
بالمشفى كان الأمر يزداد سوء وحالة أيلا لا تتحسن وهي لم تتركها.. الطبيب سمح لها بالبقاء معها بالعناية فالجميع يعرفها من كثرة تواجدها هنا..
البكاء ليس حل ولكنه يرطب القلوب ويرقق من حدة الألم
يدها تقبض على يد صغيرتها وعيونها لا تفارق وجهها الصغير الساكن على الفراش بعيون مغلقة
تألم قلبها لما يحدث لابنتها الصغيرة.. القدر لم يكتفي أنه لم يمنحها أب بل ومصابة بتعب وأم قد تتركها بأي وقت..
أغمضت عيونها بألم.. الدموع فقط هي كل ما تبقى لها
بعد وقت طلب منها الطبيب الخروج كي تعتني الممرضات بالفتاة فخرجت وسهيلة تتحرك لها
لكن قبل أن تتحدث معها وجدت هاتفها يرن ورأت رقم لا تعرفه فأجابت
صوت غريب يهتف بها بقوة وفزع "مدام مهرة تعالي بسرعة، شقتك تحترق"
لفت حول نفسها والفزع يعلو داخلها وهي تهتف "ماذا؟ من أنت؟ ألو.. "
لكن الهاتف أُغلق فأبعدته وهي تدور حول نفسها ولا تعرف ماذا تفعل.. لا يمكنها ترك ابنتها
سهيلة سألتها "ماذا حدث مدام؟"
التفتت لها وهي لا تعرف ماذا تفعل "أحدهم يقول أن الشقة تحترق.. أنا لا أعرف ماذا أفعل؟"
سهيلة رفعت يدها على فمها ثم قالت "سأذهب أنا لأرى الأمر وابقي حضرتك مع أيلا"
هزت رأسها وهي تقول "نعم.. معك حق.. لا أستطيع تركها.. يا الله ماذا يحدث لي؟"
وقبل أن تذهب نادتها وهي تخلع جاكتها "ارتديه الجو برد وممطر وخذي عم صابر السائق لتوصيلك"
ولم تعترض الفتاة وهي تلتف بمعطف مهرة وتتحرك للخارج
وما أن ابتعدت حتى تحرك لها رجل بزي الأطباء وبجواره رجلان آخران والرجل توقف أمامها وقال "دكتور محمد ذكي، المدير.. الدكتور سامي ودكتور يونس جاءا لرؤية ابنتك مدام"
وتجمدت..
****
تعلقت العروسة بذراع من سيكون زوجها بعد أن سلمها له والده .. يحبها أكثر من نفسه..
عاش لأجلها بعد وفاة زوجته رغم سفره الدائم والآن يمنحها لابن صديقه
توقف بجوار ابنته وعيونه تلمع بدموع السعادة وعندما نزلت بجوار زوجها كانت تشع ببهجة الفرح..
لم تهتم نارا أن رحيم لم يمنحها أي كلمات مجاملة ولا ابتسامة مشرقة.. فقط وضع قبلة باردة على جبينها..
ألا يرغب بها؟
سكنت الموسيقى وهو يتحرك بها لقاعة كبيرة لعقد القران وما أن دخلا حتى مال مسلم عليه وهمس له "الفتاة الصغيرة متعبة ودخلت العناية بالتهاب رئوي حاد"
تجهم وجهه وجمد جسده..
التفتت نارا له ولاحظت تبدل ملامحه فاقتربت منه وسألته "هل حدث شيء؟"
هو سمعها بأذنه لكن قلبه لم يفعل.. لذا لم يجيبها..
التفت لمسلم الذي واجه نظراته "والدتها؟"
أجاب "بالطريق إليها، قد تكون وصلت الآن"
جذبته وبعض الكلمات تذهب لها "من هي التي تتحدث عنها رحيم؟"
كانت تفكر بمهرة.. هي منحت أوامر فهل تم تنفيذها بتلك السرعة؟
التفت لها وهي تجذبه من ذراعه "رحيم أنا أتحدث معك"
نظراته كانت مخيفة مما جعلها ترتجف وتتراجع قليلا بلا فهم لسبب ذلك وصوته خرج حادا.. هادئا لكن بنبرة تحذيرية "هل تتوقفين عن التدخل فيما لا يعنيك؟”
وفض ذراعه منها وتركها تقف وسط القاعة التي توقف بها والد نارا ووالدته لحقت بهم.. رجلان من أقارب نارا ولكنه لم يكن يرى أحد
رجال حراسته تبعته وهو يتحرك للخارج وهاتفه بيده
هاتفها مغلق ومسلم يجيبه "ذلك يعني أنها بالمشفى سيد رحيم"
التفت له وهو يتخذ باب الفندق وجهته ويقف بالهواء البارد بالخارج "أرغب بالمشفى حالا مسلم"
بالفعل كان أحد الرجل يمنحه هاتف "مدير المشفى يا فندم "
منح أوامر مباشرة لمدير الفندق الذي تحرك بعدها لمهرة وعاد هو لسيجارته ومسلم يقول "المشفى تقدم خدمات جيدة مستر رحيم أنا فهل تهدأ؟"
يهدأ؟
هو نفسه رأى كيف كانت الفتاة بتلك الليلة فما باله باليوم وهم يتحدثون عن عناية؟
مسلم ابتعد للرد على هاتفه
والد نارا لحق به والغضب ظاهر على ملامحه "رحيم ماذا حدث؟ كيف تترك خطيبتك وتتركنا جميعا بتلك الطريقة؟"
ارتد لنفسه. تذكر ما كان خلفه وقد نساه وسقطت عيونه على من كاد يكون حماه وقال "حالة طارئة عمي، سأنهيها وأعود"
ضاقت نظرات الرجل بشك وقال "طوارئ يوم زواجك؟ من المفترض أنك اهتممت بكل شيء قبل اليوم"
لم تعجبه الكلمات ومع ذلك الرجل كان صديق والده "فعلت عمي ولكن الأقدار لا يمكن أن تؤتمن"
حاول الرجل عدم إفلات الأمور وقبل أن يتحدث عاد مسلم له وملامحه منغلقة بشكل سيء وهمس بأذنه "سيارة صدمت سيارة مدام مهرة وهي بطريقها للبيت والاسعاف بالطريق"
وهنا لم يعد يهتم بأي شيء.. فقد الشعور بكل ما حوله.. وبمن حوله
تحرك بلا وعي وهو يطلب السيارة ولا يسمع صوت حماه الذي ناداه ولم يرى سوى مسلم يفتح له باب السيارة وهو ينطلق بسرعة جنونية
ابنته الآن بالعناية وحدها.. أمها والتي هي المرأة الوحيدة التي فتح لها أبواب حياته وهو من أغلقه بلا حكمة
هي الأخرى أصيبت..
مهرة..
لاحت أمامه عندما كانت شابة صغيرة.. كيف توردت عند أول لمسة منه.. ارتجفت أصابعها بيده.. رقصت نظراتها لعيونه..
كم مرة كانت تتلوى بين ذراعيه بدلال وهو يأخذها كزوجة؟
أشبعته.. كما لم يشعر بالشبع بأي يوم بحياته..
منحته السعادة وبرحيلها رحل كل شيء
اليوم وهي تمنحه ابنة.. بعد سنوات من الظلام يظهر نور ضعيف بابتسامة بريئة وكلمات تؤسر القلب "أنت صديقي"
ابنته لن تضيع منه.. لابد أن تكون معه.. بين أحضانه..
ومهرة!؟
ما هذا الألم الذي يجتاحه لما أصابها؟
هل ما زالت تعني له شيء؟ لم لا يمكنه تجاوز الأمر والعودة وإتمام زفافه؟
نارا هي من انتظرته طوال تلك السنوات.. أحبته رغم أنه لم يحبها ولم يعترف بالحب من الأساس..
هي من تستحق أن تكون بحياته..
ضغط على دواسة الوقود مما جعل السيارة تندفع بسرعة غير تقليدية ولم ينتبه لهاتفه الذي كان يهتز بجواره ومسلم يحاول الوصول له من خلفه..
****
الاهتمام زاد بشكل غير طبيعي بابنتها ومن حديثها مع مدير المشفى فهمت أنها تصرفات رحيم..
لأول مرة يستخدم نفوذه بشيء يخصها..
هل يعترف أن أيلا ابنته؟ لن يرفضها؟
بالطبع بقيت بجوارها وقت ثم خرجت لتهاتف سهيلة لتصطدم بضوضاء عند مدخل العمليات ولاح لها عم صابر من بينهم فانقبض قلبها وجمدت لوهلة وهي لا تفهم
حتى سقطت نظراتها على الجسد الممدد على الفراش الذي يدفعه الممرضين..
سهيلة!؟
مروا أمامها وبدا جسد الفتاة مصاب والدماء تلوث ملابسها
يدها التصقت بفمها تقطع شهقة، صرخة، أنين
صوت عم صابر نزعها "سيارة كبيرة اصطدمت بنا بطريقة صعبة وهي لم تكن تضع حزام الأمان"
لفت وجهها له والفزع هو كل ما ارتسم عليه، الفتاة ما زالت صغيرة، تنفق على والديها المريضين وهي تساعدها.. "كيف ذلك يا عم صابر؟"
عدة جروح سطحية كانت ظاهرة على وجهه ولكنه بالمجمل العام كان بخير "لا أعلم مدام.. ما أن وصلنا الكورنيش حتى مالت علينا سيارة وصدمتني جعلتني أفقد السيطرة واصطدمت بالرصيف وعمود الإنارة"
بالطبع الجميع اختفى بغرفة الطوارئ وهي لا تفهم ما يحدث ولا ماذا تفعل حتى سمعت رجال الشرطة يسألون عن اسم سهيلة وأشار الموظف لهم
الضابط ورجاله تحركوا لهما "أنت سائق السيارة التي أصيبت؟"
هز صابر رأسه "نعم يا بيه"
التفتت هي له وقالت "هو كان معي يا فندم وأنا أرسلت مربية ابنتي معه لشقتي وقت الحادث"
التفت لها الضابط ونظراته بها العديد من الأسئلة وبدأ يسأل بالفعل
جلست.. غير قادرة على الوقوف ورأسها على بين راحتيها وهي لا تعرف ماذا تفعل؟
هي حتى لا تعرف بأمر شقتها والبواب لا يجيبها..
صوت الأقدام المتحركة لم تجذبها لكن الصوت فعل "مهرة؟"
لم تصدق أنه هو وهي ترفع وجهها لتصطدم بجسده يقف أمامها وهو بكامل أناقته وهذا العطر.. تعرفه
بصعوبة وقفت.. عيناهم متلاصقة.. القلق بعينيه.. الدهشة بعينيها..
تساؤلات دارت بينهم بلا كلمات حتى همس "هل أنتِ بخير؟"
وسقطت دموعها غزيرة.. دموع كتمتها داخلها بغريزة الوحدة التي كانت تشعر بها
لا يعلم كيف اقترب ورفع يده لوجنتها ليلمس رطوبة تلك الدموع ومن تحتها بشرة حريرية كان يعرفها وصوته خرج مهتزا
"اهدئي"
ولم يقاوم وهو يجذبها له ويضمها بين ذراعيه بلا اهتمام أين هما ولا أنها لم تعد زوجته..
يداها ظلت بجوارها لحظة حتى رفعتهم ولفته بهما بلا وعي..
كأنه ما زال زوجها..
هي لم تتخيل نفسها امرأة رجل آخر سواه..
أدركت نفسها فابتعدت دون أن ترفع وجهها المحترق من حرارته وهو أفلتها واعيا بالجنون الذي سقط به كلاهم
تنفس بقوة وهي تمسح دموعها ومسلم يقترب "وصلنا لرقم السيارة"
لم تسمعه وهي تشعر بالراحة لوجوده.. من بعد سنوات مع الوحدة وتحمل المسؤولية وحدها.. اليوم.. اليوم يمكنها الاتكال عليه
هز رأسه ونظراته عليها "لماذا رحلت سهيلة مع عم صابر؟"
رفعت وجهها المتعب له وبكلمات مختصرة أخبرته السبب
التفت لمسلم الذي قال بلا تعابير على وجهه "لم تصلني أي أخبار كهذه"
ظل واجما لحظة قبل أن يقول "تأكد من المعلومة وتحري الأمر"
التفت لها وهي لا تفهم شيء "كيف حال أيلا؟"
أخفضت وجهها وهي تشعر بارتباك وحيرة وداخلها معركة لا تفهمها ولا تعرف أولها من آخرها..
منحت نفسها هواء قبل أن تقول "ما زالت بالعناية، الطبيب أخبرني أن حالتها استقرت"
ظل يتجول على وجهها المتعب فرفعت رأسها لصمته وسألته بنبرة مهتزة "كيف أنت هنا؟ أقصد.. "
وماتت الكلمات على شفتيها.. هي تتساءل عن زواجه ومن امرأة أخرى..
أبعد نظراته وهو يتذكر اتصالات نارا التي لم يجيبها منذ تركها بقاعة الفندق، لم يعرف بماذا سيجيبها ولا أي كلمات يمكن أن تهدأ منها بعد ما فعله بها ولن يمكنه مواجهة والدها
لكنه الآن وهو يرى وجه مهرة يدرك أنه فعل الصواب..
نفخ وأجاب باختصار "ابنتي بالعناية ووالدتها كادت.. "
أخفضت وجهها فاقترب منها وقال "ما زلتِ مدينة لي بما فعلتيه بحقي وحق أيلا"
رفعت وجهها.. التقت بالرمادية القاتمة ولم تفر منه..
لم تحاول تبرير ما كان فقط قالت "آسفة"
تراجع..
صدمه اعتذارها.. لم يفكر أن هناك شيء تبدل بها.. كانت تصارع وتهاجم ولكن..
ولا مرة اعتذرت..
خروج الطبيب من غرفة الطوارئ قطع اتصال عيونهم وهو يتحرك لها "أقارب الفتاة التي جاءت بالحادث؟"
هزت رأسها فأكمل "هي بخير.. مجرد كدمة بالذراع الأيسر وكدمات بباقي جسدها، جرح عميق بالرأس تم خياطته"
تنفست بقوة وكأنها كانت تحبس أنفاسها ورحيم من تحدث "الحالة العامة"
وجه له الطبيب الحديث " الحالة العامة بخير ويمكنها الخروج بعد قليل لو شئتم مع الراحة لعدة أيام"
بنفس اللحظة اندفعت امرأة مسنة تتكئ على رجل مماثل لها وربما أكبر ومهرة عرفتهم فتحركت لهم
"مدام مهرة.. ابنتي، أين ابنتي؟"
وصلت لهم وأمسكت يد المرأة وهي تشعر بتأنيب ضمير "هي بخير حضرتك.. ارتاحي، صدقيني هي بخير"
تراجع رحيم.. هو لم يعرف كيف يتعامل مع هؤلاء الناس لكن هي تفعل.. تربت على يد المرأة.. تمنحها كلمات طمأنينة..
لماذا الآن يرى بها ما لم يراه وهي امرأته؟
كأنه.. بل هو حقا لم يعرفها..
بعد الاطمئنان على سهيلة ورحيلها مع والديها عادت للعناية..
رؤية ابنتها الوحيدة.. ولكن تلك المرة كان هو بجوارها..
ملامح الفتاة كانت هادئة، جهاز النفس نظم أنفاسها والمحلول كان يمنحها تغذية بسيطة
وضعت قبلة على جبين طفلتها ثم همست "صديقك هنا"
بصعوبة فتحت الصغيرة عيونها لتراه واقفا خلف والدتها.. لم تحاول التحدث عبر جهاز النفس
أخفضت عيناها الصغيرة
لم يقبل الهزيمة، اقترب من الفراش، لمس اليد الصغيرة وهمس "مرحبا صغيرتي"
لم ترفع عيونها له، بل أبعدت يدها عن أصابعه..
كان عليه أن يتفهم ما تمر به الفتاة.. ما زالت تذكر ما فعله بالبيت وصراخه بوجه أمها..
الآن أصبح طريقه للفتاة ممهد بالأشواك
اقتربت هي منها.. تدرك ما تمر به ابنتها.. تلتمس لها الاعذار وتحمل هي ذنب ذلك
مررت يدها على جبين ابنتها وهمست لها "نحن هنا حبيبتي ولن نتركك"
نظراته لم تترك الفتاة وكلمات مهرة.. نحن.. نتركك.. جعلته يدرك أنها تبني جزء مما انهار بعلاقته بابنته قبل أن يُبنى
****
كان عليه الرد على نارا..
مواجهة بلا تلاقي الوجوه.. ليس هروب فهو ليس بجبان لكن..
مجرد تهدئة لنيران لا يمكن أن تخمد بسهولة.. "هل قررت أخيرا أن هناك امرأة أخرى سواها تستحق اهتمامك؟"
رفع رأسه وهو ينفخ الدخان والبرد يلفه ولكنه لا يشعر به وإنما أسئلة كثيرة مرت بذهنه "ومن أخبرك أني مع امرأة نارا؟"
مسحت دموعها.. تهاوت على مقعد بغرفتها.. الجنون اجتاحها.. الصحافة لاحقتها ولولا رجال والدها ما خلصت منهم..
الشماتة بعيون البعض من المدعوين، الشفقة بنظرات آخرين، تساؤلات.. والآن الميديا تعلن الفضيحة..
رجل الأعمال الشهير يترك خطيبته بليلة زفافهم بلا عودة..
الأسباب كانت كثيرة ومزيفة..
هتفت بجنون "ومع من ستكون إن لم تكن معها؟ هل هناك سبب آخر سواها؟"
عاد للسيجارة وليس بها أي ملاذ فقط احتراق بالصدر "نارا لدي ما يكفيني من المشاكل فهل تتوقفي عن جنونك هذا؟"
ولكنها بالطبع لم تكن لتتوقف، هي سعادتها ما تحطمت اليوم وبسبب نفس المرأة، هل يمكنها تقبل الأمر بسهولة؟
ردت بنفس النبرة لكن مختلطة بدموع "أتوقف؟ رحيم هل تستوعب ما فعلته بي الليلة؟ هل يمكنك إدراك صورتي أمام الجميع؟ هل رأيت الميديا؟ اسمي على كل لسان"
دهس السيجارة تحت حذاءه الثمين وعاد يرفع وجهه للظلام المحيط حوله وقال "سيتولى رجالي الميديا، سنخبر الجميع بأن هناك ظروف أجبرتنا على تأجيل الزفاف"
أغمضت عيونها..
هو لا يعترف بأن تلك المرأة ما زالت بحياته وهي لو منحته معرفتها سيشك بها "وما هي تلك الظروف رحيم؟"
عبث بعينيه بأصابعه قبل أن يقول "لا أظن أنها تهمك نارا لكن لم يمكنني التغاضي عنها، سأهاتفك عندما تسمح ظروفي"
وقبل أن تعترض أغلق.. أنهى الجدال الذي لم يكن لينتهي
منح والد مهرة نفس الكلمات وتحمل منه نيران الغضب ببرود وأغلق بلا اهتمام
مسلم لحق به ووقف بجواره "السيارة مسروقة ووجدت بمكان على الطريق الصحراوي بلا سائق"
لم ينظر له.. اكتفى بيداه بجيوبه وصمته لفه وهلة قبل أن يقول "هذا يعني شيء واحد مسلم"
وأخيرا لف وجهه لحارسه الشخصي وقال "أن الحادث لم يكن قضاء وقدر"
لم تتبدل ملامح مسلم ولكنه أجاب "بل الأهم أن الأمر ربما استهدف مدام مهرة، سهيلة كانت ترتدي الجاكيت الخاص بالمدام والسيارة بالسائق خاص أيضا بالمدام، ولن ننسى الاتصال الزائف باحتراق الشقة"
تفهم.. هو نفسه وضع الدلائل بجوار بعضها البعض ووصل للاستنتاج بلا تعب
انغلقت الرمادية، فقدت لمعانها وقال بصوت جامد "وهذا يعني تشديد الحراسة على المدام والطفلة وإكمال تحرياتك لنصل من وراء ما حدث"
هز مسلم رأسه وظل بجواره كما اعتاد منذ بدأ عمله معه..
الصباح وصل سريعا وهي تملكها التعب وقد غفت قليلا على المقعد بجوار فراش أيلا عندما دبت الحياة بالمكان فنهضت تمنحهم مساحة للحركة
بالخارج رأته جالسا، فك ربطة العنق وزر قميصه العلوي وهي تعلم أنها عادته.. ربطة العنق اختفت
نهض لرؤيتها وتحرك لها وبدت هزيلة أمامه لكن متماسكة كما اعتاد عليها "كيف حالها؟"
حاولت وضع تعابير مريحة على وجهها لكنها فشلت، قلبها يرقد بالداخل "نائمة، الطبيب لم يراها بعد"
لمس ذراعها وقال بلا مجال للرفض "تعالي"
تحركت ووجهها يرتفع لجانب وجهه الجامد وهو يقودها لخارج المشفى.. على الرصيف المقابل دفع لها باب المطعم وهي تستسلم وتدخل أمامه
وضع الرجل أطباق الطعام وهو أشار لها "تناولي الطعام مهرة، ستتساقطين لو لم تفعلي وهي بحاجة لك"
حدقت بالطعام بلا شهية لكن هو على حق، هي تتهاوى من داخلها من كثرة ما تحمله لكن عليها أن تظل قوية لأجلها..
الصمت لفهم حتى انتهوا والسيجارة ارتفعت ورائحة القهوة نافست رائحة التبغ وهو يتأملها وهي تدفع خصلتها خلف أذنها دون أن تنظر له "ألا تظن أن وجودك هنا ظلم لنارا؟"
تناول بعض من القهوة المُرة قبل أن يجيبها "هل حقا تهتمين لأمرها؟"
واجهته، ترى عيونه حتى من بين الدخان فهي تظن أنها تعرفه "ما أعرفه أن علاقتكم استمرت لسنوات كثيرة"
أبعد وجهه، هي على حق، هو نفسه يخبر نفسه بذلك كمبرر لعلاقته بها لكن الآن الوضع اختلف "الزواج لا يقوم على مدة العلاقة مهرة"
رفعت عيونها له.. اسبوع كان عمر علاقتهم وثلاثة أشهر مدة زواجهم
أبعدت نظراتها عنه فتناول القهوة ثم عاد وقال "كيف عشتِ حياتك وحدك؟ أنتِ وأيلا؟"
عادت له لحظة قبل أن تجيبه "بشقة إحدى قريبات ماما اختفيت حتى وصلت أيلا، كنت أعمل عن طريق الانترنت ونلت أموال جيدة، بعدها انتقلنا إلى شقتي الحالية ونلت عمل بالشركة"
انتهت السيجارة واختفى الدخان ويده تستقر بجواره بهدوء وهو يقول "وأين والدتك؟"
ارتجفت شفتها وزاغت عيونها قبل أن تقول بصوت خافت "توفت بعد انتقالنا للشقة بوقت قصير" واجهت نظراته وقالت "صارعت الكيماوي كثيرا حتى رحلت"
تجهم وجهه.. هل تحملت كل ذلك وحدها؟
نفخ ويده تفرك جبينه وهو يتجاهل الصداع "ألم تفكري يوما بمهاتفتي؟"
ثبتت نظراتها عليه كما فعل، تمنى لو لجأت له بيوم ما..
لكنها لم تفعل هي تحمل كبرياء هو ما أراد كسره
"كي تظن أني أطمع بك أو أرغب بالمال والجاه مرة أخرى؟"
اعتدل، مال للأمام وواجه نظراتها "مهرة أنا كنت أرى تصرفاتك المتهورة واندفاعك بلا تفكير ومكانتي لم تكن تسمح بذلك"
ابتسمت، ابتسامة تحمل مرارة واضحة.. لم تصل حتى لباقي شفتيها
نبرة صوتها خرجت هزيلة تحمل أسى ووجع "اندفاعي لتحقيق أحلامي لم يناسبك؟ رغبتي بأن أكون فارسة ناجحة، لا يليق بك، نجاحي كمصممة إعلانات كان يهينك"
تراجع بالمقعد.. يستوعب كلماتها.. يرتد للماضي..
أبعدت وجهها وهي تبتلع الألم، تهضمه كما اعتادت وتمتص منه ما يدفعها لإكمال مسيرتها "رحيم أنت لم ترى مهرة النادي بأي يوم، أنت رأيت فتاة ورغبت بها وما أن أشبعت رغبتك منها حتى أردت التخلص منها"
رفض ما قالت فقال "أنا تزوجتك مهرة، الأمر لم يكن مجرد رغبة"
المرارة لا تفارقها عندما تذكر الماضي "تزوجتني لأنك أدركت أني لن أكون لك سوى بالزواج"
توقف.. التصقت نظراتهم حتى جذب السجائر وسحق واحدة بنيران قداحته حتى عاد لها "والآن أنا سبب فشل زواجنا"
حدقت بأصابعها لحظة قبل أن تقول "دعنا لا ننبش بما اندفن رحيم فلا فائدة منه، لن نجني سوى الألم"
لكنه هتف بقوة لفتت انتباه من حوله "لا تفري من مواجهة الحقيقة"
رفعت نظراتها له، لا هي ولا هو اهتما بنظرات من حولهم بل ظلا متواجهين حتى والصمت سيد يفرض سطوته
زفر الدخان بقوة وهي تقبض أصابعها بقوة "لم أفر بأي يوم رحيم، لنتوقف هنا لم أعد أرغب بصراع من صراعتنا القديمة"
هدأ فجأة من كلماتها.. أبعد وجهه.. هل حقا تبدلت؟
تنفست وقالت "أرغب بالعودة لأيلا"
أطفأ السيجارة وقال "هل عرفت؟ أني والدها؟"
لم تواجه عيونه، هزت رأسها بالنفي وهي تقول "لم يكن من الصواب إخبارها وهي تراك غاضب وتصرخ بوجهي"
صمت. يمرر نظراته على وجهها الضئيل.. يفهم ما تقول وهو بنفسه رأى تصرفها معه "وأنتِ بالطبع زدت الأمر سوء وأخبرتها أني وحش و.. "
قاطعته "لا داعي لكلمات لا معنى لها، علاقتك بها أنت من سيقيمها وليست كلماتي، هذا لو رغبت بعلاقة معها"
اقترب من طرف المائدة ليقترب من وجهها المواجه له وبدت الجدية بالكامل على كل ملامحه "ووجودي هنا لم يمنحك رد على كلماتك هذه؟ أنا باقي بحياة أيلا مهرة، لن أتخلى عن ابنتي هل تسمعيني؟"
هل يظن أنها ترفض ذلك؟
الصمت سقط بينهم كحاجز يفصلهم وقت الالتحام
هي ترغب بإخباره الكثير.. تخبره أنه أمل ابنتها الوحيد.. أنه الباب الوحيد المفتوح لها بعد موتها هي
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت "وأنا أرغب بذلك صدقت أم لا"
ونهضت واقفة وهو يتبعها بنظراته محاولا سبر أغوارها.. الغوص داخلها ومعرفة أين الصدق من الكذب ولكنه فشل..
خروج أيلا من العناية منحها الراحة ولكن الطبيب طلب ببقائها بضع ساعات للاطمئنان عليها.. والغريب أنه قرر البقاء
لم يهتم بما يتركه خلفه من نتائج فشل الزفاف، فقط أراد البقاء
اختفى طوال فترة الاعتناء بالفتاة وطعامها ودواءها حتى ظنت مهرة أنه رحل
أيلا لم تسأل عنه مرة أخرى ولا هي تحدثت عنه، أخبرته أن عليه هو أن يصل لابنته وهي لن تضع الأشواك بطريقه
دقات على الباب وقبل أن تأذن رأته يدخل، لم يستبدل ملابسه لكنه اعتنى بمظهره الخارجي، وتحركت عيونها على يده التي تحمل عدة علب مغلفة بورق هدايا جذب انتباه أيلا
ملامحه كانت هادئة كعادته ووسامته تخفي ما يحمله داخل قلبه..
صراع احتدم منذ سقطت المهرة بطريقه وزاد وتأجج بمعرفته بابنة لم يعرف بها
ابتسامة خفيفة اعتلت فمه وهو يتحرك لفراش الصغيرة "فتاتي تبدو أفضل اليوم"
لمعت عيون الصغيرة عليه ثم على العلب ولكنها لم تجيبه وهو يضع العلب بجوارها على الفراش ويكمل "وجدت تلك الأشياء وأنا بطريقي ربما تعجبك"
بحثت يدها عن يد مهرة التي انتبهت لها وقبضت على يدها وقالت "هل ترغبين بفتح العلب؟"
رفضت برأسها فزاغت نظرات مهرة له ورأت تجهم وجهه فعادت وقالت "تعرفين أنه هو وحده من يعرف ألعابك المفضلة وربما بتلك العلب واحدة منهم"
هزت أكتافها الصغيرة بضعف وصوتها خرج ضعيفا أيضا مكتوم من المرض "لا أريد لعب، أريد غرفتي"
تراجع وهو لا يعلم كيف يرمم الشرخ.. لم يكن أب من قبل ولا يعرف كيف يعيد علاقتهم
دخول الطبيب قطع الأمر "صباح الخير، كيف حال بطلتي اليوم؟"
تراجع رحيم والطبيب يقف مكانه وأيلا تقول "أريد بيتنا"
ابتسم وهو يمنحها نظراته "وأنا أيضا أرغب بالرحيل لبيتي، لي ثلاث ليال لم أفعل لمتابعة مرضاي الأبطال مثلك"
وتولى فحصها ومهرة تساعده مع الممرضة التي تبعته..
عندما انتهى قال "أرى أنها تفضل الرحيل، لا مانع لو سيتم الاعتناء بها جيدا"
تدخل رحيم "يمكنني توفير كل اللازم لها بالبيت"
التفت له الطبيب "تمام، سأكتب التعليمات ويمكنكم الانصراف بعدها"
****
عندما نامت أيلا بفراشها بالبيت خرجت مهرة أخيرا وأغلقت بابها لتراه يتحرك للمائدة ويضع عليها أكياس فهمت أنها طعام
توقفت بمكانها.. هل سيبقى حقا؟
لا يمكنه ذلك.. الناس والجيران وهي نفسها لا ترغب بوجوده بجوارها..
أخرج الطعام وانتبه لها فقال "نامت؟"
تحركت له وقد ظلت بملابسها، لم تملك وقت لاستبدالها "نعم.. رحيم أنا.. "
جلس باسترخاء ونظراتها مكشوفة له لذا قال "سنتحدث بعد الطعام، اجلسي أنا جائع"
ظلت جامدة لحظة ولكن عندما فتح الطعام معلنا سطوته عليها جلست وتناولت البعض بلا شهية وهي شاردة بما ستقوله وما سيرد به عليها
أبعد هو الأشياء.. كان يبدو شخصًا مختلفًا عن الذي عرفته.. لا غرور ولا كبرياء.. رجل عادي يتصرف وكأنه رب البيت
عاد بالقهوة له وشاي لها فرفعت وجهها له باعتراض قائلة "رحيم هذا لا يمكن أن يستمر"
كان يفهم معنى ما تقول.. الدخان خرج منه مستقيما لبعيد قبل أن يمنحها تركيزه وقال "أعلم لذا ليس أمامنا سوى حل واحد"
تجهم وجهها لما يقول.. لا تفهم ما الحل الذي يتحدث عنه؟ وهل يفهم ما تقوله؟
السيجارة منحته بعض الهدوء والليل منحه قرار لما يجب أن يكون
الصمت سقط بعيدا وهو من دفعه بصوته الثقيل "نتزوج"
اهتز كيانها.. شحب وجهها وتلون بكل الألوان حتى اختار الأبيض ليحتل كل وجنتيها وجف فمها وسقط تركيزها بقدميها..
زواج مرة أخرى.. بنفس السرعة وبنفس العقلية وربما نفس النتيجة
لسانها نطق بلا تفكير "لا"
كان يعلم أنها سترفض، ما عاناه الاثنان بشهور زواجهم هو من جعلها ترد وهو يتفهم..
تنفس بقوة وقال "مهرة الآن الأمر اختلف كثيرا عما كان وقت التقينا.. لدينا طفلة وهي بحاجة لي بحياتها ولا تنكري أنكِ أيضا كذلك لذا هذا هو الحل"
نهضت، صوت كوب الشاي كسر جموده وقراره الصارم وصوتها فعل المثل "أيلا بحاجة لك ربما، لكن هذا لا يعني زواجنا مرة أخرى رحيم، يكفينا تجربة واحدة ونتيجتها كلانا يعلمها"
نهض هو الآخر بعد أن أنهى سيجارته وتحرك ليقف ويواجها وهو يدرك أنها لن تقبل بسهولة لكن بالنهاية لابد أن تفعل..
ما زال يرى أن ما يمنحه رجل بمكانته لامرأة مثلها لهو حلم ولم يدرك أنها لم تعد تؤمن بالأحلام
مال عليها وانخفض صوته وهو يقول "لا حياة بدون تجارب مهرة، وفشل واحدة لا يعني الاستسلام، يمكننا.."
"لا"
صوتها أوقفه، جديتها، إصرارها، قوة كلماتها جعلته يقف جامدا لا يبعد نظراته عنها وهي تكمل "أنا لا أريد تجارب أخرى رحيم، لن أقف بينك وبين أيلا لكن وأنا خارج حياتك"
لم يصدق أنها ترفضه..
تلك الفتاة لم تصدق نفسها يوم طلبها للزواج.. اندفعت تعانقه ووافقت على كل ما رغب به
لا زفاف.. لا فستان أبيض ولا أي شيء مما ترغب به البنات أمثالها
فقط هو..
لكن الآن كل ما يراه بعينيها هو الرفض.. لا! كلمة اهتز هو لها من داخله
اعتدل محاولا تجاوز ما فعلته الكلمة داخله "وكيف أكون بحياتها وأنتِ تخبريني أن ذلك لا يجوز؟"
رفعت وجهها له بلا تراجع وصوتها كان قوي، ثابت، بلا اهتزاز "يمكنك رؤيتها بأي وقت، لكن خارج البيت، هنا عيون وألسنة لا أحب مواجهتها"
ظل متجهم، الحيرة مكتومة داخله، يحاول تصديق أنها تعني ما تقول "مهرة نحن نتحدث عن مصير ابنتنا ولا يمكن أن تنشأ بأسرة مفككة"
ابتعدت من أمامه، هي لا تعرف ما الذي يمكن أن يواجها بحياتها لكنها تعرف أن مرضها قد يجعل ابنتها يتيمة
انقبض قلبها وهو ظن أنه فاز لذا رفع رأسه وقال "بالغد نتمم الأمر"
التفتت له مرة أخرى ونفس الكلمة تخرج بحزم "لا، لن نتزوج رحيم"
انحنى عليها والغضب بدأ يعلن عن نفسه داخله وعيونه نبضت به "أنا أعلم أن لا رجال بحياتك مهرة وأعلم أن حياة أيلا هي كل ما يهمك فأين المشكلة الآن؟"
رفعت يدها وضغطت بها على صدره وهي ترد بقوة "أنت، أنت المشكلة رحيم، أنا تعبت حتى وصلت لما وصلت له ولن أسمح لأي شيء أن يدمره"
كانت قوية بشكل مختلف عن الفتاة التي عرفها، قوتها نابعة من ثقتها بنفسها التي كبرت معها ولن تسمح له بأن يهزها وهو رأى ذلك وأدركه
المواجهة لم تكن سهلة ولكن رحيم العزايزي لا يقبل الهزيمة بأي معركة
نبرته خرجت خافتة لكن مخيفة "لا تتحديني مهرة تعرفين جيدا قدرتي على تحقيق ما أريده.. لا تجعلي من نفسك منافس لي لأنك وقتها ستندمين"
وتحرك جاذبا جاكته والباب انغلق بقوة خلفه مما جعلها تهتز من صوته وتهديده لم يمر هكذا فهي تعرف الرجل الذي أحبته وتزوجته جيدا ولا تعرف كيف يمكنها مواجهته؟