رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل الثامن8 بقلم اريا السوهاجية


رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل الثامن8 بقلم اريا السوهاجية


انفجرت الأجواء في ذلك الممر الضيق من السوق الشعبي كبركان هائل، وتوقفت دقات قلب "شهد" لثوانٍ معدودة وهي ترى جسد "عمر" الضخم ينزل من سيارته الفارهة كالعاصفة المدمرة. لم يكن عمر في تلك اللحظة مجرد رجل غاضب، بل كان أشبه بأسد صعيدي جريح رأى شرفه، وعرضه، وبنت عمه تُستباح كرامتها وتُطارد وسط زقاق عام على مرأى ومسمع من الغرباء. ملامحه التي تحولت إلى لون الدم، وعيونه التي تطلق شرارات الموت، جعلت الرجال الثلاثة المأجورين يتجمدون في أماكنهم، وتتحول ضحكاتهم الوقحة إلى رعب حقيقي سكن أوصالهم.
لم ينتظر عمر ليسمع منهم حرفاً واحداً، ولم يعطهم فرصة للهروب. تقدم نحو الأول بخطوات سريعة كالبرق، وبقبضة يده الحديدية التي تزن جبالاً، وجّه إليه ضربة قوية في منتصف وجهه جعلت الدماء تنفجر من أنفه وفمه، ليسقط الرجل على الأرض فوراً دون حراك. التفت الثاني برعب وحاول سحب مطواة من جيبه ليدافع عن نفسه، لكن عمر كان أسرع؛ أمسك بذراعه بـ قسوة تسببت في سماع صوت طقطقة العظام، ولوى يده خلف ظهره حتى صرخ الرجل من شدة الألم وسقطت المطواة على الرخام، ليركله عمر ركلة عنيفة في صدره طيرته أمتاراً ليصطدم ببسطة أحد الباعة ويتأوه بوجع قاتل.
أما الرجل الثالث، فعندما رأى زملائه يُسحقون في ثوانٍ معدودة تحت أقدام ابن المنشاوي، تراجع للخلف برعب شديد، وكاد أن يطلق ساقيه للريح هرباً، لكن عمر هجم عليه كالفهد، وأمسكه من تلابيب جلبابه، ورفعه لأعلى بصوت جهوري زلزل أرجاء السوق بالكامل وصاح فيه وعروق عنقه بارزة:
"وعزة جلال الله ما هسيبك عايش الليلة دي! أنتوا تبع مين يا كلاب؟! مين اللي وزّكم ومشاكم ورا حريم المنشاوي وعاد يخليكم تتجرأوا وترفعوا يدكم على شرفي؟! انطق بدل ما أدفنك مكانك هنا والناس تتفرج عليك!"
بكى الرجل برعب وتلعثم وهو يشعر بأنفاس الموت تحاصره، وقال بصوت يرتجف:
"أنا.. أنا ماليش ذنب يا عمر بيه! إحنا مأجورين.. جالنا تليفون من حريم في قصر المنشاوي.. واحدة اسمها الست نادين والست فريدة هما اللي دفعوا لنا فلوس وطلبوا مننا نمشي ورا الست شهد ونهدلها في السوق ونضيع كرامتها! والله العظيم إحنا نفذنا الأوامر وبس.. اعفُ عني يا بيه!"
سقطت الكلمات على مسامع عمر كالصاعقة التي شلت تفكيره وأشعلت النيران في عقله. تلاشت ملامح الغضب الخارجي لتحل محلها صدمة ذهول قاتلة؛ حريمه؟ زوجاته الثلاث اللواتي يعشن تحت سقفه ويحملن اسمه هُن من دبرن هذه اللعبة القذرة لضرب شرفه في السوق؟ شعر بخزي وعار لا يحتمله رجل، والتفت ببطء نحو شهد التي كانت تنكمش بجانب الجدار، جسدها يرتعش بعنف، ودموع الرعب تملأ وجهها الباكي، وهي تمسك بوشاحها الممزق بقلة حيلة.
رمى عمر الرجل الثالث على الأرض بقرف وقال له بفحيح مرعب: "غور من وشي أنت وهو.. وقسماً بالله لو لمح طيفكم حد في البلد دي تاني ليكون قبركم على إيدي!"
تقدم عمر بخطوات بطيئة، هادئة على غير العادة، نحو شهد. انقبض صدره وعصفت به مشاعر الندم والوجع وهو يرى ابنة عمه "صالح" (الذي وصى عليها) في هذه الحالة من الانكسار والتبهدل بسبب حريمه. خلع عمر جاكيت بدلته الرسمية السوداء الفخمة، وتقدم ووضعه بهدوء وحنان غير معهود فوق كتفي شهد المرتعشين ليسترها ويحميها من نظرات المارة. لم ينظر إليها بكبرياء هذه المرة، بل نظرت عيناه في عينيها برجاء خفي وندم حقيقي وقال بصوت منخفض، رجولي، ودافئ لأول مرة:
"شهد.. اهدئي يا بنت عمي. طول ما أنا عايش على وش الأرض مفيش كلب يقدر يمس شعرة منكِ واصل. حقكِ على راسي أنا.. وأنا اللي هجيبلكِ حقكِ تالت ومتلت ومن قلب القصر كمان. اطلعي معايا على العربية."
نظرت إليه شهد من خلف دموعها، ورغم رعبها، إلا أن شموخها وعزتها رفضا الانكسار؛ شدت جاكيت عمر حول جسدها، ورفعت رأسها الشامخ وقالت بنبرة صوت جافة وموجوعة:
"شفت يا عمر بيه؟ شفت الأفاعي اللي عايشين معاك في البيت عملوا إيه؟ شفت الشرف اللي كنت عايز تكسره الصبح بيدك، حريمك كانوا عايزين يدفنوه في الطين وسط السوق عشان يرضوا غلهم؟ أنا مطلبتش منك حماية، بس ربنا هو اللي نصرني وكشفهم قدام عيونك عشان تعرف مين هي الصادقة ومين الكدابة!"
لم يرد عمر؛ فركوب كبريائه الصعيدي منعه من الكلام، لكنه فتح لها باب السيارة الفارهة باحترام شديد، وركبت بجانبه، وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية عائدة إلى القصر، وداخله بركان من الغيظ والتوعد أقسم أنه سيحرق الأخضر واليابس.
وفي القصر.. كانت فريدة ونادين ويسرا يجلسن في البهو السفلي، يرتشفن القهوة بـ دلال وابتسامات النصر تشق وجوههن، وهن ينتظرن عودة شهد مكسورة ومبهدلة ليتشمتن فيها. قالت نادين بضحكة خبيثة:
"زمان السنيورة شهد دلوقتي عبارة عن حتة قماشة دايبة في وسط السوق، والكل بيتفرج عليها! ههههه الخطرة دي مستحيل الحاج كمال يعرف يدافع عنها!"
أكملت فريدة بـ غل: "أيوة كدة، عشان تعرف مقامها زين وتحرم ترفع عيونها في أسيادها."
وفجأة.. تحطمت ضحكاتهن تماماً وتحولت إلى رعب قاتل؛ حيث انفتح الباب الخارجي الضخم بعنف شديد أدى إلى تكسير المفصلات وصوت ارتطامه هز القصر كزلزال مدمّر! دلف عمر إلى البهو كالشيطان الرجيم، وعيناه تطلقان شرار الموت، وخلفه شهد تقف بـ شموخ وعزة وهي ترتدي جاكيت بدلته.
ما إن رأى عمر حريمه الثلاث، حتى هجم نحوهن بـ غضب أعمى لم يروه فيه من قبل. صرخ بصوت جهوري مرعب زلزل أركان الجدران وجعل الشغالات يهربن لغرفهن:
"فرررريددددة!! ناددددين!! يسسسسرررا!! يا فُجر الحريم ويا وسخ الأفاعي! عاد تتجرأوا وتدفعوا فلوس لـ صيع من برة البلد عشان يمشوا ورا مرتي وشرفي ويتبهدل عرض المنشاوي في وسط السوق؟! أنتوا فاكرين نفسكم واجفين في زريبة ولا نسيتوا إن القصر ده ليه راجل يحكمه ويقطع رقبة اللي تفكر تمس اسمه بالسوء؟!"
صعقت فريدة وشحب وجه نادين تماماً وسقطت أكواب القهوة من أيديهن لتتحطم على الرخام. وقفت فريدة برعب وتحججت: "عمر.. اسمعني بس.. الكلام ده كدب وزور، البنت دي هي اللي بتتبلى علينا!"
لم يدعها عمر تكمل؛ تقدم ونزل بكف يده بقوة وعنف على وجه فريدة لـ يسقطها على الأريكة مصدومة، ثم التفت لنادين وأمسكها من شعرها بقسوة وجرها لمنتصف البهو وصاح:
"الكلاب اعترفوا بكل حاجة تحت رجليا في السوق! وقسم بالله العظيم، وبحق كل نقطة دم مشيت في عروقي، الليلة دي هتكون ليلتكم السودا في القصر ده!"
وفي تلك اللحظة بالذات، نزل الحاج كمال من غرفته العلوية مسرعاً على صوت الصراخ والضرب، وهو يستند على عصاه بملامح مصدومة وقلقة. نظر إلى شهد الواقفة بـ عزة نفس، وإلى عمر الذي يجلد حريمه بكلامه ويده، وصاح الحاج كمال: "في إيه عاد يا عمر؟! إيه اللي حصل في غيبتنا وتجنيت بسببه إكده؟! انطق يا ولدي!"
التفت عمر لوالده والحاج كمال، وصوته يرتجف من فرط القهر والغيظ وقال:
"حريمي يا بوي.. الحريم اللي اخترتهم لي وصنتهم في بيتي، دفعوا فلوس لـ صيع في السوق عشان يتهجموا على شهد ويكسروا شرفنا وعرضنا قدام الناس عشان يرضوا غلهم! لولا إن ربنا جابني في طريقها في آخر لحظة، كان زمان اسم المنشاوي اتداس في الطين الليلة دي بسبب شياطين الإنس دول!"
اتسعت عيون الحاج كمال بصدمة قاتلة، واهتزت العصا في يده من شدة الغضب الصعيدي العارم. نظر إلى فريدة ونادين ويسرا بنظرات لو كانت رصاصاً لقتلتهم في مكانهم، ثم ضرب الأرض بعصاه بكل قوته وصاح بنبرة حاسمة كالسيف الصارم:
"يا فضحيتنا وسط النواحي!! حريم المنشاوي يعملوا إكده في بنت عمتهم؟! ويسوقوا الصيع عليها؟! وقسم بالله العظيم، والشرع الحلال.. الثلاثة دول ملهمش جُعاد في قصري ليلة واحدة تانية! طلاقهم وطردتهم الليلة دي هي اللي هتغسل عارنا!!"
ارتجفت الزوجات الثلاث وبدأن بالبكاء والعويل والارتماء تحت أقدام الحاج كمال وعمر يطلبن السماح، بينما التفتت يسرا الخبيثة نحو عمر وحاولت استخدام مكرها الأخير، فقالت وهي تبكي بنعومة وثعبانية:
"يا عمر.. حرام تظلمنا وتطردنا عشان حتة عيلة ريفية! إحنا حريمك الهوانم اللي صانوا اسمك وفلوسك، تطلقنا وتطردنا عشانها؟! تفتكر هي صالحة ونقية؟ أنت مسمعتهاش بالليل وهي واجفة في غرفتها وبتقول إيه؟! دي بتخطط لـ حاجة تانية خالص وناوية تاخد القصر وتطردنا كلنا!"
توقف عمر ونظر إلى يسرا بغموض، بينما شهد رفعت حاجبها بـ شموخ وثبات وتحدٍ صامت هز أركان المكان. وفجأة، وسط هذا الصراخ والعويل وطردة الحريم، انفتح باب القصر الخارجي مرة أخرى، ليدخل منه حارس الأمن مسرعاً ووجهه شاحب كالأموات، وفي يده رسالة مغلقة باللون الأسود مختومة بختم "طارق الهواري" (العدو اللدود لـ عمر)!
تقدم الحارس برعب وسلم الرسالة لعمر وقال بصوت يرتجف:
"عمر بيه.. طارق الهواري بعت الجواب ده حالاً مع رجاله برة، وبيقولك إن الضربة الكبيرة بدأت، وإن الجواب ده فيه سر هيخليك تركع تحت رجليه الليلة دي واصل!"
أمسك عمر الرسالة بـ يد ترتجف من فرط التوتر والغضب، وفتحها بسرعة وعيناه الحادتان تقرأن السطور السوداء.. وفجأة، اتسعت عيون عمر بصدمة شلت أطرافه تماماً، وتراجع خطوتين للخلف وهو ينظر إلى شهد بنظرة غامضة، مرعبة، ومزيج من الذهول والشك القاتل، وكأن الرسالة تحتوي على سر خطير يخص شهد وطارق الهواري ويقلب موازين الرواية بالكامل!


تعليقات



<>