
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع والعشرون27 بقلم عاشقة القلم
......✍️في الوقت الذي كانت فيه دنيز تقف داخل شقة مراد، تحاصر ديلان بأسئلتها الملحّة، وتحاول بكل الطرق أن تعرف أين أخفت الرسالة، كان القدر يخبّئ للبيت خبرًا لم يكن أحد مستعدًا له...
في الأسفل، توقفت سيارة أمام المنزل.
ترجّل منها باران.
وقف للحظات أمام الباب، يتأمل المكان بصمت، وكأن عينيه تحاولان استيعاب حقيقة أنه عاد أخيرًا إلى المكان الذي غادره قبل عامين.
عامان...
عامان كاملان مرّا عليه وهو بعيد عن أمه وأبيه، عن البيت الذي حفظ تفاصيل طفولته، وعن الحارة التي كان يعرف كل زاوية فيها، حتى أصواتها وروائحها.
مدّ يده إلى جرس الباب، ثم تراجع للحظة،
لم يُخبر أحدًا بقدومه،
أرادها مفاجأة،
أراد أن يرى الدهشة في أعينهم، وأن يعيش تلك اللحظة دون أن يسبقها اتصال أو رسالة أو استعداد.
ضغط الجرس مرة أخرى.
لم تمر سوى لحظات حتى فُتح الباب، وظهرت عائشة أمامه،
كانت في البداية تنظر إلى القادم إليها باستغراب، لكن ما إن وقعت عيناها على وجهه حتى تجمّدت في مكانها، واتسعت عيناها، وانحبس نفسها في صدرها،
لم تستطع أن تصدق.
باران...
ابنها،
ابنها الذي اشتاقت إليه حتى أصبح الشوق إليه جزءًا من أيامها.
حدّقت فيه لثوانٍ وكأنها تخشى أن تكون عيناها قد خدعتها، ثم ارتجفت شفتاها قبل أن تهمس باسمه:
عائشة: باران...؟.
ابتسم باران ابتسامة صغيرة، كانت تختبئ خلفها سنوات طويلة من الحنين.
باران: نعم يا أمي...
لم يحتج إلى أكثر من ذلك.
فتحت عائشة ذراعيها على الفور، وانطلقت نحوه كأن قلبها سبق قدميها، وارتمى باران في أحضانها، فضمّته بكل قوتها، بينما انفجرت دموعها الساخنة على وجنتيها.
عائشة: باران... ابني! حبيبي... الحمد لله على سلامتك! اشتقت إليك كثيرًا يا بني... اشتقت إليك حتى ظننت أنني لن أشبع منك يومًا!.
أغمض باران عينيه، وشدّ ذراعيه حول أمه.
في تلك اللحظة تحديدًا، شعر أن عامين كاملين من الغربة قد انهارا دفعة واحدة،
رائحة أمه...
دفء ذراعيها...
صوتها الذي حفظه قلبه قبل أذنيه...
كل شيء أعاده فجأة إلى ذلك الابن الذي كان يركض إليها كلما ضاق به شيء.
باران: أمي... لقد اشتقت إليك كثيرًا.
ارتجف صوته قليلًا، فزاد من احتضانها.
باران: اشتقت إليك وإلى أبي... وإلى الجميع، حتى هذا البيت اشتقت إليه... وهذه الحارة، وكل زاوية فيها... اشتقت إلى كل شيء تركته خلفي.
ابتعدت عائشة عنه قليلًا، وأمسكت وجهه بين كفيها، تتأمل ملامحه وكأنها تريد أن تحفظها من جديد.
عائشة: دعني أنظر إليك... يا الله، كم تغيّرت! تبدو أنضج... وأتعب أيضًا.
ضحك باران بخفة، ومسح دموعها بإبهامه.
باران: أما أنت فلم تتغيري يا أمي.
عائشة: بل شاب شعري وأنا أنتظرك يا بني!.
ابتسم باران، ثم انحنى وقبّل مقدمة رأسها.
باران: سامحيني لأنني لم أخبركم بعودتي.
رفعت عائشة حاجبها، وقد اختلط عتابها بفرحتها.
عائشة: وهل تظن أنني سأدعك تمرّ من دون عتاب؟! ،كيف تفعلها بنا يا بني؟، كنت تستطيع أن تخبرنا، لكنا استقبلناك بما يليق بعودتك.
باران: أعلم، لكنني أردت أن أفاجئكم.
عائشة: لقد أفزعتني بدل أن تفاجئني!، كدت أسقط من شدة الصدمة.
ضحك باران، وضحكت معه رغم دموعها.
ثم أخذت يده وسحبته إلى الداخل، وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها إذا تركته للحظة.
جلسا في الصالون، ولم تكفّ عائشة عن النظر إليه.
سألته عن سفره، عن دراسته، عن صحته، وعن حياته طوال العامين، وكان يجيبها بصبر، بينما كانت هي تقاطعه كل دقيقة بسؤال جديد.
عائشة: وهل كنت تأكل جيدًا؟.
باران: نعم يا أمي.
عائشة: وهل كنت تنام بما يكفي؟.
باران: أحاول ان انم ساعات قدر المستطاع.
عائشة: وهل كنت تعتني بنفسك جيدا؟.
ابتسم باران.
باران: كنت أعرف أن أول تحقيق سيجري معي بعد عودتي سيكون على يدك أنت يا أمي.
ضحكت عائشة، ثم ضربته بخفة على كتفه.
عائشة: لأنك ابني، ومن حقي أن أعرف كل شيء عنك.
ثم صمتت لحظة، ونظرت إليه بعينين امتلأتا بالحنين.
عائشة: لم أكن أريد شيئًا طوال هذين العامين سوى أن أراك تدخل من هذا الباب مرة أخرى.
تغيّرت ملامح باران.
مدّ يده وأمسك يدها.
باران: وأنا كنت أشتاق إلى هذه اللحظة أكثر مما تتخيلين.
وفي تلك اللحظة، جاءت خطوات صغيرة من الممر.
التفت باران، فإذا بملك تدخل إلى الصالون، وما إن رأته حتى توقفت في مكانها، تحدّق فيه بدهشة.
ثم لمعت عيناها فجأة.
ملك: خالي باران!.
فتح باران ذراعيه لها.
باران: تعالي إلى هنا يا صغيرتي!.
ركضت ملك نحوه، فحملها بين ذراعيه، وأخذ يقبّل وجنتيها واحدة تلو الأخرى، بينما راحت الصغيرة تضحك وتتشبث بعنقه.
ملك: لقد عدت أخيرا يا خالو!.
باران: نعم، عدت إليكم.
ملك: هل ستبقى هذه المرة؟.
توقفت ابتسامة باران للحظة.
نظر إليها، وشعر بشيء دافئ يضغط على قلبه.
باران: هذه المرة سأبقى ولن أسافر مرة أخرى، وسأعوضك عن كل الأيام التي لم أكن فيها معك.
ضحكت ملك، ثم بدأت تحكي له بحماس عن أشياء كثيرة حدثت خلال غيابه، بينما كان يستمع إليها وكأن تلك التفاصيل الصغيرة أغلى ما يمكن أن يسمعه بعد عامين من البعد.
راقبت عائشة المشهد، وامتلأ قلبها بالرضا.
ثم تذكرت ديلان.
التفتت إلى ملك وقالت:
عائشة: ملك، يا حبيبتي، هل لك أن تصعدي إلى شقة خالك مراد؟.
رفعت ملك رأسها باستغراب.
ملك: لماذا يا جدتي؟.
ابتسمت عائشة.
عائشة: أخبري خالتك ديلان أن خالك باران قد عاد.
توقفت يد باران عن مداعبة شعر الصغيرة.
وللحظة، مرّ اسم ديلان في قلبه مرورًا مختلفًا.
لم يعرف لماذا شعر بذلك الاضطراب المفاجئ.
عامان من الغياب، وها هو يعود ليجد أن كل شيء قد تغيّر...
لكنه لم يعرف بعد أن ديلان لم تكن وحدها في الأعلى.
وأن خبر عودته سيصل إليها في لحظة كانت فيها محاصرة بأسئلة دنيز، وأن ظهوره المفاجئ في البيت قد يكون بداية سلسلة من الأحداث التي لن تترك أحدًا كما كان.
قفزت ملك عن حجره بحماس.
ملك: سأخبرها حالا!.
وانطلقت نحو الدرج.
أما باران فظل يتابعها بعينيه، ثم رفع بصره نحو الطابق العلوي.
لم يكن يعلم أن خلف أحد أبواب ذلك الطابق تقف ديلان...
وأن قلبها، الذي كان مثقلًا بما يكفي، على وشك أن يسمع خبرًا من الماضي لم تكن تتوقع وصوله بهذه الطريقة.
أما عائشة، فلم تلحظ شيئًا من ذلك.
كانت فقط سعيدة.
سعيدة لأن ابنها عاد.
ولأن البيت الذي ظل ناقصًا عامين، استعاد اليوم واحدًا من أبنائه.
كانت ملك قد بدأت صعود الدرج مسرعة، تحمل في قلبها خبرًا لم تكن تعلم أنه سيهزّ أركان البيت كله.
وفي تلك الأثناء، كان عزت قد وصل إلى باب شقة مراد، يتبعه ابنه مراد الذي كان عائدًا معه. توقف عزت أمام الباب لحظة، ثم مدّ يده إلى المقبض ووضع المفتاح واداره، بينما كان مراد يتحدث إليه عن أمرٍ ما.
لكن ما إن فتح عزت الباب، حتى تسلل إلى مسامعهما صوتٌ مألوف من الداخل،
تجمّد الاثنان في مكانهما،
تبادل عزت ومراد نظرة سريعة، وكأن كل واحد منهما يسأل الآخر عمّا سمعه للتو.
ثم همسا في اللحظة نفسها، وكأن الاسم خرج من قلبيهما قبل أن تنطق به ألسنتهما:
عزت ومراد: أليس هذا صوت باران؟!.
ساد الصمت لثوانٍ.
كان عزت يحدّق في الداخل بعينين متسعتين، بينما شعر مراد بقلبه يخفق بعنف داخل صدره.
قال مراد، محاولًا أن يجد تفسيرًا منطقيًا لذلك الصوت الذي أعاد إليه أخاه الغائب في لحظة:
مراد: ربما... ربما تتحدث أمي معه عبر مكالمة فيديو، لعل هاتفه قد أُصلح، أو ربما حصل على هاتف آخر.
نظر إليه عزت، ولم يبدُ مقتنعًا تمامًا،
كان قلبه يخبره بشيء آخر،
شيء لم يجرؤ عقله على تصديقه بعد.
ربت على كتف ابنه، وقال بصوت خافت يحمل مزيجًا من الرجاء والدهشة:
عزت: دعنا ندخل ونكتشف ذلك بأنفسنا.
دخلا،
وما إن خطوا خطوات قليلة داخل الشقة حتى جاءهما الصوت أوضح هذه المرة، دافئًا، حيًّا، قريبًا...
صوت باران.
توقف مراد فجأة،
لم يعد هناك مجال للشك،
ذلك الصوت لم يكن صادرًا من هاتف،
كان أمامهما،
تقدّم الاثنان بسرعة نحو غرفة الجلوس، وكأن شيئًا يدفعهما إليها دفعًا.
ثم ظهرت الحقيقة.
كانت عائشة تجلس إلى جانب ابنها، بينما كان باران يتحدث معها مبتسمًا، وكأنه لم يغادر هذا البيت يومًا.
توقفت أنفاس عزت،
أما مراد، فقد اتسعت عيناه حتى بدا وكأنه نسي للحظة كيف يتنفس.
باران...
أخوه الذي غاب عامين،
الذي طال انتظاره،
الذي كان مجرد صوته في الهاتف كافيًا لأن يملأ البيت فرحًا، فكيف وقد عاد الآن وجلس بينهم؟.
حدّق الاثنان فيه للحظات، غير قادرين على استيعاب المشهد.
ثم خرج الاسم من حناجرهما معًا، ممتلئًا بالصدمة والفرح:
عزت ومراد: باران!!!!...
رفع باران رأسه فجأة.
توقفت الكلمات على شفتيه، واتسعت عيناه حين وقعتا على أبيه وأخيه.
نهض من مكانه بسرعة، وكأن جسده تحرك قبل أن يستوعب عقله المفاجأة.
باران: أبي!... مراد، أخي!.
وفي اللحظة التالية، لم يعد هناك مكان للكلمات.
اندفع عزت نحوه أولًا، واحتضنه بقوة، بقوة رجلٍ حاول طوال عامين أن يخفي شوقه خلف صمته، لكنه عجز عن ذلك لحظة رأى ابنه أمامه.
ضمّه إلى صدره، وأغمض عينيه، بينما ارتجفت أنفاسه.
عزت: الحمد لله... الحمد لله الذي أعادك إليّ سالمًا يا بني.
تشبث باران بأبيه، وشعر بعينين ساخنتين تفضحان ما حاول طوال الوقت أن يخفيه.
باران: اشتقت إليك يا أبي...
شدّ عزت ذراعيه حوله أكثر.
عزت: وأنا اشتقت إليك حتى ظننت أن الشوق سيقتلني قبل أن تعود.
ثم ابتعد عنه قليلًا، وأمسك وجهه بين كفيه، يتأمله طويلًا.
عزت: دعني أنظر إليك... يا الله، لقد كبرت يا بني.
ابتسم باران وسط دموعه.
باران: وأنت لم تتغير يا أبي.
ضحك عزت بخفوت، لكنه سرعان ما عاد واحتضنه مرة أخرى.
أما مراد، فكان يقف أمامهما عاجزًا عن وصف ما يشعر به.
لم يكن يستطيع أن يصدق أن الشخص الذي طالما تخيله يعود من الباب، أصبح الآن أمامه بالفعل.
اقترب منه، وما إن التقت عيناه بعيني أخيه حتى اندفع نحوه واحتضنه.
مراد: باران...
قالها بصوت مبحوح.
باران: أخي...
تعانقا طويلًا.
صفع مراد كتف أخيه بخفة وهو يضحك وسط تأثره.
مراد: أيها الأحمق... كيف استطعت أن تفعل بنا هذا؟!، عامان كاملان وأنت بعيد عنا، ثم تعود فجأة دون أن تخبر أحدًا!.
ضحك باران، وهو لا يزال ممسكًا بكتفي أخيه.
باران: أردت أن أفاجئكم.
مراد: لقد نجحت... كدت أفقد عقلي عندما سمعت صوتك.
عزت: وأنا كدت أصدق أنني أتخيل سماعه.
تعالت ضحكاتهم، بينما كانت عائشة تراقب أبناءها بعينين غارقتين بالدموع.
كم اشتاقت إلى هذه الصورة...
زوجها وابناها في مكان واحد.
البيت الذي كان يسكنه الصمت طوال غياب باران، عاد إليه اليوم شيء من روحه.
بعد دقائق، جلس الثلاثة في غرفة الجلوس، بينما بقيت عائشة قريبة منهم، تستمع إلى حديثهم وتبتسم كلما سمعت شيئًا يخص ابنها الغائب.
بدأ عزت يسأله عن حياته في الغربة.
عزت: أخبرني يا بني، كيف كانت دراستك؟ وهل سارت الأمور كما خططت لها؟.
باران: الحمد لله، كانت الأمور جيدة، واجهت بعض الصعوبات في البداية، لكنني اعتدت على المكان مع الوقت، وأنهيت ما ذهبت من أجله.
مراد: وهل كنت تعتني بنفسك أم كنت تعيش على القهوة والوجبات السريعة كما كنت تفعل هنا؟.
ضحك باران.
باران: يبدو أنني لن أستطيع الإفلات من أسئلتك.
مراد: لن تفلت مني أبدًا، أنا أخوك الأكبر، ومن واجبي أن أعرف كل شيء.
عائشة: بل أنا أولى منه بالسؤال!.
ضحك الجميع.
ثم أخذ باران يتحدث عن دراسته، وعن السنوات التي قضاها بعيدًا، وعن الأشخاص الذين التقاهم، والأيام الصعبة التي مر بها، بينما كان أبوه وأخوه يصغيان إليه باهتمام شديد.
كان عزت يستمع إليه بعينين لا تكادان تفارقانه.
كلما تحدث باران، شعر الأب أن قلبه يستعيد جزءًا من الطمأنينة التي فقدها منذ سفره.
وبعد فترة، التفت باران إلى أخيه، وابتسم ابتسامة ذات معنى.
باران: لكن يبدو أنني وصلت في وقتٍ مهم جدًا.
رفع مراد حاجبه باستغراب.
مراد: ماذا تقصد؟
ابتسم باران.
باران: علمت أن أخي قد تزوج.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يضحك مراد.
مراد: يبدو أن أمي أخبرتك بكل شيء.
عائشة: بالطبع، وهل أخفي عن ابني خبر زواج أخيه؟.
ضحك باران، ثم مد يده إلى كتف مراد.
باران: مبارك لك يا أخي، أتمنى لك حياة سعيدة، وأن يكتب الله لكما الخير والمودة والرحمة.
ابتسم مراد.
مراد: الله يبارك فيك.
ثم صمت لحظة، قبل أن يقول:
مراد: تمنيت لو كنت معنا في ذلك اليوم.
نظر باران إليه طويلًا، وقال بابتسامة هادئة:
باران: وأنا أيضًا... لكن المهم أنني عدت الآن.
لم يعرف مراد لماذا شعر بشيء غريب حين سمع تلك الجملة.
عدت الآن...
وكأن عودة باران لم تكن مجرد عودة أخٍ غائب إلى بيته، بل بداية مرحلة جديدة ستتغير معها أشياء كثيرة، دون أن يدرك أحد منهم بعد إلى أين ستقودهم الأيام.
وفي الطابق العلوي، كانت ملك قد اقتربت من باب شقة مراد، تحمل الخبر الذي سيصل إلى ديلان بعد لحظات...
أما في الأسفل، فكان باران يجلس بين أبيه وأخيه، يستعيد دفء عائلته، غير عالم أن عودته المفاجئة ستعيد فتح أبواب من الماضي ظن الجميع أنها أُغلقت إلى الأبد.
وصلت ملك إلى الطابق الثالث، ووقفت أمام باب شقة مراد، ثم رفعت يدها الصغيرة وطرقت الباب عدة طرقات متتالية، قبل أن تنتظر لحظات وهي تتململ من شدة حماسها.
لم تتأخر ديلان في فتح الباب.
وما إن رأت ملك أمامها حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية، وانحنت نحوها تقبّل وجنتها بحنان.
ديلان: ما الأمر يا صغيرتي؟ لماذا جئت بهذه السرعة؟ أنت تلهثين وتتنفسين بصعوبة.
رفعت ملك وجهها إليها، وصاحت بصوتها الطفولي المفعم بالحماس:
ملك: جدتي تطلبك بسرعة!.
تبدلت ملامح ديلان قليلًا، ونظرت إليها باستغراب.
ديلان: جدتك؟ ماذا هناك يا ملك؟ هل حدث شيء؟.
هزّت الصغيرة رأسها سريعًا، وكأنها تخشى أن يضيع منها الوقت، ثم قالت:
ملك: جدتي تناديك لتنزلي إلى الأسفل... خالي باران قد جاء!.
توقفت ديلان عن الحركة.
بدت الكلمات وكأنها احتاجت إلى لحظات حتى تستقر في عقلها.
باران !!؟.
ذلك الاسم وحده كان كافيًا ليعيد إلى ذاكرتها وجهًا لم تره عائلته منذ زمن، وذكريات عائلة عائشة التي طالما حدثتها عنه، وعن سفره ودراسته في الغربة.
حدقت في ملك بدهشة صادقة.
ديلان: هل... هل عاد خالك باران فعلًا من الغربة؟.
أومأت ملك برأسها بحماس.
ملك: نعم! هو في الأسفل مع جدتي، ويتحدث معها.
ثم لم تنتظر أكثر، بل استدارت وانطلقت مسرعة نحو الدرج، تاركة ديلان واقفة عند الباب تتابعها بعينيها.
أغلقت ديلان الباب بهدوء، ثم استدارت.
كانت دنيز جالسة في بهو الشقة، وقد رفعت رأسها فور سماعها صوت الباب.
قالت ديلان، ولا تزال الدهشة واضحة في صوتها:
ديلان: كانت أمي تناديني لأنزل إلى الأسفل، تقول ملك إن خالها باران قد عاد من الغربة، وهو يجلس الآن مع جدتها.
ما إن سمعت دنيز الاسم حتى تغير وجهها.
اتسعت عيناها للحظة، وكأن خبرًا غير متوقع سقط فوق رأسها.
دنيز: ماذا؟!.
ثم اعتدلت في جلستها.
دنيز: هل عاد باران من الغربة؟!.
ديلان: نعم... هكذا قالت ملك.
بقيت دنيز صامتة لثوانٍ.
كان عقلها يعمل بسرعة.
باران...
لم يكن هذا ضمن حساباتها، لقد كانت تظن أن وجوده في الخارج سيمنحها مساحة أكبر للتحرك، وأنها تستطيع تنفيذ خطتها بعيدًا عن عينيه، أما الآن، فقد عاد فجأة، دون سابق إنذار.
حاولت أن تخفي اضطرابها، وقالت بنبرة متعجبة:
دنيز: معقول؟! ولم يخبر أحدًا بعودته؟.
ثم تابعت، وكأنها تستعيد معلومات قديمة:
دنيز: منذ ثلاثة أشهر تقريبًا لم يعد يتصل بوالديه كما كان يفعل من قبل، خصوصًا بعد أن تحطم هاتفه في الأيام التي سبقت زفافكما، وبعدها قال إنه سيبقى مدة أطول في الغربة لأنه يريد اكتساب بعض المهارات والخبرة في تخصصه.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة.
دنيز: يبدو أنه عاد أخيرًا... مدلل أمه.
رفعت ديلان حاجبيها باستغراب.
ديلان: مدلل أمه؟!.
ضحكت دنيز ضحكة قصيرة، ثم قالت:
دنيز: أظنك لم تتعرفي إليه حقًا.
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة جعلت كلماتها تبدو كأنها تحذير:
دنيز: وزوجة عمي عائشة لم تخبرك بكل شيء عنه، على ما يبدو، فباران مختلف عن مراد تمامًا.
كانت ديلان تستمع إليها باهتمام، دون أن تفهم سبب هذا التوصيف القاسي.
تابعت دنيز:
دنيز: باران متكبر قليلًا، وينظر إلى الناس من طرف أنفه، ويظن أنه يعرف ويفهم كل شيء، لا يترك شاردة ولا واردة إلا ويتدخل فيها، وكأنه مسؤول عن كل ما يحدث حوله.
ثم مالت قليلًا إلى الأمام، وقالت:
دنيز: ليس مثل مراد... مراد لا يتدخل فيما لا يعنيه، وقلبه أنظف بكثير، أما باران، فالأمر مختلف معه.
بقيت ديلان صامتة.
لم تعرف لماذا شعرت بعدم الارتياح تجاه هذا الوصف.
كانت الكلمات التي سمعتها من دنيز تتناقض تمامًا مع الصورة التي رسمتها عائشة لها عن أبنائها.
لطالما حدثتها عائشة عن باران بفخر، عن اجتهاده، وعن حبه لأسرته، وعن مدى تعلقه بوالديه.
فأي الصورتين كانت أقرب إلى الحقيقة؟.
لم تجد ديلان جوابًا.
لكنها لم تشأ أن تحكم على رجل لم تره منذ مدة طويلة اعتمادًا على كلام شخص آخر.
وفي الجهة المقابلة، كانت دنيز تعيش صراعًا مختلفًا تمامًا.
لم تكن تفكر في صفات باران ولا في عودته المفاجئة بقدر ما كانت تفكر في خطتها.
وجوده الآن يعني أن كل خطوة ستصبح أصعب.
باران يعرفها جيدًا.
ويعرف الكثير عن العائلة، وقد ينتبه إلى تفاصيل قد تمر على الآخرين دون اهتمام.
والأسوأ من ذلك كله... أنه قد يلاحظ أي تصرف مريب منها.
ضغطت أصابعها على بعضها تحت الطاولة، وهمست لنفسها:
"لماذا عاد الآن؟."
كان السؤال يضرب رأسها بإلحاح.
لقد كانت قد قطعت شوطًا في خطتها، ولم يعد بإمكانها التراجع.
لكن عليها أن تتحرك بسرعة.
قبل أن يستقر باران في البيت.
قبل أن يلاحظ شيئًا.
وقبل أن يمنح عودته المفاجئة أحدًا فرصة لإفساد كل ما خططت له.
رفعت ديلان نظرها إليها.
ديلان: سأذهب لأغيّر ملابسي.
نهضت ديلان واتجهت إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، ثم وقفت للحظات أمام خزانتها، تفكر فيما يناسب استقبال ضيف عاد بعد غياب طويل، لم تكن تعرف باران جيدًا، لكنها كانت تريد أن تستقبله بما يليق بمكانته كأخ لزوجها، وكأحد أفراد العائلة التي أصبحت جزءًا منها.
اختارت ملابس أنيقة لكن محتشمة، ثم ارتدت حجابها ونقابها، وتفقدت مظهرها سريعًا قبل أن تخرج.
كانت دنيز لا تزال في مكانها.
وما إن رأت ديلان حتى أعادت سؤالها الذي لم تتخلَّ عنه منذ بداية وجودها في الشقة:
دنيز: قبل أن ننزل... أخبريني مرة أخرى، أين الرسالة؟.
توقفت ديلان، ونظرت إليها بنظرة هادئة هذه المرة.
ديلان: قلت لكِ إن هذا ليس وقته الآن.
دنيز: لكن...
قاطعتها ديلان بلطف، ولكن بحزم:
ديلان: هناك ضيف عاد بعد غياب عامين، ووالدته بالتأكيد بحاجة إلى المساعدة، لا يمكنني أن أبقى هنا وأتركها وحدها.
ثم أضافت:
ديلان: سأذهب إلى حماتي، وأستقبل باران مع العائلة، وبعد ذلك يمكننا أن نتحدث.
لم يعجب دنيز ردها.
كانت تريد أن تعرف مكان الرسالة قبل أن تتعقد الأمور أكثر، لكن ديلان لم تمنحها ما تريد.
اضطرت إلى إخفاء انزعاجها، ونهضت هي الأخرى.
أما ديلان، فكانت تستعد للخروج وهي لا تزال تحمل في داخلها شيئًا من الفضول.
باران عاد...
لم تكن تعرف ماذا سيكون انطباعه عنها.
ولا كيف سيكون لقاؤهما الأول.
لكنها لم تكن تعلم أن الرجل الذي عاد اليوم بعد عامين من الغياب، لن يكون مجرد أخ لزوجها يستقبلونه بالترحاب...
بل سيكون وجوده في الأيام القادمة حجرًا ثقيلًا في طريق من يخططون في الخفاء.
....✍️في الوقت الذي كانت فيه دنيز تقف داخل شقة مراد، تحاصر ديلان بأسئلتها الملحّة، وتحاول بكل الطرق أن تعرف أين أخفت الرسالة، كان القدر يخبّئ للبيت خبرًا لم يكن أحد مستعدًا له...
في الأسفل، توقفت سيارة أمام المنزل.
ترجّل منها باران.
وقف للحظات أمام الباب، يتأمل المكان بصمت، وكأن عينيه تحاولان استيعاب حقيقة أنه عاد أخيرًا إلى المكان الذي غادره قبل عامين.
عامان...
عامان كاملان مرّا عليه وهو بعيد عن أمه وأبيه، عن البيت الذي حفظ تفاصيل طفولته، وعن الحارة التي كان يعرف كل زاوية فيها، حتى أصواتها وروائحها.
مدّ يده إلى جرس الباب، ثم تراجع للحظة،
لم يُخبر أحدًا بقدومه،
أرادها مفاجأة،
أراد أن يرى الدهشة في أعينهم، وأن يعيش تلك اللحظة دون أن يسبقها اتصال أو رسالة أو استعداد.
ضغط الجرس مرة أخرى.
لم تمر سوى لحظات حتى فُتح الباب، وظهرت عائشة أمامه،
كانت في البداية تنظر إلى القادم إليها باستغراب، لكن ما إن وقعت عيناها على وجهه حتى تجمّدت في مكانها، واتسعت عيناها، وانحبس نفسها في صدرها،
لم تستطع أن تصدق.
باران...
ابنها،
ابنها الذي اشتاقت إليه حتى أصبح الشوق إليه جزءًا من أيامها.
حدّقت فيه لثوانٍ وكأنها تخشى أن تكون عيناها قد خدعتها، ثم ارتجفت شفتاها قبل أن تهمس باسمه:
عائشة: باران...؟.
ابتسم باران ابتسامة صغيرة، كانت تختبئ خلفها سنوات طويلة من الحنين.
باران: نعم يا أمي...
لم يحتج إلى أكثر من ذلك.
فتحت عائشة ذراعيها على الفور، وانطلقت نحوه كأن قلبها سبق قدميها، وارتمى باران في أحضانها، فضمّته بكل قوتها، بينما انفجرت دموعها الساخنة على وجنتيها.
عائشة: باران... ابني! حبيبي... الحمد لله على سلامتك! اشتقت إليك كثيرًا يا بني... اشتقت إليك حتى ظننت أنني لن أشبع منك يومًا!.
أغمض باران عينيه، وشدّ ذراعيه حول أمه.
في تلك اللحظة تحديدًا، شعر أن عامين كاملين من الغربة قد انهارا دفعة واحدة،
رائحة أمه...
دفء ذراعيها...
صوتها الذي حفظه قلبه قبل أذنيه...
كل شيء أعاده فجأة إلى ذلك الابن الذي كان يركض إليها كلما ضاق به شيء.
باران: أمي... لقد اشتقت إليك كثيرًا.
ارتجف صوته قليلًا، فزاد من احتضانها.
باران: اشتقت إليك وإلى أبي... وإلى الجميع، حتى هذا البيت اشتقت إليه... وهذه الحارة، وكل زاوية فيها... اشتقت إلى كل شيء تركته خلفي.
ابتعدت عائشة عنه قليلًا، وأمسكت وجهه بين كفيها، تتأمل ملامحه وكأنها تريد أن تحفظها من جديد.
عائشة: دعني أنظر إليك... يا الله، كم تغيّرت! تبدو أنضج... وأتعب أيضًا.
ضحك باران بخفة، ومسح دموعها بإبهامه.
باران: أما أنت فلم تتغيري يا أمي.
عائشة: بل شاب شعري وأنا أنتظرك يا بني!.
ابتسم باران، ثم انحنى وقبّل مقدمة رأسها.
باران: سامحيني لأنني لم أخبركم بعودتي.
رفعت عائشة حاجبها، وقد اختلط عتابها بفرحتها.
عائشة: وهل تظن أنني سأدعك تمرّ من دون عتاب؟! ،كيف تفعلها بنا يا بني؟، كنت تستطيع أن تخبرنا، لكنا استقبلناك بما يليق بعودتك.
باران: أعلم، لكنني أردت أن أفاجئكم.
عائشة: لقد أفزعتني بدل أن تفاجئني!، كدت أسقط من شدة الصدمة.
ضحك باران، وضحكت معه رغم دموعها.
ثم أخذت يده وسحبته إلى الداخل، وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها إذا تركته للحظة.
جلسا في الصالون، ولم تكفّ عائشة عن النظر إليه.
سألته عن سفره، عن دراسته، عن صحته، وعن حياته طوال العامين، وكان يجيبها بصبر، بينما كانت هي تقاطعه كل دقيقة بسؤال جديد.
عائشة: وهل كنت تأكل جيدًا؟.
باران: نعم يا أمي.
عائشة: وهل كنت تنام بما يكفي؟.
باران: أحاول ان انم ساعات قدر المستطاع.
عائشة: وهل كنت تعتني بنفسك جيدا؟.
ابتسم باران.
باران: كنت أعرف أن أول تحقيق سيجري معي بعد عودتي سيكون على يدك أنت يا أمي.
ضحكت عائشة، ثم ضربته بخفة على كتفه.
عائشة: لأنك ابني، ومن حقي أن أعرف كل شيء عنك.
ثم صمتت لحظة، ونظرت إليه بعينين امتلأتا بالحنين.
عائشة: لم أكن أريد شيئًا طوال هذين العامين سوى أن أراك تدخل من هذا الباب مرة أخرى.
تغيّرت ملامح باران.
مدّ يده وأمسك يدها.
باران: وأنا كنت أشتاق إلى هذه اللحظة أكثر مما تتخيلين.
وفي تلك اللحظة، جاءت خطوات صغيرة من الممر.
التفت باران، فإذا بملك تدخل إلى الصالون، وما إن رأته حتى توقفت في مكانها، تحدّق فيه بدهشة.
ثم لمعت عيناها فجأة.
ملك: خالي باران!.
فتح باران ذراعيه لها.
باران: تعالي إلى هنا يا صغيرتي!.
ركضت ملك نحوه، فحملها بين ذراعيه، وأخذ يقبّل وجنتيها واحدة تلو الأخرى، بينما راحت الصغيرة تضحك وتتشبث بعنقه.
ملك: لقد عدت أخيرا يا خالو!.
باران: نعم، عدت إليكم.
ملك: هل ستبقى هذه المرة؟.
توقفت ابتسامة باران للحظة.
نظر إليها، وشعر بشيء دافئ يضغط على قلبه.
باران: هذه المرة سأبقى ولن أسافر مرة أخرى، وسأعوضك عن كل الأيام التي لم أكن فيها معك.
ضحكت ملك، ثم بدأت تحكي له بحماس عن أشياء كثيرة حدثت خلال غيابه، بينما كان يستمع إليها وكأن تلك التفاصيل الصغيرة أغلى ما يمكن أن يسمعه بعد عامين من البعد.
راقبت عائشة المشهد، وامتلأ قلبها بالرضا.
ثم تذكرت ديلان.
التفتت إلى ملك وقالت:
عائشة: ملك، يا حبيبتي، هل لك أن تصعدي إلى شقة خالك مراد؟.
رفعت ملك رأسها باستغراب.
ملك: لماذا يا جدتي؟.
ابتسمت عائشة.
عائشة: أخبري خالتك ديلان أن خالك باران قد عاد.
توقفت يد باران عن مداعبة شعر الصغيرة.
وللحظة، مرّ اسم ديلان في قلبه مرورًا مختلفًا.
لم يعرف لماذا شعر بذلك الاضطراب المفاجئ.
عامان من الغياب، وها هو يعود ليجد أن كل شيء قد تغيّر...
لكنه لم يعرف بعد أن ديلان لم تكن وحدها في الأعلى.
وأن خبر عودته سيصل إليها في لحظة كانت فيها محاصرة بأسئلة دنيز، وأن ظهوره المفاجئ في البيت قد يكون بداية سلسلة من الأحداث التي لن تترك أحدًا كما كان.
قفزت ملك عن حجره بحماس.
ملك: سأخبرها حالا!.
وانطلقت نحو الدرج.
أما باران فظل يتابعها بعينيه، ثم رفع بصره نحو الطابق العلوي.
لم يكن يعلم أن خلف أحد أبواب ذلك الطابق تقف ديلان...
وأن قلبها، الذي كان مثقلًا بما يكفي، على وشك أن يسمع خبرًا من الماضي لم تكن تتوقع وصوله بهذه الطريقة.
أما عائشة، فلم تلحظ شيئًا من ذلك.
كانت فقط سعيدة.
سعيدة لأن ابنها عاد.
ولأن البيت الذي ظل ناقصًا عامين، استعاد اليوم واحدًا من أبنائه.
كانت ملك قد بدأت صعود الدرج مسرعة، تحمل في قلبها خبرًا لم تكن تعلم أنه سيهزّ أركان البيت كله.
وفي تلك الأثناء، كان عزت قد وصل إلى باب شقة مراد، يتبعه ابنه مراد الذي كان عائدًا معه. توقف عزت أمام الباب لحظة، ثم مدّ يده إلى المقبض ووضع المفتاح واداره، بينما كان مراد يتحدث إليه عن أمرٍ ما.
لكن ما إن فتح عزت الباب، حتى تسلل إلى مسامعهما صوتٌ مألوف من الداخل،
تجمّد الاثنان في مكانهما،
تبادل عزت ومراد نظرة سريعة، وكأن كل واحد منهما يسأل الآخر عمّا سمعه للتو.
ثم همسا في اللحظة نفسها، وكأن الاسم خرج من قلبيهما قبل أن تنطق به ألسنتهما:
عزت ومراد: أليس هذا صوت باران؟!.
ساد الصمت لثوانٍ.
كان عزت يحدّق في الداخل بعينين متسعتين، بينما شعر مراد بقلبه يخفق بعنف داخل صدره.
قال مراد، محاولًا أن يجد تفسيرًا منطقيًا لذلك الصوت الذي أعاد إليه أخاه الغائب في لحظة:
مراد: ربما... ربما تتحدث أمي معه عبر مكالمة فيديو، لعل هاتفه قد أُصلح، أو ربما حصل على هاتف آخر.
نظر إليه عزت، ولم يبدُ مقتنعًا تمامًا،
كان قلبه يخبره بشيء آخر،
شيء لم يجرؤ عقله على تصديقه بعد.
ربت على كتف ابنه، وقال بصوت خافت يحمل مزيجًا من الرجاء والدهشة:
عزت: دعنا ندخل ونكتشف ذلك بأنفسنا.
دخلا،
وما إن خطوا خطوات قليلة داخل الشقة حتى جاءهما الصوت أوضح هذه المرة، دافئًا، حيًّا، قريبًا...
صوت باران.
توقف مراد فجأة،
لم يعد هناك مجال للشك،
ذلك الصوت لم يكن صادرًا من هاتف،
كان أمامهما،
تقدّم الاثنان بسرعة نحو غرفة الجلوس، وكأن شيئًا يدفعهما إليها دفعًا.
ثم ظهرت الحقيقة.
كانت عائشة تجلس إلى جانب ابنها، بينما كان باران يتحدث معها مبتسمًا، وكأنه لم يغادر هذا البيت يومًا.
توقفت أنفاس عزت،
أما مراد، فقد اتسعت عيناه حتى بدا وكأنه نسي للحظة كيف يتنفس.
باران...
أخوه الذي غاب عامين،
الذي طال انتظاره،
الذي كان مجرد صوته في الهاتف كافيًا لأن يملأ البيت فرحًا، فكيف وقد عاد الآن وجلس بينهم؟.
حدّق الاثنان فيه للحظات، غير قادرين على استيعاب المشهد.
ثم خرج الاسم من حناجرهما معًا، ممتلئًا بالصدمة والفرح:
عزت ومراد: باران!!!!...
رفع باران رأسه فجأة.
توقفت الكلمات على شفتيه، واتسعت عيناه حين وقعتا على أبيه وأخيه.
نهض من مكانه بسرعة، وكأن جسده تحرك قبل أن يستوعب عقله المفاجأة.
باران: أبي!... مراد، أخي!.
وفي اللحظة التالية، لم يعد هناك مكان للكلمات.
اندفع عزت نحوه أولًا، واحتضنه بقوة، بقوة رجلٍ حاول طوال عامين أن يخفي شوقه خلف صمته، لكنه عجز عن ذلك لحظة رأى ابنه أمامه.
ضمّه إلى صدره، وأغمض عينيه، بينما ارتجفت أنفاسه.
عزت: الحمد لله... الحمد لله الذي أعادك إليّ سالمًا يا بني.
تشبث باران بأبيه، وشعر بعينين ساخنتين تفضحان ما حاول طوال الوقت أن يخفيه.
باران: اشتقت إليك يا أبي...
شدّ عزت ذراعيه حوله أكثر.
عزت: وأنا اشتقت إليك حتى ظننت أن الشوق سيقتلني قبل أن تعود.
ثم ابتعد عنه قليلًا، وأمسك وجهه بين كفيه، يتأمله طويلًا.
عزت: دعني أنظر إليك... يا الله، لقد كبرت يا بني.
ابتسم باران وسط دموعه.
باران: وأنت لم تتغير يا أبي.
ضحك عزت بخفوت، لكنه سرعان ما عاد واحتضنه مرة أخرى.
أما مراد، فكان يقف أمامهما عاجزًا عن وصف ما يشعر به.
لم يكن يستطيع أن يصدق أن الشخص الذي طالما تخيله يعود من الباب، أصبح الآن أمامه بالفعل.
اقترب منه، وما إن التقت عيناه بعيني أخيه حتى اندفع نحوه واحتضنه.
مراد: باران...
قالها بصوت مبحوح.
باران: أخي...
تعانقا طويلًا.
صفع مراد كتف أخيه بخفة وهو يضحك وسط تأثره.
مراد: أيها الأحمق... كيف استطعت أن تفعل بنا هذا؟!، عامان كاملان وأنت بعيد عنا، ثم تعود فجأة دون أن تخبر أحدًا!.
ضحك باران، وهو لا يزال ممسكًا بكتفي أخيه.
باران: أردت أن أفاجئكم.
مراد: لقد نجحت... كدت أفقد عقلي عندما سمعت صوتك.
عزت: وأنا كدت أصدق أنني أتخيل سماعه.
تعالت ضحكاتهم، بينما كانت عائشة تراقب أبناءها بعينين غارقتين بالدموع.
كم اشتاقت إلى هذه الصورة...
زوجها وابناها في مكان واحد.
البيت الذي كان يسكنه الصمت طوال غياب باران، عاد إليه اليوم شيء من روحه.
بعد دقائق، جلس الثلاثة في غرفة الجلوس، بينما بقيت عائشة قريبة منهم، تستمع إلى حديثهم وتبتسم كلما سمعت شيئًا يخص ابنها الغائب.
بدأ عزت يسأله عن حياته في الغربة.
عزت: أخبرني يا بني، كيف كانت دراستك؟ وهل سارت الأمور كما خططت لها؟.
باران: الحمد لله، كانت الأمور جيدة، واجهت بعض الصعوبات في البداية، لكنني اعتدت على المكان مع الوقت، وأنهيت ما ذهبت من أجله.
مراد: وهل كنت تعتني بنفسك أم كنت تعيش على القهوة والوجبات السريعة كما كنت تفعل هنا؟.
ضحك باران.
باران: يبدو أنني لن أستطيع الإفلات من أسئلتك.
مراد: لن تفلت مني أبدًا، أنا أخوك الأكبر، ومن واجبي أن أعرف كل شيء.
عائشة: بل أنا أولى منه بالسؤال!.
ضحك الجميع.
ثم أخذ باران يتحدث عن دراسته، وعن السنوات التي قضاها بعيدًا، وعن الأشخاص الذين التقاهم، والأيام الصعبة التي مر بها، بينما كان أبوه وأخوه يصغيان إليه باهتمام شديد.
كان عزت يستمع إليه بعينين لا تكادان تفارقانه.
كلما تحدث باران، شعر الأب أن قلبه يستعيد جزءًا من الطمأنينة التي فقدها منذ سفره.
وبعد فترة، التفت باران إلى أخيه، وابتسم ابتسامة ذات معنى.
باران: لكن يبدو أنني وصلت في وقتٍ مهم جدًا.
رفع مراد حاجبه باستغراب.
مراد: ماذا تقصد؟
ابتسم باران.
باران: علمت أن أخي قد تزوج.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يضحك مراد.
مراد: يبدو أن أمي أخبرتك بكل شيء.
عائشة: بالطبع، وهل أخفي عن ابني خبر زواج أخيه؟.
ضحك باران، ثم مد يده إلى كتف مراد.
باران: مبارك لك يا أخي، أتمنى لك حياة سعيدة، وأن يكتب الله لكما الخير والمودة والرحمة.
ابتسم مراد.
مراد: الله يبارك فيك.
ثم صمت لحظة، قبل أن يقول:
مراد: تمنيت لو كنت معنا في ذلك اليوم.
نظر باران إليه طويلًا، وقال بابتسامة هادئة:
باران: وأنا أيضًا... لكن المهم أنني عدت الآن.
لم يعرف مراد لماذا شعر بشيء غريب حين سمع تلك الجملة.
عدت الآن...
وكأن عودة باران لم تكن مجرد عودة أخٍ غائب إلى بيته، بل بداية مرحلة جديدة ستتغير معها أشياء كثيرة، دون أن يدرك أحد منهم بعد إلى أين ستقودهم الأيام.
وفي الطابق العلوي، كانت ملك قد اقتربت من باب شقة مراد، تحمل الخبر الذي سيصل إلى ديلان بعد لحظات...
أما في الأسفل، فكان باران يجلس بين أبيه وأخيه، يستعيد دفء عائلته، غير عالم أن عودته المفاجئة ستعيد فتح أبواب من الماضي ظن الجميع أنها أُغلقت إلى الأبد.
وصلت ملك إلى الطابق الثالث، ووقفت أمام باب شقة مراد، ثم رفعت يدها الصغيرة وطرقت الباب عدة طرقات متتالية، قبل أن تنتظر لحظات وهي تتململ من شدة حماسها.
لم تتأخر ديلان في فتح الباب.
وما إن رأت ملك أمامها حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية، وانحنت نحوها تقبّل وجنتها بحنان.
ديلان: ما الأمر يا صغيرتي؟ لماذا جئت بهذه السرعة؟ أنت تلهثين وتتنفسين بصعوبة.
رفعت ملك وجهها إليها، وصاحت بصوتها الطفولي المفعم بالحماس:
ملك: جدتي تطلبك بسرعة!.
تبدلت ملامح ديلان قليلًا، ونظرت إليها باستغراب.
ديلان: جدتك؟ ماذا هناك يا ملك؟ هل حدث شيء؟.
هزّت الصغيرة رأسها سريعًا، وكأنها تخشى أن يضيع منها الوقت، ثم قالت:
ملك: جدتي تناديك لتنزلي إلى الأسفل... خالي باران قد جاء!.
توقفت ديلان عن الحركة.
بدت الكلمات وكأنها احتاجت إلى لحظات حتى تستقر في عقلها.
باران !!؟.
ذلك الاسم وحده كان كافيًا ليعيد إلى ذاكرتها وجهًا لم تره عائلته منذ زمن، وذكريات عائلة عائشة التي طالما حدثتها عنه، وعن سفره ودراسته في الغربة.
حدقت في ملك بدهشة صادقة.
ديلان: هل... هل عاد خالك باران فعلًا من الغربة؟.
أومأت ملك برأسها بحماس.
ملك: نعم! هو في الأسفل مع جدتي، ويتحدث معها.
ثم لم تنتظر أكثر، بل استدارت وانطلقت مسرعة نحو الدرج، تاركة ديلان واقفة عند الباب تتابعها بعينيها.
أغلقت ديلان الباب بهدوء، ثم استدارت.
كانت دنيز جالسة في بهو الشقة، وقد رفعت رأسها فور سماعها صوت الباب.
قالت ديلان، ولا تزال الدهشة واضحة في صوتها:
ديلان: كانت أمي تناديني لأنزل إلى الأسفل، تقول ملك إن خالها باران قد عاد من الغربة، وهو يجلس الآن مع جدتها.
ما إن سمعت دنيز الاسم حتى تغير وجهها.
اتسعت عيناها للحظة، وكأن خبرًا غير متوقع سقط فوق رأسها.
دنيز: ماذا؟!.
ثم اعتدلت في جلستها.
دنيز: هل عاد باران من الغربة؟!.
ديلان: نعم... هكذا قالت ملك.
بقيت دنيز صامتة لثوانٍ.
كان عقلها يعمل بسرعة.
باران...
لم يكن هذا ضمن حساباتها، لقد كانت تظن أن وجوده في الخارج سيمنحها مساحة أكبر للتحرك، وأنها تستطيع تنفيذ خطتها بعيدًا عن عينيه، أما الآن، فقد عاد فجأة، دون سابق إنذار.
حاولت أن تخفي اضطرابها، وقالت بنبرة متعجبة:
دنيز: معقول؟! ولم يخبر أحدًا بعودته؟.
ثم تابعت، وكأنها تستعيد معلومات قديمة:
دنيز: منذ ثلاثة أشهر تقريبًا لم يعد يتصل بوالديه كما كان يفعل من قبل، خصوصًا بعد أن تحطم هاتفه في الأيام التي سبقت زفافكما، وبعدها قال إنه سيبقى مدة أطول في الغربة لأنه يريد اكتساب بعض المهارات والخبرة في تخصصه.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة.
دنيز: يبدو أنه عاد أخيرًا... مدلل أمه.
رفعت ديلان حاجبيها باستغراب.
ديلان: مدلل أمه؟!.
ضحكت دنيز ضحكة قصيرة، ثم قالت:
دنيز: أظنك لم تتعرفي إليه حقًا.
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة جعلت كلماتها تبدو كأنها تحذير:
دنيز: وزوجة عمي عائشة لم تخبرك بكل شيء عنه، على ما يبدو، فباران مختلف عن مراد تمامًا.
كانت ديلان تستمع إليها باهتمام، دون أن تفهم سبب هذا التوصيف القاسي.
تابعت دنيز:
دنيز: باران متكبر قليلًا، وينظر إلى الناس من طرف أنفه، ويظن أنه يعرف ويفهم كل شيء، لا يترك شاردة ولا واردة إلا ويتدخل فيها، وكأنه مسؤول عن كل ما يحدث حوله.
ثم مالت قليلًا إلى الأمام، وقالت:
دنيز: ليس مثل مراد... مراد لا يتدخل فيما لا يعنيه، وقلبه أنظف بكثير، أما باران، فالأمر مختلف معه.
بقيت ديلان صامتة.
لم تعرف لماذا شعرت بعدم الارتياح تجاه هذا الوصف.
كانت الكلمات التي سمعتها من دنيز تتناقض تمامًا مع الصورة التي رسمتها عائشة لها عن أبنائها.
لطالما حدثتها عائشة عن باران بفخر، عن اجتهاده، وعن حبه لأسرته، وعن مدى تعلقه بوالديه.
فأي الصورتين كانت أقرب إلى الحقيقة؟.
لم تجد ديلان جوابًا.
لكنها لم تشأ أن تحكم على رجل لم تره منذ مدة طويلة اعتمادًا على كلام شخص آخر.
وفي الجهة المقابلة، كانت دنيز تعيش صراعًا مختلفًا تمامًا.
لم تكن تفكر في صفات باران ولا في عودته المفاجئة بقدر ما كانت تفكر في خطتها.
وجوده الآن يعني أن كل خطوة ستصبح أصعب.
باران يعرفها جيدًا.
ويعرف الكثير عن العائلة، وقد ينتبه إلى تفاصيل قد تمر على الآخرين دون اهتمام.
والأسوأ من ذلك كله... أنه قد يلاحظ أي تصرف مريب منها.
ضغطت أصابعها على بعضها تحت الطاولة، وهمست لنفسها:
"لماذا عاد الآن؟."
كان السؤال يضرب رأسها بإلحاح.
لقد كانت قد قطعت شوطًا في خطتها، ولم يعد بإمكانها التراجع.
لكن عليها أن تتحرك بسرعة.
قبل أن يستقر باران في البيت.
قبل أن يلاحظ شيئًا.
وقبل أن يمنح عودته المفاجئة أحدًا فرصة لإفساد كل ما خططت له.
رفعت ديلان نظرها إليها.
ديلان: سأذهب لأغيّر ملابسي.
نهضت ديلان واتجهت إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، ثم وقفت للحظات أمام خزانتها، تفكر فيما يناسب استقبال ضيف عاد بعد غياب طويل، لم تكن تعرف باران جيدًا، لكنها كانت تريد أن تستقبله بما يليق بمكانته كأخ لزوجها، وكأحد أفراد العائلة التي أصبحت جزءًا منها.
اختارت ملابس أنيقة لكن محتشمة، ثم ارتدت حجابها ونقابها، وتفقدت مظهرها سريعًا قبل أن تخرج.
كانت دنيز لا تزال في مكانها.
وما إن رأت ديلان حتى أعادت سؤالها الذي لم تتخلَّ عنه منذ بداية وجودها في الشقة:
دنيز: قبل أن ننزل... أخبريني مرة أخرى، أين الرسالة؟.
توقفت ديلان، ونظرت إليها بنظرة هادئة هذه المرة.
ديلان: قلت لكِ إن هذا ليس وقته الآن.
دنيز: لكن...
قاطعتها ديلان بلطف، ولكن بحزم:
ديلان: هناك ضيف عاد بعد غياب عامين، ووالدته بالتأكيد بحاجة إلى المساعدة، لا يمكنني أن أبقى هنا وأتركها وحدها.
ثم أضافت:
ديلان: سأذهب إلى حماتي، وأستقبل باران مع العائلة، وبعد ذلك يمكننا أن نتحدث.
لم يعجب دنيز ردها.
كانت تريد أن تعرف مكان الرسالة قبل أن تتعقد الأمور أكثر، لكن ديلان لم تمنحها ما تريد.
اضطرت إلى إخفاء انزعاجها، ونهضت هي الأخرى.
أما ديلان، فكانت تستعد للخروج وهي لا تزال تحمل في داخلها شيئًا من الفضول.
باران عاد...
لم تكن تعرف ماذا سيكون انطباعه عنها.
ولا كيف سيكون لقاؤهما الأول.
لكنها لم تكن تعلم أن الرجل الذي عاد اليوم بعد عامين من الغياب، لن يكون مجرد أخ لزوجها يستقبلونه بالترحاب...
بل سيكون وجوده في الأيام القادمة حجرًا ثقيلًا في طريق من يخططون في الخفاء.
نزلت ديلان برفقة دنيز إلى الطابق السفلي، وكان الصمت يرافق خطواتهما حتى وصلتا إلى شقة عائشة وعزت.
طرقتا الباب، ولم تمضِ سوى لحظات حتى فُتح،
كان مراد يقف خلفه،
ابتسم حين رآهما، وأفسح لهما الطريق.
مراد: تفضّلا.
دخلت ديلان أولًا، وتبعتها دنيز، ثم اتجهتا معًا نحو غرفة الجلوس، حيث اجتمعت العائلة.
كان خبر عودة باران قد انتشر سريعًا، حتى وصل إلى عائلة عمه إبراهيم، فأصبح البيت مكتظًا بالأصوات والتهاني والفرحة.
لكن ديلان لم تكن ترى أحدًا.
كانت تخطو بخجل نحو غرفة الجلوس، وعيناها تبحثان عن عائشة.
ثم...
ما إن وطئت قدمها عتبة الغرفة، حتى حدث شيء لم تكن مستعدة له،
وقعت عيناها عليه،
توقفت....
توقفت أنفاسها معها،
وكأن الزمن نفسه قرر أن يتوقف للحظة،
كان يجلس بين عائشة وعزت، يتحدث إليهما بابتسامة هادئة.
ذلك الوجه...
ذلك الصوت...
تلك الملامح التي احتفظت بها في زاوية بعيدة من ذاكرتها طوال عامين.
باران،
ذلك الشاب الذي تقاطعت طرقهما قبل عامين، نعم إنه هو جالس أمامها الآن.
اتسعت عيناها خلف نقابها، وشعرت بقلبها يهبط إلى قاع صدرها قبل أن يعود فيضربه بعنف.
لا...
لم تستطع أن تستوعب الأمر،
أيمكن أن يكون هو؟،
ذلك الشاب الذي لم تعرف يومًا سوى القليل عنه،
الشاب الذي ظهر في حياتها ثم اختفى فجأة، تاركًا خلفه أسئلة لم تجد لها جوابًا،
الشخص الذي تعلقت به ذاكرتها دون أن تعرف حتى اسمه الحقيقي،
الشخص الذي بحثت عن أخباره، وتساءلت أين ذهب، ولماذا اختفى دون وداع،
والذي، حتى وقت قريب، كانت ترفع يديها إلى السماء وتطلب من الله أن تراه مرة واحدة فقط،
ها هو أمامها الآن،
لكن ليس في المكان الذي تخيلته،
ولا بالطريقة التي حلمت بها.
بل في البيت الذي دخلته زوجةً لأخيه.
يا لسخرية القدر...
شعرت بارتجافة تسري في أطرافها.
لقد قضت وقتًا طويلًا تتساءل أين اختفى الرجل الذي أحبته، وها هو القدر يعيده إليها في أكثر صورة قسوة.
عاد إليها...
ولكن بوصفه شقيق زوجها،
خفضت عينيها للحظة، ثم رفعتهما من جديد نحوه، وكأنها غير قادرة على منع نفسها من النظر إليه،
كان هو،
لا مجال للشك،
نفس العينين،
نفس الملامح التي حفظتها في ذاكرتها رغم مرور السنوات.
باران...
نادت اسمه في داخلها، لكن شفتيها لم تتحركا، نعم إسمه باران هو نفس الشخص الجالس الآن امامها.
شعرت بغصة تختنق بها،
كيف يمكن للقلب أن يفرح برؤية شخص اشتاق إليه، ثم ينكسر في اللحظة ذاتها لأنه أدرك أن الوصول إليه أصبح مستحيلًا؟.
كانت عائشة أول من لاحظ وجودها، ابتسمت لها بحب، وقالت:
عائشة: تعالي يا ديلان، تعالي يا ابنتي! تعالي... هذا هو ابني باران الذي حدثتك عنه، لقد عاد أخيرًا من ديار الغربة، وجلب معه عدة شهادات وخبرات في تخصصه.
ثم التفتت إلى ابنها، وقد غمرتها سعادة الأم التي تجمع أبناءها تحت سقف واحد.
عائشة: باران، يا بني، هذه ديلان... زوجة أخيك مراد.
انتقلت أنظار باران إلى المرأة الواقفة أمامه.
نهض مراد مبتسمًا، وقال:
مراد: تقدمي يا ديلان، اليوم أسعد أيامنا بعودة أخي الصغير.
تحركت ديلان،
لكن خطواتها بدت لها ثقيلة،
كانت تشعر وكأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة.
أما دنيز، فتقدمت أولًا، وألقت تحية مقتضبة، ثم جلست.
كان باران قد نهض بدوره احترامًا لها.
قال بابتسامة مهذبة:
باران: أهلًا بكِ بيننا يا زوجة أخي، وأعتذر لأنني لم أستطع حضور زفافكما.
كانت ديلان تحدق فيه، تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها.
أومأت برأسها، وقالت:
ديلان: أهلًا بك... والحمد لله على سلامتك.
لكن صوتها خرج مهزوزًا على نحوٍ لم تستطع إخفاءه.
توقّف باران للحظة.
ذلك الصوت...
شعر بشيء غريب في داخله،
رفع رأسه ونظر إليها جيدًا،
لم يرَ من وجهها سوى عينيها،
لكن عينيها...
تلك العينان تحديدًا...
شعر أنهما مألوفتان،
مألوفتان بطريقة أربكته قليلا،
حدّق فيهما للحظات أطول مما ينبغي.
"أين رأيت هاتين العينين؟"، تساءل في داخله، لكن لم يجد جوابًا.
كان هناك شيء في نظرتهما أعاد إلى ذاكرته وجهًا قديمًا، وذكرى حاول طوال الوقت أن يضعها في زاوية قريبة من قلبه،
عينان طالما اشتاق إلى رؤيتهما،
عينان ظل يبحث عنهما في وجوه كثيرة دون أن يجد صاحبتهما.
تسلل الاضطراب إلى قلبه،
ثم جاء صوتها مرة أخرى:
ديلان: الحمد لله على سلامتك.
تجمد للحظة.
الصوت أيضًا...
هذا الصوت...
شعر وكأنه سمعه من قبل،
نعم سمعه مرة واحدة،
بل في زمن بعيد، في مكان لم يستطع تحديده،
تسارعت نبضات قلبه،
"لماذا أشعر أنني أعرفها؟"، همس لنفسه، حدّق فيها مرة أخرى.
لكنها كانت قد خفضت عينيها.
هزّ رأسه بخفة، وكأنه يحاول طرد تلك الأفكار.
مستحيل.
أيمكن للشوق ان يعبث معي بتلك الطريقة؟،
كيف يمكن أن تكون هي؟،
كيف يمكن للمرأة التي سكنت قليه وروحه وحتى جزءًا من ذاكرته وعقله، والتي لم يعرف أين اختفت، أن تكون أمامه الآن؟
وزوجة أخيه؟،
رفع بصره عنها سريعًا، وكأنه وبّخ نفسه على مجرد التفكير في ذلك.
لقد عدت لتوك، وهذا أول لقاء لك مع زوجة أخيك... فما الذي تفكر فيه الآن؟،
أخذ نفسًا عميقًا، ثم عاد إلى مكانه بجوار والده، ونفض تلك الأفكار من رأسه، نؤنبا إياها على تفكيره ذاك.
لكن شيئًا في داخله لم يعد كما كان قبل لحظات، فقد تحرك شيء فيها، وعادت افكاره لتلك اللحظات، وإجتاحه شوق لم يحتمله بين جوانبه، وهو يتساءل اين يمكن ان تكون وهل سيجمعه القدر به أخيرا، ولم يكن يعلم ان القدر يسخر منه فعاهي امامه الأن تقف ولكنه لم يعرفها.
أما ديلان، فبقيت واقفة للحظات، تخفي خلف نقابها ارتعاشة لم تستطع السيطرة عليها، كان أمامها الرجل الذي أحبته ذات يوم، الرجل الذي تمنت أن تراه،
الرجل الذي ظنت أن القدر أخفاه عنها إلى الأبد.
وها هو الآن يجلس أمامها...
لكن بينهما حقيقة واحدة كانت كفيلة بتحطيم كل شيء:
إنه باران...
أخو زوجها.
ولم يكن أيٌّ منهما يعلم بعد أن القدر لم يجمعهما من جديد ليمنحهما فرصة للقاء سهلة...
بل ليضع أمامهما أصعب اختبار يمكن أن يواجهه قلبان التقيا متأخرين، بعد أن أصبح كل شيء بينهما محرّمًا ومستحيلًا في آن واحد.
مرّ بعض الوقت، هدأت خلاله ضجة اللقاء قليلًا، وانحسر سيل الأسئلة والتهاني، بعد أن اطمأن الجميع إلى أن باران عاد سالمًا، وأن سنوات الغربة لم تسرق منه شيئًا من دفء العائلة.
وبعد حديث طويل، نهض إبراهيم وأفراد عائلته استعدادًا للعودة إلى شقتهم.
اقترب إبراهيم من باران، وربت على كتفه بحنان، وقال:
إبراهيم: ارتح الليلة يا بني، لقد قطعت سفرًا طويلًا، ولا نريد أن نرهقك أكثر، سنعود غدًا أو بعد غد، ونقيم احتفالًا يليق بعودتك ونجاحك.
ابتسم باران.
باران: يكفيني أنني رأيتكم جميعًا اليوم، لقد اشتقت إليكم كثيرًا.
إبراهيم: ونحن أكثر يا بني، سنتركك الليلة تستعيد أنفاسك، ثم نجتمع جميعًا ونحتفل بك كما تستحق، خصوصًا بعد كل تلك الشهادات والجوائز التي حصلت عليها.
ضحك باران بخجل.
باران: لا تبالغ يا عمي، لقد كانت ثمرة تعب لا أكثر.
إبراهيم: بل ثمرة تعبك واجتهادك، ومن حقنا أن نفخر بك.
تبادل الجميع عبارات الوداع، ثم غادرت عائلة إبراهيم، وبقيت أجواء البيت أكثر هدوءًا.
في تلك الأثناء، وقفت ديلان، ثم اتجهت نحو عائشة التي كانت تجمع بعض الأشياء من أمامها.
ديلان: هل تحتاجين إلى مساعدتي يا أمي؟، هل هناك شيء أعدّه للعشاء؟.
رفعت عائشة رأسها نحوها بابتسامة أمومية، وكانت على وشك الإجابة، لكن صوتًا سبقها.
باران: لا يا أمي.
التفتت إليه عائشة.
كان جالسًا وقد بدا التعب واضحًا على ملامحه للمرة الأولى منذ وصوله.
أراح ظهره إلى المقعد، ثم مرر يده على وجهه وقال:
باران: أنا متعب جدًا ومجهد من السفرأيضا، كما أنني ضغطت على نفسي كثيرًا خلال الفترة الماضية حتى أنهي تلك الدورات وأعود إليكم بأسرع وقت.
ثم ابتسم لأمه ابتسامة صغيرة، وقال:
باران: أحتاج إلى النوم الآن... وإلى غرفتي وسريري أكثر من أي شيء آخر.
ضحكت عائشة.
عائشة: يبدو أنك لم تنسَ سريرك إذن.
باران: وهل يُنسى؟، لقد اشتقت إلى كل شيء هنا، حتى التفاصيل التي كنت أظنها عادية.
ثم نظر إلى أمه بحنين صادق.
باران: ولا داعي لأن تجهزي شيئًا خاصًا للعشاء الليلة، لن آكل شيئًا الآن، وأفضّل أن تؤجلي الأمر إلى الغد.
توقفت عائشة عن ترتيب الأشياء.
عائشة: لكنك لم تأكل جيدًا منذ...
قاطعها باران بلطف:
باران: أعلم يا أمي، لكنني أريد أن أستمتع بطعامك غدًا كما كنت أفعل دائمًا، اما الآن فانا متعب واريد ان انام فقط ولن استمتع بأكلك اللذيذ الذي إشتقت له، أريد أن أجلس إلى المائدة وأنت تطهين لي ما أحب، وأشبع من طعام البيت الذي اشتقت إليه.
ابتسمت عائشة، واغرورقت عيناها بشيء من التأثر.
عائشة: أبشر يا بني، غدًا سأعد لك كل ما تحبه، وكأنك لم تغب يومًا.
باران: هذا ما أريده تمامًا.
كانت ديلان واقفة تستمع إليهما بصمت.
كل كلمة يقولها باران كانت تزيد اضطراب قلبها.
غدًا...
غدًا سيكون هنا،
غدًا ستضطر إلى رؤيته مرة أخرى،
لم تكن تعرف كيف ستواجهه بعد أن انقلب عالمها كله خلال دقائق.
كانت تتمنى منذ عامين أن تراه...
والآن، بعدما رأته، لم تعد تعرف هل تتمنى أن تراه مجددًا أم تهرب من المكان كله.
لاحظت عائشة أنها لا تزال واقفة، فقالت لها بلطف:
عائشة: يمكنك أن تعودي إلى شقتك يا ديلان، سأقوم بتسخين بعض الطعام كعادتي، وسنتعشى أنا وعزت وملك، لا تشغلي بالك.
تنفست ديلان الصعداء، وكأنها كانت تنتظر تلك الجملة منذ لحظات.
أومأت سريعًا.
ديلان: حسنًا يا أمي... إذا لم تكوني بحاجة إلى شيء فسأصعد.
عائشة: اذهبي يا ابنتي، وارتاحي أنت أيضًا.
رفعت ديلان عينيها للحظة،
وقعتا على باران دون قصد.
كان يستعد للوقوف، وقد بدا عليه الإرهاق،
التقت عيناهما،
ثانية واحدة فقط...
لكنها كانت كافية لتعيد إلى قلب ديلان كل ما حاولت إخفاءه منذ دخولها إلى الغرفة.
تسارعت أنفاسها، فخفضت عينيها بسرعة،
لا تنظري إليه...
قالتها لنفسها وهي تحاول السيطرة على ارتجاف يديها،
إن بقيت هنا أكثر، سيفضحني وجهي قبل أن يفضحني لساني.
لم تكن تخشى أن يكتشف أحد حقيقة مشاعرها فحسب، بل كانت تخشى نفسها،
كانت تخشى أن تخونها عيناها،
أن يرتجف صوتها مرة أخرى،
أن تفعل شيئًا لا إراديًا يجعل أحدًا يتساءل عن سبب ارتباكها،
لذلك سارعت إلى الاستئذان،
ديلان: تصبحون على خير.
عائشة: وأنت من أهله يا ابنتي.
مراد: تصبحين على خير يا أمي.
عائشة: وأنت بخير.
ثم استدارت وغادرت بسرعة حاولت أن تجعلها تبدو طبيعية،
لكن خطواتها كانت أسرع من المعتاد.
وما إن ابتعدت عن غرفة الجلوس حتى أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها كانت تحبس أنفاسها منذ لحظة دخولها.
وضعت يدها على صدرها،
كان قلبها يخفق بعنف،
لماذا عدت الآن يا باران؟،
أغمضت عينيها لحظة.
لقد ظنت أن السنوات كفيلة بأن تطفئ تلك الذكرى،
أن الزواج، والحياة الجديدة، وكل ما مرت به، سيجعل الماضي مجرد صفحة بعيدة،
لكنها اكتشفت اليوم أن بعض المشاعر لا تموت...
إنما تختبئ،
وما إن يظهر صاحبها من جديد، حتى تستيقظ دفعة واحدة، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ عامين.
أما في غرفة الجلوس، فكان باران يتهيأ للذهاب إلى غرفته.
لم يكن يعلم شيئًا عن العاصفة التي تركها خلفه في قلب ديلان،
كل ما كان يعرفه أنه متعب...
وأن شيئًا غريبًا في عيني زوجة أخيه وصوتها ظل يلاحقه منذ اللحظة التي رآها فيها.
حاول ألا يفكر في الأمر،
وأقنع نفسه بأنها مجرد مصادفة فقط، لكن ذلك الإحساس الغامض بالألفة...
لم يغادره.
صعد مراد الدرج، وتبعته ديلان بصمت.
لم يتبادل الاثنان إلا كلمات قليلة طوال الطريق، فقد كان كل واحد منهما غارقًا في أفكاره.
وما إن وصلا إلى شقتهما حتى أخرج مراد المفتاح، فتح الباب، ودخل أولًا، ثم أغلقه خلفهما.
استدارت ديلان نحوه، وحاولت أن تستعيد هدوءها، ثم قالت بصوت خافت:
ديلان: هل تحتاج إلى شيء؟، هل أسخّن لك العشاء؟.
هزّ مراد رأسه نفيا.
مراد: لا، لست جائعًا، لقد تناولت بعض الطعام الخفيف الذي وضعته أمي أمامي، وهذا يكفيني الليلة.
ثم تثاءب قليلًا، وأضاف:
مراد: سأدخل لأستحم ثم أنام، كان اليوم طويلًا،
أومأت ديلان.
ديلان: حسنًا... تصبح على خير.
مراد: وأنت من أهله.
اتجه كل منهما إلى غرفته.
أغلقت ديلان باب غرفتها خلفها...
وما إن استقرت يدها على المقبض حتى انهارت.
أسندت ظهرها إلى الباب، ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض.
وفي اللحظة التي لامست فيها الأرض، انفجرت دموعها،
لم تعد قادرة على حبسها،
غطّت وجهها بيديها، وانفلتت منها شهقة مكتومة،
كيف؟،
كيف يمكن للقدر أن يسخر منها بهذه القسوة؟،
قبل أشهر فقط كانت ترفع يديها إلى الله وتتمنى أن تراه،
الرجل الذي بقيت صورته حبيسة ذاكرتها عامين كاملين،
ذلك الوجه الذي لم تستطع الأيام أن تمحوه،
ذلك الشاب الذي لم تعرف اسمه طويلًا، والذي بحثت عن هويته واختفائه، وتساءلت مرارًا أين ذهب، ولماذا رحل دون أن تعرف عنه شيئًا.
كانت تظن أن رؤيته أمنية بعيدة،
بل كانت، حتى وقت قريب، تتوسل إلى الله أن يجمعها به ولو للحظات.
فإذا بالقدر يجمعهما بالفعل...
ولكن في أكثر صورة قسوة يمكن أن يتخيلها قلب،
لقد وجدته،
وجدت باران،
لكنها لم تجده كما تمنت،
وجدته أخًا لزوجها،
وضعت يدها على صدرها، وشعرت بألم حاد يعصر قلبها،
ديلان: يا رب...
خرجت الكلمة من بين شهقاتها.
رفعت وجهها إلى السماء، وكأنها تبحث في رحابها عن إجابة.
ديلان: لماذا يا رب؟ لماذا الآن؟.
سالت دموعها على وجنتيها.
ديلان: كنت أظن أنني نسيته... ظننت أن الأيام جعلتني أتجاوزه، وأنني بدأت أتأقلم مع حياتي الجديدة، فلماذا أعدته إلى طريقي الآن؟.
صمتت لحظة، ثم أغمضت عينيها.
ديلان: لماذا جعلتني أراه في البيت الذي أصبحت فيه زوجة لأخيه؟.
ارتجفت شفتاها،
كانت تعرف جيدًا أن المشاعر ليست ذنبًا ما دامت لم تخترها، لكنها كانت تعرف أيضًا أن الاستسلام لها هو الخطر،
فهذا الرجل لم يعد ذلك الغريب الذي ترك أثرًا في قلبها ذات يوم،
إنه الآن...
أخو زوجها،
وهذه الحقيقة وحدها كانت كافية لتعيدها إلى أرض الواقع مهما حاول قلبها الهروب منها.
مسحت دموعها، ثم نهضت بصعوبة، نزعت نقابها وحجابها، واتجهت إلى الحمام.
توضأت، ثم وقفت أمام المرآة للحظات.
نظرت إلى وجهها المبلل، كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء.
همست لنفسها:
ديلان: يجب أن أنسى... يجب أن أضع حدًا لهذا الأمر منذ اللحظة الأولى.
لكن قلبها لم يجبها، فقد كان لا يزال عالقًا في تلك اللحظة التي التقت فيها عيناها بعيني باران.
أسرعت إلى غرفة الحمام، توضأتثم عادت لغرفتها، وفرشت سجادتها، ثم وقفت بين يدي الله.
كبّرت...
وحين سجدت، شعرت أن كل ما في داخلها انهار دفعة واحدة،
طال سجودها،
وبينما كانت جبهتها تلامس السجادة، انهمرت دموعها من جديد.
ديلان: يا رب، أنت تعلم ما في قلبي قبل أن أنطق به...
شهقت، ثم تابعت بصوت خافت:
ديلان: فلا تجعل في قلبي ما لا يرضيك، وتجعل قلبي بتعلق بشيء ليس له، إن كان هذا ابتلاءً، فأعنّي عليه، وإن كانت هذه المشاعر من أثر الماضي، فأطفئها من قلبي برحمتك،
سكتت لحظة، ثم قالت:
ديلان: يا رب، أنا لا أريد أن أخون أمانتك... ولا أريد أن أظلم زوجي... ولا أريد أن أظلم نفسي.
ارتجف صوتها.
ديلان: فثبّت قلبي حيث ينبغي أن يكون،
وأطالت السجود،
كلما رفعت رأسها، عادت وسجدت من جديد.
كانت تناجي ربها، لا لأنها تملك حلًا، بل لأنها لم تجد مكانًا آخر تلجأ إليه.
ديلان: يا رب، إن كنت تعلم أن هذا الأمر سيؤذيني، فأبعده عني وأبعدني عنه، وإن كان قلبي ضعيفًا، فقوّني ولاتجعلني أضعف امامه ولو لحظة، وإن كنت لا أستطيع وحدي، فكن أنت عوني.
مرّت الساعات بطيئة، والبيت من حولها غارق في السكون.
في غرفة أخرى، كان مراد قد غلبه النوم.
أما ديلان، فكانت لا تزال على سجادتها، تتقلب بين الصلاة والدعاء والبكاء.
كلما ظنت أنها هدأت، عادت صورة باران إلى ذاكرتها.
عيناه...
صوته...
تلك اللحظة التي وقف فيها أمامها وقال:
"أهلًا بكِ يا زوجة أخي."
كانت الجملة وحدها تؤلمها،
لأنها ذكّرتها بالحقيقة،
هي زوجة أخيه،
وأي شيء يتجاوز حدود هذه الحقيقة لا مكان له في حياتها،
كانت تعلم أن الزواج الذي تعيشه لم يكن زواجًا طبيعيًا في مشاعرها، وأن قلبها لم يتعلّق بمراد كما ينبغي، لكنها لم تسمح لنفسها يومًا أن تبحث عن بديل.
والآن جاء الماضي ليضعها أمام امتحان لم تطلبه.
بقيت على سجادتها حتى أذن الفجر، صلت فرضها مع النوافل، وبقيت تدعوا الله ان يربط على قلبها،حتى لاتقع في معصية او ذنب لايغتفر، فمهما مان زواجها من مراد مجرد زواج على ورق، فلا يجوز لها ان تفكر بغيره او يتعلق قلبها بشخص آخر فمابله انه أخ زوجها فهذه كبيرة وإثم أعظم.
وقبل شروق الشمس بقليل، خارت قواها تمامًا.
لم تعد قادرة حتى على النهوض.
جلست فوق سجادة الصلاة، وأسندت رأسها إلى طرفها، ثم تكورت على نفسها.
كانت عيناها مثقلتين، وجسدها منهكًا من طول السهر والبكاء.
همست قبل أن يغلبها النعاس:
ديلان: يا رب... لا تتركني لنفسي،
ثم أغمضت عينيها،
وغفت في مكانها،
وحين بدأ ضوء الشمس يتسلل خافتًا من النافذة، كانت ديلان لا تزال نائمة فوق سجادة صلاتها، وقد أنهكها الليل بكل ما حمله من صراع.
لم تكن تعرف ماذا سيحمل لها الصباح.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...
أن عودة باران لم تكن عودة رجل إلى بيت عائلته فحسب.
لقد كانت عودة ماضٍ ظنت أنها دفنته...
ليطرق باب قلبها من جديد، في الوقت الذي كان ينبغي فيه أن تغلقه إلى الأبد.
في غرفة باران...
دخل باران غرفته ببطء، يجر خلفه حقائبه التي رافقته طوال سنوات الغربة.
أغلق الباب خلفه، ثم رفع عينيه نحو المكان.
توقفت خطواته.
ظل واقفًا للحظات، يتأمل الغرفة بصمت.
هذه الغرفة...
كم من السنوات احتضنته؟،
هنا كان طفلًا ينام بعد يوم طويل من اللعب، وهنا عاش سنوات مراهقته، وهنا عرف أول أحلام شبابه، وسهر ليالي طويلة بين كتبه وطموحاته.
كل زاوية فيها كانت تحمل شيئًا منه.
حتى بعد أن التهم الحريق معظمها، بقي في أرجائها شيء لا يمكن للنيران أن تحرقه.
الذكريات.
تقدّم ببطء، ثم جلس على طرف السرير.
مرر يده فوق الغطاء، وتنفس بعمق،
كان هناك دفء غريب في المكان،
دفء لم يجده في سنوات غربته مهما تغيرت المدن من حوله.
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يتمتم:
باران: عدت أخيرًا...
وكأن الغرفة كانت تنتظر تلك الكلمة.
وفجأة، جاء طرق خفيف على الباب.
باران: تفضلي.
فُتح الباب، ودخلت عائشة.
كانت تراقب وجه ابنها بصمت، وكأنها تعرف أن عودته إلى هذه الغرفة تحمل له أكثر مما يظهر على ملامحه.
اقتربت منه وجلست إلى جواره، ثم وضعت يدها على كتفه وربتت عليه بحنان.
عائشة: بعد الحريق الذي أتى على معظم الغرفة، حاولنا أن نجددها قدر استطاعتنا، جلبنا بعض الأغراض نفسها، وبعض الأشياء التي تشبه ما كان موجودًا فيها من قبل... أردنا أن تشعر أنك عدت إلى غرفتك، لا إلى مكان غريب عنك.
التفت إليها باران، وابتسم.
ثم أمسك كفها وربت عليه برفق.
باران: لا يهم يا أمي.
نظرت إليه.
باران: الحمد لله أن الحريق أتى على غرفتي فقط، وأنتم جميعًا كنتم بخير، هذا وحده يكفيني،
ثم ألقى نظرة حوله.
باران: أما الأغراض... فلا بأس بها، الأشياء يمكن تعويضها، والصور يمكن أن تضيع، لكن الذكريات لا تحترق.
صمت لحظة، ثم ابتسم بحنين.
باران: قد تختفي صورة احتفظنا بها لسنوات، وقد تضيع قطعة أحببناها، لكن ما عشناه يبقى في داخلنا، الذاكرة تحتفظ بأشياء لا تستطيع النار الوصول إليها.
تأملت عائشة وجهه، وشعرت بفخر هادئ يغمر قلبها.
لم يعد أمامها ذلك الصغير الذي كان يركض في أرجاء البيت.
عاد إليها رجلًا نضجته الغربة، وصقلته السنوات، لكنه بقي ابنها الذي تعرفه.
رفعت يدها ومسحت على شعره كما كانت تفعل عندما كان صغيرًا.
عائشة: المهم أنك عدت إلينا سالمًا.
ابتسم باران، وأمال رأسه قليلًا نحو يدها.
باران: وهذا أكثر ما كنت أتمناه.
نهضت عائشة بعد لحظات، واتجهت نحو الباب.
عائشة: سأتركك الآن لترتاح، يبدو أن التعب أخذ منك الكثير.
ثم التفتت إليه بابتسامة.
عائشة: تصبح على خير يا بني.
رفع باران عينيه إليها.
باران: وأنت من أهله يا أمي.
خرجت عائشة وأغلقت الباب بهدوء.
وبقي باران وحده،
عاد ينظر إلى الغرفة من حوله،
أخذ نفسًا عميقًا، وكأن صدره يحاول أن يستوعب أنه عاد فعلًا.
ثم نهض واتجه إلى الحمام،
أخذ حمامًا ساخنًا طويلًا، وغسل عن جسده آثار السفر والتعب، ثم خرج وارتدى ملابسه.
توضأ، وأدى فرضه، وبعد أن فرغ منه جلس للحظات في هدوء.
رفع يديه بالدعاء، شاكرًا الله على أن أعاده إلى أهله سالمًا، ثم نهض واتجه نحو سريره.
استلقى، وأسند رأسه إلى وسادته القديمة.
كانت عيناه مثقلتين بالإرهاق،
لم يحتج إلى وقت طويل.
ما إن أغمض عينيه حتى بدأت أنفاسه تنتظم شيئًا فشيئًا، وغرق في نوم عميق.
وبينما كان البيت كله يستعد لليل هادئ بعد يوم حافل بالمفاجآت...
كان باران ينام في الغرفة التي احتضنت طفولته وشبابه، غير عالم أن عودته لم تغيّر شيئًا في البيت وحده...
بل حرّكت في قلب شخص آخر ماضيًا ظن أنه انتهى منذ زمن.
في الطابق الأول...
ما إن عادت عائلة إبراهيم إلى شقتها وأُغلق الباب خلفهم، حتى تفرّق أفرادها كلٌّ إلى غرفته، حاملين معهم إرهاق اليوم وتفاصيله الكثيرة.
أما دنيز، فما إن دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، حتى تبدّل وجهها تمامًا.
اختفت الابتسامة التي كانت ترسمها أمام الآخرين، وحلّ مكانها عبوسٌ غاضب.
راحت تمشي ذهابًا وإيابًا أمام سريرها، وخطواتها المتوترة تضرب أرضية الغرفة بإيقاع متسارع.
باران...
عاد الآن،
في أسوأ وقت ممكن،
وضعت يدها على جبينها، وأخذت تفكر بعصبية،
دنيز: ماذا سأفعل الآن؟.
كانت قد رتبت كل شيء في رأسها،
حسبت خطواتها واحدةً واحدة، واعتقدت أن غياب باران سيمنحها الوقت الكافي لتنفيذ ما تريد، لكن عودته المفاجئة قلبت حساباتها رأسًا على عقب.
توقفت أمام المرآة، ونظرت إلى انعكاس وجهها.
دنيز: يجب أن أتصرف بسرعة.
قالتها بصوت خافت، ثم استدارت وبدأت تمشي من جديد.
كانت تعرف باران جيدًا،
لم يكن يوما ساذجًا،
ولم يكن من النوع الذي تمر أمامه التفاصيل دون أن يلاحظها،
بل ربما كان أكثر شخص يمكن أن يفسد خطتها إن شعر بأن شيئًا غير طبيعي يحدث.
إذا لاحظ شيئًا... انتهى كل شيء،
ضغطت دنيز على شفتيها، ثم جلست على طرف السرير،
لكنها سرعان ما نهضت من جديد،
كان عليها أن تتحرك قبل أن يستقر باران في البيت، وقبل أن يستعيد علاقته بالعائلة ويبدأ بملاحظة ما يدور حوله،
ثم لمعت في ذهنها الفكرة التي كانت تتمسك بها منذ البداية،
الرسالة....
تلك الرسالة التي أخبرتها ديلان عنها، والتي كانت ترى فيها المفتاح الذي يمكن أن تهدم به زواج مراد وديلان إلى الأبد،
ابتسمت دنيز ابتسامة باردة.
دنيز: الرسالة...
همست بها وكأنها عثرت أخيرًا على المخرج،
إذا حصلت عليها، فلن تحتاج إلى اختراع شيء،
كانت تتخيل المشهد في رأسها،
تضع الرسالة أمام مراد،
تتركه يقرأها بنفسه،
ثم تقول له إن ديلان لم تقطع علاقتها بذلك الرجل الذي كان في الصور السابقة، والذي تدّعي أنها لا علاقة له بها، وأنها لا تزال تتواصل معه وهي على ذمته،
لم تكن دنيز تهتم إن كانت الحقيقة مختلفة،
بالنسبة إليها، كانت الرسالة أداة،
والشك وحده قد يكون كافيًا لهدم ما تبقى من زواج مراد وديلان.
قالت لنفسها بثقة:
دنيز: لن يتحمل مراد ذلك... لن يقبل أن تبقى امرأة على ذمته وهي تتواصل مع رجل آخر، مهما كان الأمر.
ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة حالمة، وكأنها ترى المستقبل أمامها.
دنيز: وعندها... سينتهي زواجهما.
سكتت لحظة.
ثم أضافت، وقد بدأ الطمع يملأ عينيها:
دنيز: وعندما تصبح ديلان خارج حياته، لن يبقى شيء يمنعني من الوصول إلى مراد.
لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا،
عاد وجه باران إلى ذاكرتها،
تجمدت ملامحها،
دنيز: إلا باران...
نهضت ببطء،
كان وجوده هو العقبة الوحيدة التي لم تكن مستعدة لها، إذا اكتشف أنها تبحث عن الرسالة، أو عرف أنها تحاول الإيقاع بديلان، فقد يقف ضدها،
وربما يكشف كل شيء،
وضعت يدها على صدرها، وأخذت نفسًا عميقًا،
دنيز: يجب أن أكون أكثر حذرًا،
ثم نظرت إلى الباب المغلق،
دنيز: وسأحصل على الرسالة أولًا،
كانت تلك هي خطتها،
لم يعد لديها وقت للتردد،
فالرسالة، في نظرها، لم تعد مجرد ورقة.
لقد أصبحت المفتاح الذي تظن أنه سيفتح لها الطريق إلى مراد...
حتى لو كان الثمن قلب ديلان، وبيتها، وسمعتها، وسلامها.
أما ما لم تعرفه دنيز، فهو أن عودة باران لم تكن مجرد عقبة أمام خطتها...
بل ربما كانت بداية سقوطها هي نفسها.