رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثامن والعشرون28 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثامن والعشرون28 بقلم عاشقة القلم

في صباح اليوم التالي...

أشرقت الشمس بهدوء، وأخذ ضوؤها يتسلل من بين ستائر النوافذ، بينما بدأ بيت عزت يستعيد حركته بعد ليلة حافلة بالمشاعر والمفاجآت.

كان هذا الصباح مختلفًا بالنسبة لعزت.

فبعد عامين من الغياب، عاد ابنه باران أخيرًا، وعاد معه شيء من الحياة التي افتقدها البيت منذ سفره.

استيقظ عزت باكرًا، وأدى صلاته، ثم اتجه إلى غرفة ابنه.

طرق الباب برفق، وحين لم يسمع جوابًا، فتحه قليلًا.

كان باران غارقًا في النوم، وقد بدا على ملامحه الإرهاق الشديد.

ابتسم عزت بحنان وأغلق الباب من جديد.

دعه يرتاح... لقد أرهقته الغربة والسفر.

وبعد وقت قصير، إستيقظ الحميع، واجتمع عزت في غرفة الجلوس مع أبنائه.

كان مراد قد نزل من شقته، بينما استيقظ باران قبل قليل وانضم إليهما.

جلس الثلاثة معًا، وكان عزت يتأمل ابنيه بين الحين والآخر، وكأنه لا يزال غير مصدق أن كليهما أصبح تحت سقفه في الوقت نفسه.

عزت: لا أصدق أنني أراكما أمامي من جديد... كم اشتقت إلى هذه الجلسات.

ابتسم باران، وأراح ظهره إلى المقعد.

باران: وأنا اشتقت إليها أكثر مما تتصور يا أبي.

أما مراد، فكان يراقب أخاه بابتسامة هادئة.

مراد: لقد تغيرت كثيرًا.

ضحك باران.

باران: إلى الأفضل أم الأسوأ؟

مراد: إلى الأفضل بالتأكيد، وإن كنت لا أضمن أنك أصبحت أقل غرورًا.

ضحك باران، ثم دفع كتف أخيه بخفة.

باران: وما زلت أنت كما أنت... لا تفوّت فرصة للسخرية مني.

ضحك عزت وهو ينظر إليهما.

عزت: دعاني أستمتع برؤيتكما تتشاجران كالأطفال من جديد.

ساد الضحك بينهم.

كانت لحظة بسيطة، لكنها كانت ثمينة بالنسبة إلى عزت؛ فسنوات الغربة أخذت من بيته أحد أبنائه، وها هو الآن يراه جالسًا إلى جوار أخيه من جديد.

لكن وسط تلك الأجواء، كان هناك غياب واحد لم يلفت انتباه أحد بعد.

ديلان.

كانت لا تزال نائمة في شقة مراد.

فقد أمضت الليل كله مستيقظة، تتقلب بين الصلاة والدعاء والبكاء، ولم تستسلم للنوم إلا بعد شروق الشمس، حين خارت قواها تمامًا.

أما مراد، فبعد أن جلس مع والده وأخيه لبعض الوقت، شعر بالجوع، فنهض واتجه إلى غرفة الطعام.

توقف أمام الطاولة.

لم يجد شيئًا معدًا للإفطار.

نظر حوله باستغراب.

مراد: يبدو أن ديلان لم تستيقظ بعد.

لم يبدُ عليه القلق، بل ظن ببساطة أنها لا تزال نائمة.

وبما أن والدته كانت قد اعتادت أن تجمع أفراد الأسرة على الإفطار، وعندما لم يرى ديلان في الشقة، ظن انها نزلت لشقة والديه كعادتها لتساعد والدته في تجهيز طعام الإفطار، فقرر أن ينزل إليها.

استأذن والده وأخاه، ثم صعد إلى شقته أولًا ليتفقد الأمر.

اما باران فإستأذن والده ليعود لغرفته ويأخذ حماما منعشا، ثم توضئ ليصلي بعد ان غير ثياب نومه لثياب بيتية مريحة.

صعد مراد لشقته فتح الباب، ونادى:

مراد: ديلان؟.

لم يسمع جوابًا.

اقترب من باب غرفتها، لكنه لم يفتحه، لم يسمع حركة خلفه فظننا انها مازالت نائمة.

مراد: لا بد أنها مازالت نائمة.

ثم عاد إلى الخارج ونزل إلى شقة والديه مرة أخرى.

في تلك الأثناء كانت عائشة قد إستيقظت وتوجهت للمطبخ لتعد الإفطار، وما إن رأته حتى ابتسمت.

عائشة: صباح الخير يا بني.

مراد: صباح النور يا أمي.

نظرت خلفه تلقائيًا، ثم سألت:

عائشة: وأين ديلان؟ ألم تنزل معك؟.

تفاجأ مراد قليلًا.

مراد: لا، إنها نائمة.

رفعت عائشة حاجبيها.

عائشة: نائمة إلى الآن؟.

مراد: نعم، كانت متعبة جدًا، لذلك تركتها ترتاح، كنت أظن أنها ستنزل إليك لتساعدك، لكن يبدو أنها لم تستيقظ بعد.

تنهدت عائشة بحنان.

عائشة: لا بأس، ربما تحتاج إلى النوم فعلًا، كانت متعبة أمس.

ثم بدأت تجهز بعض الطعام لابنائها وزوجها ليتناولوه على طاولة الإفطار.

عائشة: اجلس إلى الطاولة وسأجهز لك طعام الإفطار لتتناوله مع أخاك وأباك قبل ذهابكما للعمل، وسأترك لها نصيبها حين تستيقظ.

مراد: حسنًا يا أمي.

إتجه مراد إلى غرفة الطعام وجلس إلى المائدة، بينما كانت  والده وباران كل واحد منهما يتجهز بغرفته.

وبعد لحظات، ظهر باران عند باب المطبخ، وقد بدا أكثر انتعاشًا بعد ان اخذ قسطا من النوم و إستحم وأدى فرضه.

باران: صباح الخير يا أمي.

استدارت عائشة نحوه، وابتسمت بعينين امتلأتا بالفرح.

عائشة: صباح الخير يا حبيبي،  فطورك جاهز إجلس إلى الطاولة وسأحظره حالا.

دخل باران لغرفة الطعام، ثم جلس إلى جوار والده وأخيه.

نظر عزت إلى ابنيه، وابتسم بفخر.

عزت: أخيرًا اجتمع أبنائي تحت سقف واحد.

ساد صمت قصير.

أما باران، فنظر إلى أبيه بحنان.

باران: ولن أسمح للغربة أن تأخذني منكم مرة أخرى بسهولة.

ابتسم عزت وربت على كتفه.

عزت: هذا كل ما أريده.

وفي الوقت الذي كان فيه الأب وابناه يستمتعون بعودة لمّتهم...

كانت ديلان لا تزال غارقة في نوم عميق، مستلقية فوق سجادة الصلاة، بعدما أرهقها الليل بما حمله من دموع ودعاء.

لم تكن تعلم أن الجميع قد استيقظ.

ولم تكن تعلم أن باران يجلس الآن على بعد طابق منها، يتناول فطوره مع أبيه وأخيه.

وكانت لا تزال أمامها لحظات قليلة فقط قبل أن تستيقظ...

وتبدأ مواجهة يوم جديد مع القدر الذي قلب حياتها رأسًا على عقب.


استيقظت ديلان على هدوءٍ غريب يلفّ المكان، وشيئًا فشيئًا أخذ وعيها يعود إليها، رفعت رأسها عن سجادة الصلاة، فوجدت نفسها ما تزال جالسة حيث غلبها النعاس بعد صلاة الفجر.

نظرت حولها للحظات، وكأنها تحاول أن تتذكر كيف انتهى بها الأمر نائمةً في ذلك الموضع، ثم مدت يدها إلى الساعة.

اتسعت عيناها قليلًا حين أدركت كم تأخرت في النوم.

تنهدت ببطء، وحاولت النهوض، لكن جسدها اعترض على حركتها؛ فقد كانت أطرافها تؤلمها من نومها في تلك الوضعية، وشعرت بوهنٍ يسري في ذراعيها وساقيها، ومع ذلك، تماسكت ونهضت، مطلقةً زفرةً خافتة وهي تمرر يدها على كتفها المتصلب.

اتجهت إلى الحمام، وغسلت وجهها بالماء البارد، محاولةً أن تطرد آثار النوم والإرهاق عن ملامحها، ثم عادت إلى غرفتها، وبدلت ثيابها بأخرى محتشمة، وارتدت حجابها ونقابها، قبل أن تغادر شقتها وتتجه إلى الطابق السفلي حيث شقة حمويها.

طرقت الباب طرقًا خفيفًا، فلم تمضِ سوى لحظات حتى فُتح لها.

كانت عائشة تتنقل بين المطبخ وغرفة الطعام، تضع الأطباق على المائدة وتعدّ ما يلزم للإفطار،  حين سمعت طرقا على الباب، فتحت الباب وما إن وقعت عيناها على ديلان حتى توقفت عن حركتها، وارتسم القلق على وجهها.

عائشة: صباح الخير يا ابنتي... هل أنتِ بخير؟.

خفضت ديلان عينيها قليلًا، وشعرت بشيء من الحرج لأنها تأخرت في الاستيقاظ، ثم أجابت بصوت هادئ:

ديلان: صباح الخير يا أمي... أنا بخير، وآسفة لأنني تأخرت، لقد أخذني النعاس بعد صلاة الفجر، ولم أستيقظ إلا الآن.

اقتربت عائشة منها، وتأملتها بنظرة أمّ لا تخفى عليها أدق علامات التعب في وجه من تحب.

عائشة: لا بأس يا ابنتي، لا تعتذري، لكنني قلقت عليكِ عندما لم أركِ مع مراد حين نزل هذا الصباح، ظننت أنكِ ربما تشعرين بشيء أو أنكِ مريضة.

ابتسمت ديلان ابتسامة صغيرة، تحاول أن تطمئنها، ثم قالت:

ديلان: أشعر ببعض التعب فحسب يا أمي... كما أنني لم أعتد النوم بعد صلاة الفجر، لذلك أشعر بشيء من الوهن في أطرافي.

هزت عائشة رأسها بحنان، ومدت يدها تربت على كتفها برفق.

عائشة: لا بأس عليكِ يا ابنتي، اذهبي واستريحي، ولا ترهقي نفسكِ.

لكن ديلان هزت رأسها رافضة، ثم التفتت نحو غرفة الطعام حيث المائدة التي كانت عائشة تجهزها.

ديلان: سأساعدك أولًا، ثم أصعد لأرتاح بعد ذلك.

نظرت إليها عائشة لحظة، وكأنها أرادت أن تعترض، لكنها لم تفعل، اكتفت بابتسامة حانية وهي تقول:

عائشة: حسنًا، ولكن لا تتعبي نفسكِ.

أومأت ديلان بصمت، ثم اتجهت إلى المطبخ لتساعدها، ورغم أن التعب كان يثقل جسدها، فإن قلبها كان يشعر بشيء من الدفء... ذلك الدفء الذي افتقدته طويلًا، والذي كانت تجده كلما نادتها عائشة بـ«يا ابنتي».

لم تكن تعلم أن تلك الكلمة البسيطة كانت بالنسبة إليها أكثر من مجرد نداء؛ كانت شعورًا بالأمان، واحتواءً لم تعتد أن تجده في حياتها بسهولة.


دخلت ديلان إلى المطبخ، وبدأت تساعد عائشة في إعداد مائدة الإفطار، كانت تتنقل بهدوء بين الأطباق، ترتب هذا وتضع ذاك، بينما كانت عائشة تراقبها بين الحين والآخر بنظرات أمٍّ حانية، تلمح في حركاتها شيئًا من الإرهاق الذي لم تستطع ديلان إخفاءه تمامًا.

كانت ديلان تؤدي ما اعتادت عليه، ونقابها يستر وجهها، ويداها لا تتوقفان عن العمل، وكأن انشغالها بالطعام أسهل عليها من مواجهة الأفكار التي تعصف في داخلها.

وبينما كانت تضع أحد الأطباق على المائدة، قالت عائشة بنبرة هادئة، تحمل في طياتها قدرًا من الحرص:

عائشة: بعد عودة باران، ابني، إلى البيت، أرى أنك لن تأخذي راحتك فيه كما كنت تفعلين من قبل، لذلك لا داعي لأن تنزلي كل صباح لمساعدتي كما اعتدتِ، فأنتِ منقبة، ووجود شاب أعزب في البيت قد يجعلك تشعرين بالحرج أو يرهقك، وأنا لا أريد أن أحمّلك فوق طاقتك.

توقفت يدا ديلان للحظة، لم يكن كلام عائشة مجرد نصيحة عابرة في أذنها... بل بدا لها كأنه بابٌ فُتح فجأة أمامها لتتنفس.

خفضت عينيها، ثم أومأت برأسها بهدوء.

ديلان: كما تريدين يا أمي.

لم تستطع عائشة رؤية الابتسامة الصغيرة التي تسللت إلى شفتيها خلف نقابها، لكنها شعرت بالراحة في نبرتها.

أما ديلان، فقد كان في داخلها شيء آخر تمامًا.

لقد أراحها كلام عائشة أكثر مما ينبغي.

فمنذ أن عاد باران، وهي تشعر بأن وجوده في المنزل يشكل خطرًا على السر الذي بذلت أوقاتا طويلة في إخفائه، لم تكن تخشى منه، بل كانت تخشى أن تلتقي عيناه بعينيها ذات يوم، أو أن يسمع صوتها فيتوقف فجأة، أو أن تلتقط ذاكرته شيئًا من ملامحها القديمة، فيكتشف الحقيقة التي لم تكن مستعدة لمواجهتها.

باران...

ذلك الاسم وحده كان كفيلًا بأن يعيد إلى قلبها كل ما حاولت دفنه.

هو الذي أحب فتاةً غامضة، وظل يبحث عنها طويلًا، دون أن يعلم أنها أقرب إليه مما يتصور الآن.

وهي... تلك الفتاة التي كان يقضي معظم  أوقاته في البحث عنها، تقف الآن أمام أمه، مرتديةً نقابها، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تبقى مجرد ديلان التي يعرفها الجميع، بزوجة أخيه مراد.

لذلك كان ابتعادها عن الطابق السفلي، وقلة احتكاكها بباران، بمثابة فرصة تمنحها إياها الأقدار لتظل خلف ذلك الحجاب الآمن.

تنفست ببطء، ثم عادت إلى ترتيب الأطباق، محاولةً أن تبدو طبيعية.

وفي أعماقها، رفعت دعاءً صامتًا:

"يا رب... أبقِ الحقيقة مستورة، ولا تجعلني ألتقي بعينيه حتى أكون مستعدة لمواجهة كل ما أخفيته عنه وأبقي شخصيتي مختفية عنه."

ثم تابعت عملها بصمت، بينما كان قلبها يدعو بشيء واحد فقط...

أن تمر الأيام دون أن يسقط القناع الذي احتمت خلفه طويلًا.


بعد أن اكتملت مائدة الإفطار، جلس الجميع حولها، وتوزعت الأطباق بينهم في جوٍّ عائلي هادئ.

جلست ديلان إلى جوار زوجها مراد، تتناول طعامها بهدوء من تحت نقابها، محاوِلةً أن تخفي إرهاقها الذي ظل واضحًا في حركاتها، كانت تشعر بثقلٍ في جسدها، لكنها لم تشأ أن تجعل أحدًا يقلق عليها.

أما بقية أفراد العائلة، فقد انشغلوا بالأحاديث المتفرقة، وتبادلوا الأخبار والضحكات. وكان باران أكثرهم مرحًا، يمازح هذا، ويعلّق على ذاك، حتى بدت عودته إلى البيت وكأنها أعادت شيئًا من الحيوية إلى المكان.

وبعد مدة، نهض مراد ووالده استعدادًا للذهاب إلى العمل، وبعد أن ودّعا من في المجلس غادرا المنزل معًا.

وهكذا لم يبقَ حول المائدة سوى عائشة، وديلان، وباران.

ظل الحديث مستمرًا لبعض الوقت، قبل أن يسأل باران والدته فجأة:

باران: أمي، ألم تتزوج دنيز بعد؟ أَلِم تزل ترفض كل من يتقدم لخطبتها؟.

تنهدت عائشة، ثم أجابته بنبرة تجمع بين الضيق والشفقة:

عائشة: نعم يا بني، ما زالت كما هي، حتى إن أباها سئم منها ومن أفعالها، وقد اشتكى منها إلى أبيك أكثر من مرة.

هز باران رأسه، وكأن الإجابة لم تفاجئه، ثم التفت إلى ديلان، وقال بنبرة صريحة لم تعرف المجاملة طريقًا إليها:

باران: أتعلمين يا زوجة أخي؟، أكثر شخص أبغضه وأمقته في هذه العائلة هي دنيز.

لم تتمالك عائشة نفسها، فضحكت على صراحته، ثم هزت رأسها قائلة:

عائشة: لا تقل ذلك يا بني، زوجة أخيك ودنيز صديقتان مقربتان، وقد تغضب منك لأنها تنعت صديقتها بهذه الصفات.

ابتسم باران، وكأنه لم يكترث كثيرًا لتحذير والدته، ثم أعاد نظره إلى ديلان.

باران: أعذريني يا زوجة أخي، ولكن ألم تجدي أحدًا لتصاحبيه غير دنيز؟، أعلم أنني صريح، فاعذريني على صراحتي، لكنني حقًا لا يوجد شخص في العائلة أبغضه وأمقته أكثر منها.

ثم أطلق ضحكة قصيرة، وكأنه يستعيد ذكريات قديمة، وأردف:

باران: منذ كنا صغارًا وأنا لا أطيقها، هي تكبرني بأربع سنوات، وهي في عمر هازان أختي تقريبًا، ومع ذلك لم أحبها يومًا، بل كنت كلما اجتمعنا للعب ونحن صغار، أبحث عن طريقة لأعدّ لها مقلبًا تقع فيه.

ضحكت ديلان من خلف نقابها، وراحت عيناها تلمعان بشيء من المرح الذي لم تستطع إخفاءه.

قالت بهدوء:

ديلان: في الحقيقة، لم أجد من أصاحب غيرها، ولا توجد فتاة أخرى في العائلة يمكنني مخالطتها، كما أن أخاك يمنعني من الخروج والاختلاط بأحد.

ما إن أنهت جملتها حتى اتسعت عينا باران بدهشة، والتفت فورًا إلى والدته وكأنه يريد التأكد من أنه سمع جيدًا.

باران: هل ما تقوله زوجة أخي صحيح يا أمي؟.

أومأت عائشة برأسها، وقد بدت على وجهها ملامح عدم الرضا، ثم قالت:

عائشة: نعم، صحيح، حتى إنه منعها من العمل، ومنعها من استخدام الهاتف أيضًا يا بني، لم أفهم سبب هذه التصرفات منه، وكنت أقول لنفسي ربما هي غيرته الشديدة على زوجته.

تغيرت ملامح باران، وحلّ الجِدّ مكان المرح الذي كان يملأ حديثه قبل قليل.

باران: لكن هذا لا يجوز يا أمي، يجب أن تتحدثا معه، فهذا أمر مبالغ فيه.

ثم التفت إلى ديلان، وقد خفت حدة صوته، وقال بنبرة أخوية مطمئنة:

باران: لا تقلقي يا زوجة أخي، مراد طبعه صعب، وهذا أمر أعرفه جيدًا، لكنه في النهاية قلبه أبيض، صحيح أنه يغضب بسرعة، لكنه يهدأ ويلين بسرعة أيضًا، سأكلمه بنفسي وأفهمه أن ما يفعله ليس صوابًا، وهو بالتأكيد سيسمع لي وينصت إليّ... كما كنا دائمًا.

شعرت ديلان بشيء غريب في صدرها.

لم تكن تتوقع أن يتدخل أحد من أجلها، فضلًا عن أن يكون ذلك الشخص هو باران نفسه.

ذلك الرجل الذي لا يعلم شيئًا عنها، والذي تجلس إلى جواره الآن وهو يدافع عنها بعفوية، بينما هي تخفي عنه أكبر حقيقة في حياتها.

رفعت عينيها إليه للحظة، ثم خفضتهما سريعًا، خشية أن يطول النظر أكثر مما ينبغي.

ابتسمت عائشة بحنان، وقالت وهي تنظر إلى ابنيها:

عائشة: إن شاء الله يا بني... كم تمنيت أن تكونا دائمًا سندًا لبعضكما البعض، أدام الله محبتكما، وحفظكما من كل سوء.

قالوا جميعًا في وقت واحد:

الجميع: آمين.

ساد الصمت لحظات، ثم نهض باران من مكانه، ودفع كرسيه إلى الخلف.

باران: سأترككما الآن، سأذهب إلى غرفتي لأستعد، فقد اشتقت إلى المدينة وإلى الحي كثيرًا، سأخرج قليلًا لأتنزه وأرى شوارع المدينة وبعض الأماكن التي اشتقت إليها طوال غيابي.

ثم التفت إلى ديلان، وقال بنبرة تحذير خفيفة:

باران: وأنتِ يا زوجة أخي، خذي حذرك من دنيز... إنها شخصية حقودة.

رفعت عائشة حاجبها، وقالت معاتبة:

عائشة: لا تقل ذلك عن ابنة عمك، هي مدللة قليلًا فحسب.

ابتسم باران وهز كتفيه، ثم غادر متجهًا إلى غرفته.

وقفت ديلان تتابعه بعينيها للحظات، وقلبها يخفق على نحو لم تفهم سببه تمامًا.

كان حديثه بسيطًا وعفويًا، لكنه ترك في داخلها أثرًا عميقًا.

باران لم يعرفها...

لم يعرف أنه يتحدث إلى الفتاة التي ظل يبحث عنها طويلًا،

ولم يعرف أن المرأة التي وقف مدافعًا عنها قبل لحظات هي ذاتها التي يحمل صورتها في ذاكرته وقلبه منذ سنوات.

أما هي، فكانت تدعو في سرها أن تطول تلك المسافة التي تفصل بين الحقيقة وانكشافها، حتى يكون كل شيء ممهدا، وألا سيحدث ما لا يحمد عقباه بين الأخوين المتحابين.

أخرجها صوت عائشة من شرودها، فالتفتت إليها، ثم نهضت وجمعت الأطباق من فوق المائدة.

قالت بهدوء:

ديلان: سأساعدك في المطبخ يا أمي.

وحملت الأطباق بين يديها، متجهة إلى المطبخ، بينما ظل قلبها مثقلًا بذلك الشعور الغريب...

شعورٍ بدأ يكبر منذ عودة باران، وكأن وجوده في البيت يقرّب يومًا بعد يوم اللحظة التي تخشاها أكثر من أي شيء آخر... لحظة اكتشاف هويتها ومعرفة الحقيقة التي تحاول إخفائها بكل طاقتها.


كانت ديلان تقف في المطبخ، منشغلةً بإفراغ بقايا الطعام من الأطباق ووضعها في حوض الغسيل، حين توقفت للحظة عندما سمعت صوت باران عند باب المطبخ.

كان واقفًا هناك، وقد ارتدى ملابسه استعدادًا للخروج، وعلى وجهه ملامح فرحٍ طفولي بعودته إلى المكان الذي اشتاق إليه طويلًا.

باران: سأخرج الآن يا أمي، وسأعود وقت الغداء... فقد اشتقت إلى طعامك كثيرًا.

رفعت عائشة رأسها إليه، وابتسمت ابتسامة أمٍّ لم تخفِ فرحتها بعودة ابنها بعد غياب طويل.

عائشة: حسنًا يا بني، سأعدّ لك كل ما تشتهيه، فقط أخبرني بما تريد، وسأضعه أمامك حين تعود.

ضحك باران بخفة، ثم اقترب منها وقبّل رأسها.

باران: كل شيء من تحت يديك لذيذ، ليس لديا طلب خاص كل ما جهزته سآكله، إذن إلى اللقاء يا أمي.

عائشة: حفظك الله يا بني، وانتبه إلى نفسك.

كانت ديلان تنظر إلبه من تخت نقابها وهو يتحدث لوالدته، كم تغير في هاتين السنتين، لقد كبر في السن قليلا وتلك اللحية التي نبتت على ذقنه بطريقة رسمها هو زادته وسامة، وتلك العينين العسليتن تبدوان اكثر لمعانا ونضجا، وتلك الثياب الانيقة الاي يرتديها، نعم لقد زاد وسامة في هاذي العامين، تفطنت ديلان لنفسها فوبخت نفسها على ذلك، فهي الان زوجة لرجل آخر ولايجوز لها ان تفكر برجل غيره، إلتفتت توليهم ظهرها لتكمل ما كانت تفعله قبل قدوم باران لهما.


غادر باران الشقة، وما إن أُغلق الباب خلفه حتى بقي صدى خطواته يتلاشى في الممر، قبل أن يخرج من المنزل متجهًا إلى الشوارع التي حُرم منها أكثر من عامين.

كان يريد أن يتجول بلا وجهة محددة؛ أن يرى مدينته من جديد، أن يمر في الحي الذي كبر فيه، وأن يستعيد شيئًا من ذكريات السنوات التي تركها خلفه، كان يشعر وكأنه يعود إلى جزءٍ من نفسه ظل غائبًا معه طوال تلك المدة.

أما في الداخل، فعادت عائشة إلى المطبخ، فوجدت ديلان لا تزال واقفة أمام حوض الغسيل.

تأملتها للحظات، ثم قالت بحنان:

عائشة: اذهبي يا ابنتي واستريحي قليلًا، ما زال التعب ظاهرًا عليكِ.

التفتت ديلان إليها، ثم هزت رأسها برفق.

ديلان: سأساعدك أولًا يا أمي في إعداد الطعام الذي يحبه باران، وبعدها سأصعد.

ثم صمتت لحظة قبل أن تضيف بنبرة خافتة:

ديلان: كما أنني لا أريد أن أكون سببًا في تفريق العائلة أو أن أشعر أحدًا بأن وجودي يسبب له الحرج.

توقفت عائشة عن عملها، ونظرت إليها طويلًا.

كانت تعرف أن وراء كلمات ديلان خوفًا أكبر من مجرد الحرج، وأنها تحمل في قلبها حرصًا شديدًا على ألا تكون عبئًا على أحد.

اقتربت منها وقالت:

عائشة: ومن قال لك إنك ستفرقين العائلة يا ابنتي؟.

ثم أمسكت بيدها برفق وأكملت:

عائشة: أنتِ أصبحتِ واحدةً منا، وهذا البيت بيتك كما هو بيتنا، لكن من حقك أيضًا أن تحصلي على بعض الخصوصية والراحة، وخصوصًا بعد عودة باران، لن تأخذي راحتك في البيت كما كنت تفعلين سابقًا، وستضطرين إلى ارتداء نقابك طوال وجوده، وهذا أمر متعب لكِ.

خفضت ديلان عينيها.

كانت تلك الكلمات تحديدًا هي ما كانت تحتاج إلى سماعه.

فمنذ أن عاد باران، وهي تشعر بأن كل خطوة تخطوها في هذا البيت يجب أن تكون محسوبة، كانت تخشى أن يطول وجودها أمامه، أن يسمع صوتها أكثر مما ينبغي، أو أن تقع عيناه على شيء يوقظ في ذاكرته ملامح الفتاة التي يبحث عنها.

لكنها لم تستطع أن تخبر عائشة بكل ذلك.

اكتفت بابتسامة هادئة، وقالت:

ديلان: حسنًا يا أمي، سأبقى اليوم وأساعدك، فهو أول يوم لباران بيننا، وأنتِ بالتأكيد ستتعبين في إعداد كل ما يحبه، وبعدها سأمكث في شقتي.

ثم ابتسمت وأضافت:

ديلان: لكن إن احتجتِ إلى شيء، فناديني وسأساعدك.

ابتسمت عائشة بحنان، وكأنها رأت في كلامها شيئًا جعلها تحبها أكثر.

ثم اقتربت منها، ورفعت نقابها عن وجهها بعد أن تأكدت من خلو المكان، وقالت:

عائشة: أولًا، انزعي عنك هذا وخذي راحتك، فقد بقينا وحدنا الآن.

ثم ضمت وجهها بين يديها، وقبّلت جبينها بحنان أمومي خالص، وقالت:

عائشة: حفظك الله يا ابنتي... فأنتِ دائمًا إلى جانبي، ولا أريد أن أشق عليكِ أكثر مما ينبغي.

ابتسمت ديلان، وشعرت بدفءٍ يسري في صدرها.

كم كانت عائشة مختلفة عن كل من عرفتهن من قبل...

لم تكن تعاملها كزوجة ابنها فحسب، بل كابنةٍ حقيقية لها.

ورغم أن قلب ديلان كان يحمل خوفًا لا تستطيع البوح به، إلا أن تلك اللحظة جعلتها تشعر بشيء من الأمان.

أعادت عائشة ترتيب ما أمامها، ثم قالت:

عائشة: هيا، لنرَ ما الذي كان يحبه ذلك الصغير عندما كان هنا، يبدو أنه عاد وهو يظن أنني سأطعمه كما كنت أفعل في طفولته!.

ضحكت ديلان بخفة.

ديلان: يبدو أنه لم يتغير كثيرًا.

ضحكت عائشة وقالت:

عائشة: باران مهما كبر، سيبقى ابني الذي يشتاق إلى طعام أمه.

ابتسمت ديلان، ثم بدأت تساعدها في إعداد الأطباق التي يحبها باران.

كانت تعمل إلى جوارها بهدوء، بينما كانت عائشة تتحدث عن باران وطبعاعه،وصغره والمقالب التي كان يصنعها لإخوته وخصوصا دنيز، والأطعمة التي كان يفضلها في طفولته، وديلان تستمع إليها بابتسامة.

لكن خلف تلك الابتسامة، كان قلبها يردد شيئًا آخر:

كلما اقتربتُ من عائلته، ازداد خوفي من اليوم الذي سيعرف فيه باران أنني لست مجرد زوجة أخيه... بل الفتاة التي ظل يبحث عنها طوال تلك السنوات.

ومع ذلك، لم تجد في تلك اللحظة سوى أن تطرد الفكرة من رأسها، وتواصل إعداد الطعام إلى جانب عائشة، مستسلمةً لدفء ذلك الصباح الهادئ... قبل أن تحمل الأيام القادمة ما لا تستطيع هي ولا أحدٌ غيرها توقعه.

اجتمعت العائلة حول مائدة الغداء، وقد بدت المائدة هذه المرة مختلفة تمامًا؛ أطباق كثيرة ومتنوعة، وروائح شهية ملأت أرجاء المكان، حتى إن عزّت ما إن وقعت عيناه عليها حتى رفع حاجبيه بدهشة، ثم قال وهو ينظر إلى زوجته:

عزّت: ما كل هذه الأصناف؟! هذا ليس غداءً، بل وليمة كاملة!.

انفجرت عائشة بالضحك، وهي ترتب أحد الأطباق أمام ابنها العائد بعد غياب طويل.

عائشة: كل هذا من أجل باران، حبيبي، لقد اشتاق إلى طعام البيت وإلى أكلنا بعد عامين كاملين قضاها يتذوق طعامًا غير طعام منزله.

ابتسم باران، وجلس إلى المائدة وهو يتأمل الأطباق أمامه بعينين لامعتين.

باران: يبدو أنني سأندم على كل يوم قضيتُه بعيدًا عنكم... الطعام وحده كفيل بأن يجعلني أكره الغربة!.

ضحك عزّت، بينما التقط مراد إحدى الملاعق وقال بنبرة مشاكسة:

مراد: وهل تسمي هذا طعامًا شهيًا؟! هذا الطعام لا يصلح إلا للمرضى! الطعام الحقيقي هو ما يُطبخ بالسمن والزبدة، لا هذا الطعام المسلوق والمطهى على البخار.

التفت إليه باران، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة.

باران: وهل تقول عن الطعام الصحي إنه طعام مرضى؟ لا يصح أن تقول ذلك عن الطعام ولا عن النعمة التي أنعم الله بها علينا، ثم إن عليك أن تنتبه إلى طعامك وتحافظ على صحتك بدل أن تغرق في السمن والزبدة.

قهقه مراد، وهز رأسه ساخرًا.

مراد: ما زلت كما أنت... عدت من الغربة ولم تتغير، ما زلت تعطيني محاضراتك الصحية!.

باران: لأنك ما زلت تحتاج إليها!، فانا ارى جسدك الذي اصبح يحتاج إلى تمارين رياضية ليستعيد رشاقته.

تعالت ضحكات العائلة، بينما اكتفت ديلان بالابتسام من خلف نقابها، وقد شعرت بشيء من الدفء وهي ترى ذلك الجو العائلي الذي افتقدته طويلًا في بيتها.

ثم التفت باران إلى والدته، التي كانت تجلس إلى جواره، وأمسك كفها بحنان وقبّلها.

باران: سلمت يداك يا أمي... الطعام شهي جدًا.

ابتسمت عائشة بحنان، ثم مالت برأسها قليلًا نحو ديلان وقالت:

عائشة: بل اشكر زوجة أخيك أيضًا، فهي من ساعدتني في إعداد كل هذا من أجلك.

توقفت حركة باران للحظة، ثم التفت إلى ديلان، ونظر إليها باحترام قبل أن يقول:

باران: شكرًا لكِ يا زوجة أخي، لقد أتعبتكِ معي.

أخفضت ديلان عينيها، وشعرت بقلبها يرتبك للحظة.

لم تكن تخشى كلماته، وإنما تخشى أن يطيل النظر إليها.

أن يلتقط شيئًا لا ينبغي له أن يراه.

لذلك اكتفت بإيماءة صغيرة خلف نقابها.

ديلان: صحة وعافية.

بدأ الجميع بتناول الطعام، وانشغلوا بالأحاديث والمزاح، إلا أن ديلان لم تستطع أن تشاركهم كما تفعل عادة.

فكلما احتاجت إلى تناول شيء، كانت تشعر بالتوتر من فكرة رفع نقابها أمام باران، وكأن كل حركة تقوم بها قد تكون الخيط الذي يقوده إلى الحقيقة.

وبدلًا من ذلك، التفتت إلى الصغيرة ملك الجالسة إلى جوارها، وأخذت تطعمها بهدوء.

كانت ملك قد بلغت الخامسة، ومع ذلك كانت تستمتع كثيرًا بأن تدللها ديلان، وكأنها وجدت في اهتمامها بها فرصة للهروب من توترها.

راقبتها عائشة للحظات، ثم قالت:

عائشة: أنتِ لا تأكلين يا ابنتي، بل أنت منشغلة بملك، لقد أصبحت الآن في الخامسة، ويمكنها أن تأكل وحدها.

رفعت ديلان عينيها إليها، وابتسمت من خلف نقابها.

ديلان: أنا آكل يا أمي، فلا تقلقي، ثم إنني متعبة قليلًا، وقد فقدت بعض شهيتي، وأنتِ تعلمين أنني أحب ملكًا كثيرًا، وأجد راحتي في خدمتها، ولا أتذمر من ذلك.

نظرت عائشة إليها بحنان، وكأنها لم تقتنع تمامًا، لكنها لم تشأ أن تضغط عليها.

عائشة: كما تريدين يا ابنتي، المهم عندي أن تكوني مرتاحة.

قالتها وهي تضع قطعة من الطعام في طبق ديلان، ثم أضافت:

عائشة: ولكن لا تهملي نفسكِ من أجل أحد.

شعرت ديلان بشيء يضغط على قلبها.

كانت تلك الكلمات بسيطة، لكنها لامست مكانًا حساسًا داخلها؛ فقد اعتادت طويلًا أن تفكر في راحة الآخرين قبل راحتها، وأن تخفي تعبها كي لا تكون عبئًا على أحد.

ابتسمت لها فقط، ولم تجب.

واصل الجميع تناول الطعام، وازدادت الأحاديث دفئًا، وتخللها الكثير من الضحكات والمزاح.

كان باران أكثرهم مرحًا؛ مرةً يمازح والدته، ومرةً يدخل في مشادة ساخرة مع مراد حول الطعام، ومرةً يعبث مع الصغيرة ملك التي كانت تضحك كلما حاول مضايقتها.

باران: ملك، هل اشتقتِ إلى خالكِ؟.

ملك: نعم!.

باران: حقًا؟ إذن تعالي وقبّلي خالكِ.

اقتربت الصغيرة منه، فاحتضنها باران وقبّل رأسها، ثم قال مازحًا:

باران: لكنني سمعت أنكِ أصبحتِ مشاغبة جدًا في غيابي!.

ضحكت ملك، وأجابت بكل براءة:

ملك: خالي مراد هو المشاغب!.

انفجر الجميع بالضحك، بينما رمق مراد ابنة أخته بنظرة مصطنعة من الغضب.

مراد: هكذا إذن؟! بعد كل ما أفعله من أجلكِ تقولين إنني أنا المشاغب؟.

ضحكت ملك واختبأت خلف ذراع ديلان، فاقترب منها مراد محاولًا الإمساك بها.

باران: لا تتركيها يا زوجة أخي، هذه الصغيرة تحتاج إلى من ينقذها منه!.

مراد: لا تتدخل، أنت لم تعرفها بعد!، فلقد اصبحت مشاغبة ولسانها اطول منها.

باران: بل يبدو أنني أعرفها أكثر منك!، لكنك انت لاتجيد التعامل معها وتتعصب عليها بدون سبب.

تعالت الضحكات من جديد.

أما ديلان، فكانت تراقب المشهد في صمت، وقلبها يمتلئ بمزيج غريب من المشاعر.

كان من الجميل أن ترى العائلة مجتمعة، وأن تشعر للحظات بأنها جزء من هذا الدفء... لكن وجود باران إلى جوارها ظل يذكّرها بالحقيقة التي تخفيها.

كانت تسمع ضحكاته، فتبتسم.

ثم تتذكر من يكون، فتتراجع ابتسامتها قليلًا.

هو لا يعرف أن الفتاة التي ظل يبحث عنها طوال عامين تجلس الآن إلى جواره على المائدة نفسها... وتشاركه ضحكاته دون أن يستطيع رؤية وجهها.

وهكذا استمر الغداء، بين الضحكات والمزاح ودفء العائلة، بينما كانت ديلان تحاول أن تستمتع باللحظة...

وتحاول في الوقت نفسه أن تحمي السر الذي قد يغيّر حياة الجميع إن خرج إلى النور.

✍️....بعد أن أنهى الجميع طعامهم، بقيت أصداء الضحكات تتردد في أرجاء المكان، وامتزجت أصوات الأحاديث بحركة الأطباق والكؤوس، في مشهد عائلي دافئ افتقدته ديلان طويلًا، حتى شعرت للحظات أنها تجلس وسط حياة لم تعد تملك حق الانتماء إليها.

كان عزت أول من نهض عن المائدة، وتبعه أبناؤه إلى غرفة الجلوس، بينما بقيت عائشة تجمع بعض الأطباق وتساعدها ديلان في ترتيب المكان.

في غرفة الجلوس، جلس عزت في صدر المكان، وإلى جواره مراد وباران، وقد بدا على وجهه الرضا وهو يستمع إلى ابنه الأصغر يتحدث عن حياته في الغربة.

عزت: أخبرني يا باران، كيف كانت حياتك هناك طوال العامين؟، هل وجدت الغربة كما كنت تتخيلها؟.

ابتسم باران، وأسند ظهره إلى الأريكة قبل أن يجيب:

باران: في البداية كانت صعبة، يا أبي... كل شيء كان غريبًا؛ المكان، الناس، اللغة، وحتى تفاصيل الحياة اليومية، لكن مع الوقت اعتدت الأمر، وبدأت أركز على دراستي.

مراد: وها أنت عدت إلينا محمّلًا بالشهادات والخبرات.

ضحك باران بخفة.

باران: الحمد لله، حصلت على أكثر مما كنت أتوقع، لكنني كنت أريد أن أعود إلى هنا في النهاية.

عزت: سمعت أن سليم تلقى عدة عروض عمل هناك.

باران: نعم، بل عروضًا جيدة جدًا، طلبوا منه أن يبقى ويعمل معهم، وبإمكانه أن يبدأ حياته هناك بسهولة.

عزت: وأنت؟، ألم يعرضوا عليك شيئًا؟.

باران: عرضوا عليّ أكثر من فرصة.

رفع عزت حاجبيه باهتمام.

عزت: ورفضتها كلها؟.

باران: رفضتها.

مراد: وما السبب؟ ألا ترى أن العمل هناك كان سيمنحك مستقبلًا جيدًا؟.

ابتسم باران وقال بهدوء:

باران: ربما، لكنني لم أذهب إلى هناك لأستقر، كنت أريد أن أتعلم، أن أكتسب الخبرة، وأن أحصل على شهادات تدعم ما تعلمته، أما الآن، فقد حصلت على ما أريده، وحان وقت العودة.

هز عزت رأسه بإعجاب.

عزت: أحسنت، المال والعمل يمكن تعويضهما، أما أن يعود الإنسان إلى بيته وفي يده علم وخبرة فهذا مكسب لا يضيع.

كان الحديث يصل إلى ديلان من غرفة الجلوس إلى غرفة الطعام، فكانت تلتقط منه بعض الكلمات رغم انشغالها بمساعدة عائشة في توضيب طاولة الطعام، لم تكن تريد أن تسمع صوته،

أو بالأحرى...

كانت تخشى أن تسمعه،

لأن صوته وحده كان قادرًا على بعثرة كل ما تحاول جمعه داخلها.

رفعت عائشة أحد الأطباق وقالت:

عائشة: ضعي هذه هنا يا ديلان، وسأحمل الباقي.

ديلان: لا بأس يا أمي، اتركيه لي.

ابتسمت عائشة بحنان.

عائشة: ما زلتِ تصرين على أن تفعلي كل شيء بنفسك.

خفضت ديلان عينيها بابتسامة صغيرة.

ديلان: اعتدت ذلك.

وما إن انتهتا من ترتيب معظم الأطباق حتى جاء صوت عزت من غرفة الجلوس:

عزت: ديلان!....إبنتي.

توقفت يدها في منتصف الحركة، ثم التفتت نحو غرفة الجلوس.

ديلان: نعم، أبي؟.

عزت: اصنعي لنا بعض الشاي، يا ابنتي.

وقبل أن تجيبه، جاء صوت مراد من خلف والده:

مراد: وأنا أيضًا أريد كوبًا.

ثم أضاف باران مبتسمًا:

باران: وأنا كذلك.

ابتسمت عائشة وقالت:

عائشة: اصنعيه كما تحبين، يا ابنتي، وسأحضر الحلوى.

هزت ديلان رأسها، وحملت الصينية الصغيرة واتجهت إلى المطبخ.

كانت تحاول أن تتنفس بصورة طبيعية.

شاي...

مجرد شاي،

مهمة بسيطة لا تستحق كل هذا الارتباك.

وضعت الماء على النار، ثم بدأت تعد الأكواب واحدًا تلو الآخر، تحاول أن تشغل عقلها بتفاصيل صغيرة حتى لا تفكر في وجوده في الغرفة المجاورة.

باران....

مجرد اسم،

مجرد شخص عاد إلى منزله بعد عامين.

مجرد شقيق زوجها،

هكذا كانت تردد في داخلها،

لكن قلبها لم يكن يتعامل معه بهذه البساطة.

وبينما كانت تضع الشاي في أحد الأكواب، سمعت خطوات تقترب،

تصلبت أصابعها حول الملعقة،

ثم جاء صوته من خلفها،

باران: زوجة أخي...

توقفت أنفاسها للحظة.

لم تلتفت إليه فورًا.

باران: من فضلك، يا زوجة أخي...

كان في صوته شيء هادئ، عفوي، ودود، لا يحمل سوى بساطة الحديث بين أفراد العائلة.

لكن تلك البساطة نفسها كانت أكثر ما يؤلمها.

التفتت إليه أخيرًا، فوجدته واقفًا عند باب المطبخ، وقد بدا مرتاحًا على نحو لم تستطع هي أن تكون عليه.

قال مبتسمًا:

باران: أنا أحب الشاي خفيفًا، فلا تجعليه ثقيلًا كما يفضله أبي.

ابتسمت ديلان ابتسامة مرتبكة،

ديلان: حسنًا.

ثم تردد لحظة قبل أن يقول:

باران: وأمي أخبرتني أنك أعددتِ بسبوسة.

أشاح بنظره نحو الطاولة، ثم عاد إليها.

باران: فإن لم يكن ذلك متعبًا لك، أريد أن أتذوق منها، أحب تناول الحلويات بعد الطعام.

لم تعرف ديلان ماذا تقول، كل ما استطاعت فعله هو أن تهز رأسها.

ديلان: سأضع لك منها.

ابتسم باران ابتسامة امتنان صادقة.

باران: شكرًا لك.

ثم استدار وغادر المطبخ، عائدًا إلى غرفة الجلوس، دون أن يدرك أنه ترك خلفه قلبًا يرتجف كمن تلقى صدمة مفاجئة.

بقيت ديلان واقفة مكانها،

حدقت في الباب الذي خرج منه، ثم أنزلت عينيها إلى يديها.

كان جسدها كله يرتجف،

ارتجافًا خفيفًا بدأ من أطراف أصابعها، ثم امتد إلى ذراعيها وصدرها، حتى شعرت أن قلبها يخفق بعنف داخل قفصها الصدري.

أغمضت عينيها للحظة،

لماذا؟،

لماذا كان الأمر بهذه الصعوبة؟،

لم يقل شيئًا،

لم يفعل شيئًا،

لم ينظر إليها إلا نظرة عابرة، ولم يطلب منها سوى كوب من الشاي وقطعة من الحلوى.

ومع ذلك...

كادت تنهار،

ذلك الصوت الحنون الذي خاطبها به، تلك البساطة في طلبه، تلك الابتسامة التي لم يكن خلفها أي قصد...

كل ذلك أعاد إليها مشاعر دفنتها بالقوة، وأيقظ في داخلها خوفًا كانت تحاول منذ زمن أن تخنقه.

وضعت يدها على صدرها وهمست لنفسها:

ديلان: اهدئي... اهدئي يا ديلان.

لكنها لم تهدأ،

بل شعرت أن وجود باران في هذا البيت سيجعل الأيام القادمة أكثر قسوة عليها.

عامان كاملان كانت بعيدة عنه،

عامان استطاعت خلالهما أن تخفي كل ما تشعر به، وأن تقنع نفسها بأن الأمر انتهى منذ أشهر مضت، وأن وجوده أصبح مجرد ذكرى قديمة.

أما الآن...

فهو يجلس في الغرفة المجاورة،

تسمع صوته،

تراه،

تسمع ضحكته،

وقد يطلب منها شيئًا آخر غدًا، وبعد غد، وبعده...

كيف ستحتمل ذلك؟،

وكيف ستخفي ارتباكها؟،

وكيف ستمنع عينيها من فضحها؟،

والأسوأ من كل ذلك...

مراد.

مراد يراقبها في كثير من الأحيان، حتى وإن لم تتحدث معه، فهو يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تخصها، ويلاحظ التغيرات التي يحاول الآخرون تجاهلها.

ماذا لو لاحظ ارتباكها؟،

ماذا لو لاحظ أنها تتوتر كلما تحدث باران معها؟،

ماذا لو رأى تلك النظرة التي تحاول هي نفسها ألا تراها؟،

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

لا،

لا يمكن أن تبقى هنا طويلًا،

عليها أن تجد عذرًا مقنعًا،

أي عذر،

ربما تدعي التعب،

أو تقول إنها تحتاج إلى البقاء في شقتها لإنجاز بعض الأمور.

لكن هل يكفي ذلك؟،

وهل تستطيع الهروب من وجوده كل يوم؟،

عضت شفتها في قلق، ثم أخذت نفسًا عميقًا ومسحت على يديها المرتجفتين.

لم تكن تخشى باران،

كانت تخشى نفسها،

تخشى أن يخذلها قلبها في لحظة غفلة،

أن تفضحها نبرة صوتها،

أو نظرة عابرة منها،

أو ابتسامة لم تستطع منعها،

ومن خلف باب المطبخ، وصلها صوت باران وهو يضحك مع والده ومراد.

توقفت للحظة،

أغمضت عينيها،

كان صوت ضحكته مألوفًا بصورة مؤلمة،

ثم فتحت عينيها بسرعة، وكأنها تضبط نفسها متلبسة بشيء لا يحق لها الشعور به،

حملت صينية الشاي، ورتبت الأكواب فوقها، ثم وقفت لحظة أمام انعكاس وجهها على زجاج النافذة.

كان وجهها شاحبًا تحت نقابها،

وعيناها مضطربتين،

همست:

ديلان: لن أبقى هنا طويلًا...

ثم أخذت نفسًا عميقًا، وحملت الصينية، وخرجت إلى غرفة الجلوس، وهي تحاول أن ترسم على وجهها ملامح الهدوء.

لكنها لم تكن تعلم أن أول محاولة منها للهروب من هذا البيت قد تكون هي نفسها من تعيدهت لهذا البيت بصفة أخرى.


ما إن وضعت ديلان صينية الشاي أمام الجميع، وجلست دقائق قليلة تحاول أن تبدو طبيعية، حتى شعرت بأن البقاء بينهم صار يفوق قدرتها على الاحتمال.

كانت تبتسم حين يبتسمون، وتجيب حين تُسأل، لكنها في الحقيقة لم تكن تسمع معظم ما يدور حولها، كان عقلها مشغولًا بشيء واحد فقط...

باران،

كلما سمعت صوته من مكان قريب، اضطرب قلبها، وكلما التقت عيناها بعينيه مصادفة، شعرت وكأن شيئًا في داخلها يوشك أن ينكشف،

لذلك، ما إن سنحت لها الفرصة حتى نهضت بهدوء.

ديلان: أظن أنني سأصعد إلى الشقة قليلًا... أشعر ببعض التعب.

التفتت إليها عائشة فورًا، وتأملتها بعينين حانيتين، وكأنها كانت تلاحظ الإرهاق على وجهها منذ البداية.

عائشة: بالطبع يا ابنتي، اصعدي وارتاحي، لقد قلت لك ذلك لكنك انت اصريتي على البقاء.

ثم اقتربت منها وربتت على كتفها بحنان، وقالت بصوت دافئ:

عائشة: واعلمي أن الأمر سيكون مرهقًا لك وأنت ترتدين الحجاب والنقاب طوال الوقت في المطبخ، لذلك أنا التي أطلب منك أن تبقي في شقتك، ولا داعي لنزولك إلينا كل مرة يا ابنتي.

اتسعت عينا ديلان قليلًا، وكأن كلمات عائشة كانت طوق نجاة أُلقي إليها في اللحظة المناسبة.

ديلان: حقًا يا أمي؟.

عائشة: نعم، يا حبيبتي، نحن لسنا بحاجة إلى أن تتعبي نفسك او تمرضي لسمح الله، إن احتجت إليك سأصعد إليك، وإن أردتِ شيئًا فأخبريني فقط.

ابتسمت ديلان، وشعرت براحة عميقة تسري في صدرها.

ديلان: جزاكِ الله عني خيرًا يا أمي.

عائشة: وإياكِ يا ابنتي، هيا، اصعدي وارتاحي، ولا داعي لنزولك.

أومأت ديلان برأسها، ثم ألقت نظرة سريعة على الجميع.

كان عزت يتحدث مع مراد، بينما كان باران يستمع إليهما باهتمام، قبل أن يلتفت نحوها للحظة.

وحين التقت عيناه بعينيها، ارتبكت على الفور، فخفضت بصرها بسرعة.

باران: أتمنى لكِ الراحة، يا زوجة أخي، وسكرا لك على الطعام اللذيذ سلمت يداك.

تجمدت الكلمات في حلقها للحظة، ثم أجابت بصوت خافت:

ديلان: شكرًا لك، ولا داعي لذلك فنخن عائلة.

لم تنتظر أكثر.

استدارت وغادرت المكان، وصعدت الدرج بخطوات متعجلة، لكنها حاولت أن تخفف سرعتها حتى لا يبدو هروبها واضحًا.

وحين وصلت إلى شقتها وأغلقت الباب خلفها، أسندت ظهرها إليه وأغمضت عينيها.

أطلقت زفرة طويلة، وكأنها كانت تحبس أنفاسها منذ ساعات.

وضعت يدها فوق صدرها، محاولة تهدئة خفقان قلبها.

ديلان: الحمد لله...

قالتها بصوت خافت، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة امتزجت فيها الراحة بالخوف،

لقد وجدت الحل،

لن تنزل إلى شقة حمويها إلا عند الضرورة.

ستبقى هنا...

في شقتها.

وبعيدًا عن باران،

هنا فقط تستطيع أن تلتقط أنفاسها، وأن تخفي اضطرابها، وأن تحاول أن تعيد ترتيب قلبها قبل أن يفضحها.

تقدمت نحو الأريكة وجلست عليها، ثم حدقت أمامها بشرود.

كانت تعرف أن هذا القرار ليس هروبًا من عائلة أحبتها واحتضنتها، بل محاولة لحماية نفسها من شيء لم تكن مستعدة لمواجهته.

باران لم يعرف حقيقتها بعد،

وربما الأفضل ألا يعرفها أبدًا،

أما مراد...

فكان أكثر ما يخيفها.

كان يراقبها أحيانًا بطريقة تجعلها تشعر أنه قادر على ملاحظة أصغر تغير يطرأ عليها، وإذا استمرت في الارتباك كلما ظهر باران أمامها، فقد يبدأ في طرح الأسئلة.

والأسئلة هي آخر ما تحتاج إليه الآن.

نهضت ديلان واتجهت نحو النافذة، وأزاحت الستارة قليلًا، ثم نظرت إلى الخارج.

من هنا، لن تضطر إلى رؤيته كل يوم،

لن تسمع صوته قريبًا منها،

لن تضطر إلى الوقوف أمامه في المطبخ، أو إعداد الشاي له، أو سماع تلك النبرة الهادئة التي أربكت قلبها دون أن يقصد.

أغمضت عينيها وهمست:

ديلان: سأبقى هنا... هذا هو الحل الأفضل.

ثم تنفست بعمق.

ديلان: سأبقى مع مراد في شقتي، ولن أنزل إلا عند الحاجة، هكذا لن أضطر إلى مواجهته كل يوم... ولن يلاحظ مراد شيئًا.

لكنها ما إن نطقت الجملة الأخيرة حتى شعرت بوخزة في صدرها.

"لن يلاحظ مراد شيئًا."

كانت تتمنى ذلك.

تتمنى أن تستطيع إخفاء كل شيء خلف ملامح هادئة، وأن تمر الأيام دون أن يكتشف أحد ما تخفيه.

وضعت يدها على قلبها من جديد، وهمست بحزم هذه المرة:

ديلان: يجب أن أكون حذرة... أكثر من أي وقت مضى.

ثم ابتعدت عن النافذة وجلست على طرف الأريكة امامها.

كان القرار قد اتخذ.

منذ هذه اللحظة، ستبقى في شقتها قدر استطاعتها،

ستحتمي بالمسافة،

فالمسافة وحدها قد تمنحها فرصة لتستعيد السيطرة على نفسها قبل أن يكتشف أحد أنها تخفي في قلبها سرًا لا ينبغي له أن يظهر.


ما إن دخلت ديلان إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها حتى أسندت ظهرها إليه، وأطلقت زفرة طويلة كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال وجودها في الأسفل.

رفعت يدها إلى عنقها، ثم سارعت إلى نزع حجابها ونقابها،

كان جسدها كله غارقًا في العرق من شدة التوتر الذي عصف بها، حتى إن نقابها كان رطبًا من كثرة ما تعرقت.

وقفت لحظات في مكانها، تحاول استعادة هدوئها، ثم تمتمت:

ديلان: ما الذي يحدث لي؟ لماذا لم أعد أستطيع السيطرة على نفسي؟،

هزت رأسها، وكأنها تحاول طرد تلك الأفكار، ثم دخلت غرفتها، أخذت ملابسها وأغراضها، واتجهت إلى الحمام.

وبعد دقائق، خرجت منه وقد استعادت شيئًا من نشاطها. ارتدت ملابسها، ثم توضأت وصلت فرضها، وبعد أن فرغت جلست للحظات فوق سجادة الصلاة، ترفع كفيها إلى الله في صمت.

كانت تحتاج إلى السكينة،

إلى شيء يطمئن قلبها الذي لم يهدأ منذ عودته،

لكن طرقًا متتاليًا على باب الشقة قطع خلوتها،

رفعت رأسها، ثم نهضت واتجهت نحو الباب.

ديلان: من؟.

جاءها صوت تعرفه جيدًا:

دنيز: أنا.

تجمدت ملامح ديلان للحظة.

دنيز.

فتحت الباب، فوجدتها واقفة أمامها، تتفحصها من رأسها إلى قدميها بنظرات تحمل شيئًا من الشماتة.

ابتسمت دنيز ابتسامة جانبية وقالت:

دنيز: يبدو عليكِ التعب.

لم تجب ديلان.

تابعت دنيز وهي تدخل دون أن تنتظر دعوة:

دنيز: وبالطبع لا عجب في ذلك، زوجة عمي أعدت لابنها المدلل مائدة تليق بملك، وأنتِ بالتأكيد من قامت بكل شيء.

ثم نظرت إليها نظرة ساخرة وأضافت:

دنيز: بعد أن كنتِ سيدة عاملة، أصبحتِ خادمة في بيت عائلة زوجك.

لم يتغير وجه ديلان، لكنها شعرت بوخزة في صدرها، كانت تعرف نبرة دنيز جيدًا، ذلك السم الذي تخفيه خلف كلمات تبدو عادية.

قالت بهدوء:

ديلان: هذا واجبي، وأنا أحب أن أخدم زوجي وأرعى بيته، وأن أقوم بكل ما يخص شؤون المنزل.

ضحكت دنيز بخفة، ثم قالت:

دنيز: لكنك لا تخدمين زوجك فقط، بل أصبحتِ خادمة لوالديه أيضًا، والآن اكتمل الأمر بقدوم ذلك المدلل الذي لا يعجبه شيء، وسيهلكك بكثرة طلباته.

شعرت ديلان بالضيق يتصاعد في داخلها، لكنها تماسكت.

ديلان: أنا لا أراه بهذه الطريقة.

دنيز: بالطبع، لأنك تحاولين دائمًا تبرير كل شيء.

ديلان: بل لأنني أساعد أمي عائشة عن طيب خاطر، هي امرأة كبيرة في السن، وأنا أحبها وأقدرها كما أقدر والدتي، ثم إنها لم تطلب مني يومًا أن أقوم بأي شيء، بل أنا من أفعل ذلك بمحبة.

ساد الصمت للحظة.

أدركت دنيز أنها اقتربت من منطقة قد تجعل الحديث يتحول إلى مشادة، فابتلعت كلماتها وغيرت الموضوع بسرعة.

دنيز: دعينا من زوجة عمي وأبنائها، لنعد إلى موضوعنا الذي لم نكمله بالأمس.

رفعت ديلان حاجبيها، متظاهرة بعدم الفهم، وقد قفز لرأسعا كلام باران المحذر لها من دنيز.

ديلان: أي موضوع؟، وما الذي بقي بيننا مفتوحًا؟.

حدقت دنيز فيها طويلًا، ثم ظهرت على شفتيها ابتسامة ماكرة.

دنيز: أنسيتِ موضوع الرسالة التي تركها لكِ حبيبك؟.

تظاهرت ديلان بالدهشة.

ديلان: أي رسالة؟، وأي حبيب؟.

اتسعت ابتسامة دنيز.

دنيز: ما بكِ يا ديلان؟ هل أصبتِ فجأة بمرض فقدان الذاكرة؟، الرسالة... وذلك الشاب الذي حدثتني عنه.

حاولت ديلان أن تحافظ على ثبات ملامحها، رغم أن قلبها بدأ يخفق بعنف.

كانت تعرف أن دنيز لا تسأل بدافع الفضول.

إنها تبحث عن شيء،

عن الرسالة،

تنهدت في اعماقها وانبت نفسها على هفوتها تلك، لمنها سرعان ما بررت لنفسها ذلك: 

"ومن اين لي ان أعلم ان ذلك الشاب ماهو إلا إبن عمه، واظنها علقت على تلك الرسالة الآن، آه يا ديلان آه ما الذي فعلته!!؟؟؟،"

لم تكن تعلم السبب الذي جعل دنيز تعلق على موضوع الرسالة تلك، لم تكن تتوقع ان الرسالة هي الشيء الوحيد الذي قد يمنحها القدرة على قلب كل شيء ضدها.

قالت ديلان ببرود مصطنع:

ديلان: وهل صدقتِ تلك القصة أصلًا؟.

تراجعت دنيز قليلًا، وقد بدت على وجهها الدهشة.

دنيز: ماذا تقصدين؟.

ديلان: أقصد أنني اختلقت تلك القصة من البداية، فقط لأجاريكِ في الحديث.

اقتربت دنيز منها خطوة.

دنيز: اختلقتها؟.

ديلان: نعم.

دنيز: لكن نبرتك عندما تحدثتِ عنه لم تكن نبرة امرأة تختلق قصة عابرة.

رفعت ديلان عينيها إليها بثبات.

دنيز: كنتِ تتحدثين وكأنكِ عشتِ الأمر فعلًا، وأنا أعرف الناس يا ديلان، وإحساسي لا يكذب.

ديلان: وهل تصدقين ان فتاة تلتقي بشاب صدفة عند محطة قطار الأنفاق، ولاتعرف من يكون ولاختى هو يعرفها يعطي لها رسالة، ايصدق شيء كهذا؟.

شعرت ديلان ببرودة تسري في أطرافها، لكنها لم تسمح لها بالظهور، فأضافت قائلة:

ديلان: ربما لأنني أجيد التمثيل بعض الشيء شعرت بذلك.

دنيز: لا أظن ذلك.

ديلان: سواء صدقتِني أم لم تصدقيني، فهذه هي الحقيقة.

دنيز: وأين الرسالة إذن؟

ساد الصمت.

كانت تلك اللحظة هي الأخطر.

لكن ديلان أجابت دون أن ترمش:

ديلان: لا توجد رسالة.

دنيز: بل توجد.

ديلان: ومن أين أتيتِ بهذا اليقين؟.

ابتسمت دنيز ابتسامة غامضة.

دنيز: لأنني أعرف أنكِ تخفين شيئًا.

ديلان: وأنتِ تعرفين الكثير مما لا يعنيك.

اشتدت نظرات دنيز، لكنها لم تجب.

كانت تحاول أن تقرأ وجه ديلان، أن تلتقط أي ارتباك، أي حركة عين، أي تغير في نبرة الصوت.

لكن ديلان كانت هذه المرة أكثر حذرًا.

قالت بهدوء:

ديلان: إن كنتِ جئتِ لتتحدثي عن شيء لا وجود له، فأظن أن حديثنا انتهى.

وقبل أن تتمكن دنيز من الرد، سُمع صوت المفتاح يدور في قفل الباب الخارجي.

تجمدت الاثنتان.

ثم فُتح الباب، ودخل مراد.

وقعت عيناه عليهما، فتوقفت دنيز عن الكلام.

مراد: دنيز؟ ماذا تفعلين هنا؟.

ابتسمت دنيز بسرعة، وأخفت ما كان في عينيها من توتر.

دنيز: جئت لأطمئن على ديلان، وجدتها متعبة قليلًا، فقلت إنني أبقى معها لبعض الوقت.

نظر مراد إلى ديلان، ثم إليها.

مراد: حسنًا... لكن اطمئني عليها ثم عودي إلى شقتك، فقد كان اباك يبخث عنك بالأسفل في شقتنا.

دنيز: بالطبع، كنت خرجت لاطعم القطط، فلمحت ديلان تصعد الدرح وهو متعبة فقلت لأطمئن عليها .

التفتت إلى ديلان، وارتسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة.

دنيز: سأتركك لترتاحي إذن.

أومأت ديلان دون أن تقول شيئًا.

خرجت دنيز من الشقة، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى اختفت ابتسامتها تمامًا.

هبطت ملامحها، وضاقت عيناها وهي تنزل الدرج.

كانت غاضبة.

غاضبة لأنها لم تحصل على ما جاءت من أجله.

لكنها لم تكن مستعدة للاستسلام.

توقفت لحظة، وقبضت يدها بقوة.

دنيز في نفسها: لا بد أن أحصل عليها.

الرسالة.

تلك الورقة الصغيرة التي يمكن أن تصبح أقوى سلاح في يدها.

إذا وصلت إليها، فلن تحتاج إلى اختلاق شيء جديد.

ستترك مراد يقرأها، ويكتشف بنفسه ما تريد أن يصدقه.

وعندها...

لن تكون ديلان مجرد زوجة يختلف معها زوجها.

بل امرأة سيشك في ماضيها وشرفها، وستكون دنيز مستعدة لاستغلال كل كلمة وكل حرف ضدها.

ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيها.

دنيز في نفسها: لن أتراجع هذه المرة... سأحصل على الرسالة مهما كلفني الأمر.

ثم تابعت طريقها، وقد اتخذت قرارها.

أما في الأعلى، فكانت ديلان تقف خلف الباب، وقلبها يخبرها أن زيارة دنيز لم تكن عابرة ولن تكون الأخيرة.

وأن الرسالة التي ظنت أنها استطاعت إخفاءها...

بدأت تتحول إلى أخطر سر في حياتها.

ما إن عادت دنيز إلى شقة عائلتها وأغلقت باب غرفتها خلفها، حتى تبدلت ملامحها بالكامل.

لم تعد تلك الابتسامة الهادئة التي رسمتها أمام ديلان، ولا ذلك الوجه الذي حاولت أن تتظاهر من خلاله بأنها جاءت بدافع الاطمئنان عليها أمان مراد.

ما إن أصبحت وحدها حتى انفجر الغضب الذي كانت تحبسه في صدرها.

أخذت تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، وخطواتها المتسارعة تضرب الأرض بعصبية، بينما راحت أصابعها تعبث بطرف ثوبها دون وعي.

كانت غاضبة.

بل كانت تشعر بأن الغضب يحرق صدرها.

لقد دخلت إلى شقة ديلان وهي واثقة من أنها ستخرج منها حاملة الرسالة التي تركها ذلك الشاب.

كانت قد رتبت كلماتها بعناية، وأعدت الأسئلة، وتخيلت لحظة انهيار ديلان واعترافها.

لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

ديلان لم تتلعثم.

لم تنهَر.

لم تمنحها حتى نظرة واحدة يمكن أن تستند إليها.

بل وقفت أمامها بكل هدوء، وأصرت على أن تلك القصة لم تكن سوى أكذوبة اختلقتها لتجاريها في الحديث.

ضربت دنيز بيدها على طرف الخزانة.

دنيز: كيف استطاعت أن تفعل ذلك؟.

توقفت أمام المرآة، وحدقت في انعكاس وجهها.

كان الغضب واضحًا في عينيها.

دنيز: كنت متأكدة أنها ستخاف... كنت متأكدة أن مجرد ذكر الرسالة سيجعلها تنهار.

ثم ضحكت بسخرية مريرة.

دنيز: لكنها لم تفعل.

استدارت وعادت إلى السير.

كانت خطتها تبدو لها بسيطة في البداية.

تضغط على ديلان قليلًا، تذكرها بالرسالة، توحي لها بأنها تعرف أكثر مما تعرف، ثم تنتظر لحظة ارتباكها لتقودها إلى مكان الرسالة.

لكن ديلان هذه المرة لم تقع في الفخ.

والأسوأ من ذلك أن دخول مراد أنهى الحديث قبل أن تتمكن من مواصلة الضغط عليها.

جلست دنيز على طرف السرير، وأسندت مرفقيها إلى ركبتيها، ثم وضعت وجهها بين كفيها.

ظلت هكذا للحظات.

صامتة.

تفكر.

ثم رفعت رأسها فجأة.

دنيز: لا... لا يمكن أن تنتهي الأمور هكذا.

نهضت من مكانها.

دنيز: إن لم أحصل على الرسالة من يد ديلان، فسأجد طريقة أخرى لأخذها منها.

راحت تحدق في الفراغ.

كانت تعرف أن الرسالة هي أقوى دليل يمكن أن تستخدمه، لكنها بدأت تدرك أن وجود الدليل اصبح طريقه صعبا لصناعة الشك.

فالشك نفسه قد يكون سلاحًا.

يكفي أن تزرعه في عقل مراد فكرة صغيرة...

ثم تتركها تكبر وحدها.

توقفت خطواتها فجأة.

وبدا وكأن فكرة ما لمعت في رأسها.

رفعت حاجبيها ببطء.

دنيز: لحظة...

جلست مرة أخرى، ولكن هذه المرة لم يكن الغضب هو المسيطر على ملامحها.

بدأت تفكر بهدوء.

إذا كانت الرسالة لا تزال مخبأة عند ديلان، وإذا كانت ديلان مصممة على إنكار وجودها، فلماذا تضيع وقتها في السؤال عنها؟.

يمكنها أن تصنع خطة آخرى.

شيئًا لا يحتاج لمعرفة ديلان بنواياها.

شيئًا يجعل مراد نفسه يبدأ في طرح الأسئلة.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم تمتمت:

دنيز: أحتاج إلى الرسالة الآن... أحتاج فقط إلى أن أجعل مراد يشك.

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها.

لكنها لم تكن ابتسامة فرح.

كانت ابتسامة امرأة بدأت ترى طريقًا آخر نحو غايتها.

دنيز: نعم... هذا هو الحل.

نهضت من جديد، وبدأت أفكارها تتسابق.

كان عليها أن تكون أكثر ذكاءً هذه المرة.

لن تذهب إلى ديلان مباشرة.

لن تضغط عليها.

ولن تسألها عن الشاب مرة أخرى.

بل ستترك ديلان تعتقد أن الموضوع انتهى.

ثم تبدأ هي من مكان آخر.

مراد.

كان هو المفتاح.

فإذا بدأت أمامه بالحديث عن أشياء صغيرة، مواقف تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تثير فضوله، وإذا جعلته يلاحظ بعض التناقضات بنفسه، فقد يبدأ هو بالبحث.

والإنسان عندما يبدأ بالشك، لا يحتاج دائمًا إلى من يدفعه.

سيبحث بنفسه.

اقتربت دنيز من المرآة، وقالت لنفسها:

دنيز: لن أتهمها مباشرة... لا.

ثم ابتسمت.

دنيز: سأتركه يصل إلى النتيجة بنفسه.

كانت تعرف أن اتهام ديلان مباشرة قد يجعل مراد يدافع عنها، خصوصًا إذا لم تقدم له دليلًا.

أما إذا جعلته يعتقد أن هناك شيئًا غامضًا في تصرفاتها، فسيصبح هو من يراقبها.

وإذا بدأ يراقب...

فقد يجد ما تبحث عنه دنيز منذ البداية.


أما الشك، فإذا استقر في قلب الإنسان، فقد يجعله يفسر كل شيء من حوله وفق ما يخشاه.

لم تعد غاضبة من فشلها في الحصول على الرسالة.

لقد أدركت أن هناك طريقًا آخر.

طريقًا أطول...

وأبطأ...

لكنه قد يقودها إلى النتيجة ذاتها.

وفي تلك اللحظة، لم تكن دنيز تعلم أن ما ستزرعه في قلب مراد من شك لن يبقى تحت سيطرتها طويلًا، وأن محاولتها هدم حياة ديلان قد تفتح بنفسها الباب أمام الحقيقة التي تخشى أن تظهر.

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>