رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل التاسع9 بقلم اريا السوهاجية


رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل التاسع9 بقلم اريا السوهاجية

ساد القصر صمتٌ حاد كشفرة الموس، وتبددت أصوات عويل الحريم المطرودات لتترك المساحة كاملة لـ أنفاس "عمر" المتلاحقة والمليئة بـ الصدمة الذهول. كانت الورقة السوداء المختومة بختم "طارق الهواري" ترتعش بين أصابعه القوية، وعيناه الحادتان تشتعلان بنوع جديد من النار؛ ليست نار الغضب الصعيدي الأعمى هذه المرة، بل نار الشك القاتل والغيرة التي نهشت صدره في ثانية واحدة.
تراجعت خطى عمر للخلف، ونقل نظراته المرعبة ببطء نحو "شهد" الواقفة بـ شموخها المعتاد، لكن علامات الاستفهام بدأت ترتسم على وجهها من نظراته الغامضة. تقدم "الحاج كمال" مستنداً على عصاه بملامح قلقة، وصاح بنبرة حازمة:
"في إيه يا عمر؟! نشفت دمنا يا ولدي! عاد طارق الهواري كاتب إيه في رسامته المسمومة دي يخليك واجف كأنك شفت جثة قدامك؟! انطق يا كبير رجالة المنشاوي!"
بلع عمر ريقه بصعوبة، وصوته خرج خشناً ومكتوماً كأنه آتٍ من بئر عميق وهو يقرأ الكلمات المكتوبة بـ خط عريض مستفز:
"طارق الهواري كاتب.. (مبروك عليك الزوجة الرابعة يا عمر بيه.. مبروك عليك بنت صالح المنشاوي اللي كنت فاكرها يتيمة وغلبانة. اسأل السنيورة شهد عن الأوراق والمستندات السرية بتاعة مناقصة المعمار الكبرى اللي اختفت من مكتب أبوها الله يرحمه قبل ما يموت.. الأوراق دي معايا أنا، وشهد عارفة زين إن نص أملاك وعقارات شركة المنشاوي الكبيرة مكتوبة بـ اسمها هي في المحاضر القديمة، وبإشارة واحدة مني، شهد هتمضي لي على التنازل والشركة اللي بتتكبر بيها عليا هتبقى ملكي أنا وتحت رجلي!)"
وقعت الكلمات كـ الصاعقة التي زلزلت أركان البهو بالكامل. صرخت "فريدة" بـ شماتة وعويل وهي ملقاة على الأريكة:
"شفت يا عمر؟! شفت يا عمي كمال؟! الحية المقروصة طلعت بتلعب من ورا ظهرنا ولها يد مع عدوك اللدود! دي جاية تخرب بيتك وتسرق شقا عمرك وتاخد أملاك المنشاوي وتسلمها لـ طارق الهواري!"
بينما نادين ويسرا بدأتا تبتسمان بـ خبث وانتصار بعد أن شعرتا أن حبل المشنقة تحول فجأة من رقابهن إلى رقبة شهد.
التفت عمر نحو شهد بـ عيون تشع شرراً، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة، مهيبة، ومرعبة، حتى حجب بجسده الضخم الضوء عنها تماماً، وقبض على ذراعيها بـ قسوة جعلت عظامها تكاد تنكسر، وهبط بصوته الجهورى الحاد:
"انطقيييي!! انطقي يا بنت صالح!! الكلام ده صُح واصل؟! أنتِ واجفة هنا بتمثلي علينا دور اليتيمة الغلبانة المكسورة، ومن ورا ظهري ليكي يد مع طارق الهواري؟! ليكي يد مع الراجل اللي عايز يكسر هيبتي ويدفن اسمي في الطين؟! وعاد تملكي أوراق تخرب بيتي وشركتي؟! انطقي بدل وعزة جلال الله ما هيرحمك مني حد الليلة دي!"
رغم قسوة قبضته ورغم بشاعة الاتهام، إلا أن شهد لم تهتز، ولم تبكِ، بل رفعت رأسها بـ شموخ وعزة نفس أذهلت عمر والحاج كمال؛ نظرت في عينيه الحمراوان بـ ندية وثبات زلزل ثقته بنفسه، وقالت بصوت هادئ، رخامي، وقوي كـ الجبال:
"سيب يدي يا عمر بيه.. سيب يدي لإن يد بنت صالح متمتدش لـ خاين ولا لـ عدو! أنا مأعرفش طارق الهواري ده وملمحتش طيفه في حياتي واصل! أبويا الله يرحمه مات شريف، وعمره ما خبا عني أوراق أو مستندات. لو طارق الهواري معاه أوراق، يبقى هو اللي سرقها أو زورها عشان يكسر عينك وعين أبوي الحاج كمال لإن خابر زين إنكم بتموتوا في هيبتكم وفلوسكم! أنا بنت المنشاوي، ودمي ميعرفش الخيانة، ولو كنت عايزة أهدك، مكنتش استنيت لما تلاقيني في السوق!"
تدخل الحاج كمال بـ صرامة وضرب الأرض بعصاه وصاح:
"الزم حدودك يا عمر وسيب مرتك! البنت بتتكلم صُح، وطارق الهواري حية ومكار وخابر إن اللعبة دي هي اللي هتشعل النار بينك وبين بنت عمك ويخليك تطلقها وتطردها فـ تخسر شرفك وتخسر الأوراق لو كانت صُح! اهدى يا ولدي وفكر بـ عقل راجل كبير!"
أرخى عمر قبضته ببطء عن ذراعي شهد، لكن عيناه ظلتا عالقتين في عينيها بـ غموض وشك قاتل. كان قلبه ممزقاً بين مشاعره التي بدأت تتحرك نحوها بعد مواجهة السوق وجاكيت سترته الذي ما زالت ترتديه، وبين كبريائه ورجولته التي ترفض الشك أو التهديد. استدار بعصبية مفرطة وصاح في حريمه الثلاث:
"موضوع طارق وشهد أنا هعرف أصفيه بـ يدي.. أما أنتوا الثلاثة، فـ حسابكم منقفلش! من النجمة الصبح، فريدة ونادين يسافروا على بيت أهلهم في الجبل وملمحش طيفكم هنا لحد ما أشوف هطلقكم ولا هعمل إيه! ويسرا تقعد في غرفتها ومتحطش رجلها برة الباب واصل! غورا من وشي!"
انصرفت الزوجات الثلاث بـ غيظ وقهر، وتوجهت شهد بـ خطى ثابتة وشامخة نحو غرفتها الأرضية دون أن تنطق بكلمة أخرى، وأغلقت بابها لـ تعود إلى عزلتها وكرامتها الشديدة.
وفي منتصف الليل.. لم يذق عمر طعم النوم. كان البركان يغلي في رأسه؛ خيانة طارق، تهديد الشركة، وعينا شهد الشامختان. ارتدى جلبابه الصعيدي الفخم وخرج من القصر تماماً يستقل سيارته في عتمة الليل، متجهاً بـ غضب أعمى نحو وكر طارق الهواري في أطراف البلدة لـ ينهي هذا الأمر بـ نفسه وبطريقته الخاصة.
وصل عمر إلى الفيلا المهجورة التي يتخذها طارق مقراً لأعماله المشبوهة، ودخل كـ الإعصار بعد أن سحق الحراس عند الباب بـ يديه العاريتين. وجد طارق يجلس بـ خبث ومعه رجاله يحملون السلاح. ابتسم طارق بـ تشفٍ وقال:
"أهلاً بـ كبير المنشاوية.. خابر إنك هتيجي راكع بعد ما قريت الجواب.. ها؟ الزوجة الرابعة عجبتك؟ ولا الأوراق اللي معايا هي اللي هتخليك تبوس يدي عشان مسحبش البساط من تحتك؟"
هجم عمر عليه كـ الفهد الصعيدي الجائع، وقبض على عنقه بـ يد واحدة رفعت طارق عن الأرض، وصاح بفحيح أرعب الجميع:
"طارق الهواري!! لعبتك مكشوفة ودم شهد بريء من كدبك! الأوراق اللي بتتكلم عنها دي قسماً بالله لو مخرجتش حالا ووقعت في يدي، ليكون القبر ده هو مكانك الليلة دي، والمنشاوي مبيتهددش بـ حريم واصل!"
ضحك طارق وهو يختنق بـ صعوبة وأشار لرجاله، وفجأة.. حاصر رجال طارق عمر بـ السلاح من كل اتجاه، ورفع طارق ورقة مطبوعة باللون الأحمر وقال بـ مكر وثعبانية:
"فاكرني هخاف منك يا عمر؟ الأوراق دي مش معايا هنا.. الأوراق دي في حوزة شخص تاني خالص جوة قصرك.. شخص أنت بتثق فيه جداً وهو اللي سلمني الأسرار دي كلها عشان نهدك سوا! وإذا كنت فاكر إن شهد بريئة.. فـ أحب أقولك إن المفاجأة الكبرى مستنياك في القصر دلوقتي حالا!"
وفي نفس اللحظة.. في قصر آل المنشاوي.. استيقظت شهد على صوت حركة غريبة وخطى خافتة تقترب من نافذة غرفتها الأرضية المظلمة. قامت بـ ذعر وفتحت الستار ببطء.. لتتسع عيناها بـ صدمة قاتلة شلت أطرافها وهي ترى شخصاً ملثماً يضع صندوقاً خشبياً قديماً يخص والدها الراحل صالح على عتبة النافذة، ويهمس لها بنبرة غامضة مرعبة قبل أن يختفي في الظلام:
"السر كله هنا يا بنت صالح.. وعمر في طريقه للقصر عشان يقتلك!"
تجمعت الدموع في عيون شهد وهي تنظر إلى الصندوق، وصوت سيارة عمر يقترب من ساحة القصر بـ سرعة جنونية وجنون يعصف بـ قلبه، فماذا يوجد داخل الصندوق؟ ومن هو الخائن الحقيقي داخل القصر؟

                   الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>