
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والعشرون21 بقلم عاشقة القلم
✍️......مرت الايام....
كانت ديلان تعيش مع كريمة في بيتها، بدات ديلان تعود لطبيعتها بعد تلك الحادثة، بفضل كريمة وإبنتها صديقة ديلان مريم، التي لم يبخلو عليها بالحب والحنان، حتى عبد الله كان يغدق عليها بالحنان كأب على إبنته، وهذا ما ساعدها لتتعافى وتعود قوية، كما كانت من قبل او اكثر.
وبعد خروج كاظم من حياة ديلان ودخوله السجن، بعد اسبوعين من تركها البيت وذهابها مع كريمة، ألقي عليه القبض بسبب وصولات امانة، كان قد امضى عليها بسبب لعبه للقمار، واستحقت الدفع ولم يمهله صاحبها يوما واحدا.
عادت ديلان لبيت والدتها، بعدما طلبت منها كريمة ذلك، ليس هروبا من مسؤوليتها، لكن حتى لاتكبر الفجوة بين الأم وإبنتها، بعد ان إطمئنت على ديلان من هبث كاظم، وبعد ان اعطت أمينة درسا حتى تهتم بإبنتها قليلا، ولا تصدق وتمشي خلف اكاذيب وخداع شخص مثل كاظم.
ظنت ديلان حينها أن الأيام القادمة ستكون أهدأ، لم تكن تتوقع أن يختفي الألم فجأة...
فبعض الجروح لا تزول بمجرد ابتعاد من تسبب بها، لكنها كانت تحاول ان تعود لطبيعتها.
بعد أسابيع قضتها في بيت كريمة، عادت أخيرًا إلى منزلها بجوار والدتها أمينة، كانت العودة صعبة.
فكل زاوية في البيت كانت تحمل ذكرى من الماضي، وكل جدار كان يذكرها باليوم الذي شعرت فيه أنها فقدت أمانها.
لكن وجود أمها إلى جانبها، رغم كل ما حدث، كان شيئًا حاولت ديلان أن تتمسك به.
كانت تقول لنفسها:
"ربما أخطأت أمي... لكنها تبقى أمي."
وكانت تحاول أن تعيد بناء الجسر الذي تصدع بينهما.
مر أسبوعان تقريبًا على عودتها لبيت والدتها.
كانت ديلان قد عادت إلى المدرسة القرآنية بعد غيابها الطويل، تحمل معها حقيبة صغيرة وابتسامة حاولت أن تجعلها تبدو طبيعية.
كانت خطواتها هادئة، لكنها لم تعد كما كانت من قبل.
فقد أصبحت أكثر صمتًا، وأكثر حذرًا، وكأن جزءًا منها لا يزال يخشى أن يمنح ثقته بسهولة.
لكن ما إن دخلت المكان الذي أحبته، ورأت وجوه الأطفال المبتسمة، حتى شعرت بشيء من الراحة.
هنا كانت تشعر أنها تعود إلى نفسها.
إلى ديلان التي يعرفها الجميع...
المعلمة التي تحب الأطفال، والفتاة التي تجد في العطاء معنى لحياتها.
في الايام التالية....
كانت ديلان قد عادت إلى عملها في المدرسة القرآنية، وإلى أطفالها الذين استقبلوها بفرح كبير، ودراستها رغم ان مريم كانت كل يوم تذاكر معها كل مدرسته في الجامعة، حتى لاتتعطل ديلان عن دراستها، وخصوصا انها آخر سنة وستتخرج بشهادة، تعوضها ما عاشته وتكون سببا لها بفتح افاق جديدة وبناء مستقبلها بعيدا عن مستنقع كاظم.
كانت تحاول أن تستعيد حياتها الطبيعية.
لكن بعض الناس لا يتركون الآخرين يعيشون بسلام.
ففي أحد الأيام، جاءت إحدى الجارات إلى بيت أمينة.
كانت امرأة تعرفها العائلة منذ سنوات، تحمل على وجهها ابتسامة لطيفة، لكن خلفها كانت تخفي حسابات أخرى.
استقبلتها أمينة بترحاب.
وبعد حديث قصير عن الأحوال، قالت المرأة:
حنيفة: جئتكم في أمر خير يا أمينة.
ابتسمت أمينة.
أمينة: خيرًا إن شاء الله.
نظرت المرأة نحو ديلان التي كانت تجلس بقرب والدتها، ثم قالت:
حنيفة: ابني يفكر في الزواج، ووجدنا أن ديلان فتاة مناسبة له.
سكتت ديلان للحظة،
لم تكن تتوقع هذا الحديث،
لكنها بقيت هادئة ومحترمة،
بدأت المرأة تمدح ابنها...
حنيفة: هو شاب طيب، ولا ينقصه شيء.
لكن الحقيقة التي لم تقلها في البداية كانت مختلفة.
فابنها لم يكن يعمل، وكان يعتمد على والدته في معظم أموره، ولم يكن لديه طموح واضح.
أما هي، فكانت ترى في ديلان شيئًا آخر...
راتبًا ثابتًا.
فمنذ أن علمت أنها تعمل في المدرسة القرآنية، بدأت تتخيل أن زوجة ابنها المستقبلية ستكون مصدر دخل مضمونًا لابنها.
قالت وكأن الأمر طبيعي:
حنيفة: وبما أن ديلان تعمل، فهذا سيساعدها كثيرًا في بناء بيتها.
نظرت ديلان إليها باستغراب،
فهمت من نبرتها أكثر مما قالت كلماتها.
لم يكن الحديث عن ديلان...
بل عن عملها،
وعن المال الذي تجنيه،
بعد أن انتهت الزيارة، جلست أمينة مع ابنتها.
قالت بهدوء:
أمينة: ما رأيك يا إبنتي؟، حنيفة جارتنا منذ ما يقارب العشرون سنة، منذ تزوجت اباك وجئت للعيش معه هنا، وهي تسكن هنا ولم يعرف عنها شيء سيء وحتى إبنها فهو شخص في حاله لم يؤذي أي شخص او يفتعل المشاكل بالحي.
أخذت ديلان نفسًا عميقًا.
ثم قالت:
ديلان: لا يا أمي.
تفاجأت أمينة.
أمينة: هل أنت متأكدة يا إبنتي؟، أعطي نفسك فرصة للتفكير أولا؟.
أومأت ديلان.
ديلان: نعم متأكدة وهذا لايحتاج ان افكر حتى.
ثم أضافت:
ديلان: الزواج ليس مجرد أن يأتي شخص ويطلبني، أنا أريد إنسانًا أعيش معه حياة فيها احترام وتفاهم ومسؤولية، لا أريد أن أكون مجرد شخص يحمل عن غيره أعباء حياته.
لم تجد أمينة ما تقوله، كانت تعرف أن ابنتها لم تعد تلك الفتاة التي يمكن أن تقبل بأي شيء خوفًا من الوحدة، او فتاة ساذجة يمكن خداعها، فقد نضجت كثيرا في الآونة الأخيرة.
ولقد تغيرت كثيرا ولم تعد تلك الفتاة الإنطوائية.
لكن المرأة لم تتقبل الرفض، فقد كانت تظن أن الأمر محسوم،
وحين عادت لابنها خالية الوفاض، بدأ الغضب يتسلل إليها.
وفي لحظة غضب، بحثت عن الطريقة الأسهل لتبرير رفض ديلان.
ذهبت إلى كلمات كاظم القديمة،
الكلمات التي بقيت كسمٍّ يحاول البعض نشره.
بدأت تتحدث بين الجارات:
حنيفة: لم أكن أعلم حقيقتها في البداية.
تساءلت إحدى النساء:
المراة: ماذا تقصدين؟.
تنهدت حنيفة بتصنع الحزن.
حنيفة: هذه الفتاة... منذ سنوات وهي لا تسمع الكلام.
ثم اقتربت بصوت منخفض:
حنيفة: كانت تعرف شبابًا وتتحدث معهم، وزوج أمها كان يحاول أن يوقفها.
صمتت قليلًا، ثم أضافت:
حنيفة: والآن بعد دخوله السجن لم يعد هناك من يردعها.
اضافت قائلة...
حنيفة: ذهبت لخطبتها لإبني فواز لكنها رفضت، وبكل وقاحة قالت لي انها لاتطمح ان تتزوج برجل مثله، تريد شابا غنيا لديه سيارة وبيتا مستقلا، ولن تنزل لتعيش بنفس المستوى، فهي تريد ان بنتشلها من هذا الحي الفقير، وليس رجلا لتفتح معه بيت.
كانت كلماتها تسقط كالحجارة.
ليس لأنها صحيحة...
بل لأن الناس أحيانًا يصدقون القصة التي تُقال بثقة أكبر من الحقيقة نفسها.
وتابعت المرأة:
حنيفة: عندما طلبناها لابني رفضت، لأن من اعتادت حياة معينة لن تقبل بسهولة أن تتغير.
وصلت تلك الكلمات إلى ديلان.
وفي البداية لم تصدق، ليس لأنها لم تتوقع الظلم...
بل لأنها تعبت من أن تدافع عن نفسها أمام كل شخص.
جلست وحدها في غرفتها، والدموع تملأ عينيها.
قالت بصوت خافت:
ديلان:إلى متى؟.
لم تكن تبكي بسبب تلك المرأة فقط.
كانت تبكي لأن كاظم، حتى وهو خلف القضبان، ما زال يحاول الوصول إليها، لم يكتفِ بمحاولة كسر حياتها مرة...
بل أراد أن يترك خلفه صورة مشوهة عنها يعيش الناس بها،
دخلت مريم عليها، فوجدتها صامتة.
اقتربت منها وجلست بجانبها.
مريم: سمعت كلام يرمى امامي من بعض نسوة الحي.
لم تجب ديلان.
قالت مريم بغضب:
مريم: كيف يصدقون كلام شخص مثل كاظم؟.
ابتسمت ديلان بحزن.
ديلان: لأن الكذب أحيانًا ينتشر أسرع من الحقيقة.
أمسكت مريم يدها.
مريم: لكن الحقيقة لا تختفي.
نظرت إليها ديلان.
ديلان: تعبت يا مريم... تعبت من أن يطلب مني الجميع إثبات أنني بريئة.
احتضنتها مريم.
ديلان: لا تثبتي شيئًا لمن اختار ألا يرى.
ثم أضافت:
مريم: الأشخاص الذين يعرفون قلبك لن يغيروا رأيهم بكلام عابر.
وفي تلك اللحظة، أدركت ديلان شيئًا مهمًا...
أنها لم تعد الفتاة التي تنتظر أن ينقذها الآخرون.،
لقد مرت بالكثير،
وانكسرت كثيرًا،
لكنها كانت لا تزال واقفة،
ولا يزال هناك من يرى حقيقتها... حتى لو حاول العالم كله أن يضع عليها أقنعة ليست لها.
منذ أن عادت ديلان إلى بيت والدتها، لم تتوقف الحياة عن اختبارها.
كانت تحاول أن تجمع شتات نفسها، وأن تعود إلى روتينها المعتاد، لكن آثار ما حدث كانت لا تزال حاضرة في عينيها وصمتها.
من جهة أخرى....
منذ أن دخلت ديلان حياة عائشة من خلال المدرسة القرآنية، بدأت مكانتها تكبر في قلبها يومًا بعد يوم.
لم تكن ديلان مجرد معلمة تؤدي عملها...
كانت شيئًا مختلفًا،
كانت تدخل قاعات الأطفال بابتسامتها الهادئة، فتشعر عائشة وكأن المكان امتلأ بالسكينة.
كانت تعامل الصغار بحنان، وتستمع إلى أسئلتهم البريئة بصبر، وتمنحهم من وقتها واهتمامها أكثر مما يطلب منها،
وكان أكثر ما أثار إعجاب عائشة فيها هو ذلك التوازن الغريب الذي جمع بين قوتها ورقتها.
فتاة عاشت ظروفًا لم تكن سهلة، ومع ذلك بقي قلبها رحيمًا، ولسانها طيبًا، وروحها قريبة من الناس.
وفي كل مرة كانت تأتي ملك من المدرسة القرآنية، كانت تعود إلى المنزل وهي تتحدث عن ديلان بحماس.
ملاك: جدتي، معلمتي ديلان علمتنا اليوم سورة جديدة.
ملاك: معلمتي ديلان قالت لنا إن أجمل شيء أن يساعد الإنسان غيره.
ملاك: معلمتي ديلان وعدتني أن تقرأ لي قصة غدًا.
وكانت عائشة تستمع إليها بابتسامة.
وفي داخلها كانت تقول:
"ما أجمل أن تدخل هذه الفتاة بيتًا فتملأه نورًا."
في إحدى الأمسيات، كان مراد يجلس مع والدته في الصالون،
لاحظ شرودها، فقال:
مراد: أمي، ما بك؟ تبدين وكأنك تفكرين في شيء مهم.
ابتسمت عائشة.
عائشة: أفكر في فتاة.
رفع مراد حاجبيه باستغراب.
مراد: فتاة؟.
ضحكت قليلًا.
عائشة: نعم... فتاة أراها مناسبة لك، ألم تقل لي أنني أنا من سيختار لك زوجة.
سكت مراد للحظة.
كان يعلم أن والدته لا تقول شيئًا دون سبب.
قال بهدوء:
مراد: ومن هي؟.
نظرت إليه عائشة وقالت:
عائشة: ديلان معلمة ملك.
بقي الاسم للحظة بينهما.
لم يكن مراد يعرف عنها الكثير.
فقد سمع عنها من والدته، ورآها أحيانًا عندما كان يأتي بملك من المدرسة، أو عندما تمر في الحي متجهة للمدرسة، لكنه لم يفكر فيها من قبل بهذه الطريقة.
قال:
مراد: وما الذي جعلك تفكرين بها؟.
ابتسمت عائشة.
عائشة: لأنني رأيت فيها ما أبحث عنه لابني، فتاة خلوقة، مأدبة، رقيقة، فتاة مثابرة، فيها بعض المواصفات التي إختفت من بنات جيلها، مثلا الحياء والطيبة ونقاء القلب، فعي ليست لها علاقات بالشباب مع انها تدرس بالجامعةو تعمل لتصرف على تفسها، بدلا ان تمد يدها للغير.
ثم أضافت:
عائشة: وهي ليست فقط فتاة جميلة أو متعلمة... بل صاحبة قلب جميل، تعرف كيف تتعامل مع الناس، وكيف تحترم من حولها، رأيت طريقة تعاملها مع الأطفال، ورأيت صبرها وهدوءها.
ظل مراد صامتًا.
لم يكن من الرجال الذين يحكمون على شخص من كلام الآخرين.
قال:
مراد: حسنا موافق، لكن أريد أن أراها وأتحدث معها اولا.
ابتسمت عائشة، فقد كانت تنتظر هذه الجملة.
عائشة: وهذا ما كنت أنتظره منك.
ثم فكرت قليلًا وقالت:
عائشة: لكن لا أريد أن تشعر أنها تحت الاختبار، أو أن تعرف أننا نفكر في هذا الأمر الآن، لانها فتاة خجولة جدا، وعندها لن تستطيع التحدث إليها بسهولة.
نظر إليها مراد باهتمام.
مراد: ماذا تقترحين؟.
قالت:
عائشة: خذ ملك إلى المدرسة القرآنية.
تفاجأ قليلًا.
مراد: ماذا؟.
أومأت.
عائشة نعم؛ اذهب كأن الأمر طبيعي وانك توصلها عادي لتحظر دروسها، ومن ثم اسألها عن ملك عن دراستها، وتحدث معها قليلًا وهو ان تستدرحها بالكلام وانت تخوض في مواضيع جانبية، ختى لاتثير حفيظتها فهي كما قلت لك فتاة خجولة ولن تتحدث إليك بسهولة، إلا إذا إستدرجتنا بالكلام عن ملك، حاول ان تعرّفها على نفسك، ودعها تعرف شخصيتك كما هي دون ان تتحدث عن نفسك، ثم ابتسمت.
عائشة: لا أريدك أن تراها بعين من يبحث عن زوجة فقط... بل بعين من يريد أن يعرف الإنسان الذي أمامه.
أعجب مراد بطريقة تفكير والدته.
فقال:
مراد: حسنًا يا أمي.
في اليوم التالي...
كانت ديلان في المدرسة القرآنية كعادتها.
ترتب بعض الدفاتر، بينما كانت تحظر ما سيراجعه الأطفال مما حفظوه.
وفجأة دخلت ملك وهي تمسك بيد مراد، كانت قد حظرت قبل موعد الدرس.
رفعت ديلان رأسها إليها، وسرعان
ما ابتسمت عندما رأتها.
ديلان: أهلًا بك ياملك، لقد اتيتي اليوم باكرا.
ثم نظرت إلى الرجل الذي يرافقها.
وقف مراد بهدوء وقال:
مراد: السلام عليكم.
ردت عليه ديلان بهدوء ووقار:
ديلان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قال هو:
مراد: أنا مراد خال ملك... ابن السيدة عائشة، التي تقطن بالقرب من المدرسة، بالشارع قرب المسجد.
ابتسمت ديلان بأدب.
ديلان: آه السيدة عائشة نعم، أهلًا بك.
ثم نظر إلى ملك وقال:
مراد: جئت بها اليوم، فأردت أن أطمئن على طريقة دراستها، كما تعلمين يمكن ان اخبرتك والدتي، فوالداها مسافران خارج البلد، وملك بقيت تحت رعايتنا، واردت ان ارى سير دروسها، إذا كانت فتاة نشيطة مواضبة على دروسها، يعني شيئا من هذا القبيل، فهي مسؤليتنا الآن امان والديها.
أجابته ديلان بابتسامة:
ديلان: ملك فتاة مجتهدة تحفظ وتتلقى المعلومات بسهولة، هي فتاة ذكية جيدا لكنها كثيرة الأسئلة.
ضحكت ملك.
ملك: أنا أحب أن أعرف كل شيء.
ابتسم مراد للمرة الأولى.
مراد: وهذا شيء جيد.
اشارت له ديلان على كرسي بالقرب من المكان الذي كانت تجلس به، بالقاعة المخصصة للمعلمات حتى يحظروا دروسهم ويراجعوا ويدونوا معلومات بدفاترهم، عن سير الدراسة وكذلك لتصحيح دفاتر التلاميذ، للإطلاع على مكتسباتهم من خط والكتابة، وكذا حل واجباتهم سواء المنزلية او بالقسم.
جلس قليلًا، وبدأ يسأل ديلان عن المدرسة، وعن الأطفال، وعن طريقة تنظيم حلقات الدروس، وعن الاشياء التي تحد بها صعوبة مع ملك او التلاميذ عموما، لم يكن حديثًا مصطنعًا،
كان حديثا عفويا بسيطًا وطبيعيًا، لكن شيئًا ما لفت انتباهه...
طريقة حديثها،
احترامها،
هدوءها،
وعندما كانت تتحدث عن الأطفال، كان في يرى في عينيها صدق لا يمكن تصنعه.
قال في نفسه:
"لم تكن أمي تبالغ."
عاد مراد إلى المنزل في مساء ذلك اليوم، بعد عودته من العمل وهو أكثر هدوءًا من المعتاد.
لاحظت عائشة ذلك.
ابتسمت وسألته:
عائشة: ما رأيك؟.
جلس مراد قليلًا قبل أن يجيب.
مراد: الآن فهمت لماذا أعجبتِ بها، الفتاة جميلة خلقا وخلقة، جمال قلبها يظهر على وجهها، لا انكر ان جمالها لفت إنتباهي، لكن ما شدني لها هي طريقة حديثها وتلك الهالة من الوقار والإحترام الاي تحيط بها، وكما قلت فهي خجولة جدا، فطيلة حديثي معها رأيت تلون وحنتيها بالحمرة، وعينيها التي كانت تبعدهما عن مرمي عيوني دائما، تلك العيون جملة حقا يا امي ثم ضحك من كلامه عنها.
اتسعت ابتسامة عائشة، وهي ترى تلك اللمعة في عيني إبنها، وهو يتحدث عن ديلان، ادركت انه أعجب بها.
عائشة:ها!!.....إذن ماذا قلت!؟.
نظر إليها وإبتسامة عريضة تنزين وجهه.
مراد: موافق يا أمي ولامانع لدي من خطبتها لي.
لم تكن الكلمة مجرد موافقة على الزواج...
بل كانت اعترافًا بأنه وجد في ديلان شيئًا يبحث عنه.
قال:
مراد: أشعر أنها إنسانة صادقة، وهذا أهم شيء بالنسبة لي.
تنفست عائشة براحة،
كانت سعيدة لأنها رأت في قلب ابنها قبولًا لم تجده منذ زمن حين كانت تحدثت عن الزواج،
لكن عائشة لم تكن تريد أن تستعجل، فقد كانت تنتظر عودة ابنتها هازان من السفر، بعد اسبوعين من الان في زيارة قصيرة، حتى تجتمع العائلة، ويكون الأمر رسميًا كما يليق.
قالت لمراد:
عائشة: لقد إتصلت بي أختك هازان، وهي ستأتي فقد تخسنت امورهم هنا بعض الشيء، وقالت انها ستأتي في زيارة قصيرة، فقد إشتاقت لإبنتها الاي تحدثها فقط عبر تقنية الفيديو، كما إشتاقت لنا، وعندما تأتي أختك هازان، سنذهب لزيارة أهلها و نطلب يدها لك رسميا، لكنني سأفاتح كريمة بالموضوع لنعرف نية الفتاة وتمهد لها ولنا قبل ان نخطو خطوة رسمية.
أومأ مراد لها بالموافقة.
ولم يكن يعلم أن تلك الخطوة التي يراها بسيطة...
ستفتح بابًا جديدًا في حياته،
بابًا لم يكن يبحث عنه...
لكنه جاءه يحمل اسم ديلان.
كانت كريمة أكثر من يشعر بذلك.
فهي التي احتضنتها في أصعب أيامها، ورأت كيف كانت تستيقظ ليلًا منزعجة، وكيف كانت تحاول أن تبدو قوية أمام الجميع بينما كان قلبها ما زال يحمل الكثير من الخوف والألم.
ولهذا كانت كريمة تخشى عليها من أن تبقى أسيرة الماضي.
وفي إحدى الأمسيات، زارت عائشة كريمة في المدرسة القرآنية، وجلست معها في مكان هادئ بحديقة المدرسة.
كانت الشمس تميل إلى الغروب، بعد العصر بقليل حيث كانت تنتظرىنعاية درس ملك، والهواء يحمل شيئًا من السكينة.
نظرت عائشة إلى كريمة وقالت بتردد:
عائشة: أريد أن أحدثك في أمر يا كريمة.
ابتسمت كريمة.
كريمة: تفضلي يا عائشة، أنت تعلمين أنني أعتبرك أختًا لي.
أخذت عائشة نفسًا هادئًا، ثم قالت:
عائشة: الأمر يخص ديلان.
تغيرت ملامح كريمة قليلًا، فقد كانت تعرف أن ديلان أصبحت قريبة جدًا من قلب عائشة.
تابعت عائشة:
عائشة منذ أن عرفتها وأنا أرى فيها شيئًا مميزًا، ليست فقط فتاة متعلمة أو صاحبة أخلاق... بل فيها هدوء ونضج لا أجدهما كثيرًا في غيرها من البنات، ولاتنسي خبرني كمديرة مدرسة ومن قبل كمدرسة، مكنتني ان اعرف جيدا معدن الناس.
ابتسمت كريمة بفخر.
كريمة: ديلان تستحق كل خير.
هزت عائشة رأسها موافقة.
عائشة: ولهذا فكرت في أمر...
سكتت لحظة قبل أن تكمل:
عائشة: فكرت أن في خطبتها وان تكون زوجة لمراد إبني انت تعرفينه أليس كذلك؟.
لم تبدُ المفاجأة كبيرة على كريمة،
فهي تعرف عائشة جيدًا، وتعرف أنها لا تفكر بهذه الأمور بعاطفة فقط، بل بعد أن ترى وتدرس الشخص جيدا.
قالت بهدوء:
كريمة: وهل مراد موافق؟.
ابتسمت عائشة.
عائشة: تحدثت معه عن الأمر، ولم أجد منه رفضًا، بل طلب أن يتعرف إليها أكثر، وأن يرى شخصيتها بنفسه دون أن تشعر أنها تحت الاختبار.
ارتاحت كريمة لسماع ذلك،
فهي تعرف مراد منذ سنوات منذ كان طفلا، وتعرف أنه ليس شخصًا يتسرع في قراراته، والشيء الذي كانت متأكدة منه هو تربيته الجيدة من طرف سيدة فاضلة مثل عائشة وزوجها المحترم عزت.
قالت:
كريمة: مراد رجل محترم، وأنا أعرف تربيتكم جيدا يا عائشة، وإذا كان الأمر قائمًا على القبول والاحترام، فأنا لا أرى مانعًا من ذلك، ولن اجد بيتا مناسبا ولا زوجا يعلم جيدا ماهو الزواج افضل منكم.
ثم أضافت:
كريمة: لكن ديلان تحتاج إلى أن تشعر أنها تختار... لا أن يُختار لها.
أومأت عائشة بإعجاب.
عائشة: وهذا ما أريده بالضبط.
ثم بدأت عائشة تمهد للأمر بطريقة هادئة.
كانت تتحدث مع كريمة عن مراد أكثر، عن عمله الجديد، عن تحمله للمسؤولية، عن شخصيته و عن طباعه الجيدة التي ورثها من والده.
حيث قالت لها:
عائشة: هل تعلمين أن مراد حصل على وظيفة جديدة و مرموقة في إحدى الشركات، نضير تعبه وجهده وتفانيه في العمل؟.
ابتسمت كريمة.
كريمة: هذا خبر جميل.
تابعت عائشة:
عائشة: وبعد حادثة الحريق، عندما أعاد عزت تجهيز البيت، قرر أن يستغل الطوابق الموجودة فوق شقتنا وقد جهزنا إحداها لتكون شقة لمراد، بقي تعيئتها وتفصيلها من الداخل مثلما يريد على الطراز العصري لشقق هذه الايام فعو حر في إختيار الديكورات وتجهيزها بالكامل حسب ذوقع وذوق عروسه من ستشاركه العيش بها، فأنا ووالده قررنا ان يعيش اولادنا منفصلين بحياتهم الخاصة لكن قريبين منا، وكيفما يريدون ان نعيش معا بعضا وكل يذهب لبيته ينام، او كل يعيش حسب ما يريد ونحتمع بيننا، كل جمعة او كل فترة حسب الضروف، ولم يبقَ إلا أن يختار مراد إحدى الشقق ويفصلها كما يريد، ثم يفرشها.
نظرت إليها كريمة بفهم.
كريمة: يعني أنه سيكون لديه بيت مستقل جاهز.
ابتسمت عائشة.
عائشة: نعم؛ لم يبقَ له إلا أن يختار كيف يجعلها مناسبًا لحياته القادمة.
كانت كلماتها واضحة دون أن تكون مباشرة.
وكريمة فهمت مقصدها.
وبعد أيام، قررر أن تتحدث مع ديلان بطريقة أكثر وضوحًا.
قالت لعائشة:
كريمة: سأذهب لزيارتها قريبًا في بيتها.
أومأت عائشة.
عائشة: تحدثي معها بهدوء.
قالت كريمة:
كريمة: سأفعل.
ثم أضافت عائشة:
عائشة: عندما تأتي هزان من الغربة مع زوجها، سنجعل الأمر رسميًا، ستأتي العائلة لخطبتها كما يليق بها وحسب العادات والأصول.
ابتسمت كريمة.
فهي تعرف هزان، وتعرف أن عائلة عائشة تهتم بالأصول والاحترام.
قالت:
كريمة: أتمنى أن يكون الخير من نصيبها.
نظرت كريمة نحو المدرسة التي خرج منها الأطفال منذ قليل.
وقالت:
كريمة: ديلان عاشت كثيرًا من الألم... وأتمنى أن يكون القادم لها أجمل.
وفي قلبها، كانت كريمة تحمل أمنية واحدة...
أن ترى تلك الفتاة التي أعجبت بها كثيرًا تدخل بيتًا يقدرها، لا بيتًا يطلب منها أن تثبت قيمتها.
كانت تريد لها رجلًا يرى قوتها قبل ضعفها، وأخلاقها قبل ماضيها، وقلبها قبل كل شيء.
ولم تكن تعلم أن هذا القرار الصغير الذي بدأته بكلمات هادئة مع عائشة...
سيكون بداية فصل جديد تمامًا في حياة ديلان.
كانت كريمة أكثر من يشعر بذلك.
فهي التي احتضنتها في أصعب أيامها، ورأت كيف كانت تستيقظ ليلًا منزعجة، وكيف كانت تحاول أن تبدو قوية أمام الجميع بينما كان قلبها ما زال يحمل الكثير من الخوف والألم.
ولهذا كانت كريمة تخشى عليها من أن تبقى أسيرة الماضي.
وفي إحدى الأمسيات، زارت عائشة كريمة في المدرسة القرآنية، وجلست معها في مكان هادئ بحديقة المدرسة.
كانت الشمس تميل إلى الغروب، بعد العصر بقليل حيث كانت تنتظرىنعاية درس ملك، والهواء يحمل شيئًا من السكينة.
نظرت عائشة إلى كريمة وقالت بتردد:
عائشة: أريد أن أحدثك في أمر يا كريمة.
ابتسمت كريمة.
كريمة: تفضلي يا عائشة، أنت تعلمين أنني أعتبرك أختًا لي.
أخذت عائشة نفسًا هادئًا، ثم قالت:
عائشة: الأمر يخص ديلان.
تغيرت ملامح كريمة قليلًا، فقد كانت تعرف أن ديلان أصبحت قريبة جدًا من قلب عائشة.
تابعت عائشة:
عائشة منذ أن عرفتها وأنا أرى فيها شيئًا مميزًا، ليست فقط فتاة متعلمة أو صاحبة أخلاق... بل فيها هدوء ونضج لا أجدهما كثيرًا في غيرها من البنات، ولاتنسي خبرني كمديرة مدرسة ومن قبل كمدرسة، مكنتني ان اعرف جيدا معدن الناس.
ابتسمت كريمة بفخر.
كريمة: ديلان تستحق كل خير.
هزت عائشة رأسها موافقة.
عائشة: ولهذا فكرت في أمر...
سكتت لحظة قبل أن تكمل:
عائشة: فكرت أن في خطبتها وان تكون زوجة لمراد إبني انت تعرفينه أليس كذلك؟.
لم تبدُ المفاجأة كبيرة على كريمة،
فهي تعرف عائشة جيدًا، وتعرف أنها لا تفكر بهذه الأمور بعاطفة فقط، بل بعد أن ترى وتدرس الشخص جيدا.
قالت بهدوء:
كريمة: وهل مراد موافق؟.
ابتسمت عائشة.
عائشة: تحدثت معه عن الأمر، ولم أجد منه رفضًا، بل طلب أن يتعرف إليها أكثر، وأن يرى شخصيتها بنفسه دون أن تشعر أنها تحت الاختبار.
ارتاحت كريمة لسماع ذلك،
فهي تعرف مراد منذ سنوات منذ كان طفلا، وتعرف أنه ليس شخصًا يتسرع في قراراته، والشيء الذي كانت متأكدة منه هو تربيته الجيدة من طرف سيدة فاضلة مثل عائشة وزوجها المحترم عزت.
قالت:
كريمة: مراد رجل محترم، وأنا أعرف تربيتكم جيدا يا عائشة، وإذا كان الأمر قائمًا على القبول والاحترام، فأنا لا أرى مانعًا من ذلك، ولن اجد بيتا مناسبا ولا زوجا يعلم جيدا ماهو الزواج افضل منكم.
ثم أضافت:
كريمة: لكن ديلان تحتاج إلى أن تشعر أنها تختار... لا أن يُختار لها.
أومأت عائشة بإعجاب.
عائشة: وهذا ما أريده بالضبط.
ثم بدأت عائشة تمهد للأمر بطريقة هادئة.
كانت تتحدث مع كريمة عن مراد أكثر، عن عمله الجديد، عن تحمله للمسؤولية، عن شخصيته و عن طباعه الجيدة التي ورثها من والده.
حيث قالت لها:
عائشة: هل تعلمين أن مراد حصل على وظيفة جديدة و مرموقة في إحدى الشركات، نضير تعبه وجهده وتفانيه في العمل؟.
ابتسمت كريمة.
كريمة: هذا خبر جميل.
تابعت عائشة:
عائشة: وبعد حادثة الحريق، عندما أعاد عزت تجهيز البيت، قرر أن يستغل الطوابق الموجودة فوق شقتنا وقد جهزنا إحداها لتكون شقة لمراد، بقي تعيئتها وتفصيلها من الداخل مثلما يريد على الطراز العصري لشقق هذه الايام فعو حر في إختيار الديكورات وتجهيزها بالكامل حسب ذوقع وذوق عروسه من ستشاركه العيش بها، فأنا ووالده قررنا ان يعيش اولادنا منفصلين بحياتهم الخاصة لكن قريبين منا، وكيفما يريدون ان نعيش معا بعضا وكل يذهب لبيته ينام، او كل يعيش حسب ما يريد ونحتمع بيننا، كل جمعة او كل فترة حسب الضروف، ولم يبقَ إلا أن يختار مراد إحدى الشقق ويفصلها كما يريد، ثم يفرشها.
نظرت إليها كريمة بفهم.
كريمة: يعني أنه سيكون لديه بيت مستقل جاهز.
ابتسمت عائشة.
عائشة: نعم؛ لم يبقَ له إلا أن يختار كيف يجعلها مناسبًا لحياته القادمة.
كانت كلماتها واضحة دون أن تكون مباشرة.
وكريمة فهمت مقصدها.
وبعد أيام، قررر أن تتحدث مع ديلان بطريقة أكثر وضوحًا.
قالت لعائشة:
كريمة: سأذهب لزيارتها قريبًا في بيتها.
أومأت عائشة.
عائشة: تحدثي معها بهدوء.
قالت كريمة:
كريمة: سأفعل.
ثم أضافت عائشة:
عائشة: عندما تأتي هزان من الغربة مع زوجها، سنجعل الأمر رسميًا، ستأتي العائلة لخطبتها كما يليق بها وحسب العادات والأصول.
ابتسمت كريمة.
فهي تعرف هزان، وتعرف أن عائلة عائشة تهتم بالأصول والاحترام.
قالت:
كريمة: أتمنى أن يكون الخير من نصيبها.
نظرت كريمة نحو المدرسة التي خرج منها الأطفال منذ قليل.
وقالت:
كريمة: ديلان عاشت كثيرًا من الألم... وأتمنى أن يكون القادم لها أجمل.
وفي قلبها، كانت كريمة تحمل أمنية واحدة...
أن ترى تلك الفتاة التي أعجبت بها كثيرًا تدخل بيتًا يقدرها، لا بيتًا يطلب منها أن تثبت قيمتها.
كانت تريد لها رجلًا يرى قوتها قبل ضعفها، وأخلاقها قبل ماضيها، وقلبها قبل كل شيء.
ولم تكن تعلم أن هذا القرار الصغير الذي بدأته بكلمات هادئة مع عائشة...
سيكون بداية فصل جديد تمامًا في حياة ديلان.
في صباح اليوم التالي...
كانت ديلان قد أنهت حصتها كعادتها، وجلست مع الأطفال حتى غادروا، ثم بدأت ترتب بعض الكتب والأوراق.
وبينما كانت تستعد للانصراف، جاءت إحدى العاملات تخبرها:
العاملة: ديلان، السيدة كريمة تريد رؤيتك في مكتبها.
توقفت لحظة،
نظرت نحو الباب،
لم تعرف لماذا شعرت بأن هناك أمرًا مهمًا.
طرقت الباب بهدوء،
جاءها صوت كريمة:
كريمة: ادخلي يا ابنتي.
دخلت ديلان وجلست أمامها،
ابتسمت كريمة بحنان، لكنها لاحظت أن ديلان تنظر إليها بإهتمام.
قالت:
كريمة: لا تقلقي، ليس هناك ما يخيف إطمئني.
ابتسمت ديلان بخفة.
ديلان: لم أقل شيئًا.
ضحكت كريمة.
كريمة: أعرفك جيدا يا ديلان... أصبحت أقرأ ما لا تقولينه.
ساد صمت قصير.
ثم أخذت كريمة نفسًا هادئًا وقالت:
كريمة: أريد أن أحدثك في أمر مهم.
انتبهت ديلان.
ديلان: تفضلي.
نظرت إليها كريمة بحنان.
كريمة: هل تذكرين السيدة عائشة؟.
أومأت ديلان.
ديلان: نعم، بالطبع فهي جدة ملك.
كريمة: نعم جدة التلميذة ملك، هي تحدثت معي عنك، اقصد امر يخصك شخصيا.
ارتبكت ديلان قليلًا.
ديلان: عني؟، وامر شخصي!!؟.
ابتسمت كريمة.
كريمة: نعم... لأنها أعجبت بك كثيرًا، بطريقة تعاملك، بأخلاقك، وبقلبك.
سكتت قليلًا، ثم قالت:
كريمة: بدون إطالة الكلام، السيدة عائشة تريدك زوجة لابنها مراد.
توقفت ديلان للحظة.
لم تعرف ماذا تقول.
كانت الكلمة أكبر من مجرد اقتراح.
زواج...
بعد كل ما حد،.
بعد الخوف الذي عاشته،
بعد أن أصبح قلبها يخشى الاقتراب من أي شخص،
لاحظت كريمة صمتها، فأسرعت تقول:
كريمة: اسمعيني يا ديلان... أنا لا أخبرك بهذا لأضعك أمام أمر واقع، او اجبرك على شيء لا تريدينه او ترفضين الموضوع اساسا.
اقتربت منها قليلًا.
كريمة: أنتِ ابنتي قبل أن تكوني صديقة إبنتي، ولن أسمح أن يتخذ أحد قرارًا عنك.
رفعت ديلان عينيها إليها.
فأكملت كريمة:
كريمة: لكنني أعرف عائشة منذ سنوات؛ أعرف أخلاقها، وأعرف بيتها، وأعرف طريقة تربيتها لأبنائها، إنها امرأة تخاف الله، وقلبها طيب، وقد كانت مربية أجيال وقد تخرج الكثيرين على ايديها، وانا كنت واحدة من عاصرها، وكنت معلمة بمدرسة كانت هي مديرتها.
ثم أضافت:
كريمة: ومراد... رجل محترم. ليس من النوع الذي يبحث عن زوجة تخدمه أو تتحمل عنه مسؤولياته، هو رجل يعرف معنى المسؤولية وما معنى الحياة الزوجية.
كانت ديلان تستمع بصمت.
قالت كريمة:
كريمة: أنا أراه شخصا مناسبًا لك يا ابنتي.
ثم أمسكت يدها.
كريمة: أراه رجلًا يستطيع أن يحميك ويصونك، ويمنحك الأمان الذي افتقدته.
خفضت ديلان عينيها،
فكلمة "الأمان" كانت أكثر كلمة لامست قلبها.
تابعت كريمة:
كريمة: وأريدك أن تنظري إلى الأمر من جهة أخرى أيضًا... وجودك بعيدًا عن كاظم سيكون أفضل لك، في كنف رجل يحميك ويصونك ويكون لك سندا في هذه الحياة، رجلا يقف في وجه كاظم، ولن يبقى له مجال ليؤذيك أو يحاول تشويه حياتك.
تغيرت ملامح ديلان عند سماع اسمه.
فحتى مجرد ذكره كان يعيد إليها الألم.
لكن كريمة تابعت بسرعة:
كريمة: لا أقول لك تتزوجي هروبًا منه؛ لا يا ديلان؛ معاذ الله ان يكون هذا مقصدي، الزواج ليس هروبًا.
ثم شددت على يدها.
كريمة: لكن أقول لك إن الله قد يفتح للإنسان بابًا جديدًا بعد أن يغلق بابًا آلمه، اطلب منك ان تفكري جيدا، وتزني الامور من كل جانب، فاحيانا سوء تقديرنا للأمور، يجعلنا نضيع فرصة منحها الله لنا، او باب كان باب خير لنا، لكن بجهلنا او بهفوة مننا اخطئنا ذلك الباب، وضاع مننا في وسط زحمة الحياة، وحينها لايمكننا الرجوع للوراء وتصليح ما قد مر ومضى.
سكتت ديلان.
كانت أفكار كثيرة تدور في رأسها، فقد تذكرت باران وذلك اليوم الذي إلتقت به في محطة قطار الأنفاق، لو تشجعت يومها وطلبت منه ان يبقى، ويتحدثان بما يريد قوله لها، بدل ان يتفقا على موعد آخر بيوم آخر، لكانت عدة امور تغيرت ولربما كانت طريقهما الان واحدة ولربما كان هو من يطلبها للزواج الآن، لكن سوء تقديرها للأمور وجهلها مع خجلها، الذي جعلها تسكت بدلا من ان تسأله عن إسمه، هو من جعلها تدور في حلقة مفرغة لاتعلم إذا ما كان يبادلها الان نفس المشاعر، ويبحث عنها كما تنتظره هي، او قد صرف نظره ونسيها، ويعيش حياتها كما خطط لها بعيدا عنها.
اطرقت رأسها قليلا ثم قالت بصوت خافت:
ديلان: وماذا عن دراستي؟.
ابتسمت كريمة وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال.
كريمة: هذا أول شيء سألت عنه عائشة.
رفعت ديلان نظرها إليها.
ديلان: وماذا قالت لك؟.
أومأت كريمة.
كريمة: نعم؛ قالت إن العلم حقك، وإنها لا تريد أن تكون سببًا في توقف حلمك.
ثم أضافت:
كريمة: هي ومراد موافقان أن تكملي دراستك، بل إنهم يدعمون ذلك، وحتى عملك هنا في المدرسة القرآنية ليس مشكلة بالنسبة لهم.
بقيت ديلان صامتة.
لأن أكثر ما كان يخيفها طوال حياتها...
أن يأتي شخص ويطلب منها أن تتخلى عن نفسها.
لكن كلام كريمة جعلها تفكر في احتمال آخر.
احتمال أن تجد شخصًا لا يريد تغييرها.
بل يريد أن يشاركها حياتها كما هي.
قالت كريمة بهدوء:
كريمة: فكري جيدا يا ديلان،
لا أريد منك جوابًا الآن.
ثم ابتسمت.
كريمة: فكري بالامر وصلي وإستخيري الله، وتبيني ما يقوله قلبك.
اومأت ديلان برأسها ثم وقفت،
وقبل أن تخرج، قالت كريمة:
كريمة وتذكري شيئًا واحدًا...
توقفت ديلان و إلتفتت إليها.
كريمة: أنتِ لا تختارين لأنك مكسورة.
ثم تابعت:
كريمة: بل أنتِ تختارين لأنك تستحقين حياة أفضل.
خرجت ديلان من المكتب بخطوات بطيئة،
كان عقلها ممتلئًا بالأسئلة...
لكن لأول مرة منذ فترة طويلة، لم يكن كل ما تفكر فيه خوفًا،
كان هناك شيء جديد يحاول أن يولد داخلها...
أمل.
عادت ديلان إلى البيت ذلك المساء وهي تحمل في قلبها كلامًا كثيرًا لم تجد له جوابًا،
منذ أن خرجت من مكتب كريمة، لم تتوقف كلماتها عن الدوران في عقلها.
"مراد رجل سيصونك ويحميك وسيكون لك سندا في هذه الحياة..."؛
"عائشة وأسرتها يريدون لك الخير..."؛
"فكري جيدًا، ولا تختاري لأنك مكسورة..."؛
كانت كلمات بسيطة، لكنها هزت شيئًا عميقًا بداخلها.
دخلت المنزل فوجدت والدتها أمينة منشغلة بإعداد العشاء.
ابتسمت ديلان واقتربت منها دون أن تظهر اضطرابها.
ديلان: هل أساعدك يا أمي؟.
نظرت إليها أمينة بحنان.
أمينة: نعم يا ابنتي، قطعي هذه الخضار وساعديني في ترتيب المائدة.
انشغلت ديلان بالأعمال المنزلية، تحاول أن تجعل يديها مشغولتين حتى لا تغرق في أفكارها.
بعد انتهاء العشاء، جلست مع إخوتها.
كان أحمد يحاول حل واجباته، بينما عمر الصغير كان يحتاج إلى من يشرح له دروسه.
جلست بينهما كعادتها.
ديلان: هيا يا عمر، اقرأ السؤال مرة أخرى، لا تخف... أنت تعرف الإجابة.
ابتسم الطفل.
عمر: عندما تشرحين لي أفهمها.
ضحكت ديلان.
ديلان: لأنك لا تحاول الاستسلام من أول مرة.
كانت تلك اللحظات تمنحها بعض الراحة.
لكن ما إن انتهت من مساعدتهما، وصعدت إلى غرفتها، حتى عاد كل شيء.
جلست على طرف السرير في صمت.
كانت الغرفة هادئة، والليل يحيط بها.
فتحت درجها ببطء، وأخرجت الرسالة التي احتفظت بها طوال هذه الفترة.
رسالة باران.
ظلت تنظر إليها طويلًا قبل أن تفتحها.
كانت الكلمات القليلة التي كتبها لا تزال تحمل ذلك الشعور الغريب الذي لم تفهمه حتى الآن.
مررت أصابعها على الورقة وهمست:
ديلان: لماذا تركتني هكذا؟.
سكتت لحظة، وكأنها تنتظر أن يجيبها.
ثم ابتسمت بحزن.
ديلان: حتى أنك لم تترك لي اسمك لأبحث عنك...
نزلت دمعة من عينها.
ديلان: هل كنت تعلم أنني كنت سأأتي؟.
احتضنت الرسالة بين يديها.
ديلان: كنت سأذهب إلى ذلك الموعد... كنت سأسمعك، كنت سأعرف من أنت.
أغمضت عينيها، وتخيلته أمامها كما كانت تتخيله دائمًا، ذلك الشاب الذي لا تعرف عنه شيئًا سوى أثره.
قالت بصوت خافت:
ديلان: أين أنت الآن؟.
ثم أضافت وكأنها تناجيه:
ديلان: هل تعلم ماذا حدث لي بعد غيابك؟.
سكتت.
ديلان: هل كنت ستتركني لو عرفت؟.
ثم انكسرت ابتسامتها.
ديلان: تعال أرجوك... فقط أخبرني أنك لم تنسني، انك لازلت تفكر بي، وانني مازلت تلك الفتاة التي كنت تريد ان تكون في حياتك، فقط أخبرني وانا سأنتظرك.
للحظة، شعرت وكأنها تريد أن يفتح الباب ويدخل شخص يقول لها إن كل ما حدث كان مجرد كابوس.
أن يأتي هو...
ذلك المجهول الذي بقي في قلبها...
وينقذها من كل شيء،
لكن الغرفة بقيت صامتة،
ولم يجبها سوى صوت الليل.
في صباح اليوم التالي، وبعد انتهاء محاضراتها في الجامعة، جلست ديلان مع مريم في الكافتيريا.
كانت مريم تلاحظ شرودها منذ أن جلستا.
قالت:
مريم: يبدو أن الأمر مهم جدًا.
تنهدت ديلان.
ديلان: تحدثت معي والدتك كريمة أمس.
نظرت إليها مريم باهتمام.
مريم: ماذا قالت؟.
أخذت ديلان نفسًا طويلًا.
ديلان: السيدة عائشة صديقة امك القديمة... تريدني زوجة لابنها مراد.
لم تبدُ الصدمة على مريم.
بل ابتسمت قليلًا.
مريم: كنت أشعر أن هذا الأمر سيحدث يومًا.
نظرت إليها ديلان باستغراب.
ديلان: كنت تعلمين؟.
ضحكت مريم.
مريم: ليس تمامًا، لكنني أعرف أمي.
ثم تابعت:
مريم: أمي لا تفكر بهذه الأمور من فراغ.
قالت ديلان:
ديلان: لكنها تريد أن تزوجني لابن صديقتها.
أمسكت مريم يدها.
مريم: اسمعيني جيدا يا ديلان... أمي تعرف عائشة منذ سنوات طويلة، تعرف أخلاقها وتعرف بيتها، وهي ليست امرأة تتحرك بالعاطفة فقط.
ثم أضافت:
مريم: أمي تعتبرك مثل ابنتها، وليس فقط صديقة ابنتها، عندما فكرت في هذا الأمر، كانت ترى مصلحتك قبل أي شيء، ولو كانت تعلم ان هذا الزواج ليس في صالحك، ولو بنسبة واحد بالمئة لما قبلت ان تتحدث معك او تناقشك به،
خفضت ديلان عينيها.
ديلان: لكنها لا تعرف...
توقفت.
فهمت مريم ما تقصد.
قالت ديلان:
ديلان: لا تزال هناك حكاية أخرى في قلبي.
عرفت مريم فورًا.
مريم: ذلك الشاب طالب الهندسة!!؟.
أومأت ديلان.
ديلان: نعم.... ذلك الشاب...
ثم أخرجت الرسالة من حقيبتها.
نظرت إليها مريم بحزن.
مريم: ما زلت تحتفظين بها؟
ابتسمت ديلان.
ديلان: لا أعرف لماذا... لكنها الشيء الوحيد الذي يربطني به.
قالت مريم بهدوء:
مريم: ديلان، أنا لا أقلل من شعورك أبدًا، أعرف كم كان هذا الأمر مهمًا لك.
ثم تابعت:
مريم: لكن علينا أن ننظر إلى الواقع أيضًا.
نظرت ديلان إليها.
قالت مريم:
مريم: منذ ذلك اليوم اختفى، لم يظهر في أي مكان حتى الجامعة، لم يحاول أن يبحث عنك، لم يرسل لك رسالة أخرى، ولم يترك أي طريقة تجعلك تصلين إليه،
سكتت قليلًا.
ديلان: ربما حدث له شيء... وربما لديه عذر، لكننا لا نعرف.
تنهدت ديلان، فأكملت مريم:
مريم: ربما نسيَني.
أكملت مريم بحزن:
مريم: وربما عاش حياته ومضى.
ثم أضافت:
مريم: وأنا لو كنت أعرف أي شيء عنه، لو كان لدينا اسمه أو مكانه، لكنت حاولت الوصول إليه وسؤاله عن نيته، لكننا لا نملك شيئًا.
نظرت إلى الرسالة.
مريم: لا يمكنك أن تبني مستقبلك كله على شخص لا تعرفين حتى أين هو.
صمتت ديلان.
فكلمات مريم كانت مؤلمة لأنها واقعية.
تابعت مريم:
مريم: أما مراد... فأنت تعرفين من هو، تعرفين عائلته، تعرفين والدته، وتعرفين أنه رجل تتمناه الكثير من الفتيات، ويمكننا ان تحرى عنه لنعرف المزيد.
ثم اقتربت منها قائلة:
مريم: ولا تنسي كاظم يا ديلان.
تغير وجهها؛
ديلان: ماذا تقصدين؟.
قالت مريم:
مريم: أقصد أنه سيخرج يومًا ما، وهذه الحقيقة يجب أن تضعيها أمامك، وربما يكون اخطر مما كان عليه، إذا عاد وحاول التدخل في حياتك، فأنت تحتاجين إلى شخص يقف إلى جانبك ويحميك.
ثم أضافت:
مريم: وأنا لا أقول لك توافقي خوفًا منه، لكن لا ترفضي فرصة جيدة بسبب انتظار شخص لم يعد، ولانعرف عنه شيء سوى صورته ورسالة تركها في يوم ما، انا لا أريد اظلمك او اظلمه، لكن الحياة تفرض علينا ان نفكر بواقعية أكثرا، بعيدا عن الاحلام التي من الممكن ان تبقى مجرد احلام، وذكرى جميلة تفرحنا حين نتذكرها، لكن لانبني مستقبلا عليها قد يسقط ويهوي بنا في احد الايام.
بقيت ديلان صامتة.
كانت تشعر وكأنها بين طريقين،
طريق يحمل ذكرى مجهولة لم تستطع نسيانها، وطريق جديد لا تعرف إن كان سيكون بداية سعادتها.
قالت مريم بابتسامة هادئة:
مريم: لا تتخذي قرارك الآن، لاتتجعلي في اخذ قرار يمس مصيرك وحياتك.
ثم أمسكت يدها.
مريم: صلي صلاة استخارة يا ديلان، اطلبي من الله أن يختار لك الخير أين كان، وأن يبعد عنك ما ليس لك ويمكن ان يأذيكي إذا تمسكت به.
نظرت ديلان إلى السماء من نافذة الكافتيريا.
كانت لا تزال محتارة...
لكن لأول مرة شعرت أن عليها ألا تسأل فقط عن من تحب...
بل عن من سيكون رحمة وسندا لها فيما هو آت.
في تلك الليلة...
عادت ديلان إلى غرفتها وهي تحمل في قلبها صراعًا لم تعرف له مثيلًا من قبل.
كانت كلمات مريم لا تزال تتردد في أذنها.
"لا تبني حياتك على شخص لا تعرفين عنه شيئًا."
"مراد رجل تتمناه أي فتاة."
"استخيري الله... ودعي الخير يأتيك حيث كتبه الله لك."
جلست على طرف سريرها، ونظرت طويلًا إلى الرسالة التي وضعتها بجانبها.
رسالة ذلك الشاب الذي لا تعرف عنه سوى ملامحه و رسالة...
ذلك الشيء الوحيد الذي بقي من حكاية لم تبدأ.
مررت أصابعها على الورقة، وشعرت بوخزة في قلبها.
ديلان: سامحني...
همست وكأنها تخاطبه.
ديلان: لم أنسَك... لكنني تعبت من الانتظار، ولم يصلني عنك أي جديد، وقد تعبت مما فعلته بي الخياة في غيابك.
سكتت قليلًا.
ثم أضافت:
ديلان: إن كان خيرًا لي يا رب... فقربني منه، وإن كان غير ذلك فاصرف قلبي عنه وتعلقه به وارزقني الرضا حيث كان.
وضعت الرسالة في مكانها، ثم توضأت ووقفت تصلي.
كانت صلاتها تلك مختلفة عن كل صلاة صلتها من قبل.
لم تطلب شيئًا بعينه.
لم تقل: يا رب اجعل مراد زوجي.
ولم تقل: يا رب أعد لي ذلك الشاب.
بل تركت الأمر كله لله.
كانت للمرة الأولى منذ وقت طويل تشعر أنها لا تحمل وحدها ثقل القرار.
بعد أن أنهت صلاتها، جلست تدعو بقلب خاشع.
طلبت من الله أن يختار لها، وأن يبعد عنها ما يؤذيها، وأن يعوضها عن كل لحظة ألم عاشتها.
ثم استسلمت للنوم.
في تلك الليلة رأت ديلان حلمًا غريبًا...
رأت نفسها تسير في طريق طويل.
كان المكان مظلمًا، والهواء باردًا، وكانت تحمل في يدها حقيبة ثقيلة تشعر أنها أثقل من قدرتها على حملها.
كانت تمشي وحدها...
تلتفت خلفها بين حين وآخر، وكأنها تخشى أن يعود شيء من الماضي ليمسك بها.
وفجأة ظهر أمامها نور من بعيد.
اقتربت منه.
فوجدت بيتًا جميلًا مفتوح الباب.
وقفت مترددة.
ثم سمعت صوتًا هادئًا يقول لها:
" لا تخافي...لم يبقى إلا القليل..... وسينتهي ذلك الطريق المتعب، هناك عقبة واحدة في الامام ،إذا تحاوزته نجوت."
دخلت.
فشعرت بدفء لم تعرفه منذ زمن.
كان هناك شعور بالأمان...
شعور بأنها لم تعد مضطرة للدفاع عن نفسها في كل لحظة، ثم رأت شخصًا يقف بعيدًا، لم تكن ملامحه واضحة، لكنه كان يحمل في حضوره الطمأنينة، كان بينه وبينها جسر من خشب مربوطا بحبال بدت هشة وفي وسط الجسر مان هناك تآكل لبعض الواحه، لكن هناك صوت اتاه يقول رجل بالقرب منها يمد لها يده" إصبري قليلا فإذا إستطعت ان تمري ذلك الجسر ستصلين للطرف الآخر"،
رفعت رأسها ونظرت رأت في آخر الطريق رجلا بدا لها مثل باران لكن المكان وراءه كان مثل الجنة.
وعندما استيقظت على أذان الفجر...
كان قلبها هادئًا بطريقة غريبة.
لم ترَ وجوهًا واضحًة كل الوضوح، ولم تسمع اسمًا.
لكنها شعرت بشيء واحد...
أن الله يفتح لها بابًا جديدًا، وهناك جسرا إذا مرت به وقطعته فستنتهي كل الامها.
قامت توظأت وصلت فرضها نع نوافله، ثم جلست تذكر الله وقرأت وردها.
في الصباح حين اشرقت الشمس، قامت ديلان من مجلسها وقلبها أكثر راحة.
لم تختفِ كل مخاوفها.
لكن ذلك الثقل الذي كان يضغط على صدرها بدأ يخف.
جلست قليلًا تفكر.
ثم قالت لنفسها:
ديلان: ربما ليست كل النهايات خسارة... ربما بعض الأبواب التي تغلق تفتح بعدها أبواب أفضل.
في ذلك اليوم وبعد انتهاء محاضراتها في الجامعة، خرجت مع مريم، وجلست معها في المكان المعتاد في الكافتيريا.
ما إن جلست حتى لاحظت مريم شيئًا مختلفًا في وجهها.
قالت بابتسامة:
مريم: يبدو أنك اتخذت قرارًا.
نظرت إليها ديلان، ثم ابتسمت بهدوء.
ديلان: نعم.
اقتربت مريم منها باهتمام.
مريم: ماذا قررتِ؟.
أخذت ديلان نفسًا عميقًا.
ديلان: سأوافق.
ابتسمت مريم.
مريم: تقصدين...
أومأت ديلان.
ديلان: سأوافق على طلب السيدة عائشة، وهناك متسع من الوقت إلى نهاية دراستي، وإذا ظهر اي شيء يمكنني فسخ الخطوبة.
احتضنتها مريم بسعادة.
مريم: ديلان...
ضحكت ديلان بخفة لأول مرة منذ مدة.
قالت:
ديلان: لم أتخذ القرار لأنني نسيت الماضي.
ثم نظرت بعيدًا.
ديلان: لكنني أدركت أنني لا أستطيع أن أبقى معلقة بحكاية لا أعرف حتى إن كانت ستعود، وانا لايمكن ان نعيش على اطلال الماضي وذكرياته ونقف مكاننا، الذكريات ستحي في قلوبنا، لكن الحياة لاتتوقف على شخص او موقف، وكذلك فوضت أموري لله والهيرة فيما إختاره الله لي.
أمسكت مريم يدها.
مريم: وهل أنتِ مرتاحة؟.
ابتسمت ديلان.
ديلان: صليت الاستخارة.
ثم أضافت:
ديلان: ولا أعلم ماذا سيحدث، لكنني أشعر براحة لم أشعر بها منذ وقت طويل.
قالت مريم:
مريم: سأخبر أمي إذن؟.
أومأت ديلان.
ديلان: نعم.
ثم ابتسمت بتردد.
ديلان: لكنني أشعر بالخجل قليلًا.
ضحكت مريم.
مريم: من أمّي؟.
ابتسمت ديلان.
مريم: لا... من كل شيء، أشعر وكأن حياتي تغيرت فجأة.
قالت مريم بحنان:
مريم: أحيانًا يا ديلان، يأتي الفرج بعد لحظة نظن فيها أن كل الطرق أُغلقت.
في المساء، أخبرت مريم والدتها كريمة بقرار ديلان.
كانت كريمة تجلس في منزلها عندما سمعت الخبر.
ابتسمت ابتسامة عريضة، وشعرت براحة كبيرة.
لم تكن فرحتها لأنها نجحت في إتمام أمر الزواج...
بل لأنها رأت ديلان تختار طريقًا قد يمنحها السكينة.
قالت:
كريمة: الحمد لله.
ثم أضافت:
كريمة: سأخبر عائشة.
وفي الغد بعد أن تحدثت معها، اتفقتا على أن تنتظر عائلة عائشة عودة هازان وزوجها من الغربة، حتى تكون الزيارة رسمية بحضور الجميع.
ستأتي العائلة إلى بيت أمينة،
و سيجلسون معًا، وسيطلبون ديلان كما يليق بها، وتقتضيه العادات والتقاليد في تلك الأمور.
وفي تلك الليلة...
وضعت ديلان رأسها على وسادتها.
لم تكن تعرف ماذا يحمل لها المستقبل.
ولم تكن تعرف أن هناك قلبًا آخر في مكان بعيد ما زال يحتفظ برسوماتها ولا يعلم أن الفتاة التي يبحث عنها أصبحت على وشك دخول حياة جديدة.
لكنها للمرة الأولى منذ زمن...
نامت دون خوف،
نامت وهي تشعر أن الله، بعد كل ما أخذ منها...
بدأ يعوضها بشيء أجمل