رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس والعشرون25 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس والعشرون25 بقلم عاشقة القلم

..انقضت ساعات الليل بطيئة على ساكني الشقة.

كانت ديلان قد غلبها التعب بعد صلاة طويلة وبكاء أنهك قلبها، فاستسلمت للنوم قبيل الفجر، بينما بقي مراد يتقلب على فراشه حتى تسللت إليه غفوة متقطعة مع أول خيوط الصباح.

وما إن أشرقت الشمس، حتى عادت الحياة تدب في المنزل الكبير.

وكما جرت العادة في العائلة، أعدت عائشة بنفسها صينية الإفطار الأولى للعروسين.

رصّت أكواب الشاي، وأطباق الجبن والزبدة والعسل والفطائر الساخنة، ثم حملت الصينية بابتسامة عريضة، وهي تدعو الله في سرها أن يجعل أول أيام زواجهما مليئًا بالمودة والرحمة.

صعدت الدرج بخطوات هادئة حتى بلغت باب الشقة.

ثم طرقت الباب برفق.

طرقة...

ثم ثانية...

ولم تمض سوى لحظات حتى فُتح الباب.

كان مراد يقف أمامها بملابس منزلية، وعلى وجهه آثار ليلة لم يذق فيها طعم الراحة.

ابتسمت عائشة ابتسامة واسعة وقالت بحنان:

عائشة: صباح الخير يا عريس.

أجابها وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا:

مراد: صباح النور يا أمي.

دخلت وهي تحمل الصينية، واتجهت إلى أقرب طاولة، ثم وضعتها برفق.

التفتت حولها باحثة بعينيها عن ديلان، قبل أن تسأله مبتسمة:

عائشة: وأين عروسك؟؛

أما زالت نائمة؟.

في تلك اللحظة...

انتفض قلب مراد، واتسعت عيناه دون إرادة، وسرعان ما التفت بطرف عينه نحو الباب المغلق في آخر الممر، كان يدعو الله في سره ألا تسمع ديلان صوت والدته... وألا تفتح باب غرفتها في هذه اللحظة.

فلو خرجت...

واكتشفت والدته أنهما أمضيا الليلة كلٌّ في غرفة منفصلة...

فلن ينجو من سيل أسئلتها، ولن تهدأ حتى تعرف الحقيقة كاملة.

فحك مؤخرة رأسه في ارتباك، وقال مسرعًا وهو يرسم ابتسامة متكلفة:

مراد: نعم يا أمي... ما زالت نائمة،

تعلمين كيف يكون حال العروس بعد يوم طويل مثل يوم أمس،

منذ الصباح وهي بين التجهيزات والضيوف والزينة... لا بد أن التعب قد غلبها، ثم أطلق ضحكة خفيفة مصطنعة.

ابتسمت عائشة بدورها وهي تهز رأسها.

عائشة: معك حق يا بني...

التعب النفسي يرهق العروس أكثر من التعب الجسدي.

ثم رفعت كفيها إلى السماء قائلة بمحبة:

عائشة: أسأل الله أن يسعدكما، ويجمع بينكما على خير، ويرزقكما المودة والرحمة.

ظل مراد صامتًا، بينما شعر بوخزة غريبة في صدره وهو يسمع دعاءها.

واصلت عائشة حديثها وهي ترتب الأطباق فوق الصينية:

عائشة: لقد أحضرت لكما الإفطار،

أما الغداء...

لا أعلم إذا كنتما تفضلان ان تبقيا بشقتكما او تنزلان لتتغذيا مع العائلة، وأيضا أردت أن أخبركما بشيء.

رفعت رأسها إليه مبتسمة.

عائشة: بعد الظهر ستأتي والدة ديلان، ومعها السيدة كريمة، للاطمئنان عليها، كما جرت عليه عاداتنا، لذلك أردت أن تكونا على علم حتى تخبر ديلان وتتجهزا لإستقبلهما بشقتكما، ساخبرك فور حظورهما ختى تتجهزان، ثما تصعدان لتريا ديلان هنا حتى يمونون على راحتهم ، بدلا من البقاء بالأسفل، فانت تعلم مازالت ديلان عروسا لم تتعود على العائلة بعد.

ثم سألته:

عائشة: بالمناسبة...

هل ستنزلان لتناول الغداء معنا؟،

أم أصعد به إليكما؟.

نظر مراد مرة أخرى نحو باب غرفة ديلان.

وبعد لحظة من التفكير قال:

مراد: عندما تستيقظ ديلان أسألها، ثم أتصل بك وأخبرك يا أمي.

ابتسمت عائشة برضا.

عائشة: حسنًا يا بني.

ثم اقتربت منه، وربتت على كتفه بحنان أم لا ترى في ابنها إلا الخير.

وقالت بصوت هادئ:

عائشة  اسمع مني يا مراد...

المرأة في أيامها الأولى تكون خائفة ومتوترة، لأنها تركت بيت أبيعا الذي تعودت عليها، واتت لبيت غريب عنها، لاتعرف شيء عن ساكنيه ولاعن نظامهم بعد، وتنتظر من زوجها كلمة طيبة قبل أي شيء، فكن رحيما بها وليتسع صدرك لها، ولاتحاسبها على اول خطأ يبدر منها، بل خاول ان تتفهمها وان تفهمها، ما تحب وما تكره وأي أمر يزعجك، وديلان فتاة تربيتها حسنة، فأن كنت لين معها ستكسبها وتكسب إحترامها لك ولما لا تكسب قلبها.

فكن لها سندًا لا عبئا،

ولا تقسُ عليها،

اكثر ما يكسر المرأة هي القسوة يا بني، وإذا إحتجت لشيء فأنا هنا لمساعدتك وكلي أذان صاغية لك، وبناء بيت سعيد يحتاج صبر وقلب رحيم، لا قلب فض غليض يحكم قبل ان يفهم.

خفض مراد رأسه في صمت.

أما هي فأكملت، وعيناها تلمعان بعطف صادق:

عائشة: ديلان فتاة مسكينة...

ذاقت من الدنيا ما يكفيها،

فقدت والدها وهي صغيرة، وتحملت من المسؤوليات ما يفوق عمرها،

هي بحاجة إلى من يشعرها بالأمان، لا إلى من يزيد همومها،

احتوها يا بني...

ولْيَسَعْ صدرك لها،

وأحسن عشرتها،

فوالله...

ما اخترتها لك من بين كل الفتيات إلا لأنني رأيت فيها الزوجة الصالحة.

تنهدت وهي تبتسم بثقة.

عائشة: كنت على يقين أنك لن تجد مثلها في هذا الزمن...

زمنٍ صار الانحلال الخلقي فيه للأسف سمةً غالبة عند كثير من الفتيات.

ارتسمت على شفتي مراد ابتسامة ساخرة، سرعان ما أخفاها.

ابتسامة لم تنتبه إليها عائشة، إذ ظنتها ابتسامة رضا وخجل.

أومأ برأسه قائلًا:

مراد: إن شاء الله يا أمي.

ابتسمت له بمحبة، ثم اتجهت نحو الباب.

وقبل أن تخرج، التفتت إليه مرة أخيرة وقالت:

عائشة: لا تنسَ أن تتصلا بي إذا احتجتما إلى أي شيء.

أجابها:

مراد: حاضر يا أمي.

خرجت من الشقة وهي تدعو لهما بالسعادة.

أما مراد...

فما إن أغلق الباب خلفها، حتى زالت الابتسامة عن وجهه دفعة واحدة.

أسند رأسه إلى الباب، وأغمض عينيه، ثم أطلق زفرة طويلة.

وقال بصوت بالكاد يُسمع:

مراد: آه... يا أمي...

لو كنت تعلمين الحقيقة التي وصلتني عنها...

لما قلتِ حرفًا واحدًا مما قلتِه الآن.

أطرق برأسه، وأردف بمرارة:

مراد: لو عرفتِ الحقيقة الكاملة  عنها...

لصُدمتِ بها أشد الصدمة،

لكن...

لن أدعك تعرفين شيئًا،

ولن أجعل أبي يعرف أيضًا،

سأُنهي هذا الأمر بهدوء...

دون أن أجرحكما.

ورفع بصره نحو باب الغرفة التي كانت تنام خلفه ديلان، ثم قال ببرود:

مراد: انتظري فقط...

فهذا الزواج لن يطول كثيرًا.


في تلك الأثناء...

وبينما كان مراد يهم بالعودة إلى غرفته، دوّى صوت مقبض الباب وهو يُدار بهدوء؛

توقفت خطواته؛

والتفت تلقائيًا نحو الممر،

خرجت ديلان من غرفتها بخطوات مترددة، وقد بدلت ثوبها نومها بثياب منزلية أكثر ترتيبًا استعدادًا لبدء يومها الأول في هذا المنزل، كانت ملامحها شاحبة، وآثار السهر والبكاء لا تزال واضحة في عينيها، إلا أنها حاولت أن تبدو متماسكة قدر استطاعتها.

التقت عيناهما للحظة...

فسارعت إلى خفض بصرها،

قطع مراد ذلك الصمت قائلاً بلهجة جافة:

مراد: إن كنتِ تبحثين عن الحمام... فأظن أنك تعرفين مكانه.

ثم أردف بنبرة لا تخلو من السخرية:

مراد: لقد سبق أن أرسلت لك صوره عندما كنت أستشيرك في تصميم الشقة.

ساد صمت قصير، ثم أكمل:

مراد: سأدخل إلى غرفتي لأستحم، الحمام الملحق بها هو الذي كنت قد أعددته... للغرفة التي كانت من المفترض أن تكون غرفتنا.

توقف قليلًا قبل أن يتابع ببرود:

مراد: وإذا أردتِ استعمال الحمام الآخر، فافعلي ذلك الآن، لأنني أريد أن أتحدث معك بعد ذلك.

أومأت ديلان برأسها في هدوء، ثم رفعت عينيها إليه بتردد وقالت بصوت خفيض:

ديلان: هل... هل يمكنني أولًا أن آنقل أغراضي من الغرفة؟.

نظر إليها دون أن يجيب.

فأكملت موضحة:

ديلان: أنت تعلم... عندما أحظروا أغراضي وضعوا حقائبي كلها هناك، وهذا الثوب الذي أرتديه الآن كنت قد وضعته في حقيبتي الصغيرة، أما بقية أغراضي فما زالت في الخزانة.

ساد الصمت ثانية.

استدار مراد، وأعطاها ظهره وهو يقول بلهجة حاسمة:

مراد خذي ما تريدين الآن...

ثم انقلي جميع أغراضك إلى غرفتك.

لا أريد أن يبقى فيها شيء يخصك.

خرجت الكلمات باردة...

جامدة...

وكأنها حكم لا يقبل النقاش.

شعرت ديلان وكأن شيئًا انكسر داخلها من جديد.

ازدادت غصتها، وانقبض قلبها حتى كادت تختنق.

لكنها لم ترد.

واكتفت بهمسة بالكاد سُمعت:

ديلان: حسنًا.

تقدمت بخطوات بطيئة نحو الغرفة.

وكانت كل خطوة تثقلها أكثر من التي قبلها.

هذه هي الغرفة التي دخلتها بالأمس وهي تحمل شيئًا من الأمل...

وتخرج منها اليوم بعدما مُحيت من حياتها قبل أن تبدأ.

وما إن بلغت عتبتها، حتى خانتها دمعة ساخنة، انزلقت على خدها في صمت.

رفعت يدها سريعًا ومسحتها قبل أن يراها.

ثم دخلت مسرعة، كأنها تخشى أن يغيّر مراد رأيه ويحرمها حتى من أخذ متعلقاتها.

وقفت في منتصف الغرفة، وأخذت تتأملها للحظات.

كان السرير لا يزال مرتبًا كما تركته النسوة ليلة أمس، والورود البيضاء تزين جوانبه، والشموع المعطرة ما زالت في أماكنها، وكأن الغرفة لا تزال تنتظر عروسين سيبدآن منها حياتهما.

لكن تلك الأحلام ماتت قبل أن تولد، إلتفتت إلى الاريكة فرأت وسادة وغطاء علمت ان مراد لم ينم على السرير بل نام على الاريكة.

اقتربت من الخزانة، وفتحتها ببطء، كانت فساتينها معلقة بعناية، وقد رتبتها أمينة وعائشة ومعهما مريمة وهازان بفرح وهن تتحدن عن الأيام الجميلة التي تنتظرها، ارتجفت يدها وهي تمدها نحو ملابسها، وأخذت تجمعها قطعةً بعد أخرى، وتضعها داخل الحقيبة بصمت، ثم وقع بصرها على بدلة مراد المعلقة في الجهة الأخرى من الخزانة، فأسرعت تغلق الباب، وكأنها لا تريد أن تنظر إلى شيء لم يعد يعنيها.

حملت الحقيبة بين يديها، لكنها لم تستطع رفعها من ثقلها، جلست على طرف السرير لثوانٍ تستجمع أنفاسها، ثم نظرت إلى الغرفة نظرة أخيرة، وقالت في نفسها بأسى:

"حتى هذا المكان... لم يُكتب لي أن أكون جزءًا منه."

تنهدت بعمق، وحملت حقيبتها بصعوبة، ثم خرجت من الغرفة بهدوء، بينما كانت تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تخفي انكسارها خلف ملامح هادئة، حتى لا تمنح مراد فرصة لرؤية دموعها أو الشماتة بألمها.


بعد أن انتهت ديلان من حمامها، توضأت من جديد، ثم وقفت أمام المرآة لحظات، أخرجت خمارًا بلونٍ هادئ، ووضعته على رأسها، ثم أحكمت تثبيته، صلت صلاة الضحى، ثم نظرت لتفسها من جديد للمرآة، كانت تتثبت من ان منظرها عاديا، لم يكن ذلك خوفًا من نظراته فحسب...

بل لأنها لم تعد تطيق أن ترى في عينيه ذلك الاحتقار كلما وقع بصره على وجهها، تنهدت بهدوء، ثم خرجت من غرفتها.

جلست في الصالة بصمت، وقد وضعت يديها في حجرها، وعيناها معلقتان بالباب الذي اختفى خلفه مراد منذ دقائق، تنتظر أن يخرج من حمّامه ليقول لها ما يود قوله لها.

لكن الغريب أنها، للمرة الأولى، لم تعد تخشى ما سيقوله.

فقد قالت كل شيء لمن لا تخفى عليه خافية، وبثّت شكواها إلى ربّ الكون، ورفعت قلبها إليه قبل أن ترفع عينيها إلى السماء، وسألته أن يكون لها سندًا حين يتخلى عنها الجميع، وعونًا حين تضيق بها الدنيا، وأن يظهر الحق ولو بعد حين.

لم يعد يعنيها ماذا سيقول مراد، ولا ماذا سيفعل بعدها... فقد أصبح في قلبها يقين هادئ بأن الله يعلم الحقيقة كاملة، ويعلم ما تخفيه الصدور، ويعلم أنها بريئة من كل ما نُسب إليها.

كانت تعرف أنها مجرد أَمَةٍ ضعيفة، لا حول لها ولا قوة، لا تملك أن تدفع عن نفسها ظلمًا، ولا أن تجبر الناس على تصديقها. لكنها كانت تملك شيئًا واحدًا لا يستطيع أحد انتزاعه منها...

يقينها بأن الله معها.

ارتجفت أنفاسها، وانخفض بصرها إلى يديها، بينما راحت كلمات الدعاء التي قالتها قبل قليل تتردد في أعماقها.

"يا رب... أنت تعلم أنني بريئة."

وما أشبه محنتها بمحنة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حين اتُّهمت في أعز ما تملك المرأة، في شرفها وعرضها، وحين تناقل الناس التهمة، وتحدثوا بما لا علم لهم به، ولم يكن لها من قوة تدفع بها عن نفسها سوى الله.

ثم جاءها الفرج من حيث لم يحتسب أحد...

أنزل الله براءتها وحيًا من السماء، ليبقى القرآن شاهدًا على طهارتها إلى يوم القيامة.

فهل يعجز الله عن نصرتها هي أيضًا؟.

لم تكن تقارن نفسها بمقام أم المؤمنين، لكنها كانت تتعلق بتلك القصة كما يتعلق الغريق بحبل النجاة، كانت تذكّر نفسها بأن الظلم، مهما اشتد، لا يخفى على الله، وأن البراءة لا تحتاج دائمًا إلى قوة صاحبها، ما دام لها ربّ يدافع عنها.

انحدرت دمعة ساخنة على خدها، فمسحتها سريعًا، ثم رفعت وجهها قليلًا، وكأنها تحدث ربها في سرها:

"يا رب، إن عجزتُ عن إثبات براءتي أمامه، فأنت قادر على أن تظهرها بطريقتك، وإن ظلمني، فأنت أعدل من يُنصفني، وإن كذبوا عليّ، فأنت تعلم صدقي. وإن أخذوا مني راحتي وأماني، فلا تجعلهم يأخذون مني يقيني بك."

شهقت بصمت، وضمت يديها إلى صدرها.

لقد اتهموها في أعز ما تملك كل فتاة... في شرفها وعرضها، في تاجها الذي طالما حفظته وصانته، وفي شيء كانت ترى أن خسارته أشد من خسارة الحياة نفسها.

لكنها، وسط كل ذلك الانكسار، شعرت بشيء يشبه السكينة يتسلل إلى قلبها.

فهي قد تُهزم أمام البشر...

وقد تعجز عن الدفاع عن نفسها...

وقد تُغلق في وجهها الأبواب كلها...

لكنها لن تكون وحيدة ما دام باب السماء مفتوحًا.

ولأول مرة منذ بدأت هذه المحنة، لم تعد تنتظر أن ينصفها مراد.

كانت تنتظر إنصاف الله لها.

ساد المكان صمت ثقيل...

لا يقطعه إلا صوت قطرات الماء المتساقطة من الحمام.

وبعد دقائق...

فُتح باب الغرفة.

خرج مراد وقد ارتدى ملابس منزلية بسيطة، وجفف شعره بالمنشفة وهو يسير بخطوات هادئة نحو الصالة.

توقفت عيناه عليها،

لاحظ الخمار الذي يغطي رأسها، لكنه لم يعلّق، جلس على الأريكة المقابلة لها، وأسند ظهره إليها، ثم عقد ذراعيه أمام صدره، وأخذ ينظر إليها بنظرة امتزج فيها البرود والتهكم، لكن شيءا في صدره تحرك لايعلم ، أهي شفقة عليها، ام تلم الخالة الاي تخيط بها، ولكالما لفتت نظره في الاشهر القليلة الماضية حين تقرب منعا وخطبها، والتي لطالما أحبها واعجب بها، لكنه سرعان نا حرك رأسه، نافضا تلك الافكار من رأسه، فلقد رأى وسمع خيانتها له وبالدليل صوت وصورة(حسب إعتقادع هو وكما اوهموه بذلك وصدقهم هو دون ان يتحرى او ختى ان يواجهها).

قطع ذلك الصمت قائلًا:

مراد: لقد أحضرت أمي الإفطار قبل قليل.

وأشار بيده نحو غرفة الطعام.

مراد: إذا أردتِ أن تأكلي... فهو موضوع على الطاولة.

رفعت ديلان رأسها إليه، وقالت بهدوء:

مراد: شكرًا لك...

لكن ليست لدي شهية.

ثم سكتت لحظة، وأردفت بصوت خافت:

ديلان: قلت إنك تريد التحدث معي في أمر مهم...

فما هو؟.

ابتسم مراد ابتسامة ساخرة، وكأن سؤالها أثار استهجانه.

ثم قال:

مراد: نعم... هناك أمور يجب أن تكون واضحة بيننا منذ البداية.

اعتدل في جلسته، وأصبحت نبرته أكثر جدية.

مراد: أولًا...

بعد الظهر ستأتي والدتك، ومعها السيدة كريمة، للاطمئنان عليك، كما تقتضي العادات، وأريد أن يكون أمرٌ واحد واضحًا.

ما يحدث بيننا...

سيبقى سرًا،

لن يعلم به أحد،

لا أهلك...

ولا أهلي،

إلى أن أجد الطريقة المناسبة لإنهاء هذا الزواج دون أن أثير المشاكل.

خفضت ديلان بصرها، ولم تعلق.

أما هو فأكمل:

مراد: وثانيًا...

من هذه اللحظة...

لا يوجد خروج من المنزل،

ولا عمل،

ولا زيارة،

ولا أي خطوة خارج هذا البيت...

إلا بإذني، ومعي.

ثم ثبت نظره عليها وقال بصرامة:

مراد: وثالثًا...

أريد هاتفك المحمول،

رفعت رأسها نحوه باستغراب.

فأردف بلهجة حازمة:

مراد: أي شخص يريد التحدث إليك...

سيتحدث معي أولًا، ولن أبقى مغفلًا كما كنت في السابق.

ساد صمت ثقيل.

كانت ديلان تنظر إليه بعينين يملؤهما الذهول.

لم تفهم سبب كل تلك القيود...

ولا سبب تلك الكراهية التي يعاملها بها.

وأخيرًا...

خرج سؤالها متهدجًا:

ديلان: لماذ...!!؟؟؛

لماذا تعاملني بهذه الطريقة؟،

ماذا فعلت لك أنا؟،

وما إن انتهت من سؤالها...

حتى انتفض مراد من مكانه،

وصاح بها بصوت غاضب:

مراد: لا أريد أن أسمع هذا السؤال مرة أخرى!، ولا اريد نقاشا في أمر إتخذت قراره اسمعت، وأخذرك لاتحعلني اكرر كلامي مرة أخرى، وإلا والله سترين مني وجها لم ترينه ولم تتخيلينه، وإياك ان تعصي أمري وقد أعذر من أنذر.

ارتجفت ديلان في مكانها.

أما هو فأكمل، وقد ارتفع صوته أكثر:

مراد: ثم كيف تسألين هذا السؤال؟ ومن أين جائتك كل هذه الجرءة وبكل وقاحة تسألينني ماذا فعلتِ؟،

تستغفلينني...

وتدعين الحياء والعفة...

وأنت لا تعرفين منهما إلا الأسماء!،

لا أريد نقاشًا،

ولا تبريرًا،

ولا دموعًا،

نفذي ما أقوله فقط.

ثم انحنى قليلًا نحوها، وقال بنبرة حملت تهديدًا واضحًا:

مراد: وإذا خالفتِ كلامي...

فلا تلومي إلا نفسك.

إن أردتِ أن تعيشي بسلام في هذا البيت...

فاسمعي أوامري، ولا تعصيها،

ساد الصمت للحظات.

ثم لوح بيده وكأنه تذكر شيئًا.

مراد: آه...

قبل أن أنسى، غدًا سأشتري لك نقابًا، أريدك أن ترتديه دائمًا.

توقف لحظة، ثم قال بقسوة:

مراد: لا أريد أن أرى هذا الوجه...

الذي يدعي البراءة، ويخدع كل من ينظر إليه.

رفعت ديلان عينيها إليه، وللمرة الأولى منذ دخلت هذا البيت...

ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن ابتسامة سخرية، بل ابتسامة امتزج فيها الألم بشيء من الرضا بقضاء الله،

ثم قالت بكل هدوء:

ديلان: لا داعي لأن تشتريه.

نظر إليها باستغراب.

فأكملت بصوت ثابت:

ديللن: لقد نذرت بيني وبين الله...

أن أرتدي النقاب يوم أتزوج، وألا يرى وجهي أي رجل بعد ذلك...

إلا زوجي.

ساد الصمت،

لكن كلماتها لم تجد طريقها إلى قلب مراد.

بل انفجر ضاحكًا بسخرية، ثم أخذ يصفق ببطء، وقال وهو يضع يده على صدره متظاهرًا بالتأثر:

مراد: يا لها من كلمات مؤثرة!

حقًا...

لقد أصابت قلبي الضعيف!.

ثم اختفت ابتسامته فجأة،

وحل محلها وجه قاسٍ لا يعرف الرحمة.

نظر إليها شزرًا وقال:

مراد: هل ٱنتهت المسرحية ام يوجد عرض مبهر آخر لأشاهده، لكن يؤسفني أن أخبرك...

أنني لم أعد ذلك الساذج الذي يخدعه الكلام الجميل، ولا تلك العبارات المنمقة،

ولا اتأثر بالدموع.

اقترب منها خطوة، ثم أردف بلهجة صارمة:

مراد: احتفظي بهذه الكلمات لنفسك؛ فلن تغير شيئًا.

ثم أشار إليها بإصبعه محذرًا:

مراد: افهمي ما أقوله جيدًا، ولا تجعليني أكرر كلامي مرة أخرى،

لأنك إن فعلتِ...

فلن يعجبك ما قد يصدر مني.

ساد الصمت من جديد.

لم تجبه ديلان...

ولم تحاول الدفاع عن نفسها، بل

اكتفت بالنظر إليه لحظة، ثم خفضت بصرها.

وفي داخلها كانت تتساءل بحرقة:

"أي ذنبٍ ارتكبته حتى يحكم عليّ قبل أن يسمع مني كلمة واحدة؟"

أما مراد...

فكان يظن أنه أغلق باب النقاش إلى الأبد.

غير مدرك أن الحقيقة التي يخشاها لم تكن حقيقة...

بل وهمًا كبيرًا، سيأتي اليوم الذي ينهار فيه أمام براءة المرأة الجالسة أمامه، والتي لم يكن ذنبها إلا أنها وقعت ضحية سوء ظنٍ لم تُمنح حتى فرصة الدفاع عن نفسها.


ما إن أنهى مراد حديثه، حتى شعرت ديلان بأن الهواء أصبح أثقل من أن تستنشقه.

نهضت بهدوء، دون أن تنطق بكلمة واحدة، لم تحاول الدفاع عن نفسها...

ولم تسأله مجددًا عن سبب كل ذلك، كانت قد أدركت أن أي كلمة ستقولها في هذه اللحظة لن تزيده إلا قسوة، سارت بخطوات بطيئة نحو غرفتها، ثم أغلقت الباب خلفها برفق، وكأنها تخشى أن يزعجه حتى صوت إغلاقه.

أسندت ظهرها إلى الباب، وأغمضت عينيها.

ثم همست بصوت يكاد لا يُسمع:

ديلان: يا رب...

لماذا تبدلت معاملته فجأة؟،

أي ذنب اقترفته في حقه؟،

هل أخبره أحد عني شيئًا؟،

لكن... ماذا يمكن أن يكون؟،

كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها دون أن تجد لها جوابًا.

رفعت يديها إلى وجهها، ومسحت دموعًا بدأت تتجمع في عينيها، ثم استغفرت ربها مرارًا:

ديلان: أستغفر الله العظيم...

أستغفر الله العظيم...

أستغفر الله العظيم.

شعرت بشيء من السكينة يتسلل إلى قلبها، رفعت رأسها نحو السماء، وقالت بقلب موقن:

ديلان: يا رب...

أنت وحدك تعلم أنني لا أحمل في قلبي إلا ما يرضيك،

فإن كان هذا ابتلاءً منك...

فارزقني الصبر عليه،

ولا تجعل ضعفي يغلبني،

اللهم امددني بقوة من عندك،

وأعنّي على تجاوز هذه الأيام،

ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين،

واجعلني ممن إذا ابتُلي صبر...

وإذا صبر شكر...

وإذا ضاقت به الدنيا وجد بابك مفتوحًا.

تنهدت طويلًا.

ثم مسحت دموعها، ومسحت وجهها بالمنديل مبلل، وعزمت أن تواجه ما ينتظرها بقلب مؤمن، مهما كان الطريق شاقًا.

أما مراد تعجب من هدوئها الذي مان من قبل يأسره، تساءل في داخله..

مراد: يا رب لماذا يزعجني هذا الشعور، هل هي مذنبة وتدعي البراءة، ام هي فعلا بريئة وانا من يظلمها الآن، لماذا لم تدافع عن نفسها؟ ولناذا تلك النظرة تربكني؟.

سكت ثم نظر إلى الباب الذي إختفت خلفه ديلان وقال:

مراد: يارب أعني؟ لم اعد اعلم إذا ما كانت بريئة ام انها تدعي ذلك؟.

لكنه سرعان ما نفض تلك الافكار عنه وقال صوت في داخله:

"هل بدأت تلين لها يامراد؟، هل ضعفت امامها؟ اهذا هو مراد الرجل الذي لايهاب شيء؟ تخدعك نظرات إمرأة تقن تمثيل دورها؟ إفتح عينيك جيدا ولاتدع قلبك يسقطك في بئر الاوهام؟ لانك ستتألم كثيرا بعد ذلك.

نهض مراد عن مقعده واتجه إلى غرفته بخطواتٍ ثابتة، وقد عقد العزم في داخله على المضي فيما نواه، غير عابئٍ بما قد يترتب على قراره. لم يكن في ذهنه مجالٌ للتراجع، ولا في قلبه متّسعٌ للندم؛ كان يظن أن الأمر لا يعدو كونه أشهرًا قليلة سيمضيها صابرًا، ثم يستيقظ ذات صباح من هذا الكابوس، وينتهي كل شيء، فيذهب كلٌّ منهما إلى طريقه وكأن شيئًا لم يكن.

كان واثقًا من أن الأيام ستنصفه، وأن الوقت كفيلٌ بأن يطوي هذه الصفحة من حياته.

لكنّه لم يكن يعلم أن بعض القرارات التي نتخذها في صمت، وبعض الكلمات التي نهمس بها لأنفسنا ولا يسمعها أحد، قد لا تبقى حبيسة صدورنا كما نظن... وأن ما نراه مجرد حديثٍ عابر قد يُكتب علينا قدرًا، وتُمهّد له الأيام الطريق دون أن نشعر.

فكم من أمنيةٍ نطق بها القلب على استحياء، فكان لها من القدر موعدٌ لا يتأخر... وكم من كلمةٍ قيلت في لحظة غضب أو يأس، ثم جاءت الأيام لتضعها أمام صاحبها حقيقةً لا مفرّ منها.

وكان مراد، دون أن يدري، يخطّ بلسانه أول سطور الحكاية التي ظن أنه قادر على إنهائها متى شاء.

ولم يكن يعلم أن الله وحده يعلم أين تنتهي الطرق التي نظن أننا اخترناها بأيدينا، وأن للقدر أحيانًا كلمةً أخيرة... لا يستطيع أحدٌ أن يغيّرها.


عند الظهيرة...

كانت عائشة قد أعدت مائدة الغداء بنفسها، وضعت الأطباق بعناية، ثم صعدت بها إلى الشقة، وهي تحمل في قلبها فرحة لا توصف.

طرقت الباب.

ولم تمض لحظات حتى فتح لها مراد.

وفي تلك اللحظة...

خرجت ديلان من غرفتهما كما أوصاها مراد في وقت سابق،

وقفت إلى جواره بهدوء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، أخفت بها آثار السهر والبكاء.

تهللت أسارير عائشة وهي تنظر إليهما.

وقالت ضاحكة:

عائشة: ما شاء الله...

ها أنتما معًا.

الحمد لله الذي جمع بين قلبيكما.

إقتربت من ديلان تحتظنها وتقبلها قائلة...

عائشة: أهلا بك يا زوجة إبني ام اقول يا إبنتي.

بادلتنا ديلان العناق وهي تقول :

ديلان: بل إبنتك يا امي.

فرحت عائشة بملمة" أمي"، ومن تأثرها دمعت عيناها فأمسكت بدي ديلان بين كفيها وقال..

عائشة: بل أنت إبنتي الاي لم انجبها، وكم اسعدتني كلمة أمي، وإن فعل لك شيء هذا، وهي تشير بإصبعها لمراد واكملت...

عائشة : وقال لك شيء فتأكدي ان دليك ام هنا، ولن تتأخر ان تاخذ حقك منه دون تردد.

إبتسمت لها ديلان إبتسامة باهتة،

ونظر مراد إلى ديلان بطرف عينه.

ففهمت ما يريده دون أن يتكلم.

فقالت وهي تخفض رأسها في حياء:

ــ أهلًا بك يا أمي...

تفضلي.

ابتسمت عائشة بمحبة.

كانت تظن أن ذلك الصمت الذي يسود بينهما ليس إلا خجلًا طبيعيًا بين زوجين في أول أيام زواجهما.

فهي تعرف حياء ديلان الشديد...

وتعلم أن هذا الزواج تم دون سابق معرفة أو حديث طويل بينهما.

ولذلك لم يخطر ببالها لحظة واحدة أن وراء ذلك الهدوء جرحًا عميقًا، وجدارًا من الجفاء بناه مراد بيديه.

جلست معهم دقائق تتحدث عن أمور بسيطة، وتوصيهما بأن يتناولا الطعام قبل أن يبرد،

ثم غادرت وهي تدعو لهما بالسعادة والذرية الصالحة.

وما إن أغلق الباب...

حتى عاد الصمت يخيم على المكان.

تناولا الغداء في صمتٍ ثقيل.

كلٌّ منهما يجلس في طرف من المائدة.

لا يسمعان إلا صوت الملاعق وهي تلامس الأطباق.

ولم يتبادلا طوال الطعام سوى كلمات قليلة لا تتجاوز الحاجة.

ومع حلول المساء...

كان منزل عائشة يستقبل ضيفتين عزيزتين.

وصلت أمينة، وبرفقتها كريمة،

استقبلتهما عائشة وابنتها بحفاوة كبيرة، وتبادلن عبارات الترحيب والدعاء.

قالت عائشة مبتسمة:

عائشة: أهلًا وسهلًا بكما...

لقد أنرتما البيت.

أجابتها أمينة وهي تبتسم:

أمينة: هذا من نور اصحاب البيت، جئنا نطمئن على ابنتنا...

فهذا حق الأم.

ضحكت كريمة وقالت:

كريمة: ولا تنسي أن نرى العروس أيضًا.

تبادلن الأحاديث قليلًا، ثم اصطحبتهما عائشة إلى شقة مراد.

طرقت الباب.

فتح مراد وهو يرحب بهما بكل احترام، فقد كان قد غير ثيابه بثياي تليق به معريس، إساقبلهما بكل ترحيب وحفاوة.

دخلت السيدتان.

وما إن رأت أمينة ابنتها، حتى أسرعت إليها واحتضنتها بحرارة،

ابتسمت ديلان رغم الألم الذي يعتصر قلبها، وأحاطت والدتها بذراعيها.

جلستا متجاورتين، بينما انشغلت عائشة وكريمة بالحديث في الصالة مع مراد.

بعد مدة اشارت عائشة بطرف عينعا لمراد وهي تقول...

عائشة: تعال نعي يا مراد فأبام يريدك في أمر لم يفصح به لي، ثم إستأذنت من النسوة، وغادرت عي وإبنها الشقة متحهين لشقة العائلة بالطابق السفلي.

اقتربت أمينة من ابنتها، وأمسكت بيديها، وقالت بحنان:

أمينة: أخبريني يا ابنتي...

كيف حالك؟،

هل أنت مرتاحة؟،

هل يعاملك مراد بالحسنى؟،

توقفت ديلان لحظة.

كان بإمكانها، بكلمة واحدة، أن تهدم كل شيء،

أن تخبر أمها بالحقيقة،

أن تبكي بين ذراعيها،

أن تعود معها إلى بيتها،

لكنها تذكرت تهديد مراد...

وتذكرت قلب أمها المرهق، وهي الآن ترى تلك الفرحة الاي تلمع في عيني امها وكريمة معا، إبتلعت غصة قلبها، وفهمت ماترمي له والدتها، ولم تشأ أن تجعل أول أيام زواجها سببًا في حزن والدتها أو خلاف بين العائلتين.

فابتسمت ابتسامة هادئة، رغم أنها كانت تخفي وراءها بحرًا من الوجع، نظرت لهما وهي ترسمت إبتسمت عريضة على وجهها،

وقالت برقة:

ديلان: الحمد لله يا أمي...

أنا بخير، مل شيء غلى ما يرام لاتقلقي، وانزلت راسها ارضا في إسارة فهمتها والدتها، فتناولتها تقبلعا من وجنتيها، وهي تشدد من عناقها وهي تقول:

أمينة: أسعد الله قلبك يا إبنتي، وادام سعادتكما وجمع بينكما بود ومحبة.

أضافت ديلان وهي تنظر لكريمة التي كانت تنظر لعا بعينين يشع منهما الفرح رغم الالم الذي كان يسيطر عليها منذ وفاة إبنتها بذلك الحادث الأليم لكنها أبت إلا ان تخفي ألمها ختى تعيش ديلان سعادتها كما تستحقها كما مانت تظن وهي تعلم شدة تعلقها بٱبنتها، فلم تشئ تنغص على ديلان وتجعل فرحتها ناقصة بسبب ذلك.

نظرت لهما واكملت..

ديلان: لا تقلقا مراد يعاملني بكل احترام( لم ترد قول شيء ليس خوفا من مراد بل لأنها قطعت وعدا على نفسها انها من الآن ستشكوا المها وحزنها إلا لله ولن تجعل أي أحد يتألم لألمها)،

والجميع هنا لم يقصروا معي بشيء.

تنفست أمينة الصعداء، وكأن جبلًا انزاح عن صدرها.

ابتسمت وعيناها تلمعان بالفرح.

أمينة: الحمد لله...

كنت أدعو الله طوال الليل أن يطمئن قلبي عليك.

ربتت ديلان على يدها بلطف.

ديلان: لا تقلقي يا أمي...

ادعي لي فقط.

احتضنتها أمينة مرة أخرى، وقبلت جبينها.

أما كريمة، التي كانت تراقب ديلان من بعيد، فقد لاحظت أن ابتسامتها لا تصل إلى عينيها.

ورأت في نظراتها حزنًا حاولت إخفاءه.

لكنها لم تشأ أن تسألها أمام الجميع، واكتفت بالدعاء لها في سرها أن يكون ما رأته مجرد رهبة الأيام الأولى من الزواج.

حينها قالت..

كريمة: ديلان يا إبنتي إن اصعب الايام فالخياة الزوجية هي هذه الايام، فلا تدعي مجالا او بابا للشيطان ان ينفذ منه، واستعيني بالله فسيعينك على ذلك وايضا اردت إخبارك بشيء لم ارد قوله من قبل حتى لا انغص غليك فرحتك، فقد قررنا انا وعبد الله بعد تفمير طويل ان نعود لبلدة عبد الله، خصوصا بعد قبل إدارة عمله على تسوية تقاعده، لم نعد نطيق المكان الذي به ذكريات مريم، لعل الله يربط على قلوبنا إذا غيرنا المكان وإبتعدنا عن الذكريات التي ما تلبث ان تفتح جراحنا مرة أخرى، وبعد ان إطمأننت عليك اودعم يا إبنتي واتمنى لك كل السعادة وانا مطمئنة عليك في كنف هذه العائلة، فأنا اعلم ان عائشة وعزت سيعاملانك كٱبنتهما، اما مراد فالوقت كفيل بأن يألف بين قلبيكما إن شاء الله.

إغرورقت عيني ديلان لكنها أثارت السكوت على الكلام، فقد رفعت شكواها لرب العباد هو وليها وكفيلها، ولن تضيع لديه المظالم.

وبعد ساعة من الأحاديث والتهاني...

استعدت أمينة وكريمة للمغادرة.

وقفت أمينة عند الباب، والتفتت إلى ابنتها بابتسامة يغمرها الاطمئنان.

كانت تظن...

أن ديلان قد وجدت أخيرًا البيت الذي طالما حلمت به، والرجل الذي سيعوضها عن كل ما مرت به من قسوة وألم.

وإحتظنتها كريمة وهي تودعها بكلمات بثت في قلب ديلان بعض الطمأنينة وهي تدعوا لها ولعبد الله وتشكرهما لجميل صنيعهما معها ولن تنساهما أبدا وإن حاء للمدينة فلا ينسيا بزيارتها.

غادرتا وهما تدعوان لها بالسعادة.

أما ديلان...

فظلت واقفة عند الباب تلوح لوالدتها ولكريمة حتى اختفتا عن ناظريها.

وما إن أغلقت الباب...

حتى تلاشت تلك الابتسامة المصطنعة من على وجهها، وعادت الحقيقة القاسية لتفرض نفسها من جديد داخل ذلك البيت، الذي بدا جميلًا في أعين الجميع...

بينما كان يخفي بين جدرانه بداية حكاية مليئة بالألم والاختبارات التي تنتظر ديلان.

✍️مر ذلك اليوم  بدون اي شيء يذكر فقد احظرت هازان لهما العشاء هذه المرة وقد جلست معهما تودعهما لانها ستعود لألمانيا في فحر ذلك اليوم .

في اليوم التالي وبعد ان إستيقظت ديلان قبل أذان الفجر، توظأت وصلاة بعض الركعات نافلة ثم جلست تستغفر ربعا حتى رفع الاذان ثم صلت فرضها وعادت تحلس تذكر الله وتدعوه ثم تلت وردها من القرآن، وبعد ان اشرقت الشمس صلت صلاة الضحى وبدلت ملابسها بثياب أنيقة لكنها محتشمة إرتدت نقابها ثم نزلت لشقة حمواها وما إن طرقت الباب حتى فتخت لها عائشة الباب وردن عليها بإبتسامة عريضة..

ديلان: صباح الهير يا أمي عائشة.

عائشة: صباح النور والسعادة يا إبنتي، لكن لماذا نزلت من شقتك كنت سأحظر الفطار واصعد به لكما.

اجابتها ديلان وقد رسمت إبتسامة هادئة على محياها وقالت.. 

ديلان: انا لست معتادة على الجلوس بدون فعل أي شيء، وقد علمت ان هازان قد سافرت فحر اليوم ، فاتيت لأساعدك، فقولي لي ماذا افعل حتى اتعود عل طريقتك وكيف تفظلون الطعام.

إبتسمت عائشة وإحتظنت عائشة وقالت...

عائشة: كبعا سأعلمك مل ما تجهلينه رغم انتي أشك انك تحهلين شيئا ماشاء الله عليك وعلى تواضعك، لكن ساعرفك على ما يحبه زوجك وما يفضله حتى تعدينه له ليأكله من يدك الجميلتين.

اومأت لها ديلان وسارت خلفها إلى المطبخ، وما إن دخلتا حتى إلتفتت لها عائشة قائلة ..

عائشة: هل مراد من امرك بإرتداء النقاب، اعلم انه غيورا واظنه لم يرد ان يرى اي احد جمال زوجته.

إبتسمت لها ديلان تهفي غصتها عند ذكر إسمه واحابتها..

ديلان: لا يا أمي إنه نذر بيني وبين نفسي ان لايرى أي احد وحهي بعد زواجي غير زوجي.

إقتربت منها عائشة تمسح على رأسها ووجهها.

عائشة: بارك الله فيك، لم يهب ظني بك وكنت اعلم ان تربيتك صالخة واخلاقك عالية ومراد إبني مخظوظ بزوجة مثلك.

نظرت لها ديلان بعد ان اخفظت بصرعا تنظر للأرض امامها وقاطعتها قائلة..

ديلان: هيا يا امي قولي ما عليا فعله الان ونزعت خمارها ونقابها ووضعتهما جانبا لتساعد عائشة بتحهيز طعام الإفطار.

استيقظ نراد وبعد ان اخذ حماما وخرج ينظر ناحية غرفة ديلان ختى لمح ورقة موضوعة فوق طاولة صغيرة بالقرب من مدخل الشقة وما إن رفعها حتى وجدها من ديلان تخبره انها بالأسفل في شقة والديه لتساعد والدته.

نظر إليها وأبتسم إبتسامة ساخرة وهو يقول في قرارة نفسه ..

"لقد ذهبت لتكسب حلفاء لجانبها".

مر ذلك اليوم عاديا فقد بقيت ديلان بشقة حمواها تساعد عائشة في اعمال البيت وبعد الغذاء ساعدتها عائشة وهي تأخذ الأطباق للمطبخ وقالت لها..

عائشة: لقد تعبت يا إبنتي منذ الصباح وانت وافقة على رجليك معي ولم تتركني افعل شيء وقد تعبت هي إصعدي لشقتك لترتاحي فأنت ما زلت عروسا جديدة بعد.

اجابتها ديلان: سأغسل الاواني واحظر الشاي لنشربه ثم اصعد.

ردت عليها عائشة ...

عائشة: انا سأغسل الاواني وانت إظن حضري الشاي وخذي نصيبم انت ومراد فقد سبقك وصعد لغرفته هيا يا إبنتي وإلحقي بزوجك.

اومأت ديلان لها حينها أكملت عائشة قائلة .

عائشة: لا داعي ان تنزلي للعشاء فقد جهزت اكلا كثيرا ويكفينا للعشاء وحينها سأسخنه واحظر لكما نصيبكما لشقتكما فلا داعي لان انزلا .

ديلان: لكن يا امي لا اريد ان اغير عاداتكم وعادات مراد واريد ان نجتمع كلنا على كاولة واحدة ليطرخ الله البركة في طعامنا كما انه لايوجد احد سواكنا ونحن وملك الصغيرة فلا داعي للبقاء في شقتنا بمفردنا وانتم بمفردكم ويكفي ان نتشارك طعامنا فأنا لم اعتد البقاء بمفردي.

إبتسمت لها عائشة وقالت لها .

عائشة: حسنا لك ذلك يا إبنتي لكن ليس اليوم فانتما أيضا محتاجان لتبقيا بمفردكما لتعتادا على بغضكما البعض.

نظرت لها ديلان وقالت..

ديلان: خسناغيا امي لكن من الغد لا اريد إعتراض منك فاتا سعيدة بخدمتكما فانتما بمنزلة والدي ولم اكن لاتهاون في خدمتهما فلا تحرمينني من ذلك الأجر .

اومأت لها عائشة وقالت بإبتسامة عريضة إبتسامة رضى وقالت 

عائشة: لك ذلك يا إبنتي فانا لا اريد إلا سعادتك وراحتك.

إبتسمت لها ديلان وإنحنت تقبل يدها ثم وضعت حجابها ونقابها وحملت الصينية التي بها الشاي الساخن وصعدت بها لشقتها وبعد ان فتح لها مراد الباب وضعت الصينية على الطاولة في الصالون اين كان مراد جالسا يشاهد التلفاز وقالت..

ديلان: الشاي الساخن بعثت به امي عائشة لك ، ثم تركته ودخلت لغرفتها.

نظر مراد للصينية ثم إلتفت ينظر لأثرها، لم يعقب بل جلس ليحتسي الشاي وهو ينظر للتلفاز، وعند العشاء صعدت عائشة به وما إن فتح مراد الباب حتى تناول من يدها ماتحمله وصاخ به معقبا.. 

مراد: لماذا اتعبت نفسك يا أمي؟، ولماذا لم تنادي لديلان لتساعدك في إعداده، كنت إتصلت بي ونزلت انا وديلان لنأكل معكما كما فعلنا عند الغذاء، او كنت ناديتنا ليصعد به أحد منا بدلا عنك.

عائشة: لاداعي لذلك انا من طلبت من ديلان ان لاتنزل للعشاء، حتى تبقيا بمفردكما حتى تعتادا على بعض، هي تصبح على خير وليلة سعيدة.

وفي اليوم التالي ومع اقتراب موعد السفر الذي كان الجميع ينتظره...

تفاجأت العائلة بإعلان مراد إلغاء شهر العسل.

قال وهو يجلس مع والديه:

مراد: طرأت أمور مستعجلة في الشركة، ولا أستطيع السفر الآن.

نظر إليه عزت باستغراب.

عزت: لكن كل شيء كان مرتبًا منذ أشهر.

أجاب مراد بهدوء مصطنع:

مراد: أعلم يا أبي، لكنني مدير الحسابات، وهناك ملفات لا يستطيع أحد غيري متابعتها في هذه الفترة، ولا أريد أن أتحمل خسائر بسبب غيابي.

تبادل عزت وعائشة نظرة صامتة،

كان الأمر غريبًا...

لكن تفسيره بدا منطقيًا.

قال عزت بعد لحظة:

عزت: العمل مسؤولية...

لكن لا تنسَ أن لزوجتك عليك حقًا أيضًا.

أومأ مراد برأسه.

مراد: سأعوضها عندما تستقر الأمور.

وكانت ديلان تجلس بصمت،

لا هي اعترضت...

ولا أبدت حزنها،

بل اكتفت بابتسامة هادئة أخفت خلفها خيبة جديدة،

وفي داخلها همست:

"أي شهر عسل يتحدثون عنه؟ ونحن لم نبدأ حياتنا أصلًا..."

بعد أسبوع واحد فقط...

عاد مراد إلى عمله، وقطع إجازته تمامًا.

واستغرب الجميع استعجاله، لكنهم لم يجدوا سببًا يدعو للشك،

وبعد أيام...

بدأ أمر آخر يلفت انتباه العائلة،

لم تعد ديلان إلى عملها،

كما أنها أصبحت لا تخرج إلا مرتدية النقاب،

وفي أحد الأيام، بينما كانت هي وعائشة ترتبان المطبخ، ابتسمت عائشة وسألتها بلطف:

عائشة: قولي لي يا ابنتي...

أما اشتقتِ إلى عملك؟.

توقفت ديلان عن تقطيع الخضار،

ثم رفعت رأسها مبتسمة.

ديلان: الحقيقة يا أمي...

كنت منذ زمن أتمنى أن أتفرغ لبيتي عندما أتزوج، وأشعر أن هذه المرحلة أولى بالاهتمام،

أما العمل...

فيمكن أن أعود إليه متى احتجت، ثم لمست طرف نقابها برفق، وأضافت:

ديلان: وأما النقاب... فكما اخبرتك يا أمي، فهو قرار اتخذته عن قناعة، كنت أتمنى ارتداءه منذ سنوات، وأجلته حتى زواجي.

ابتسمت عائشة ابتسامة واسعة، وربتت على كتفها قائلة:

عائشة: كنت أعلم أن مراد لن يختلف عن أبيه.

نظرت إليها ديلان باستغراب.

فضحكت عائشة وقالت:

عائشة: والده كان شديد الغيرة عليّ، ومنذ زواجنا، وهو يحاول إقناعي بترك عملي كناظرة للمدرسة، لكنني كنت أرفض في كل مرة.

ابتسمت وهي تسترجع ذكرياتها.

عائشة: ظل يحاول ست سنوات كاملة، حتى جاء باران إلى الدنيا،

وكان كثير المرض في طفولته،

حينها لم أحتمل أن أتركه مع أحد، فتركت عملي بإرادتي، وتفرغت لبيتي وأولادي.

ثم نظرت إلى ديلان بعينين مليئتين بالمحبة.

عائشة: أما مراد...

فيبدو أنه أقنعك خلال أسبوع واحد فقط.

ضحكت بخفة.

عائشة: لقد ورث غيرة أبيه كاملة.

ابتسمت ديلان ابتسامة هادئة،

لكنها شعرت بوخزة في قلبها، وهمست لنفسها:

"لو تعلمين يا أمي..."

"لو تعلمين أن مراد لم يقنعني بشيء..."،

"وأنني لم أترك عملي لأجله..."،

"بل لأنني التزمت بما فرضه عليّ دون أن يمنحني حتى فرصة للاختيار..."،

كادت الكلمات تخرج من شفتيها...

لكنها ابتلعتها،

ثم قالت بصوت خافت:

ديلان: لعل الله كتب لي الخير فيما اختاره.

ابتسمت عائشةإبتسامة رضى، وهي تدعو لها:

عائشة: أسأل الله أن يديم المحبة بينكما.

خفضت ديلان رأسها حتى لا ترى عائشة تلك الدمعة التي لمعت في عينيها.

وفي داخلها...

كانت تناجي ربها بصمت:

"اللهم إنك تعلم ما أخفي وما أعلن..."،

"فلا تجعلني سببًا في انكسار هؤلاء الطيبين عندما تنكشف الحقيقة..."،

وفي تلك اللحظة...

كان مراد في مكتبه بالشركة، غارقًا في الأرقام والملفات، مقتنعًا أنه يحسن التصرف، غير مدرك أن كل يوم يمر، كانت ديلان تكسب به قلوب والديه بأخلاقها وتواضعها، بينما كان هو يبتعد أكثر عن الحقيقة التي ظن يومًا أنه عرفها كاملة.

تسللت الأيام بهدوء...

يوماً بعد يوم...

حتى انقضى شهر كامل على زفاف ديلان ومراد.

شهرٌ بدا في أعين الجميع بداية حياة هادئة ومستقرة، بينما كان في الحقيقة سلسلةً طويلة من الصمت والخذلان، لا يعلم أسرارها سوى صاحبيها،

في كل صباح...

كانت ديلان تستيقظ قبل الجميع، تؤدي صلاة الفجر، ثم تنشغل بأعمال شقتها الصغيرة، وما إن تنتهي حتى تنزل إلى الطابق السفلي حيث يقيم عزت وعائشة،

كانت عائشة تستقبلها كل يوم بابتسامتها الدافئة، تقول ما إن تراها تدخل المطبخ:

عائشة: صباح الخير يا ابنتي.

فترد ديلان وهي تقبل رأسها:

ديلان: صباح الخير يا أمي... كيف أصبحتِ اليوم؟.

كانت كلمة "أمي" تخرج من قلب ديلان قبل لسانها، فلم تكن تنطقها مجاملة، بل كانت تشعر بها حقًا.

أما عائشة، فكانت كلما سمعتها تناديها بذلك اللقب، يفيض قلبها سرورًا، وتقول في نفسها:

"الحمد لله الذي رزقني بابنة لم تلدها أحشائي."

ومنذ زواج هازان وسفر مع زوجها إلى ألمانيا، للإشراف على الشركة التي أسساها هناك قبل سنوات، أصبحت مسؤولية المنزل كلها تقع على عاتق عائشة، لكن ديلان لم تتركها تتحمل ذلك وحدها،كانت تسبقها إلى المطبخ،

تعد الطعام؛

وترتب المنزل؛

وتساعدها في كل صغيرة وكبيرة؛

حتى إن عائشة كثيرًا ما كانت تضطر إلى الإمساك بيديها قائلةً بابتسامة:

" كفى يا ابنتي...

والله إنني أخجل منك."

فتبتسم ديلان في حياء وتجيب:

ديلان: وكيف أجلس وأنت تعملين وحدك يا أمي؟، لقد تربيت على أن خدمة البيت شرف، لا تعب؛ كما أنني لا أحب المكوث لوحدي والبقاء بمفردي، وانا احب ان اقوم بأعمالي بنفسي، كما ان خدمتكما شرف لي وليس عبئا، وان افعله من كل قلبي عن طيبة خاطر وان سعيدة بذلك.

فتضمها عائشة إلى صدرها بحنان.

عائشة: بارك الله في تربيتك.

أما عزت...

فقد وجد في ديلان ذلك الهدوء الذي يبعث الطمأنينة في النفس.

كانت كلما دخلت مجلسه، تقدمت إليه باحترام، تقبل رأسه ويده، ثم تقول بابتسامة رقيقة:

ديلان: صباح الخير يا أبي.

وفي كل مرة كان قلبه يرتجف لهذه الكلمة.

كم اشتاق أن يسمعها من ابنة...

وقد رزقه الله بها بعد أن ظن أن إبنته قد تزوجت وسافرت، ولم يعد في البيت تلك الألفة القديمة.

ابتسم ذات يوم وهو ينظر إليها قائلاً:

عزت: تعلمين يا ديلان...

كلما قلتِ لي "يا أبي"، أشعر أن الله أعاد لي شبابي.

خفضت رأسها خجلًا، ثم قالت:

ديلان: لأنك بالفعل أبي...

أنا لم أفقد والدي يوم رحل فقط...

بل وجدت فيكم عوضًا من الله،

اغرورقت عينا عزت بالدموع،

ونهض يربت على رأسها بحنان،

ديلان: لا حرمك الله من أب أبدًا يا ابنتي، وانت بالفعل إبنتي، ومعزتك عندي لاتقل عن هازان إبنتي.

كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تزرع في قلب ديلان شيئًا من السكينة التي فقدتها منذ زمن،

لكن...

ما إن صعدت ديلان إلى شقتهما، وأُغلق الباب خلفهما، حتى انطفأت تلك الابتسامة التي كانت ترتسم على وجه مراد أمام والديه، وعاد كل شيء إلى ما كان عليه.

عاد مراد... هو مراد.

ذلك الرجل البارد الذي لم تستطع الأيام أن تلين قلبه، ولا هدوءها أن يوقظ في داخله رغبة في الاقتراب منها،

لا كلمة طيبة،

لا ابتسامة عابرة،

ولا حتى سؤال بسيط عن حالها،

كان يعاملها وكأنها مجرد شخص يشاركه السقف نفسه، لا أكثر،

يعود من عمله مع غروب الشمس، يفتح الباب بهدوء، ثم يقول مقتضبًا:

مراد: السلام عليكم.

فتجيبه بصوت خافت:

ديلان: وعليكم السلام ورحمة الله.

ثم ينتهي كل شيء عند هذا الحد.

يدخل غرفته، أو يجلس في الصالة لبعض الوقت، يفتح أحد ملفات عمله وينشغل به، وكأن وجودها من عدمه سواء.

أما ديلان...

فكانت تحاول أن تجعل البيت بيتًا، رغم أنها لم تشعر يومًا أنه بيتها حقًا.

تدخل المطبخ، تُعدّ الطعام العشاء بعناية، ترتب المائدة، ثم تجلس في انتظار عودته.

وحين تسمع صوت المفتاح في الباب، كانت تنهض تلقائيًا، لا لأنها تنتظر منه كلمة حنان، بل لأن قلبها تعوّد على أداء واجبها بصمت.

كان يدخل، فيجد الطعام جاهزًا.

ديلان: الطعام جاهز.

مراد: حسنًا.

يجلسان إلى المائدة،

صحنان أمامهما، وكوبان من الماء، وبينهما مسافة لا تُرى، لكنها كانت أوسع من أي مسافة يمكن أن تفصل بين شخصين،

كانت ديلان تأكل بهدوء، بينما يتناول مراد طعامه دون أن يرفع عينيه إليها إلا نادرًا.

وفي بعض الأحيان، كان الصمت يطول حتى يصبح أثقل من الكلام، ثم ترفع ديلان رأسها وتسأله:

ديلان: هل تريد المزيد؟.

فيجيب دون أن ينظر إليها:

مراد: لا، شكرًا.

فتخفض عينيها من جديد.

ديلان: حسنًا.

وبعد دقائق، ينهض كل واحد منهما إلى غرفته.

وهكذا...

أصبح الصمت عادة؛

وأصبح مرور أحدهما بجوار الآخر أمرًا عاديًا لا يستدعي التوقف،

ومضت الأيام على ذلك المنوال، حتى انقضى شهر آخر.

شهران كاملان...

ولولا أن ديلان كانت تجد في والدي مراد دفئًا يعوضها بعض الشيء عن قسوة زوجها، لبدت لها تلك الأيام أطول من عمر كامل.

كانت عائشة تستقبلها كل صباح وكأنها ابنتها التي لطالما تمنتها.

تسألها عن نومها، عن طعامها، عن حياتها مع مراد، وعن أي شيء صغير قد يخطر ببال أم تخشى على ابنتها.

أما والده، فكان يحرص هو الآخر على أن تشعر بأنها واحدة من العائلة،

وكانت ديلان، كلما جلست بينهما، تشعر بشيء غريب ينساب إلى قلبها...

دفء؛

ذلك الدفء الذي افتقدته طويلًا،

ولهذا لم تشعر بانقضاء الأيام كما شعر بها مراد.

كانت تنزل إليهما، تجلس معهما، تساعد عائشة في بعض أعمال المنزل، وتتحدث معها طويلًا، حتى أصبحت جزءًا من تفاصيل يومهما.

انا ملك فكانت اسعدهما، وكيف لا ومعلمتها أصبحت معها وامامها كل يوم، ويمكنها ان تسألها عن كل ما يخطر ببالها متى ساءت، ناهيك عن الدروس التي كانت متعودة عليها داخل قسم ومع مجموعة من التلاميذ، أصبحت تحضرها بالبيت متى شاءت ولوحدها دون ان يزاحمها أي طفل آخر.

وفي أحد الأيام، تأخرت ديلان عن النزول كعادتها.

رفعت عائشة رأسها نحو الساعة، ثم قالت بقلق:

عائشة: ديلان لم تنزل اليوم.

رفع زوجها عينيه إليها وقال:

عزت: لعلها متعبة.

عائسة: لكنها لا تتأخر هكذا عادة، حتى وإن كانت متعبة 

ثم اتصلت بمراد الذي كان يجلس أمام مكتبه في عمله، وقالت:

عائشة: مراد، اتصل بزوجتك وانظر إن كانت بخير.

رفع مراد عينيه للسقف وهو يضع هاتفه على أذنه ورد قائلا.

مراد: ربما تكون نائمة يا أمي.

عائشة: إذن أيقظها، واسألها إن كانت تحتاج شيئًا، او بها شيء

تنهد مراد، ثم قال:

مراد: حسنًا.

وقبل أن يغلق الخط، أضافت عائشة بنبرة هادئة:

عائشة: يا بني، ديلان زوجتك، ومسؤوليتك، لا يكفي أن تؤمّن لها بيتًا وطعامًا، هي تحتاج منك إلى الأمان والحنان أيضًا.

ظل مراد صامتًا.

فتناول والده منها الهاتف وأكمل قائلا:

عزت: أنت تعرف ما مرت به، وتعرف أنها فقدت والدها وهي صغيرة، ربما لهذا السبب تحتاج منك إلى شيء من الاحتواء أكثر من غيرها.

شد مراد فكه قليلًا على الهاتف،

كان يسمع كلمات والديه، وهو يجب بكلمات مقتضبة بالموافقًة، بل ويجاريهما أحيانًا بالكلام...

لكن شيئًا واحدًا في داخله لم يتغير.

كان لا يزال متمسكًا بقراره،

سيمضي في زواجه منها، وسيصبر.

أشهرًا أخرى إن لزم الأمر،

ثم سيجد سببًا مناسبًا وينهي كل شيء، لم يكن مستعدًا لأن يسمح لمشاعره بالتدخل في قراره.

ومع ذلك...

شيئًا فشيئًا، بدأ أمر آخر يثير حيرته،

ديلان،

راقبها كثيرًا خلال ذلك الشهران، دون أن تشعر، كان ينتظر منها اعتراضًا،

شكوى؛

غضبًا؛

أن تسأله يومًا:

لماذا تعاملني هكذا؟،

أن تواجهه بقراراته وتحكماته، أو على الأقل أن تشتكي منه إلى والديه، لكنها لم تفعل شيئًا من ذلك، لم يسمع منها يومًا كلمة تذمر، ولم تشتكِ منه، ولم تذكر أمام والديه ما يفعله بها حتى،

بل كانت، على العكس، تعامل عائلته بكل احترام وود، وتبتسم في وجوههم، وتساعدهم، وتجلس معهم وكأن شيئًا لا يؤلمها، حتى هو كانت نعم الزوجة الصالحة له، تنهض صباخا باكرا تساعد امه وتحهز له إفكارا شهيا وكذلك الغذاء، بيته نظيفا، وثيابه أيضا نظيفة مرتبة مل في مكانه، حتى اغراضه لم يكن يبذل جهدا ليجدها امامه،

وهذا تحديدًا كان أكثر ما يربك مراد، ويثير حيرته كيف تعامله بتلك الطريقة رغم قسوته عليها،

كان أحيانًا يراقبها من بعيد، وهي تضحك مع والدته، فيتساءل:

كيف تستطيع أن تكون سعيدة إلى هذا الحد؟، وحتى مع ملاك وهي تلاعبها وتداعبها وكأن ان أيامها كلها سعادة، ومن يراها يظن اننا اسعد زوجة فوق الارض، رغم ان الحقيقة منافية لذلك، لكنه لم يجد تفسيرا لذلك.

ثم يرى عائشة وهي تربت على يدها بحنان، فيدرك أن وجود ديلان بينهم أصبح يعني لهما الكثير، وان مهمته للطلاق منها أصبحت أصعب يوما بعد يوم حتى هو إعتاد عليها وعلى وجودها معه.

وفي إحدى الأمسيات، قالت عائشة لمراد وهي ترتب بعض الأشياء:

مراد: منذ أن جاءت ديلان إلى هذا البيت، وأنا أشعر وكأن لي ابنة لطالما تمنيتها.

ابتسم والده وقال:

عزت: وأنا أيضًا.

ثم نظر إلى مراد مباشرة:

عزت: فلا تجعلها تندم يومًا على زواجها منك.

لم يجب مراد؛

اكتفى بإيماءة قصيرة؛

كانت الكلمات تدخل أذنه...

لكنها لا تصل إلى المكان الذي أغلقه في قلبه.

ومع ذلك، كان هناك سؤال واحد يطارده كلما خلا بنفسه:

لماذا لا تشتكي؟؛

كان يعرف أنها تتأذى من بروده معها، يعرف أنها تلاحظ تجاهله لها، ويعرف أنها ليست غافلة عن قراره بإبعادها عنه،

فلماذا تصمت؟،

ولماذا، كلما دخلا شقتهما، لا تفتح معه الموضوع؟،

لماذا لا تسأله عن السبب؟،

حتى إنه بدأ يراقب تصرفاتها أكثر، حين يجلسان إلى المائدة، يلاحظ عينيها حين تختلسان النظر إليه ثم تبتعدان سريعًا،

وحين يخرج من البيت، يلمحها واقفة عند الباب، تراقبه للحظات قبل أن تعود إلى الداخل.

وحين يعود، يجدها كما هي...

هادئة،

مطيعة،

لا تسأله أين كان، ولا مع من، ولا متى سيعود.

وفي إحدى الليالي، كانا في الغرفة الجلوس، وقد جلس مراد على طرف الأريكة يتصفح هاتفه، بينما كانت ديلان ترتب بعض ملابسهما بعد ان غسلتهم.

نظر إليها فجأة وقال:

مراد: ألا تريدين أن تسألي عن شيء؟.

توقفت يدها لحظة،

ثم التفتت إليه...

ديلان: ماذا تقصد؟.

مراد: لا شيء،

عاد إلى هاتفه،

وظلت هي تنظر إليه لثوانٍ، وكأنها كانت تفكر إن كان يريد فعلًا أن يتحدث، ثم قالت بهدوء:

ديلان: إذا كان هناك شيء تريد قوله، فقل.

رفع عينيه إليها،

كان يتوقع أن تفتح له بابًا للحديث، أن تواجهه بما في قلبها،

لكنه لم يجد في عينيها غضبًا ولا عتابًا.

فقال ببرود:

مراد: ليس لدي شيء أقوله.

أومأت برأسها.

ديلان: حسنًا.

ثم عادت إلى ما كانت تفعله.

تجمد مراد للحظة وهو ينظر إليها، ثم همس لنفسه:

"حسنًا؟"؛

"بهذه البساطة؟"؛

كان ينتظر منها شيئًا آخر...

لكنه لم يحصل عليه.

وفي تلك اللحظة، لم يفهم أن صمتها لم يكن ضعفًا، ولا رضا بما يفعله، وإنما كان شيئًا آخر تمامًا.

كانت ديلان قد اختارت أن ترفع شكواها إلى الله بدلًا من أن تطرق أبواب البشر، حيث انها لم تتوقف عن قيام الليل متذ دخولها لبيته،

ولهذا، كلما شعرت بالاختناق، أخفت دمعتها،

وكلما آلمها شيء، ابتلعت وجعها، و في الثلث الاخير من الليل تفرش سحادتها وتشكوا لربها ما يؤلمها ويثقل قلبها، وكلما قست عليها كلماته، قالت في سرها:

حسبي الله... هو أعلم بما في قلبي.

أما مراد...

فكان يظن أن صمتها يعني أنها قبلت بالأمر، ولم يكن يعلم أن الإنسان قد يصمت حين يعجز عن تغيير الواقع، لكنه لا يعجز عن الشكوى إلى من يملك تغييره.

وهكذا مضت الأيام...

حتى جاء ذلك اليوم بدأ كل شيء يأخذ منحنى آخر..........

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>