
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والعشرون24 بقلم عاشقة القلم
ساد الصمت أرجاء المنزل بعدما انتهى ذلك الجدال الطويل الذي استنزف الجميع.
أغلق مراد باب غرفته خلفه بقوة، ثم أسند ظهره إليه وأغمض عينيه لبرهة، كأنما يحاول أن يعزل نفسه عن العالم كله. كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة، بينما أخذت كلمات ذلك الرجل تتردد داخل رأسه بلا رحمة.
"كانت تحب شابًا آخر..."
"كانت تبحث عنه..."
"قلبها لم يكن لك..."
تلك العبارات كانت كالجمر، كلما حاول إخمادها اشتعلت أكثر.
تقدم بخطوات بطيئة نحو سريره، ثم جلس على طرفه، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، وأخفى وجهه بين كفيه.
لم يكن يشعر بالغضب فحسب...
بل بالإهانة.
إهانة رجل ظن أنه سيبدأ حياة جديدة مع فتاة لم تعرف غيره، فإذا به يكتشف - في نظره - أن قلبها سبق أن امتلأ باسم رجل آخر.
رفع رأسه فجأة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة امتزجت بالمرارة.
همس بصوت خافت:
مراد: إذن... هكذا كانت الحقيقة.
ثم أطرق رأسه من جديد.
مراد: وأنا كنت أظن أنني سأكون أول رجل يدخل حياتها... بينما كنت مجرد رجلا مغفلا، كانت تستغفلني طوال الوقت وتواعد عشيقها،
إبتسم بسخرية وأكمل.
مراد: عشيقها أي عشيق بل قل عشاقها، مثلت علي الخياء والعفة، وتريد الآن ان تتستر بغطاء الزواج لتستر فضائحها، لكنني لست ابلها او مغفلا لأقع في فخه، كنت بدأت احبها، حتى ان شكرت الله ان وضعها في طريقي، في زمن تنازلت الكثيرات عن المبادى بإسم التحضر، كم كنت مغفلا لكنني لن اقبل بطبق اكل منه قبلي وبقي لي إلا الفتات.
ظل ساكنًا دقائق طويلة، قبل أن يقبض يده بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
مراد: لا... لن أمنحها ما كانت تحلم به.
نهض من مكانه، واتجه إلى النافذة، وأزاح الستارة قليلًا، وأخذ ينظر إلى الشارع المظلم.
مراد: لن أكون الرجل الذي ستعيش معه في وهم قصة حبها الجديدة... ولن أجعلها تشعر بانها حققت ما كانت تريده، يأعيدها إلى مكانه الطبعي الذي تستحقه.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يهمس بنبرة أقرب إلى القسم:
مراد: ستصبح زوجتي أمام الناس فقط... أما في الحقيقة... فلن أمنحها حق الزوجة، لن اقترب منها ولن المسها، لانها هذا ما تريده لأكون غطاءا لأفعالها القذرة، التي تداريها وراء ستار الحياء والخجل ذاك.
تنهد ببطء، ثم أكمل بصوت يملؤه الإصرار:
مراد: سأصبر... حتى أجد السبب الذي يجعل الجميع يقف في صفي... وعندها سأطلقها... وسأبحث عن فتاة تبدأ حياتها معي بقلب لم يعرف غيري ولم تسلم نفسها لرجل قبلي.
أغلق النافذة بعنف، ثم استلقى على فراشه.
لكن النوم لم يكن رحيمًا.
كانت الصور تتلاحق أمام عينيه...
وجه فتاة لم يرها بعد بثوب الزفاف...
ووجه رجل مجهول يتخيله واقفًا بجانبها يقبلها ويقترب منها بدلا منه.
ظل يتقلب فوق فراشه طويلًا، حتى غلبه الإرهاق، فسقط في نوم مضطرب، بينما كانت آخر فكرة مرت بعقله:
"لن أسامحها..."
أشرقت الشمس معلنة بداية يوم طال انتظاره...
اليوم الذي سيغيّر حياة شخصين إلى الأبد.
في منزل مراد...
لم يكن أحد يعرف طعم الراحة.
كانت الحركة لا تهدأ.
الأبواب تُفتح وتُغلق، والهواتف لا تتوقف عن الرنين، والنساء يتنقلن بين الغرف يحملن صناديق الزينة والملابس، بينما انتشرت رائحة القهوة والهيل في أرجاء البيت.
وقفت والدته عائشة في منتصف الصالة تتابع الجميع بعينين يملؤهما الفرح.
قالت وهي تبتسم:
عائشة: أسرعوا يا بنات... لم يبقَ على وصول المزين إلا القليل.
اقتربت إحدى قريباتها قائلة:
المرأة: لا تقلقي يا أم مراد، كل شيء يسير كما خططنا له.
ثم قالت أخرى : ألن يأتي باران ليحظر زفاف أخيه.
اطرقت عائشة رأسها وهي تشعر بالحزن ثم هتفت قائلة...
عائشة: كان سيأتي بعد ان نال الشهادة التي تغرب من اجلها، لكنه من اسبوع إتصل بي وقال لي انه لن يأتي، فقد سجل في دورة مهمة تضيف قيمة كبيرة لشهادته، تستمر لبضعة اشهر بعد ان فاز بمسابقة قامت بها إدارة الحامعة التي يدرس بها، وقال إنها فرصة لاتعوض لان الدراسة ستكون بمصاريف المنحة ولن تطول كثيرا.
المرأة: لاتحزني يا عائشة مادام انه بقي من احل الدراسة فسيأتي.
قالت عائشة: لقد بدأت اخاف ان تأخذه الغربة وينسانا ويبقى هناك فقد إشتقت له كثيرا، حتى ان هاتفه الذكي تعطل، ولم يعد يحادثني فيديو كما كان من قبل، بعد ان سقط من بين اوراقه ارضا وتهشم، واصبح يكلمنا من خلال الهاتف العمرمي بالحامعة، او بالسكن الطلبي الذي يقيم به،حيث كنت اراه عبر تقنيه الفيديو، ويطمئن قلبي عند النظر لوجهه.
إقتربت منها هازان وقبلت رأسها قائلة:
هازان: لاتقلقي يا ام العريس، انت تعلمين ان باران لايستطيع ان يعيش بعيدا عن اهله فلولا الدراسة لما سافر وقد اكد لي انه بمجرد ان ينجح في هذه الدورة وياخذ التقدير الذي سيضاف لشهادته سيأتي ولن يبقى يوما واحد بعدها.
عائشة: اتمنى ذلك يا إبنتي، كم تمنيت ان يحظر اليوم ليشارك اخوه فرحته وهو يأسس لبيته.
هازان: لاتقلقي سيأتي وسيطلب منك ان تختارين له عروسه كنا كان يقول لك دائما بانك انت من ستهتارين زوجتي المستقبلية انسيت كلامنه.
ابتسمت عائشة وهي تنظر نحو غرفة ابنها.
عائشة: أسأل الله أن يتم فرحته على خير... وأن يرزقه السعادة.
في تلك اللحظة...
فتح مراد باب غرفته.
كان يرتدي ثيابًا منزلية بسيطة، إلا أن ملامحه كانت جامدة بصورة أثارت انتباه والدته،
اقتربت منه وهي تبتسم،
عائشة: صباح الخير يا بني.
أجاب بهدوء:
مراد: صباح الخير.
ربتت على كتفه بحنان.
عائشة: اليوم يومك... أريد أن أراك مبتسمًا.
أجبر نفسه على ابتسامة باهتة.
مراد: إن شاء الله يا أمي.
لكنها لم تكن تعلم...
أن تلك الابتسامة لم تصل إلى قلبه.
وعلى الجانب الآخر...
كان منزل ديلان يعيش الأجواء نفسها.
ضحكات النسوة امتزجت بزغاريد متقطعة، وأصوات الأطفال الذين يركضون بين الغرف، ورائحة العطور الشرقية التي ملأت المكان.
كانت النساء يجهزن ثوب الزفاف الأبيض بعناية، بينما راحت أخريات يرتبن الحلي والهدايا.
قالت إحدى النساء مبتسمة:
المرأة: أين العروس؟.
أجابتها أخرى:
المرأة الثانية: ما زالت في غرفتها... يبدو أنها متوترة.
طرقت أمينة باب الغرفة برفق.
أمينة: ديلان... هل يمكنني الدخول؟.
جاءها صوت خافت:
ديلان: تفضلي يا أمي.
دخلت بهدوء.
فوجدت ابنتها جالسة أمام المرآة، تحدق في انعكاس وجهها بشرود عميق.
لم تكن تبكي...
لكن عينيها كانتا تحملان تعب سنوات.
اقتربت أمينة، وجلست بجوارها،
وضعت يدها على شعرها، وقالت بحنان:
أمينة: كل عروس تشعر بالخوف في هذا اليوم،
ابتسمت ديلان ابتسامة صغيرة لم تلبث أن اختفت.
ديلان ربما...
سألتها أمها برفق:
أمينة: ماذا يشغل بالك يا ابنتي؟.
خفضت ديلان رأسها.
ولم تجد جوابًا.
كيف تخبرها...
أن قلبها ما زال يحمل آثار إنسان لم يعد موجودًا في حياتها؟،
كيف تعترف...
أنها ستصبح بعد ساعات زوجة لرجل آخر، بينما جزء من قلبها لا يزال عالقًا عند آخر لقاء... وآخر نظرة... وآخر أمل ضاع دون وداع؟.
تنهدت بصمت.
ثم أخذت تحدث نفسها:
"لقد انتهى كل شيء..."
"هو اختار أن يرحل..."
"وربما لم يعد يتذكرني أصلًا..."
أغمضت عينيها بقوة.
"لا يجوز أن أدخل بيت زوجي بهذا القلب المشتت..."
"سيكون زوجي... وله عليّ حق..."
"اللهم طهر قلبي من كل تعلق لا يرضيك..."
"اللهم إن كنت قد كتبت لي هذا الرجل زوجًا، فأعنّي على أن أكون له نعم الزوجة..."
"واربط على قلبي... وامنحني الرضا... ولا تجعل الماضي يفسد مستقبلي."
شعرت بدمعة ساخنة تنساب على خدها، فقد كانت قلبها يحترق بسبب قصة إنتهت قبل ان تبدأ، ومن جهة أخرى عدم وجود مريم معها، مريم التي كانت أختا اكثر من صديقة.
رفعت رأسها لفستان زفافها فتذكرت التحضيرات التي كانت تقوم بها مريم من أجلها فهي من ساعدتها لإقتناء ذلك الفستان من إحدى المواقع، ثم ذهبت مع امها وعائشة وقد أخذهم مراد لءلك المحل لتجلب الفستان الذي إشتراه هو لها بعد ان اعجبها والكل أثنى عليه فكان إختيار مريم بعد ان إحتارات لكثرة الإختيارات.
افاقت على شرودها على صوت والدتها التي كانت تناديها.
أمينة: ديلان؛ اين شردت يا إبنتي فخبيرة التجميل على وصول عيا يا إبنتي لتأخذي حمامك فقد إتصلت عائشة لتخبرنا موعد قدوم موكب العريس وهذا هو الوقت لتكوني جاهزة على الموعد.
اومأت رأسها ثم نهضت من مكاننا وهي تقول ..
ديلان: حسنا يا أمي سأذهب لآخذ حمامي فالخبيرة إتصلت بي هي فالطريق الان.
إحتضنتها والدتها ثم قبلت جبينها وعي تدعي لها بان تكون حياتها الزوجية حياة سعيدة، نزلت دمعة ساخنة من عينيها
فسارعت إلى مسحها قبل أن تراها والدتها.
قالت أمينة وهي تمسك يدها:
أمينة: يا ابنتي... الزواج قسمة ونصيب... وما كتبه الله لنا هو الخير، حتى وإن جهلناه.
أطرقت ديلان برأسها وهمست:
ديلان: أعلم يا أمي.
ثم قبلت يدها، وقالت بصوت مرتجف:
ديلان: ادعي لي...
ابتسمت أمينة ومسحت على رأسها.
أمينة: أسأل الله أن يجعل أيامك كلها سعادة... وأن يرزقك زوجًا يكون لك سندًا ورحمة.
أغلقت ديلان عينيها وهي تؤمن على دعاء أمها...
لكن قلبها كان يخوض آخر معركة مع ذكريات لم تمت بعد.
ومع اقتراب الظهيرة...
وصلت مزينة العروس.
بدأت رحلة التحول البطيئة.
خصلات الشعر رتبت بعناية، ثم غطاها خمارا أبيضا وفوقه الطرحة البيضاء التي انسابت كخيوط الضوء، ووضع المساحيق الرقيقة التي أبرزت نعومة ملامحها دون أن تطمس براءتها.
وحين ألبسوها الفستان الأبيض...
وقفت أمام المرآة طويلًا.
كانت تبدو كأنها أميرة خرجت من حكاية قديمة.
لكن...
لم يكن في عينيها بريق العرائس.
كان هناك حزن هادئ...
يشبه غروبًا طويلًا قبل حلول الليل.
ابتسمت النساء وانهالت عبارات الإعجاب.
" ما شاء الله..."
" كالقمر."
" ستخطف الأنظار الليلة."
أما هي...
فاكتفت بالنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة، وهمست داخلها:
"يا رب..."
"إن كنت قد أغلقت بابًا، فافتح لي بابًا من رحمتك."
"وإن كان هذا الرجل خيرًا لي، فازرع المودة في قلبي وقلبه."
"ولا تجعل بداية حياتي قائمة على انكسار أحدنا."
وفي اللحظة نفسها...
كان مراد يقف أمام مرآته هو الآخر، يرتدي بدلته السوداء، ويعدل ربطة عنقه في صمت.
نظر إلى صورته طويلًا...
ثم قال ببرود:
مراد: الليلة سيبدأ كل شيء...
لكنه لم يكن يعلم...
أن القدر كان يخبئ له بداية تختلف تمامًا عما رسمه في خياله، وأن تلك الليلة لن تكون مجرد ليلة زفاف، بل أول خطوة في طريق طويل، سيختبر فيه قلباهما معنى الحقيقة، والخذلان، والغفران.
ما إن انتهت ديلان من ارتداء ثوب زفافها، حتى ألقت نظرة طويلة على انعكاسها في المرآة. بدت جميلة في أعين الجميع... إلا في عينيها هي، فقد كانت ترى فتاةً تحمل فوق كتفيها أعوامًا من الصبر والانكسارات، وتخفي خلف ابتسامتها الهادئة قلبًا يوشك أن ينهار.
استدارت نحو النسوة اللواتي يحيطن بها، ثم قالت بصوت خافت امتزج بالرجاء:
ديلان: أرجوكن... اتركنني وحدي بضع دقائق.
تبادلت النسوة النظرات، ثم خرجن تباعًا بصمت، وأغلقت أمينة الباب برفق خلفها، تاركة ابنتها وحيدة مع ذكرياتها.
ساد السكون...
سكون ثقيل، حتى إن ديلان كانت تسمع خفقات قلبها بوضوح.
أدارت بصرها في أرجاء الغرفة التي احتضنت طفولتها، وشهدت دموعها، وضحكاتها القليلة، ولياليها الطويلة وهي تنتظر معجزة تغيّر حياتها. مررت أصابعها على حافة السرير، ثم نهضت بخطوات بطيئة نحو المكان الذي كانت تخفي فيه أثمن ما تملك.
مدّت يدها المرتجفة، وأخرجت تلك الرسالة...
الرسالة التي بقيت طوال عامين رفيقة وحدتها، ونافذتها الوحيدة نحو حلم لم يكتمل.
عادت لتجلس على حافة السرير، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تفتحها برفق، كأنها تخشى أن تتمزق بين يديها. أخذت عيناها تتنقلان بين السطور للمرة الأخيرة، بينما كانت الكلمات تعيد إليها كل شيء...
ذلك اللقاء...
تلك النظرات...
وذلك الأمل الذي ظل حيًا داخلها رغم قسوة الأيام.
وحين انتهت، أطبقت الرسالة ببطء، ثم ضمتها إلى صدرها بكلتا يديها، وأغمضت عينيها، وكأنها تحتضن آخر ما تبقى من حلمها.
انسابت دمعة دافئة على وجنتها، وهمست بصوت اختنق بالبكاء:
ديلان: لقد انتظرتك... عامين كاملين...
صمتت لحظة، وكأنها تنتظر جوابًا تعرف أنه لن يأتي.
ثم تابعت بصوت أكثر وهنًا:
ديلان: كنت أظن أنك ستعود... كنت أؤمن بذلك في كل مرة يخذلني فيها العالم. واليوم... أقف على أعتاب حياة جديدة، فلا تلمني إن رحلت دون أن أراك.
تنهدت بحرقة، وأطرقت رأسها.
ديلان: لقد انتظرتك بكل ما أملك من صبر... لكنك لم تأتِ. ولم تعد لدي قوة لأنتظر أكثر. آخر من كنت أستمد منها قوتي كانت مريم... لكنها رحلت، ورحل معها جزء كبير مني. منذ ذلك اليوم وأنا أسير وحدي... بلا سند، ولا أنيس، إلا الله.
شدّت الرسالة إلى صدرها أكثر، حتى ارتجفت أناملها.
ديلان: صدقني... لو كان الأمر بيدي، لانتظرتك العمر كله... لكن الحياة لم تمنحني شرف الاختيار. كلما ظننت أنني تجاوزت امتحانًا، وجدت نفسي أمام امتحان أشد قسوة منه.
ارتفعت شهقة مكتومة من صدرها، ثم مسحت دموعها بطرف كفها.
ديلان: لذلك... لابد أن أطوي صفحتك اليوم، ليس لأنني نسيتك... بل لأن الحياة أجبرتني على المضي.
رفعت رأسها نحو السقف، وكأنها تحدث السماء:
ديلان: من اليوم... سيكون في حياتي رجل آخر، سأشاركه عمره وحياته، ومن حقه أن أكون له... بجسدي، وعقلي، وقلبي، لا يليق بي أن أدخل حياته، بينما نصف قلبي لا يزال معلقًا بالماضي.
ابتسمت ابتسامة موجوعة، لم تكن تشبه الابتسامات.
ثم همست بصوت يكاد لا يُسمع:
ديلان: وداعًا... يا أجمل ذكرى مرّت في حياتي.
أغمضت عينيها طويلًا، وكأنها بذلك الوداع كانت تدفن حلمًا عاش داخلها عامين كاملين.
وفي تلك اللحظة...
شقّ سكون المكان صوت أبواق السيارات القادمة من بعيد، يقترب شيئًا فشيئًا، حتى ملأ أرجاء الحي.
فتحت ديلان عينيها، وانتفض قلبها.
ثم سُمع طرق خفيف على الباب.
" ديلان..."
كان صوت أمينة.
مسحت ديلان ما بقي من دموعها، ثم أجابت بصعوبة:
ديلان: نعم يا أمي.
قالت أمينة، وقد اختلطت نبرتها بالفرح والتأثر:
أمينة: موكب العريس وصل يا ابنتي... الجميع ينتظرونك.
ألقت ديلان نظرة أخيرة على الرسالة بين يديها.
قبّلتها برفق، ثم طوتها بعناية، وأعادتها إلى مكانها بين أغراضها التي ستأخذها الان معها، كما لو أنها تودع جزءًا من روحها.
وقفت أمام المرآة، أصلحت حجابها ورتبت طرحتها، ومسحت آخر أثر لدموعها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهمست لنفسها:
ديلان: يا رب... امنحني القوة لأبدأ من جديد.
فتحت الباب ببطء، لتجد أمينة في انتظارها.
ابتسمت لها الأم رغم الدموع التي كانت تلمع في عينيها، ثم أمسكت بيد ابنتها بحنان.
قالت وهي تربت على كفها:
أمينة: هيا يا ديلان... لقد حان الوقت.
أومأت ديلان بصمت.
دخل عبد الله الغرفة يحمل الشريط الأحمر لفه على خصرها ثلاث مرات وهو يقول بسم الله ثم يعقده ويفكه حتى الثالثة عقده ثم قبل جبينها وقال..
عبد الله: مبارك لك يا إبنتي، لا اوصيكي بزوجك وعائلته فهم من اليوم اصبحوا عائلتك، ادام الله سعادتك وطرح في بيتك البركة وجمعك مع زوجك بالمحبة والمودة ورزقكما ذرية صالحة.
إنحنت تلتقط يده تقبلها.
خرجت معه ثم خطت أولى خطواتها خارج الغرفة...
وخلفها بقيت الرسالة، شاهدةً على حب لم يكتبه القدر، وأمامها كانت تنتظرها حياة جديدة... لا تعلم ما الذي تخبئه لها الأيام.
وصل موكب العريس للحي الذي تقطن به ديلان وتوقفت السيارة أمام البناية التي سيُكتب لها أن تكون بداية حياة جديدة...
أو ربما بداية معاناة جديدة.
ترجل مراد أولًا، ثم دخل المبنى تحت تصفيقات والزغاريد والتهليلات والمباركات التي كانت ترتفع من هنا وهناك دخل بيت ديلان كانت هي جالسة بصالون البيت تقدم مراد نحوها،
كان بعد الله يقف بجانبها،ومد يده إليها ثم ناولها لمراد أمام أنظار الجميع، وهو يقول...
ٱقترب عبد الله وهو يضع يد ديلان في يد مراد، ثم نظر إليه نظرةً امتزجت فيها الثقة بالوصية، وقال بصوتٍ هادئٍ وهو يربت على كتف مراد، وقد غلب التأثر على نبرته، لكنه يحمل من المعاني ما يثقل القلب: "منذ هذه اللحظة أصبحت ديلان أمانةً في عنقك؛ فاحفظها كما تُحفظ الأمانات، وصُن قلبها، وإياك أن تجرحها أو تهينها، فإن كسر الخاطر لا يجبره شيء."
لم يتكلم مراد بل إكتفى بإبتسمة لم تصل إلى عينيه وإيماءة برأسه فقط، وهو يمد يده نحوها.
وضعت يدها المرتجفة في يده، وهي لا تزال تسمع الزغاريد تتعالى من حولها، بينما انهمرت الورود فوق رأسيهما، وتعالت الدعوات بأن يرزقهما الله السعادة والمودة والذرية الصالحة.
كانت تبتسم ابتسامة خجولة كلما اقتربت منها إحدى النساء لتبارك لها، بينما كان مراد يكتفي بهز رأسه بين الحين والآخر، محافظًا على مظهر العريس الهادئ.
ما إن انتهت مراسم توديع العروس في منزلها، حتى تقدم مراد نحو ديلان بخطوات ثابتة.
كان يعلم أن عشرات العيون تراقبه، وأن عدسات المصورين لا تفوّت حركة واحدة، لذلك دفن اضطرابه في أعماقه، وأجبر شفتيه على أن ترتسما بابتسامة هادئة، وإن كانت بعيدة كل البعد عن قلبه.
اختلس نظرة إلى والديه.
كانت عائشة تقف ودموع الفرح تملأ عينيها، بينما لم يستطع عزّت أن يخفي ابتسامته العريضة وهو يرى ابنه أخيرًا عريسًا كما كان يحلم منذ سنوات.
عندها شعر مراد بوخزة في صدره.
"لن أفسد فرحتهما... ليس اليوم."
قالها في نفسه، ثم شد على أعصابه أكثر، ورسم ابتسامة بدت مقنعة لكل من حوله.
أما ديلان...
فكانت تقف بصمت، وقد انخفض بصرها إلى الأرض، بينما تخفي يداها المرتجفتان داخل أطراف ثوبها الأبيض.
تقدم مراد نحوها، ثم مد يده إليها.
ترددت لحظة...
قبل أن تضع كفها الصغيرة داخل كفه.
ما إن لامست أصابعها يده حتى شعرت بقلبها ينقبض.
لقد أصبحت هذه اليد... يد زوجها.
والطريق الذي ستسير فيه من الآن فصاعدًا لن يكون طريقها وحدها.
شد مراد على يدها برفق، ثم سار بها نحو باب المنزل.
تعالت الزغاريد من جديد.
واختلطت بالدعوات التي انطلقت من أفواه النسوة:
" بارك الله لكما..."
" جعلكما الله من السعداء..."
" رزقكما الذرية الصالحة..."
كانت أمينة تقف عند الباب، تتابع ابنتها وهي تغادر بيتها الذي عاشت فيه سنوات عمرها.
لم تستطع أن تتمالك نفسها.
انهمرت دموعها بصمت.
اقتربت منها كريمة، وأحاطت كتفها بذراعها.
قالت هامسة:
كريمة: لا تبكي... ابنتك لم تذهب إلا إلى بيتها.
أجابت أمينة بصوت مرتجف:
أمينة: أعلم... لكن القلب يبقى قلب أم.
في الجهة الأخرى...
كانت عائشة تنظر إلى ديلان بعينين مليئتين بالحنان.
همست لعزت:
عائشة: والله... كأنها ابنتي التي لم تلدها بطني.
ابتسم عبد الله وقال:
عزت: وستكون كذلك بإذن الله.
وصل مراد إلى السيارة الفاخرة المزينة بالورود البيضاء.
فتح الباب الخلفي بنفسه، ثم التفت إلى ديلان.
قال بصوت خافت لا يكاد يسمع:
مراد: انتبهي لثوبك.
أومأت برأسها بصمت.
رفع طرف فستانها حتى لا يعلق بالباب، ثم ساعدها على الجلوس.
كانت حركاته هادئة ومحترمة...
لكنها خالية من أي دفء.
التقط المصور تلك اللحظات بسرعة.
مرة وهو يمسك يدها...
وأخرى وهو يساعدها على الركوب...
وثالثة وهو يغلق الباب بنفسه.
قال المصور مبتسمًا:
" ممتاز... انظر إليها قليلًا يا عريس."
رفع مراد بصره نحو ديلان لثوانٍ معدودة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وضغط المصور زر الكاميرا.
أما ديلان...
فلم تستطع أن ترفع عينيها إليه طويلًا.
كانت تشعر أن كل صورة تُلتقط الآن، ستصبح ذكرى لا تعلم إن كانت ستبتسم لها يومًا... أم ستبكي كلما رأتها.
ثم لف مراد وركب بجانبها السيارة واغلق الباب خلفه رفع رأسه ونظر إليها.
كانت جميلة لحد لم يستطع مراد إخفاء إنبهاره بها، رغم ان الطرحة كانت تخفي بعض الشيء من ملامحها، لكنه شعر بإحساس يجتاحه.
انب نفسه على ضعفه امامها ووبخها، انه سيمثل السعادة فقط حتى لايكسر فرحة والديه بهذا اليوم وفقط.
كانا قد صعدا السيارة المخصصة لهما يتبعهما أفراد العائلتين ثم انطلق الموكب نحو القاعة المخصصة لحفل الزفاف.
انطلقت السيارات في موكب طويل، تتقدمه أصوات الأبواق والزينة التي تملأ الشوارع.
كان الأطفال يلوحون للعروسين، بينما وقف المارة يتابعون الموكب بإعجاب.
بعد وقت...
✍️.....وصل الجميع إلى قاعة الأفراح.
كانت القاعة مضاءة بثريات كريستالية ضخمة، تتلألأ أنوارها فوق الزهور البيضاء والذهبية التي زُينت بها الطاولات.
وعندما فُتح الباب الكبير...
تعالت الموسيقى الهادئة، وارتفعت الزغاريد في كل أرجاء القاعة.
مد مراد يده مرة أخرى، تناولت ديلان يده.
شبك مراد اصابعه يده مع أصابعها في حركة إستغربها هو بنفسه عندما فعلها، لكنه واصل تمثيل السعادة حسب إعتقاده، لكنه في قرارة نفسه كان يجد نفسه سعيدا بجوارها، ولايعلم مصدر تلك المشاعر التي إجتاحته وهو سيسر بحانبها بتلك الطريقة،
ثم دخلا معًا....
كانا يسيران ببطء بين صفين من المدعوين الذين وقفوا يصفقون بحرارة، كانت عدسات المصورين تومض بلا توقف، والابتسامات تحيط بهما من كل جانب،
لكن داخل كل واحد منهما...
كانت حكاية مختلفة تمامًا.
مراد كان يكرر في داخله:
"تماسك... ساعات قليلة فقط."
أما ديلان...
فكانت تحاول أن تقنع نفسها بأن هذه هي البداية التي كتبها الله لها.
وعلى إحدى الطاولات...
كانت دنيز تتابع المشهد بعينين تقدحان شررًا، قبضت على حافة الطاولة بقوة حتى ابيضّت أصابعها، و همست من بين أسنانها:
دنيز: كان يجب أن أكون مكانها...
جلست صفية إلى جوارها، وربتت على يدها محاولة تهدئتها، لكنها هي الأخرى لم تستطع إخفاء انزعاجها، قالت بصوت منخفض:
صفية: اصبري... الأيام طويلة.
لم تجب دنيز...
كانت تحدق في مراد وهو يمسك بيد ديلان، وكل خطوة يخطوها معها كانت تغرس شوكة جديدة في قلبها.
واصل العروسان سيرهما حتى وصلا إلى الطاولة المعدة لعقد القران الرسمي أمام الحضور.
ساعدها مراد على الجلوس، ثم جلس إلى جوارها.
ساد الهدوء.
وبدأ المأذون يتلو آيات من كتاب الله، ثم أخذ يذكّر الزوجين بحقوق كل منهما وواجباته،
كان الجميع ينصت بخشوع.
أما ديلان...
فكانت تتمتم في سرها:
"اللهم إن كنت تعلم أن في هذا الزواج خيرًا لي، فبارك لي فيه، وألّف بين قلبي وقلبه."
بينما كان مراد يخفض رأسه، وقد اختلطت في صدره مشاعر لا يعرف لها اسمًا.
انتهى المأذون من المراسم،
ثم أعلن بصوت واضح:
المأذون: أعلنكما زوجا وزوجة، بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
وفجأة...
انفجرت القاعة بالتصفيق والزغاريد.
وقف الجميع يباركون ويعانق بعضهم بعضًا.
أجهشت أمينة بالبكاء، لكنها كانت دموع أم رأت ابنتها تستقر في بيت زوجها.
أما عائشة...
فلم تتمالك نفسها، فاتجهت نحو ديلان، وقبّلت رأسها وهي تقول:
عائشة: أهلًا بك يا ابنتي... من اليوم أنت قطعة من هذه العائلة،
اغرورقت عينا ديلان بالدموع،
واكتفت بأن همست:
ديلان: شكرا لك يا أمي عائشة، وإلتقطت يدعا تقبلها.
وقف مراد بعد انتهاء المراسم، بعد ان قبل هو الآخر يدي والديه وكذلك فعلت ديلان، ثم مد يده نحوها، بعد أن ساعدها على الوقوف.
وللمرة الأولى...
اقترب منها أمام الجميع.
رفع الطرحة عن وجهها، انحنى قليلًا، وما إن إلتقت عينيهما شعر انه سعيدا بقربها ولم يستطع رفع عينيه من عينيها.
و إقترب منها طبع قبلة طويلة دافئة هادئة على جبينها، إجتاحته مشاعر غريبة على إثرها لكنه كبحها حتى لايضعف امهامها وامام القرار الذي إتخذه.
دوّت القاعة بالتصفيق، بينما دوّى في قلب ديلان سؤال واحد:
"هل كانت قبلة احترام... أم مجرد واجب أمام الناس؟"
أما مراد...
فما إن ابتعد عنها حتى شعر بثقل غريب يجثم فوق صدره.
قادها بعد ذلك إلى المنصة المخصصة لاستقبال التهاني.
واصطف الضيوف واحدًا تلو الآخر، يقدمون التبريكات والهدايا والدعوات الصادقة.
ومع مرور الوقت...
حان موعد تقطيع قالب الزفاف،
أُطفئت أنوار القاعة، ولم يبق سوى الأضواء المسلطة على العروسين، تقدما نحو القالب الضخم المزين بالورود البيضاء.
أمسك مراد بيد ديلان.
ووضع السكين بين يديهما.
ثم قطعا أول قطعة وسط تصفيق الحاضرين، ثم أكل كل منهما من قطعته تحت تصفيقات الحاضرين، بعدها أخرج مراد علبة مخملية سوداء.
فتحها أمام الجميع، فتلألأ داخلها طقم فاخر من الألماس.
ساد همس الإعجاب في القاعة،
تناول العقد أولًا، ثم ألبسه لديلان برفق، وأعقبه بالسوار والأقراط،
بعدها أمسك خاتم الزواج.
رفع يدها اليسرى، وألبسها الخاتم بهدوء.
ابتسمت ديلان ابتسامة خجولة، ثم نزعت خاتم الخطوبة من يدها اليمنى، ونقلته إلى اليسرى بجوار خاتم الزواج.
تعالت الزغاريد مرة أخرى.
لكن دنيز لم تعد تحتمل المشهد.
أشاحت بوجهها وهي تكاد تختنق من الغيرة.
همست في نفسها:
دنيز: أقسم... لن أدعها تنعم بهذه السعادة طويلًا.
أما صفية...
فاكتفت بالنظر إليها، وقد أدركت من نظرة ابنتها أن نار الحقد لم تنطفئ، بل ازدادت اشتعالًا.
استمرت فقرات الحفل، وتعالت الضحكات، واختلطت الأحاديث بالتهاني والدعوات.
وفي نهاية السهرة...
خرج مراد وديلان من القاعة وسط ممر طويل اصطف فيه المدعوون.
كان الجميع يلوح لهما، ويلقي الورود والأرز الأبيض رمزًا للدعاء بالخير والبركة.
فتح مراد باب السيارة مرة أخرى،
انتظر حتى جلست ديلان، ثم أغلق الباب برفق.
استدار بعدها، وألقى نظرة أخيرة على والديه، كانت الفرحة تشرق من وجهيهما حتى بدوا كأنهما نسيا تعب السنين كلها في تلك الليلة.
ابتسم لهما ابتسامة صادقة هذه المرة...
ابتسامة لم تكن لزواجه...
بل لأنها أسعدت قلبَي والديه، ثم ركب إلى جوار زوجته يقود هو السيارة.
انطلقت السيارة بهدوء، تبتعد شيئًا فشيئًا عن القاعة...
حاملةً عروسين جمع بينهما عقد واحد...
لكن قلبيهما كانا يسيران في طريقين مختلفين، لا يعلم أحد إن كان القدر سيجمعهما يومًا على طريق واحد... أم سيزدادان تباعدًا كلما مضت الأيام.
حينما وصلوا امام بناية البيت اوقف مراد السيارة بعدما صفها على جانب الرصيف، نزل منها ثم إتجه من جهة ديلان وفتح لها الباب، وساعدها في النزول اغلق السيارة ثم خطى بها ألى داخل البيت، ليصعدوا السلالم متجهين نحو شقتهم التي ستجمعهم سويا من اليوم فصاعدا.
كانت العائلتين قد وصلتا خلفهم وصعدوا خلفهم يتبعونهم للشقة،
دخلوا الشقة التي ازدانت بالورود البيضاء والشموع والعطور الشرقية، وراح الجميع يتجول فيها، يطلق عبارات الإعجاب، بينما كانت والدته تقول بفخر:
عائسة: ما شاء الله... أسأل الله أن يملأ هذا البيت بالمحبة والسكينة، أما أمينة فقد اقتربت من ابنتها، وأصلحت طرحتها بحنان، ثم همست في أذنها:
أمينة: ابدئي حياتك بصفحة بيضاء يا ابنتي... واحتسبي كل شيء عند الله.
أومأت ديلان بصمت، وقبّلت يد أمها.
وبعد دقائق من التهاني والوصايا، بدأ الجميع يغادر الشقة، تاركين العروسين وحدهما.
كان آخر من خرج والدة مراد، التي التفتت إليهما مبتسمة وقالت:
عائشة: ارتاحا الآن... فقد كان يومًا طويلًا، اشارت إلى الطاولة بغرفة الطعام وقالت..
عائشة: لقد جهزت لكما العشاء هو بالداخل على الطاولة، ثم ودعتهما وخرجت.
أُغلق الباب...
واختفت آخر الأصوات القادمة من الخارج.
ساد صمت ثقيل...
صمت بدا كأنه يبتلع المكان كله.
وقفت ديلان في منتصف الصالة، تشبك أصابعها ببعضها، بينما كانت تنظر إلى الأرض في حياء، تنتظر أن يكسر مراد ذلك الصمت بكلمة طيبة، أو دعاء، أو حتى ترحيبًا بسيطًا.
أما هو...
فسحب يديه من على طرفي سترته ببطء، ووضعهما على الأريكة يتمئ عليها، ثم فك ربطة عنقه، وأطلق زفرة طويلةثم إستقام بجذعه.
ظل واقفًا للحظات وظهره إليها،
ثم استدار فجأة.
كانت ملامحه قد تبدلت تمامًا،
اختفت ابتسامة المجاملة التي ارتسمت أمام الناس، وحل محلها وجه جامد لا يحمل أي أثر للين.
نظر إليها نظرة باردة جعلت قلبها ينقبض، قال بصوت منخفض، لكنه حاد كحد السكين:
مراد: أريد أن نتفق على أمر منذ هذه اللحظة... حتى لا يعيش أحدنا في وهم.
رفعت ديلان عينيها إليه باستغراب.
فأكمل دون أن يمنحها فرصة للكلام:
مراد: لا تحلمي... أن تكوني زوجتي.
شعرت وكأن الكلمات صفعتها بقوة.
اتسعت عيناها، ولم تستطع استيعاب ما سمعته.
همست بصعوبة:
ديلان: ماذا... تقصد؟.
ابتسم بسخرية خفيفة لا تخلو من المرارة.
مراد: أقصد ما سمعته تمامًا.
ثم أشار بيده إلى باب إحدى الغرف.
مراد: تلك الغرفة...
من اليوم ستكون غرفتك،
أما هذه...
وأشار إلى الباب المقابل.
مراد: أما هذه فهي غرفتي.
ازدادت حيرة ديلان، وقالت بصوت مرتجف:
مراد: لكن... نحن...
قاطعها بحدة:
مراد: لا تكملي.
ساد صمت قصير، قبل أن يتابع بنبرة قاسية:
نراد: هذا الزواج لن يكون كما تتصورين، سيبقى شكله أمام الناس فقط، أما بيني وبينك...
فلا توجد حياة زوجية.
خفضت ديلان رأسها، وقد بدأ الدمع يلمع في عينيها.
لم تفهم سبب كل ذلك، هذا الوجه لم تراه من قبل، ولم تفهم لماذا يقول لها ذلك اليومً تحديدا،
ولماذا يعاملها بهذه القسوة؟.
قالت بصوت خافت يكاد يختنق:
مراد: هل أخطأت في حقك بشيء؟.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال ببرود:
مراد: لا يهم إن كنت تعلمين أو لا تعلمين، ما يهمني هو أن هذا قراري، وسيبقى كما هو.
أحست أن الأرض تميد تحت قدميها، وقالت بعد صمت:
مراد: إن كنت لا ترغب بهذا الزواج...
فلماذا وافقت عليه؟.
أدار وجهه نحو النافذة، وقال بنبرة خالية من المشاعر:
مراد: لأن هناك أمورًا لا يفهمها إلا أصحابها.
ثم التفت إليها من جديد،
مراد: وسأبقيك هنا...
حتى أجد الوقت والطريقة المناسبة لإنهاء هذا الزواج،
وحينها... سأطلقك.
خرجت الكلمة الأخيرة ببرود شديد، حتى شعرت ديلان بأن قلبها توقف للحظة.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وكأنها تحاول الاحتماء بالجدار.
أما مراد، فقد اقترب منها قليلًا، وقال بصوت أشد صرامة:
مراد: لكن هناك شرطًا واحدًا.
رفعت عينيها إليه بصمت.
مراد: كل ما جرى بيننا الآن... وما سيحدث سيبقى سرًا بيننا، لن يعلم به أحد،
لا أهلي...
ولا أهلك،
هزت رأسها دون وعي، لكنه أكمل، وقد ازدادت نبرته قسوة:
مراد: وإن فكرتِ يومًا أن تخبري أحدًا...
أو تحاولي استجداء عطف والدي...
فلا تلومي إلا نفسك، أنا لا أضمن لك ردة فعلي حينها عندما أفقد أعصابي، ولن تكون عواقب ذلك في صالحك.
ارتجفت ديلان من نبرة صوته أكثر مما ارتجفت من كلماته.
لم تجبه...
بل ظلت تحدق إليه بعينين امتلأتا بالخذلان.
كانت قد أقنعت نفسها طوال الطريق أن الله ربما يرزقها رجلًا يعوضها عن ألم الماضي...
لكنها اكتشفت أن امتحانها لم ينته بعد.
أدار مراد ظهره لها، وقال دون أن ينظر إليها:
مراد: يمكنك أن تدخلي غرفتك،
أريد أن أرتاح الآن.
لم تتحرك.
وظلت واقفة مكانها، تحاول أن تستوعب كيف تحولت ليلة زفافها، التي طالما حلمت كل فتاة أن تبدأها بالدعاء والكلمات الطيبة، إلى بداية باردة لا تعرف فيها حتى سبب الكراهية التي تراها في عيني الرجل الذي أصبح زوجها.
ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم همست لنفسها وهي تتجه نحو الغرفة التي أشار إليها:
"يا رب...
إن كنت قد كتبت لي هذا الابتلاء، فارزقني الصبر، وأرني من رحمتك ما يطمئن قلبي، فليس لي سواك."
وقبل ان تتحرك إلتفتت له وقالت حينها..
ديلان: هل يمكنني ان آخذ بعض أغراض..... فانت تعلم لقد رتبوا كل ملابسي..... بخزانة تلك الغرفة.
اولاها ظهره وقال..
مراد: خذي ما تريدن بسرعة، لانني اريد ان ارتاح، وإذا كنت جائعة فالطعام امامك فوق الطاولة.
دخلت للغرفة التي من المفترض ان تكون غرفتهما، الغرفة الايغ كانت ستجمعهما الليلة، إقتربت من الخزانة وفتحتها اخذت ثوبا للنوم، كان طويلا بكمين، وكذلك طقم صلاة، مع سجادة وفتحت احد الادراج واخرجت منه مصحفا، إلتقطت حقيبة صغيرة كانت بالقرب من الخزانة، وضعت فيها تلك الأغراض، ثم خرجت من الغرفة وهي تجر قدميا، لوهلة لم تشعر بهما وظنت انهما لن تقوى على حملها، فسارت بخطى مثقلة تتمسك بالجدران حتى وصلت للغرفة، ألتفتت نحوه لاخر مرة وجدته على نفس الحالة يعطيها ظهره، دخلت للداخل وأغلقت باب غرفتها خلفها بهدوء.
وما إن أسندت ظهرها إليه...
حتى انهارت دموعها بصمت،
أما في الغرفة المقابلة...
دخل مراد إليها ثم جلس على حافة سريره، وأغمض عينيه بقوة.
كان يظن أن كلماته تلك ستريحه... وستشفي غليله نحوها، لكن شيئًا ثقيلًا استقر في صدره، ظل يسمع في أعماقه ذلك الصوت المرتجف وهي تسأله:
"هل أخطأت في حقك بشيء؟"
هز رأسه بعنف، محاولًا طرد ذلك السؤال من ذاكرته.
ثم همس لنفسه بجمود:
مراد: لا...
لا تضعف يا مراد، فما سمعته عنها يكفي، ومقل شيء كان بالدليل، فلا تحط من قدرك وكرامتك، لتمشي وراء قلبك وتصبح لعبة في يدها.
أما الحقيقة... فلن أخبرك بها،
فستظل مخفية عنك... لبعض الوقت.
ما إن أغلقت ديلان باب غرفتها خلفها...
حتى تهاوت آخر ذرة من القوة كانت تتشبث بها منذ غادرت بيت والديها، أسندت ظهرها إلى الباب، ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض، وأخفت وجهها بين كفيها، لم تعد تقوى على مقاومة دموعها.
انفجرت بالبكاء...
بكاءً مكتومًا، كأنها تخشى أن يصل صوت أنينها إلى الغرفة المقابلة، كانت تبكي كل شيء دفعةً واحدة...
رحيل باران...
وفقدان مريم...
وفراق بيتها...
وكلمات مراد التي مزقت قلبها قبل أن يبدأ هذا الزواج،
همست بين شهقاتها:
ديلان: يا رب... ماذا فعلت حتى يحدث لي كل هذا؟.
رفعت رأسها قليلًا، وحدقت في سقف الغرفة بعينين غارقتين بالدموع.
ديلان: لماذا كرهني...؟،
ما الذي رآه مني حتى يحكم عليَّ قبل أن يعرفني؟، قبل ان يخبرني به، لماذا لم يواجهني بدل تلك الكلمات التي غرسها كخنجر بقلبي؟.
إبتسمت وقالت في سرها:
"أظن ان قلبي صار ملك لشخص واحد وقد اخذ صك ملكيته معه"
أغمضت عينيها بقوة، ثم مسحت دموعها بطرف كفها.
قالت بصوت متهدج:
ديلان: لا... لن أبكي أكثر، لقد وعدت أمي أن أكون قوية.
نهضت ببطء، واتجهت نحو المرآة.
وقفت أمامها لحظات طويلة، تنظر إلى انعكاس صورتها.
كان الفستان الأبيض ما يزال يكسوها...
لكنها لم تشعر أنها عروس.
مدت يدها المرتجفة إلى طرحتها البيضاء، ونزعتها برفق، ثم بدأت تفك دبابيسها واحدةً تلو الأخرى، ونزعت حجابها فانسابت خصلات شعرها الكستنائي الذي تتخلله خصلات ذهبية على كتفيها، بينما راحت تخلع فستان الزفاف ببطء، وكأنها تخلع معه آخر ما تبقى من أحلام هذه الليلة.
علّقته بعناية داخل الخزانة التي كانت بالغرفة، مررت يدها على قماشه الناصع، ثم همست بحزن:
ديلان: كم تمنيت أن أرتديه وأنا سعيدة...
تنهدت طويلًا.
ثم أخرجت من حقيبتها ثوبًا منزليًا فضفاضًا محتشمًا، وارتدته، ولفت شعرها بشال خفيف.
وقفت مرة أخرى أمام المرآة،
بدت الآن فتاة عادية...
لا أثر على ملامحها لفرحة عروس، ولا لبريق ليلة زفاف،
بل كانت ملامحها تحمل إرهاق أعوام كاملة.
فتحت باب غرفتها بحذر شديد.
ألقت نظرة نحو الممر،
ساد الصمت.....
بدت الشقة ساكنة تمامًا، تنفست بارتياح، ثم خرجت بخطوات هادئة، وهي تتلفت حولها.
راحت تتأمل المكان لأول مرة..
الصالة...
قطع الأثاث...
اللوحات المعلقة على الجدران...
كل شيء بدا مألوفًا على نحو غريب.
ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تحدث نفسها:
ديلان: لقد رأيت هذا المكان من قبل...
ليس بعيني...
بل من خلال الصور،
عادت بها الذاكرة إلى تلك الأيام البعيدة...
حين كان مراد يلتقط صور الشقة في أثناء تجهيزها، ويرسلها إليها عبر هاتفه.
كان يكتب لها يومها:
"ما رأيك بهذا اللون؟"
"هل أضع الأريكة هنا أم هناك؟"
"أخبريني بصراحة... أي تصميم يعجبك أكثر؟"
وكانت تجيبه بان يفعل كما يراه مناسبا، ولن وتناقشه في شيء فهي تثق بذوقه وإختياره، كان يرسم معها تفاصيل بيت ظنته يومًا أنه سيكون بيتها، لكنها اليوم شعرت انه سجنا،
أغمضت عينيها لثوانٍ،
ثم ابتسمت بحزن،
ديلان: يا لسخرية القدر...
أبديت رأيي في ترتيب هذا البيت...
لكنني لم أدخله بالطريقة التي حلمت بها.
ابتلعت غصتها، وأبعدت تلك الذكرى عن رأسها، ثم أخذت تبحث عن الحمام،
وقفت أمام أحد الأبواب، وترددت لحظة، قبل أن تفتحه برفق.
كان هو...
دخلت بهدوء، ثم أغلقت الباب خلفها، اقتربت من المغسلة، ورفعت رأسها نحو المرآة،
تجمدت مكانها، حدقت طويلًا في انعكاس صورتها، لم تر عروسًا في أول ليلة من زواجها...
لم تر فتاة يكسوها الفرح،
بل رأت وجهًا شاحبًا...
وعينين أثقلهما السهر والبكاء...
وقلبًا أنهكته الخسارات المتتالية.
تنهدت ببطء، ثم رفعت بصرها إلى الأعلى، وامتلأت عيناها بالدموع من جديد، همست بصوت خفيض:
ديلان: يا رب...
إن كان هذا هو الطريق الذي اخترته لي...
فاربط على قلبي، اللهم لا تجعلني أضعف أمام ابتلائك، ولا تجعلني أجزع من قضائك.
اللهم ألهمني الصبر الجميل...
واشرح صدري لما هو قادم،
وأخرج من هذا الضيق فرجًا لا أتوقعه.
أطرقت رأسها، ثم فتحت صنبور الماء، غسلت وجهها حتى تخفي آثار الدموع، ثم توضأت بطمأنينة، وكأن قطرات الماء كانت تغسل شيئًا من وجع روحها.
وحين انتهت...
جففت يديها سريعًا،
ثم فتحت الباب بحذر، وألقت نظرة في الممر، لم تر أحدًا،
فأسرعت بخطوات خفيفة نحو غرفتها، وكأنها تخشى أن يراها مراد، أو أن يعتبر خروجها تعديًا على الحدود التي رسمها بينهما.
دخلت غرفتها بسرعة، وأغلقت الباب برفق، ثم وقفت لحظة في منتصف الغرفة، واتجهت إلى حقيبتها، وأخرجت منها سجادة صلاة صغيرة كانت ترافقها أينما ذهبت.
فرشتها بعناية، واستقبلت القبلة،
ثم كبرت للصلاة.
وكان صوت تكبيرها وحده كافيًا ليكسر كل الضجيج الذي كان يملأ قلبها.
وقفت بين يدي الله بقلب مثقل، لكنها شعرت للمرة الأولى منذ ساعات، أن هناك بابًا لم يُغلق في وجهها.
وحين سجدت...
انهارت.
لم تعد تتمالك دموعها،
بللت السجادة بدموعها وهي تناجي ربها بحرقة:
ديلان: يا رب...
ها أنا أقف بين يديك...
بعد أن ضاقت بي الدنيا.
أنت تعلم ما في قلبي...
وتعلم أنني لم أظلم أحدًا.
اللهم إن كنت تعلم أن في هذا الزواج خيرًا لي، فأصلح ما بيننا، وألّف بين القلوب، واهدِ زوجي إلى الحق.
وإن كان ابتلاءً...
فارزقني الصبر حتى لا أنكسر.
يا رب...
لقد فقدت من أحببت...
وفقدت من كانت تؤنس وحدتي...
ولم يبق لي بعدك أحد أشكو إليه،
فلا تتركني لنفسي طرفة عين،
واجعل لي من كل ضيق مخرجًا، ومن كل حزن سكينة، ومن كل دمعة أجرًا،
وظلت ساجدة طويلًا...
لا يسمع بكاءها أحد،
لكنها كانت على يقين...
أن رب السماء يسمع كل دعوة خرجت من قلبها المكسور، وأن الليل، مهما طال، لا بد أن يعقبه فجر يحمل من لطف الله ما تعجز القلوب عن توقعه.
في الجهة المقابلة...
بعد ان أغلق مراد باب غرفته خلفه، ثم خلع سترته ببطء، واستبدل بدلته الرسمية بملابس منزلية مريحة.
كانت حركاته هادئة...
لكن داخله كان يغلي.
جلس على حافة السرير لحظات، ثم استلقى على ظهره، وأسند رأسه إلى الوسادة، مثبتًا بصره في سقف الغرفة.
غير أن النوم كان أبعد ما يكون عنه.
تنهد طويلًا، ثم أطلق ضحكة ساخرة خافتة.
وقال مخاطبًا نفسه:
مراد: يا لها من ممثلة بارعة...
حقًا... أتقنت دورها بإحكام.
هز رأسه وهو يبتسم بمرارة.
مراد: حتى أمي...
أمي التي لطالما كانت تقول إنها تستطيع قراءة الناس من نظراتهم، وأن الله لم يخذلها يومًا في حكمها على أحد... وان فراستها في الأشخاص لاتخطأ،
حتى هي انخدعت بذلك القناع الذي ترتديه.
قناع البراءة...
والحياء...
والخجل.
سكت لحظة، ثم عاد يحدث نفسه بنبرة لا تخلو من السخرية:
مراد: وماذا عنك أنت يا مراد؟،
ألست أنت أيضًا من انخدع؟،
ألست من كان يراها فتاة مختلفة عن غيرها؟،
ألست من شعر بشيء يتحرك في قلبك كلما لمحتها أو سمعت صوتها؟.
أغمض عينيه بقوة، وكأنه يرفض الاعتراف بذلك، ثم قال بمرارة:
مراد: بلى... أنا الذي لم افتح قلبي لفتاة فتحته لها، لقد كنت أصدق كل ما رأيته فيها، كنت أظن أن خجلها حقيقي...
وأن حياءها فطرة...
وأن نظراتها الصامتة لا تعرف الخداع،
لكن الحقيقة...
كانت شيئًا آخر.
قبض على ملاءة السرير بقوة حتى برزت عروق يده.
مراد: كيف استطاعت أن تخدع الجميع؟،
كيف استطاعت أن تبدو بتلك الطهارة، بينما كانت - في ظنه - تخفي ماضيًا لم تخبر به أحدًا؟،
كيف كانت تقف أمامنا بكل ذلك الهدوء، وكأنها لم تعرف رجلا قبل هذا الزواج؟،
أدار وجهه نحو النافذة، وقال بصوت خافت:
مراد: كم كانت بارعة...
حتى كدت أصدق أنها بريئة،
ساد الصمت للحظات...
ثم نهض وجلس على السرير، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه.
راح يحدق في الفراغ أمامه، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسه.
مراد: لا...
من اليوم فصاعدًا...
لن تستطيع خداعي،
لن أسمح لعاطفتي أن تعمي بصيرتي مرة أخرى، وإن تطلب الأنر سأسحق قلبي بين يدي،
أنا لست رجلًا يقبل أن يعيش عمره كله، وهو يتستر على فضائح امرأة ارادها ان تكون زوجته، شريكة حياته إنرأة نضيفة، ليست نلوثة بأيدي رجال قبلي، ولست مستعدًا لأن أبني أسرة على أمر فقدت الثقة فيه.
تنفس بعمق، ثم أردف بلهجة حاسمة:
مراد: لن أمنحها فرصة لتؤثر فيّ،
ولن أقترب منها، سيبقى هذا الزواج مجرد اسم أمام الناس...
زواج على ورق فقط...
حتى أجد الوقت المناسب لإنهائه.
ظل صامتًا قليلًا، ثم أخذ يفكر بصوت مسموع:
مراد: لكن يجب أن يكون كل شيء محسوبًا.
لا أريد أن أخسر والديّ بسببها،
ولا أريد أن أبدو أمامهما رجلًا متقلبًا أو ظالمًا،
إنهما سعيدان بهذا الزواج...
وأي تصرف متسرع مني سيجعلهما يقفان في صفها.
مرر يده فوق وجهه في إرهاق.
مراد: شهر...
أو شهران...
ربما أكثر قليلًا.
سأراقب...
وأنتظر،
ثم سأجد سببًا مقنعًا يجعل الطلاق يبدو أمرًا طبيعيًا،
حينها لن يعارضني أحد،
ولن يلومني أحد،
سكت طويلًا، ثم همس لنفسه بنبرة امتزج فيها الغرور بالمرارة:
مراد: على الأقل...
لقد سترت عليها ما كنت أظنه عيبًا بزواجي منها.
وسيظن الناس بعد انفصالنا أنها كانت زوجةً ثم انفصلت، ولن يبحث أحد في ماضيها.
أغمض عينيه وهو يزفر ببطء.
لم يكن يعلم...
أن كل تلك الأحكام التي بناها في رأسه لم تستند إلى حقيقة واحدة، بل إلى رواية ناقصة صدقها دون أن يمنح صاحبتها فرصة للدفاع عن نفسها.
وفي الغرفة المقابلة...
كانت ديلان ما تزال واقفة على سجادة صلاتها، ترفع كفيها إلى السماء باكية، تدعو الله أن يصلح قلب زوجها، وهي تجهل تمامًا أن الرجل الذي تناجي الله من أجله، كان في تلك اللحظة نفسها يرسم في ذهنه خطة لإنهاء زواجهما، معتقدًا أنه بذلك يحمي كرامته، بينما كان القدر يخبئ له الحقيقة التي ستقلب يقينه كله رأسًا على عقب.