رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل السابع7 بقلم اريا السوهاجية


رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل السابع7
 بقلم اريا السوهاجية

تجمدت الأنفاس في صدور الزوجين، والوقت بدا وكأنه توقف تماماً في ذلك الممر الهادئ الخافت الإضاءة ببهو القصر. كانت "شهد" تقف في مواجهة "عمر" مباشرة، وعيناها الحمراوان من أثر البكاء تعبران عن صدمة ذهول قاتلة وهي تراه يقف أمام باب غرفتها مستمعاً ومتنصتاً على مناجاتها لوالدها الراحل "صالح" في منتصف الليل. أما عمر، فلأول مرة في حياته، ظهرت في عينيه الحادتين نظرة مرتبكة، خليط من خزي الرجال لأنه ضُبط متلبساً بالتصنت، وندم دفين هز أركانه بعد أن استمع بـ أذنيه لنبرة صوتها الممزقة بالوجع والظلم.
حاول عمر بـ كبريائه وعناده الصعيدي المعهود أن يداري هذا الارتباك، فشد قامته وتظاهر بالبرود، وتنحنح بصوت رجولي خشن وقال بنبرة حاول جعلها حادة:
"أنتِ.. واجفة إكده ليه وعاد تتطلعي فيا كيف اللي عامل عملة؟ أنا كنت نازل أشرب مية، وسمعت حس في البهو وجلت أشوف مين.. إياكِ تفتكري إني كنت واقف عشانكِ واصل!"
نظرت إليه شهد بنظرة عتاب طويلة، نظرة كانت أقوى من أي كلمات جارحة؛ مسحت دمعة عنيدة فرت من عينها، ورفعت رأسها الشامخ بـ شموخها وعزتها المعتادة، وقالت بصوت هادئ، واثق، ولكن فيه حشرجة وجع:
"المية في المطبخ يا عمر بيه، ومش على باب غرفتي الأرضية.. وأنا مكدبتكش، ولا عاد أطلب مبرر من صاحب البيت. بس خابر زين يا ابن عمي؟ أنت ظلمتني، وظلمت دمك وأصلك لما صدقت فيا تهمة السرقة الدنيئة، ولولا ستر ربنا وحقانية عمي كمال كان زماني مكسورة الجناح برة القصر. أنا مش زعلانة من حريمك، هما غُرب وميعرفونيش، بس الوجع الحقيقي لما ييجي من اللي من دمي ولحمي.. تصبح على خير يا ابن المنشاوي."
وقبل أن ينطق عمر بحرف واحد، أغلقت الباب في وجهه بـ هدوء تام وبـ كرامة جرحت رجولته. وقف عمر خلف الباب المغلق، يده معلقة في الهواء، وشعر بـ نيران تشتعل في صدره؛ لم تجرؤ امرأة من قبل على إغلاق باب في وجه عمر المنشاوي! عاد إلى غرفته العلوية وهو يجر خطاه بـ عصبية مفرطة، وجسده يتلوى على الفراش طوال الليل، وصوت بكائها ونبرة حديثها عن والدها صالح تؤرق مضجعه وتمنع النوم عن عينيه لأول مرة في حياته.
مع بزوغ أولى خيوط الفجر، استيقظ عمر وهو في قمة ضيقه وإرهاقه؛ هرب من أفكاره ومن القصر بالكامل، وارتدى بدلته الرسمية الفخمة باللون الأسود، ونزل مسرعاً دون أن يتناول إفطاره أو يتحدث مع أحد، واستقل سيارته الفارهة متجهاً إلى مقر شركته الكبرى لـ تجارة وتصدير المحاصيل والمعمار بالمركز. كان يريد إغراق نفسه في العمل لعلّه ينسى عيني شهد ونظراتها الشامخة.
وفي نفس التوقيت، في المقر الرئيسي للشركة، وتحديداً في قاعة الاجتماعات الكبرى، كان هناك شخص آخر ينتظر وصول عمر بـ فارغ الصبر وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه. إنه "طارق الهواري".. العدو اللدود لـ عمر المنشاوي، والرجل الذي لا يطيق سماع اسم عمر، ويحمل في قلبه غلاً وحقداً تاريخياً ضد آل المنشاوي بسبب منافستهم له في السوق وكسر هيبته في كل المناقصات السابقة. طارق كان يبحث عن أي ثغرة، وأي طريقة دنيئة لـ الانتقام من عمر وسحق كبريائه وإذلاله أمام الجميع.
دلف عمر إلى الشركة بـ هيبته المعتادة، وعيناه تطلقان شرارات الغضب بسبب قلة النوم والتوتر. وما إن دخل قاعة الاجتماعات حتى وجد طارق يجلس على مقعده الوثير واضعاً قدماً فوق أخرى بـ استفزاز صارخ. تلاقت نظراتهما الحادة كـ السكاكين، وقام طارق من مكانه بـ بطء شديد وقال بلهجة تهكمية مستفزة تثير الأعصاب:
"يا أهلاً بـ كبير المنشاوية.. منور شركتك يا عمر بيه. سمعت إنك خسرت الصفقة الكبيرة بتاعة الأسبوع اللي فات، وكمان سمعت إنك اتجوزت الرابعة؟ ههههه الظاهر إن الحريم والصفقات الضايعة بقوا ياخدوا من وقتك وهيبتك في السوق كتير يا ابن المنشاوي، والساحة بدأت تفضى لأسيادها!"
تصلب فك عمر، وبرزت عروق يده وهو يضغط على ملف الأوراق بقوة تشنجت منها أصابعه، وتقدم نحو طارق بخطوات مرعبة وهبط بصوته الجهورى الحاد كـ الرعد:
"طارق الهواري!! حسك عينك تجيب سيرة حريمي أو اسم عيلتي على لسانك المسموم ده واصل! الصفقة اللي بتتكلم عنها أنا سبتها بمزاجي لإنها مش مقامي، والمنشاوي لما بيمشي في الساحة، الكل بيلزم حدوده ويقف انتباه. إياك تفتكر إنك بـ شوية الكلام الفاضي ده هتهز شعرة من هيبتي.. اخرج برة مكتبي حالا وقبل ما أضيع مستقبلك هنا!"
ضحك طارق بـ غل وحقد مكتوم، واقترب من عمر وهمس بـ وعيد مرعب:
"هخرج يا عمر.. هخرج ومشي بمزاجي. بس افتكر كلامي ده زين.. الأيام دول، والضربة الجاية ليك مش هتقوم منها واصل، وهكسر كبرياؤك ده وتحت رجليا كمان، والمنشاوي كله هيتدفن اسمه قريب!" وخرج طارق وعيناه تتوعدان بـ مؤامرة مدمرة ضد عمر في السوق.
أما في القصر.. كانت الأجواء تغلي بـ نوع آخر من المؤامرات الشيطانية. كانت الزوجات الثلاث (فريدة، ونادين، ويسرا) يجلسن في الجناح العلوي والغل يأكلهن بعد عقاب الحاج كمال لـ نادين ومنعها من الخروج وأخذ ذهبها. كانت نادين تبكي بـ حرقة وقهر وتقول:
"كل ده بسبب الفلاحة الحرامية شهد! كشفتني قدام عمي كمال وضيعت هيبتي وخدت دهبي! أنا مش هسكت واصل، لازم نخلص منها ومستحيل تقعد في البيت ده ليلة تانية!"
هنا لمعت عيون "يسرا" بـ خبث شديد، وابتسمت ابتسامتها الثعبانية الماكرة وقالت بنبرة تقطر سماً:
"طب اسمعوا بقى.. أنا راقبتها وعرفت من الشغالة إن الهانم شهد نازلة كمان شوية لوحدها تشتري حاجات وطلبات ناقصاها من السوق الشعبي الكبير اللي في أول البلد.. ودي فرصتنا على الطبطاب ومن غير ما الحاج كمال أو عمر يحسوا بـ حاجة واصل!"
تقدمت "فريدة" بـ غيظ وقالت: "وهنعمل إيه عاد يا يسرا؟"
أكملت يسرا بـ مكر: "أنا هكلم ناس من رجالتنا الصيع من برة البلد، وهخليهم يراقبوا شهد في السوق، وأول ما تدخل في زقاق أو شارع زحمة ومقطوع، يهجموا عليها، ويسرقوها، ويجروا وراها ويهدلوها، ويخلوها تتبهدل في وسط السوق وتضيع كرامتها وشرفها، وترجع مكسورة وخايفة، وساعتها عمر وأبوه هيقولوا دي وش فقر ومبتعرفش تحمي نفسها ويطردوها برة القصر!"
وبالفعل، خرجت شهد بجلبيتها البسيطة ووشاحها الأسود هرباً من كآبة القصر ولتشتري بعض المشتريات من السوق الصاخب. كانت تسير بـ براءة وعزة نفس بين الممرات والناس، دون أن تدري أن هناك ثلاث عيون شريرة تراقبها من بعيد.. ثلاثة رجال بـ ملامح إجرامية مرعبة، يتبعون خطوتها كـ الضباع الجائعة بـ تكليف من حريم القصر.
دخلت شهد في شارع جانبي طويل، ممتد، ومليء بـ الباعة والزحام، وفجأة، شعرت بـ حركة غريبة خلفها؛ التفتت بـ ذعر لتجد ثلاثة رجال يطوقونها بـ نظرات وقحة وخبيثة. وفجأة، وبحركة سريعة، مد أحدهم يده لـ يسرق حقيبتها القماشية الصغيرة وجذب وشاحها بـ عنف!
صرخت شهد بـ أعلى صوتها من فرط الخوف والمفاجأة: "الحقوني!! حرامي!! سيبوني في حالي!"
لكن الرجال لم يكتفوا بـ السرقة، بل بدأوا يجرون وراها بـ قسوة ويضيقون عليها الخناق في الممرات الضيقة لـ إرهابها وبث الرعب في قلبها. ركضت شهد بـ أقصى سرعتها، وقلبها يدق بـ عنف شديد كالطبول، ودموع الرعب تملأ عينيها البريئتين وهي لا تدري أين تذهب ولا كيف تتصرف وسط هذا السوق الغريب الضخم والمقطوع، ولم تجد أحداً من الباعة يتدخل بسبب سرعة الحركة والزحام الشديد!
أنفاسها كانت تنقطع، وقدمها كادت أن تتعثر في الأرض وهي تلتفت خلفها بـ ذعر وتجد المطاردة مستمرة والرجال يضحكون بـ شر ويقتربون منها لـ الإمساك بها في زاوية ممر مقطوع تماماً. شعرت شهد في تلك اللحظة بـ قلة الحيلة والكسرة، وكادت أن تسقط على الأرض مستسلمة لـ مصيرها الأسود..
ولكن.. بـ محض الصدفة البحتة، صدفة عجيبة قلبت موازين الكون في ثانية واحدة! كانت سيارة عمر الفارهة السوداء تمر بـ بطء من الشارع الرئيسي المحاذي لـ مخرج هذا الممر الضيق، حيث كان عمر عائداً من شركته والضيق ينهش في قلبه. وفجأة، لمحت عيناه الحادتان جسداً مألوفاً يركض بـ ذعر ووشاحاً أسود يطير في الهواء، ووجه فتاة غارق في الدموع والخوف الرهيب..
انقبض قلب عمر بـ شدة؛ إنها شهد! زوجته الرابعة وبنت عمه وصون عرضه! رأى الرجال الثلاثة يجرون وراءها ويوشكون على الإمساك بجلابيتها بـ وقاحة. في أقل من لمح البصر، فرمل عمر السيارة بـ عنف أصدر صوتاً صاخباً هز أرجاء الشارع، وفتح الباب وخرج منه كـ الأسد الهصور الذي رأى شرفه وعرضه يستباح أمام عينيه، وعيناه تحولتا إلى جمرتين من النار الحارقة وصاح بصوت أرعب حيتان السوق بالكامل:
"يا ولاد الـ...!!! عاد بتمشوا ورا حريم المنشاوي ورافعين يدكم عليهم في وسط الساحة؟! قسم بالله لـ أدفنكم مكانكم الليلة دي!!"

                   الفصل الثامن من هنا
تعليقات



<>