان مفاجئ.. 

خرج مخيف وسط السكون الرهيب حولهم.. 

خروج بلا سيطرة جعل الطفلة تنتفض بفزع وخوف "مامي"

بلحظة كانت تنزل لمستوى طفلتها.. تحتضنها بقوة "حبيبتي اهدئي.. اهدئي يا قلب مامي"

صوتها انكسر وهي تضمها وتربت عليها بحنان.. 

وعيونه التصقت بهما.. محملة بالجنون.. جنون الغضب.. عدم التصديق.. 

مليئة باتهامات لا حصر لها ولن تنتهي.. 

بكاء الطفلة جعله يتنفس بقوة.. ورفع يده فمررها على شعره بعنف "لم أكن لأقتل ابنتي مهرة.. أبدا"

رفعت وجهها له.. بعينين مليئتين بألم السنين "أنت كنت تمنع وجودها من الأساس"

تجهم.. اشتعلت نيران داخل قلبه.. 

وسكوته لثانية أو اثنين لم يكن ضعف بل محاولة استيعاب ما يدور حوله حتى ضحك فجأة

ضحكة قصير.. ليست طبيعية وهو يلقي كلماته بوجهها "لذا قررتِ معاقبتي بحرماني منها؟"

انتفاضة مرت بقلبها.. لكن لم تجعلها تتراجع وهي ترد "لا.. لكن قررت أحميها"

جنون أصابه وهو يتقدم منهما خطوة، الغضب عاد أقوى مما كان "تحميها مني؟"

لم تجعلها نبرته تتراجع أو تهاب جنونه الواضح بنظراته بل ارتفعت نبرتها هي الأخرى "نعم، نعم رحيم كنت أحميها منك"

تراجعه من قوتها أسكته

وهي أكملت "منك ومن رفضك.. من رغبتك بعدم وجود شيء يربطنا"

صمت.. يحاول جمع واحد مع واحد ليكون الناتج اثنان وليس واحد

وهي كانت تتألم لذكر ما كان.. تعود لتلك الذكريات "أنت لم تعرف ما الذي دفعته لأحتفظ بها؟ أنا كنت وحدي.. أختفي كي لا تعثر عليّ وتكشف سري.. نعم رحيم عشت أوقات كثيرة كان الخوف طعامي وشرابي، نومي واستيقاظي"

وتساقطت دموع كثيرة بلا توقف وهو ارتد مبتعدا، فقط يسمع.. 

يحاول الاقتناع بمبرراتها وهي تكمل بمرارة "كنت وحدي.. وحدي وأنا حامل.. وحدي وأنا ألد،، وحدي وأنا أقوم بتربيتها"

 ظلت الدموع تتساقط.. كثيرة.. بلا توقف وهي تكمل "وأنت.. "

ابتسمت بمرارة كست نظراتها ونبرة صوتها "كنت تحتفل بانتصارك على من هزمتها وطردتها خارج حياتك.. كنت تعيش حياتك، حتى أنك ستتزوج بعد عدة أيام"

كل كلماتها كانت تذبحه،، تطعنه بلا رحمة ومع ذلك لف وجهه المحترق من لهيب الغضب ونظراته على الصغيرة التي تتمسك بأمها بقوة ثم عاد لمن هزمته 

"كان من حقي أن أعرف"

وهي لم تستسلم.. رفعت وجهها الغارق بالدموع وقالت "وأنا كان من حقي الاختيار، كانت حياتها من تراهن عليها"

هتف بها بجنون "هي لم تكن لعبة مهرة، ليست سباق من سباقاتك، هي ابنتي من تتحدثين عنها.. ابنتي.. جزء مني، ليس من حقك أن تسرقي حقي مني وتحرميني من ابنتي كل تلك السنوات"

ارتجفت الفتاة فرفعتها بين ذراعيها ووهي تربت عليها "لا تخافي حبيبتي.. تعالي لتنامي"

لكنه لم يتركها لتفر منه.. تحرك بنفس اللحظة.. وقف أمامها.. 

لن يسمح لها لتسرق منه حقه مرة أخرى "ليس قبل أن تخبريها الحقيقة"

أخفت الفتاة وجهها بعنق مهرة وهتفت "مامي أنا خائفة، هل سيضربنا؟"

تجمد.. 

كلمات الفتاة سقطت عليه كجبل تهاوى واندفن تحته.. 

ضمتها لها بقوة تحاول حمايتها "لا حبيبتي.. اهدئي ولا تخافي"

هتفت الفتاة دون أن تبعد وجهها عن عنق أمها "لا تتركيني ماما، لا تتركيني"

نظرت له بنظرات غاضبة.. هو يحطم أمن ابنتها وسلامها وهي التي صارعت لتمنحها الراحة والسعادة

تحركت عضلة بوجهه.. أعلنت عن تشنج عضلاته 

بلا كلمات التفت وتحرك مبتعدا.. لأول مرة في حياته… لم يعرف كيف يطالب بحقه… دون أن يبدو وكأنه يسرقه منها

صوت غلق الباب جعلها تغمض عيونها.. 

تعتصر الدموع المتكومة داخل عيونها.. تلف ابنتها بقوة وتمنحها كلمات تهدئة 

تخبرها أن كل شيء انتهى لكن.. بالحقيقة.. هي كانت تعلم أن لا شيء انتهى بل.. 

لقد بدأ كل شيء

**** 

وجعلنا النهار معاشا. 

ولكن النهار لديها اليوم كان مظلم، بلا نور.. لم تنم.. لم تتمدد حتى لحظة واحدة

جسدها تشنج من جلستها بمنتصف الفراش، رأسها على ذراعيها فوق ساقيها المضمومين لصدرها

صوت الضوضاء بالشارع جعلها تعود للواقع من حولها.. 

كانت متعبة.. الصداع يرج رأسها وعيونها متورمة وشحوب وجهها يعلن عن حالتها 

دقات على الباب جعلتها تنهض وهي تأذن ورأت سهيلة تفتح وتقول "العمل على الهاتف الأرضي مدام"

التفتت تبحث عن هاتفها.. هل فقد الشحن وانغلق؟ 

عادت لسهيلة "قادمة سهيلة"

تحركت للخارج وداليدا منحتها سؤالها "ألن تأتي؟ لديك مواعيد كثيرة وهاتفك مغلق؟"

فركت جبينها بأصابعها من الصداع وقالت بتردد "لا أعلم داليدا، أنا حقا متعبة"

صمتت الفتاة قليلا قبل أن تقول "مستر محمود سأل عنكِ ويرغب برؤيتك من أجل الحملة الجديدة"

للحظة ترددت بالسؤال حتى قالت "ومستر.. رحيم؟ ألم يأتي؟"

أجابت "لا، يقال أنه عاد القاهرة. زفافه غدا"

ألم اعتصر قلبها.. اكتشف أن له ابنة بالأمس وغدا سيتزوج وكأن شيء لم يكن.. 

أغمضت عيونها وكأنما تغلق الباب بوجه الألم ثم عادت وقالت "حسنا ماري سأحاول أن أحضر"

وأغلقت.. 

لم ترى أيلا.. 

مكان اللعب فارغا.. سهيلة رتبته 

تحركت لغرفة ابنتها فرأتها تجلس بالفراش، تضم دميتها المحببة لصدرها وتتحدث معها وهي لم تشعر بمهرة 

"أنتِ أيضا لابد ألا تتحدثي معه، كان يصرخ بي وبمامي"

توقفت بمكانها.. سقطت قوتها تحت أقدامها 

عادت أيلا تقول "ماذا؟ لا.. لم يعد صديقي، لا أحب أن يصرخ أحد بوجه مامي.. أنا أكرهه"

تدخلت.. لن تقبل بأن تكره ابنتها والدها.. 

الليل كان طويل وهي لم تتوقف عن التفكير.. 

لقد رأت كم كان يتألم لجهله بابنته.. هو الأحق برعاية ابنتهم لو فقدت حياتها بالمرض

لن يحل أحد سواه محلها لذا عليها أن توقف حربهم ولكن.. 

معرفتها أن زفافه غدا أوقف كل شيء.. 

نارا لن تقبل بابنتها.. هل سيهد حياته لأجل ابنتها؟ 

ابنته؟ 

ابنتهم؟ 

هتفت "لا أيلا"

رفعت الفتاة وجهها لأمها التي تقدمت تجاها حتى جلست بجوارها ونظراتهم ملتصقة وهي تكمل "لا يمكنك أن تكرهيه.. هو يحبك"

هزت الفتاة رأسها بالنفي وخوف مر بعينيها "لو كان يحبني لما غضب هكذا"

أبعدت خصلاتها المبعثرة للخلف وقالت "كان بيننا خلاف أيلا، خلاف الكبار لا يتدخل به الصغار"

عادت أيلا لدميتها "هل تعنين أنه سيظل صديقي؟ يحضر لي لعب أخرى؟"

لمعت دموع عنيدة بعيونها حاولت إيقافها "لا أعلم حبيبتي فهو رحل لبلده البعيدة"

 داعبت الصغيرة شعر دميتها هي الأخرى وقالت "لديه أصدقاء سواي؟ "

تنفست بصعوبة.. الأطفال تسأل بلا توقف "ربما.. ألا تشعرين بالجوع؟"

وافقت برأسها فجذبتها لأحضانها ونهضا سويا للطعام.. 

**** 

ما أن وصل بيت العائلة الفاخر بالقاهرة والذي تصر والدته على التواجد به حتى انحنى ووضع قبلة على وجنتها كعادتهم معا 

هي امرأة أنيقة جدا، بأوائل الستينات.. رقيقة، أنيقة، متعالية وفخورة بعائلتها

وضعت يدها بذراعه وهو يقودها لغرفة الجلوس وهي تتحدث بسعادة "ظننتك لن تأتي، انتظرتك بالصباح"

لم يخبرها أنه لم ينم.. ظل يجلس بغرفته بالفندق بلا وعي بما يدور حوله ولولا مسلم لظل اليوم كله بمكانه.. 

"أنهيت بعض العمل قبل أن أرحل.. كيف حال صحتك؟"

جلست وابتعد هو للبار لينال مشروب بجوار سيجارته التي أشعلها وهي تجيبه "بخير، لم أظن أنك لن تتواجد هنا وزفافك غدا؟"

تناول رشفة من المشروب.. رأسه لا يتوقف عن التفكير.. 

لو أغلق عيونه يراها.. يرى ابنته.. يغضب.. يثور 

يرغب بهدم عالمها الذي بنته بعيدا عنه ويجعلها تدفع ثمن ما فعلته به، ثم يعود ويدرك أنه سبب كل ذلك الدمار

لم ينظر لها وهو يجيب "نارا تقوم باللازم"

صمت لاح ودخان السيجارة دائما يمنحه ستار جيد ووالدته تعود لتقول "هل حقا.. تلك.. تلك المرأة تعمل معك؟"

رفع وجهه.. نارا تستخدم تأثيرها المعروف على والدته.. لطالما كانت والدته تحبها وتراها الأنسب له

تناول رشفة أخرى وهو يحاول ألا يقع بفخ والدته وهو أيضا يعلم أنها لم تقبل بمهرة حتى دون أن تراها.. 

"بالتأكيد نارا منحتك تقرير مفصل ماما"

ظلت المرأة تواجه ابنها.. وجهها جامد.. لا معاني ترتسم عليه، لم تكن أم قاسية ولكنها أيضا قوية لا مكان للضعف عندها 

"وأنا أسألك أنت، هل عاد شيء بينكم؟"

نفخ الدخان بلا رحمة وإغلاقا لأي ضغوط هو غير مستعد لها الآن أجاب باختصار "لا"

وتحرك للمقعد المواجه لها وجلس بعد أن أطفأ السيجارة وهي تبحث بوجهه عن أي شيء ونظراته زاغت لدموع الصغيرة المنهارة والخائفة منه.. 

هل هكذا يبدأ علاقته بابنته.. 

اللعنة مهرة أنتِ أحسنتِ الانتقام.. 

لم يتوقف عن التفكير بكلمات الصغيرة "أنت طيب وأنا أثق بك"

ضاقت أنفاسه ففك ربطة العنق كعادته وزر قميصه العلوي وما زال صوتها هو كل ما يسمعه 

"هل سيضربنا؟"

صوت والدته جذبه من التيه "رحيم لماذا لا تجيب؟"

رفع وجهه لها.. نظرات اتهام.. حيرة أو تساؤل ارتفع على وجهها المواجه له  

"ماذا؟"

صمت لاح عليها حتى قالت "سألتك لماذا تبقيها إذن؟ لماذا لم تطردها؟ نارا قالت.. "

قاطعها بحزم "نارا تتحدث بمنطق الغيرة ماما، والعمل لا يدار بذلك المنطق"

عيونها البنية القاتمة منحته نظرة يعرفها.. لا تصدقه وهو لم يكذب "بأي منطق إذن؟ التملق والتسرب مرة أخرى لحياتك وسرقتك من زوجتك"

أبعد وجهه وأجاب "ليس لي زوجة بعد ماما، مهرة لا تتملقني، ولم تعد تلك المرأة التي كنتِ ترفضينها"

نفخت.. تخفي غضبها الذي أشعلته نارا داخلها تجاه مهرة "مهما حققت فهي لن تمحو أصلها، ابنة سائس"

أخرج السجائر مرة أخرى وأشعل واحدة بلا اهتمام بوالدته وتحدث ببعض الهدوء "والدها لم يكن سائس، كان مدرب فرسان ماما، رجل درب العديد من الخيل وفرسانهم لسنوات عديدة واسمه كان معروف"

دقت بيدها على ذراع المقعد بغضب وهي تهتف "هي لا أصل لها ولا فصل رحيم، هل تعرف ابن من أنت؟ هل تدرك مكانة اسم العزايزي بالمجتمع؟ أنت أتيت بفتاة من الشارع وتزوجتها ولم تسمع لأحد حتى عرفت أنها لم تليق بك بأي يوم"

الغضب تسرب له رغما عنه.. نارا أشعلت الفتيل والقنبلة تنفجر بوجهه

نهض، تحرك بلا هدى محاولا تجنب رد الانفجار بواحد مماثل "ماما هل نتوقف هنا؟ حياتي تخصني وحدي ولا أرغب بفتح ما أغلقته بها"

هتفت "لم تغلقه.. وجودها يعني ذلك، لابد أن تطردها رحيم هل تسمعني؟ أنا لن أقبل بوجودها مرة أخرى بحياتك"

التفت لها.. لا أحد يملي عليه قرارته خاصة ما يخص حياته الشخصية لذا قال بحسم "ماما للمرة الثانية أخبرك أن تتوقفي، لا أحد له حق التحكم بحياتي سواي"

ظلت تحدق به بلا تصديق حتى قالت "ونارا؟"

ابتعد وقال "ماذا عنها؟"

نبرتها كانت تحمل تأنيب "ألا تظن أن من حقها رفض وجود من كانت بحياتك يوما ما"

لم ينظر لها وهو لا يرى نارا الآن.. بل العيون التي تسجنه، البنفسجي الذي دمره بالماضي والآن يمزقه بين حياه جديدة سيبدأها بالغد وبين ماضي ظهرت له ثمار لا يمكنه تجاوزها

ابنته.. قطعة منه

أجاب بثبات يخالف ما يجتاحه من اهتزاز داخلي "بل عليها أن تثق بنفسها"

نهضت المرأة وبحركتها البطيئة وصلت له حتى وقفت خلفه وقالت "هي تفعل، لكنها لا تثق بك"

التفت ليراها أمامه، نظراتها تخترق عيونه.. تبحث داخلها عما يخفيه بل وأكملت "أنت ضربت بالكل عرض الحائط يوم تزوجت تلك الفتاة واليوم تفعل المثل بتركها بالشركة فهل تظن.. "

انحنى عليها، أوقف كلماتها، صوته خرج منخفضا "أنا لا أظن ماما.. أنا أدرس، أخطط ثم أقرر، لديكِ هاتف، ادخلي واكتبي اسم مهرة النادي وأنتِ ستدركين ماذا سأخسر لو دفعتها خارج شركاتي؟"

وابتعد من أمامها ليرى نارا تقف على مقربة فتوقف والدخان يتبعه وانغلقت نظراته وعيونها تحمل الكثير والكثير 

سقط الصمت.. 

سقوط لا يرحم أحد.. 

كانت هي أول من تحرك.. وجهها شاحب، عيونها اختفت تحت مساحيق التجميل ووجد نفسه بلا وعي يقارن

المهرة لا تحتاج لأي تجميل.. فرسة عربية أصيلة.. جميلة.. طبيعية بلا تجميل

تتهاوى خصلاتها النارية خلفها بكبرياء، تتلون من لون العيون المميز.. 

قوام انخرط بفعل الطبيعة.. لا نظام غذائي ولا أطباء تغذية.. 

مهرة.. تعدو بلا توقف.. تسابق الريح 

وتفوز

صوت نارا اخترق ألبوم الصور المخزن داخل عقله بلا وعي منه أنه يحمله داخل ذاكرته 

"ولم تتساءل ماذا ستخسر لو ظلت بالشركة؟"

مال برأسه.. رائحة التبغ رحلت لها وامتصت الهواء من بينهم وهو يجيبها "رحيم العزايزي لا يخسر، خاصة لو كان بسبب امرأة"

وابتعد من أمامها وهي تحدق بجسده الذي تعشقه، هي لم تحب سواه ولا يمكنها أن تخسره مرة ثانية وبسبب نفس المرأة فهتفت "ولكنك تفعل رحيم، أنت تخسرني بسببها، تدمر حياتنا قبل أن تبدأ، تلك المرأة ثعبان يزحف بحياتنا وينتظر حتى يجد الوقت والمكان المناسبين ثم تبخ سمها"

التفت لها ولا مكان للعقل عندما تندفع الألسنة بكلمات فارغة لا تعني شيء سوى غيرة عمياء "أنتِ من تبني القصص الوهمية حولها، مهرة لم تحاول التدخل بحياتنا نارا، هي بالأساس لها حياتها ولو أرادت العودة لي لفعلت، هو أنا من امتلك الشركة التي كانت تعمل بها نارا وليس هي من عملت لدي"

تجهمت، تاهت منها الكلمات حتى تدخلت والدته "حتى لو رحيم، لأجل نارا التي ستكون زوجتك عليك إخراجها من حياتك"

التفت لأمه بلا ثورة، رفع يده "هي ليست بحياتي ماما، أنتم تخلطون بين العمل وبين حياتي الشخصية"

صمتت الأم لكن نارا لا، هي لا تستسلم "أنت اخترت التواجد بجوارها ولم تهتم بزفافنا"

أشاح بيده وكأنه يأس منها "اللعنة ألا يمكن لعقلك هذا أن يستوعب أن رجل مثلي يضع عمله بالمقدمة؟ تلك الشركة كانت تتهاوي والآن تحمل اسم العزايزي ولا يمكن تركها تسقط وأنا أقف متفرجًا"

 يداها ارتفعا بالهواء ووجها فقد الدموية فأصبح كالثلج ببياضه الناصع وصوتها خرج مهزوما، متألما "لا، ابق هناك بجوارها ولا تمنح زفافنا ومستقبلنا أي اهتمام، أنت حتى لا تعرف أي تفاصيل عن الغد، لم تهتم بأن تسأل"

ابتعد.. ذهنه غير راغب بأي انتقاد يخص ذلك الأمر 

والدته تدخلت "تلك الأمور سهل الإلمام بها نارا، رحيم على حق، لا يمكن السماح بأي نقطة سوداء بصفحة العزايزي جروب"

هتفت باعتراض "ماما..!؟"

قاطعتها المرأة "انتهينا نارا.. ألن نتناول الغداء؟"

والغداء كان كارثة جديدة.. 

ظل صامتا.. لا ينطق بكلمة ولا يجيب أي سؤال من نارا.. غضبه غير محدد الاتجاه ولا السبب

كل الأفكار ترحل بطريق واحد.. اسكندرية.. الصغيرة البريئة، ابنته و.. 

المهرة الجامحة.. 

**** 

اختارت العمل كسبيل للخروج من أزمتها.. كان طريقها بكل مرة لكن.. 

بالماضي لم يكن معها.. كان حلم ببداية حياتها كشابة.. ثم أصبح ألم يمنع عنها أي راحة

واليوم كابوس لا تعرف كيف تستيقظ منه.. 

حبها له ظل بقلبها طوال سنوات المراهقة.. نما وترعرع بلا حواجز رغم إدراكها بالفروقات حتى لمستها العصا السحرية وحققت لها الحلم.. 

رآها.. أرادها.. تزوجها

ثم.. 

دمرها.. 

انتهت من عملها بوقت مبكر.. أفكارها تستحوذ عليها.. كل الميديا تتحدث عن الزفاف المنتظر لرجل الأعمال الشهير.. الملياردير، رحيم العزايزي

رفضت الاعتراف أن هناك ألم بمكان ما داخل أعماق قلبها.. ولا أن الظلام حل على كل أمنياتها.. 

وقت عرف بأبوته ظنت أنه سيعود لابنته ووقتها ستخبره كل شيء وأنها تتمنى لو يتقرب من أيلا لتعتاد عليه قبل أن.. 

أسندت رأسها على أصابعها.. نارا لن تقبل بابنتها أبدا.. 

لابد أن تجد طريق آخر لأيلا، بيت آخر يتلقى ابنتها لو ماتت هي لكن..

هي ليس لها أحد 

هل تهاتف عمتها وتخبرها؟ 

عمتها لم تر أيلا إلا وهي رضيعة وامرأة مسنة فهل سيمكنها رعاية طفلة بالثالثة من عمرها؟ 

دقات على الباب ودخلت داليدا "لديكِ تصوير بعد خمسة عشر دقيقة، تأخرتِ"

حدقت بها وهي قد نست ذلك وسط غمرة مشاكلها 

اعتدلت وقالت "سأحتاج عم صابر السائق لتوصيلي، هل يمكنه ذلك؟"

رتبت أشياءها وتركت جهازها بانتظارها عندما تعود وداليدا تقول "سأرى ذلك"

التصوير استمر ساعات بلا توقف حتى أنهكها التعب لكن لم تفكر بالذهاب قبل الانتهاء.. 

لابد أن تنتهي اليوم من تلك الإعلانات حتى تبدأ التجهيز للحملة الجديدة 

بالثامنة أحضر لها المساعد هاتفها الذي نست أين تركته "سهيلة مدام"

انقبض قلبها وهي تجيبها.. هي تعلم نوبات أيلا المتكررة بهذا الجو البارد والتراب 

"ماذا هناك سهيلة؟"

أجابت بلهفة "الأزمة مدام"

بقلب مضطرب، فزع، مرعوب هتفت "انزلي بها للمشفى وأنا قادمة، الآن سهيلة"

وتحركت والمسؤول يتحرك لها باهتمام واضح "انتهينا مدام، هل ترغبين بتعديل شيء آخر؟"

كانت تأخذ حقيبتها بلا اهتمام لما تضعه وهي تجيب "لا، فقط ارسل لي نسخة من كل إعلان على حدة بعد المونتاج، امنح العارضة باقي حسابها، لا أريدها بالإعلان القادم"

تراجع بذهول وهي لم تمنحه فرصة للجدال بل انطلقت خارجة تبحث عن سيارة أجرة

بالمشفى كانت حالة أيلا خطرة تلك المرة.. التهاب رئوي حاد والفتاة دخلت عناية الأطفال وهي لا تتركها وقوتها رحلت منها

*****

انتهى من التجهيز للزفاف.. بغرفته بالبيت الكبير 

رفض تلك الأمر الخاصة بالتصوير وما إلى ذلك، هو ليس بشاب متهور ليفعل، فقط صورة أو اثنين وانتهينا

رفع زجاجة العطر ليضعه وتوقفت يده وعيونه بالمرآة ترى الزجاجة وتذكر ذلك اليوم.. 

كانت تقف بجواره بعد عودتهم من اجازة الزواج.. تضحك بطفولية كعادتها وتمنحه كلمات مزاح لكنه كان يصدها ووقتها تساءل

هل مل منها؟ 

ما أن مد يده لزجاجة العطر حتى سقطت يدها على يده والتقت بنظراته بالمرآة "لا، لدي لك شيء جديد"

حدق بها وهي تترك يده وتسرع لجوار فراشهم وتخرج من الدرج زجاجة أخرى وتعود له وهي تقف بجواره وتمدها له 

"طلبتها لأجلك"

كانت أول هدية منها له.. 

سقطت نظراته على الزجاجة وهي لم تنتظر وهي ترش منها لكن.. 

بدلا من أن يتركها تفعل ويسعد لأنها تمنحه اهتمامها.. تراجع بغضب ودفع يدها وهتف 

"كفى.. توقفي عن أفعال الأطفال هذه"

جمدت.. 

رأى شحوب وجهها، تجمدت ابتسامتها على وجهها وهي تبحث عن كلمات ولكنه لم يفعل وهو يهتف "أنا لا استبدل عطري، هل تعرفين كم ثمنه ومن أين يأتي؟"

ووضع عطره وتحرك خارجا ولم يفكر بعدها فيما فعله بها ذلك

الآن ويده تجمدت بالهواء حاملة عطره القديم يفكر فيما فعله وكم كان أناني فاقد الإحساس.. 

ترك الزجاجة.. 

فتح درج مائدة الزينة ببطء وهو لا يعلم عن ماذا يبحث ولكنه وجدها.. 

نفس الزجاجة.. ما زالت هنا وهي لم تأخذها

بعد تردد مد يده وجذب الزجاجة ومن الاسم عرف العطر.. 

لم يكن طفولي ولم يكن رخيص.. 

بل كان ماركة شهيرة وأصلي ومن الواضح أنها حصلت عليه عن طريق الانترنت.. 

رش قليلا على يده وتنفس رائحته وما أن استنشق الرائحة حتى أغمض عيونه وشعر بنفسه تعانق نفسه وكأنه هو بعد أن عثر على شيء كان مفقود منه .. 

فتح عيونه ورآها.. 

دموعها تلمع بعينيها.. 

تطالبه برؤيتها ولو مرة على حقيقتها بعيدًا عن الطبقية التي ملأت رأسه.. 

وضع العطر وهو يجد راحة به لم يعرف سببها

التفت بعد أن وضع ساعته بمعصمه ومسلم يدق الباب ويدخل وهو يقول "لقد تأخرنا"

تحرك له وسأله "هل رجالك تقوم بما طلبته؟"

هدوء مسلم يريحه "نعم يا فندم، الحراسة بدون ازعاج"

هز رأسه وألقى نظرة على هاتفه ثم عاد وقال "ماما بالقاعة؟"

فتح له مسلم باب الغرفة "نعم"

تحرك خارجا، رجلان حراسة كانا بالأسفل.. تبعوه حتى دخل سيارته وشروده واضح على وجهه

وجهها يطارده ووجه ابنته.. اختنق عند ذكر الصغيرة وخوفها منه وهو يتساءل.. 

هل يمكن أن تكون هناك علاقة بينهما بيوم ما؟ 

هو لم يشك بأنها ابنته.. لكنه لم يفكر برؤيتها مرة ثانية وها هو بطريقه للزواج بامرأة وهو يعلم أنها لن تقبل بابنة امرأة أخرى 

خاصة مهرة.. 

هاتفه أصدر اهتزاز مزعج بجوار صدره، فأخرجه ليرى اسم نارا.. تنفس بقوة وهو يجيب "نعم نارا"

كانت قد انتهت من زينتها وتقف أمام المرآة الكبيرة لرؤية نفسها بفستان الزفاف

حلمها منذ الطفولة يتحقق اليوم.. 

قلبها يدق بلا توقف ولا تمهل.. يصارع لانتظار تلك اللحظة التي تصبح فيها زوجته

قالت بصوتها المصطنع "حبيبي تأخرت، أين أنت؟"

كان يشعل سيجارة والسيارة تخترق الزحام "بالطريق نارا"

 لم يسألها عن نفسها وكعادته لا يهتم بأي شيء خاص بالزفاف وهي لم تعد تهتم.. المهم أنه سيكون زوجها الليلة وقد نالت زفاف رائع بأفخم فنادق القاهرة

مهرة لم تنل أي شيء.. عقد قران عن المأذون ووالدتها ورجلان من المنطقة التي تعيش بها كشهود وهي لم تعترض

بنظر نارا هي  غبية

قالت وهي تلف بجسدها أمام المرآة "أتشوق لليلة رحيم، أنتظرها منذ سنوات"

تنفس بقوة.. السيجارة لا تمنحه أي راحة وذلك الزواج أيضا لا يمنحه راحة.. 

ليس لديه تلك اللهفة التي كانت تتملكه يوم زواجه من مهرة.. حملها من مدخل الفيلا حتى الفراش ولم يمنحها لحظة واحدة لتفكر

أخذها بلهفة ورغبة لم تتوقف كلما اقتربت منه.. 

لا يعلم لماذا دمر كل شيء بينهما؟ 

صوتها ناداه "رحيم أين ذهبت؟"

أجاب ببرود بعد أن أطلق الدخان بعيدا "هنا، لقد اقتربت من الفندق، أراكِ عندما أصل"

وأغلق.. 

بهت وجهها.. 

رفعت الهاتف أمام عيونها لا تصدق أنه كان باردا هكذا وأغلق الهاتف بلا تردد

العصبية تملكتها.. 

رفعت فستانها الطويل المنتفخ بيداها والتفتت تتحرك بلا وعي بالغرفة وكل رأسها بتلك المرأة التي عادت لتخطفه منها مرة أخرى.. 

لا يمكن أن تسمح لها.. 

عادت للهاتف وضغطت اتصال وجاء صوت رجولي فرفعت وجهها وقالت بإصرار "لا أريد أن أسمع عنها بعد اليوم"

وأغلقت وعيونها تشتعل بنيران الغيرة والغضب بلا رحمة..

                    الفصل الثامن من هنا

تعليقات



<>