
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السادس والعشرون26 بقلم عاشقة القلم
✍️.....كانت الأيام تمضي...
وبينما كان مراد يزداد صمتًا وجفاءً، كانت ديلان تجد في بيت عائشة وعزت ملاذًا دافئًا يخفف عنها ثقل الأيام.
بعد أن تنتهي من أعمال المنزل، كانت تجلس مع عائشة في غرفة الجلوس، تتبادلان الأحاديث كما تفعل الأم مع ابنتها.
كانت عائشة تحدثها عن ذكرياتها، عن أولادها، وعن سنوات عمرها التي مرت بين الفرح والتعب.
لكن أكثر اسم كانت ديلان تسمعه يتكرر على لسانها...
كان اسم باران.
كلما تحدثت عائشة عنه، تغيرت ملامحها، كانت تبتسم بحنين، وتتنهد بشوق، وكأنها ترى أمامها طفلًا ما زال يركض في أرجاء المنزل.
وفي أحد الأيام...
وبعد أن انتهتا من ترتيب بعض الأشياء في المطبخ، جلستا معًا لتناول القهوة، فراحت عائشة تحدثها عن باران وطفولته،
ابتسمت ديلان وقالت بعفوية:
ديلان: أظن أن باران هو أصغر أبنائك، أليس كذلك يا أمي؟.
نظرت إليها عائشة مبتسمة.
فأكملت ديلان:
ديلان: لأنك تتحدثين عنه كثيرًا...
أشعر أنه قريب جدًا من قلبك،
أو ربما لأن سفره جعلك تشتاقين إليه أكثر.
اتسعت ابتسامة عائشة، ونظرت أمامها وكأنها تستعيد صورة ابنها في ذاكرتها.
وقالت بهدوء:
عائشة: ربما... لأنه أصغر إخوته،
وربما لأنني فعلًا اشتقت إليه كثيرًا، لقد مضى أكثر من عامان كاملان منذ أن رأيته آخر مرة.
عامان يا ديلان...
وهذا ليس سهلًا على أم.
تنهدت، ثم تابعت:
عائشة: كان من المفترض أن يحضر زفاف أخيه، لقد كان متحمسًا لذلك، لكن في اللحظة الأخيرة اتصل بنا وقال إنه لن يحظر، وسيخضع لدورة مهمة هناك، دورة ستزيد من قيمة الشهادة التي حصل عليها، وستفتح له أبواب المستقبل بعد نجاحه، لذلك قرر أن يبقى بضعة أشهر أخرى حتى ينتهي منها ثم يأتي.
ابتسمت بحزن.
عائشة: كنت أتمنى أن يكون معنا في هذا اليوم، فهو كان دائمًا يحب أن يكون حاضرًا في أفراحنا.
سكتت قليلًا، ثم قالت:
عائشة: أتعلمين يا ديلان؟،
باران مختلف عن إخوته.
رفعت ديلان عينيها إليها باهتمام،
فأكملت عائشة:
عائشة: هو أحن أبنائي، منذ أن سافرت هازان وتركت لي ملك إبنة ستة أشهر، كان يساعدني كثيرًا في ملاك، كان يجلس معها، ويلعب معها، ويتحمل طلباتها الصغيرة، عكس مراد...
مراد يشبه والده كثيرًا.
ابتسمت وهي تضحك بخفة، وإسترسلت في كلامها..
عائشة: إنه عصبي...
غيور...
ومتسرع في أحكامه أحيانًا،
لكن قلبه طيب جدا، وحين يحب شخصًا، يحبه بكل جوارحه، مثل أبيه تمامًا.
خفضت عائشة نظرها للحظة، وكأنها تستعيد سنوات بعيدة.
عائشة: في بداية زواجي من عزت...
تعبت كثيرا من غيرته وعصبيته،
كان يريد أن يعرف كل شيء، ويقلق عليّ من كل شيء،
لكن مع الأيام...
ومع العشرة...
تغير كثيرًا،
وخاصة بعد ولادة مراد،
أصبح الرجل الذي ترينه الآن،
أكثر هدوءًا وحكمة.
ثم نظرت إلى ديلان بابتسامة مطمئنة، وهي تبعث لها برسالة مبطنة:
عائشة: وأظن أن مراد سيكون مثله، بعد أن يأتي أول طفل لكما، ستتغير طباعه، وستهدأ حدته قليلًا، وربما تقل غيرته.
ابتسمت وأضافت:
عائشة: وأظن أن سبب منعه لك من الهاتف يعود إلى غيرته الشديدة عليك.
صمتت ديلان.
وشعرت بوخزة في قلبها.
لم تكن تعرف كيف تخبر هذه المرأة الطيبة أن الأمر لم يكن كما تظن.
أن مراد لم يمنعها خوفًا عليها...
بل بسبب اتهام لم تفهم مصدره حتى الآن، ولاحتى ان حياتهم الزوجية ليست كأي حياة بين زوجين، فهما سخصان يعيشان كالغربين تحت سقف بيت واحد لا كزوجين طبعيين.
رفعت عائشة يدها ولمست ذقن ديلان برفق، ثم رفعت وجهها إليها بعدما لاحظت أنها أحنته حتى لا ترى عينيها.
قالت بحنان:
عائشة: يا ابنتي...
من يمتلك جوهرة ثمينة ونادرة...
وجمالًا لافتًا مثل جمالك الفاتن...
من الطبيعي أن يغار عليها، وأن يخاف أن تمتد إليها أعين الناس.
أليس كلامي صحيحًا؟.
نظرت ديلان إليها واومأت لها دون ان تجيب.
عندها قالت عائسة بحالمية.
عائشة: عندما سافرت هازان وتركت ملك رضيعة، لم اكن أعلم ان ملك ستنشر البهجة في البيت بسبب مرحها الطفولي، وعندها كم تمنيت ان يملئ ابنائي البيت عليا بالأحفاد، إنه شعور مختلف لا يشبه شعور الاولاد، وخصوصا مراد فهو قارب على الثلاثين واتمنى أنا وأباه ان نرى أبنائه يركضون حولي ويملئون البيت بضحكاتهم الطفولية ومرحهم الذي يبهج القلب.
طأطأت ديلان رأسها واخفضت بصرها وهي تهمس في سرها..
ديلان: آه لو تعلمي ما حدث بيني وبين إبنك، كيف يكون لك احفاد وإبنك لم يقربني حتى، ولا يعتبرني زوجة له، كيف أخبرك الحقيقة وأكسر فرحتك هذه، واحني رأس إبنك امامك، إبنك الذي طالما رأيتيه كبيرا في نظرك لكنه كسرني وجرحني يا أمي، لو بيدي كنت حاولت جاهدة لتحقيق أمنيتكما، لكن الأمر ليس بيدي.
كانت الكلمات تؤلمها أكثر مما تطمئنها.
لأنها كانت تعلم أن عائشة تتحدث بحب وثقة...
بينما الحقيقة مختلفة تمامًا، لكنها لم تستطع أن تكسر قلبها أو تهدم صورتها الجميلة عن ابنها، فاكتفت بأن أومأت برأسها بالإيجاب،
ولم تنطق،
لأنها كانت تخشى أن تفضح نبرة صوتها ما تخفيه من ألم.
ساد صمت قصير...
ثم أرادت ديلان تغيير مسار الحديث.
فقالت بابتسامة صغيرة:
ديلان: لكن يا أمي...
هناك شيء لاحظته، لم أرَ أي صورة لباران منذ أن دخلت هذا البيت.
تغيرت ملامح عائشة فجأة،
وتلاشت ابتسامتها قليلًا، ثم
تنهدت بحزن وقالت:
عائشة: للأسف...
لقد فقدنا كل صور العائلة تقريبًا،
وخاصة صور باران.
رفعت ديلان حاجبيها باستغراب.
ديلان: لماذا؟.
نظرت عائشة إلى النافذة، وكأنها ترى مشهدًا قديمًا أمامها، وقالت بصوت هادئ يحمل ألم الذكرى:
عائشة: لأن باران كان يحتفظ بكل صوره داخل غرفته، منذ صغره كان يحب الرسم كثيرًا،
كان يأخذ الصور، ويجلس بالساعات يقلدها ويرسمها،
كانت غرفته مليئة برسوماته وذكرياته.
لكن...
توقفت قليلًا، ثم أكملت:
عائشة: اندلع حريق في الشقة قبل سنوات، وكانت غرفة باران هي الأكثر تضررًا، النيران التهمتها بالكامل، ولم تترك فيها شيئًا،
حتى صوره...
ورسوماته...
وكل ذكرياته ذهبت مع الحريق.
شهقت ديلان بحزن.
ديلان: يا إلهي...
هزت عائشة رأسها.
عائشة: كان الأمر مخيفًا جدًا.
كدنا نفقد الشقة كلها، وربما العمارة بأكملها، لولا ستر الله ثم وصول رجال الإطفاء في الوقت المناسب، بعدها أعدنا تهيئة المنزل من جديد،
لكن غرفة باران...
كانت أصعب مكان، لأنها لم تعد تحمل أي شيء منه، سكتت للحظة، ثم ابتسمت بحزن.
عائشة: أحيانًا يا ديلان...
الأشياء لا تكون غالية لأنها ثمينة...
بل لأنها تحمل أرواح أصحابها.
خفضت ديلان عينيها، ولسبب لم تفهمه...
شعرت بألم غريب في قلبها عند سماعها قصة ذلك الحريق، لم تكن تعلم لماذا أثر بها الأمر هكذا،
لكن اسم باران...
كان دائمًا يحمل في داخلها شيئًا لا تستطيع تفسيره.
أما عائشة...
فلم تكن تعلم أن الفتاة التي تجلس أمامها، والتي تستمع بحزن إلى قصة فقدان صور ابنها...
كانت تحمل في قلبها ذكرى شخص ظنت أنه أصبح من الماضي، ولم تكن تعلم أن القدر قد خبأ لها مفاجأة ستغير كل ما اعتقدته عن تلك السنوات الماضية.
كان قد مرّ شهر آخر على زفاف مراد وديلان...
كانت أصبحت ثلاثة أشهر ألآن، كانت كفيلة بأن تغير أشياء كثيرة داخل العائلة، وحتى داخل ديلان،
فبينما كان الجميع يرى في ديلان زوجةً هادئة، خلوقة، استطاعت أن تكسب القلوب ببساطتها وتواضعها، كانت هناك عيون أخرى تراقبها بحقد وضيق، ترى في قربها من العائلة تهديدًا لمكانتها وحلمها القديم الذي لم تستطع ان تحققه، كانت تظن ان مراد سيطلق ديلان بعدما علمه عنها، كانت تعتقد ان بخطتها تلك لن يبقى لديلان وجود ولاحتى أثر، فقد كانت تحدث نفسها كل يوم ان اليوم ستسمع الخبر الذي تنتظره، والذي سينعش قلبها ويشفي جراحها وقلبها من الندبة التي يحملها، لكن لاشيء يحد والأيام تمر والحال باق كما هو لاجديد يذكر، بل رات ان ديلان بدأت تكسب ممانا داخل عائلة عمها، وبل حتى في قلوبهم، وهذا ما لم تستطع تحمله، وأقصى ما كانت تخشاه ان تحتل قلب مراد، الذي سعت هي كثيرا لإمتلاكه دون جدوى.
وفي أحد الأيام...
وبينما كانت دنيز تجلس مع والدتها صفية في غرفتهما، والضيق واضح على ملامحها.
كانت تقلب هاتفها بين يديها بعصبية، ثم قالت بانزعاج:
دنيز: لقد مر ثلاثة أشهرا كاملة ويزيد يا أمي...
ثلاث أشهر كاملة، ولم يحدث شيء مما كنتِ تقولينه.
لم يطلقها مراد...
بل على العكس،
أصبحت تلك الفتاة تتغلغل داخل العائلة أكثر فأكثر.
توقفت لحظة، ثم تابعت بغيظ:
دنيز: حتى عمي وزوجته...
لم يعد يمر يوم دون أن يتحدثا عنها،
عن أخلاقها...
عن طيبتها...
عن مساعدتها لزوجة عمي عائشة، وكأنهما لم يعرفا فتاة غيرها في حياتهما.
ابتسمت صفية بهدوء، وكأنها لم تكن قلقة كما ابنتها.
وقالت:
صفية: اهدئي يا ابنتي...
كل شيء يحدث في وقته،
لا تستعجلي الأمور.
نظرت إليها دنيز باستغراب،
فأكملت صفية بصوت خافت:
صفية: لقد سمعت بالصدفة أن مراد كان يريد إلغاء الزواج ليلة الزفاف.
اتسعت عينا دنيز.
دنيز: وماذا أيضا؟.
أومأت صفية برأسها.
صفية: نعم....
لكن ضغط والديه عليه جعله يتراجع عن قراره في آخر لحظة،
ولو كان مراد كما أعرفه...
فإذا عزم على أمر فلن يمنعه أحد، لكنه الآن أظنه ينتظر الوقت المناسب، لا يريد أن يغضب والديه، أنت تعلمين جيدًا مدى تعلقه بهما واحترامه لهما.
ابتسمت دنيز بسخرية.
دنيز: إذًا هو فقط ينتظر أليس كذلك؟، لايمكن ان يكون قد حدث بينهم شيئا.
ثم تنهدت بغضب:
دنيز: لا أفهم كيف استطاعت تلك الفتاة أن تصل إلى هذا المكان، وفي هذه المدة القصيرة.
سكتت قليلا وكأنها تقلب الموضوع ثم هتفت وكأنها وجدت الحل:
دنيز: إذن هي السبب في كل شيء فيما يحدث الآن، إنها تلك العجوز الشمطاء زوجة عمي هي السبب، فهي من تعرفت عليها...
وهي من عرّفت مراد عليها،
وهي من طلبت منه الزواج بها.
رفعت صوتها بانفعال:
دنيز: بالتأكيد هي من ضغطت عليه حتى يتمم هذا الزواج، هي من رأت فيها شيئًا لم يره أحد.
صمتت قليلًا، ثم قالت بمرارة:
دنيز: لماذا هي؟،
ماذا لديها ولا أملكه أنا؟.
صفية: لا تحزني أنت يا إبنتي...
أنت أجمل منها،
وأقرب سنًا من مراد،
فهي مازالت فتاة لم تنضج بعد، ولايمكنها ان تتوافق مع مراد.
عندها صاحت دنيز:
دنيز: وأنا أولى به منها،
أنا التي أحببته منذ طفولتي،
أنا التي كنت سأجعله سعيدًا،
كنت سأحافظ عليه أكثر منها،
لكن لا...
هي لم ترني،
رأت تلك الحرباء ديلان...
التي تتلون أمام الجميع، وتعرف كيف تجعل الناس يحبونها.
نظرت إليها صفية طويلًا، ثم قالت بهدوء:
صفية: اصبري يا ابنتي،
قد يحدث بينهما خلاف،
او قد يقع سوء تفاهم،
وحينها يمكننا استغلال الأمر،
لكن الآن...
لا نستطيع فعل شيء،
لا نريد أن نلفت الأنظار إلينا بلا فائدة.
خفضت دنيز رأسها، لكنها لم تبدُ مقتنعة.
ثم قالت بقلق:
دنيز: وهل ننتظر حتى تحمل منه؟، أو حتى تسيطر عليه تمامًا؟، ثم يصبح مثل عمي وزوجته...
ولا يرى أحدًا غيرها؟،
أنت تعلمين أن مراد طيب القلب،
وربما لا يفهم ألاعيب النساء وخبثهن، قد تخدعه بكلماتها الجميلة ودلالها، ولاتنسي انها جميلة ومراد ليست له علاقات بالنساء فهو ما زال بدون خبرة في النساء، وديلان اول إمرأة في حياته، لابد اننا ستستغل كل ذلك لتجعله يميل لها، آه يا أمي كم أتألم كل ليلة وانا اتخيله يقترب منها، ويحتضنها...
ثم أخذت بالبكاء وقد إرتمت في حظن أمها تبكي بمرارة وحرقة،
كانت كلماتها مليئة بالغيرة، لكن صفية لم تعجبها نبرة ابنتها،
نظرت إليها بحدة وقالت:
صفية: تريثي يا دنيز، ولا تنسي أن هناك حدودًا لكل شيء، إذا علم والدك بما نفكر فيه...
فلن تكون النتيجة جيدة لنا،
أتريدين أن أخسر بيتي بعد كل هذه السنوات؟، هل تريدين أن ينهار بيتنا بسبب اندفاعك؟، فأبام لن تعجبه تلك التصرفات ولايمكن تخمين ما سيفعله إن علم بالامر.
توقفت لحظة، ثم أضافت:
صفية: فكري بعقلك، وانتظري الفرصة المناسبة، فالفرص لا تأتي لمن يستعجلها، وما أكثر الخلافات التي تحدث بين الزوجين خصوصا في اشهرهما الاولى، وخصوصا ان مراد لم يتزوجها عن حب، بل كان زواج تقليدي مبنيا على الطلب والقبول.
سكتت دنيز.
لم تجد ما تقوله أمام حزم والدتها.
نهضت صفية من مكانها، واتجهت نحو الباب وهي تقول:
صفية: سأذهب لأحضر الغداء،
فوالدك وأخوك سيعودان قريبًا.
ثم التفتت إليها محذرة:
صفية: ولا أريد أن أراك تفكرين في شيء دون علمي.
أومأت دنيز بصمت.
خرجت صفية من الغرفة وهي تتمتم:
صفية: يكفيني أن أُراضي والدك...فإن لم يجد الطعام جاهزا حين يعود، سيوبخني أنا وحدي اليوم.
أغلقت الباب خلفها.
أما دنيز...
فبقيت جالسة في مكانها، تحدق أمامها بعينين ممتلئتين بالغيرة.
لم تكن ترى في ديلان فتاة بريئة استطاعت أن تكسب محبة الجميع...
بل كانت تراها عقبةً تقف بينها وبين حلم ظنت لسنوات أنه من حقها، وكان قلبها يجهل أن بعض الحروب لا تُخاض بالسلاح...
بل بالحقائق التي تظهر في الوقت الذي يختاره القدر.
كانت الأيام تمضي...
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير،
العلاقة بين مراد وديلان بقيت كما هي، جدار من الصمت يفصل بينهما...
مسافة لا تُرى، لكنها كانت أثقل من أي كلام، كان مراد يحافظ على بروده معها بكل ما أوتي من قوة.
لكن أحيانًا...
كان يحدث ما لم يكن يتوقعه.
لحظات عابرة كانت تجعله يرى ديلان كما كانت في البداية...
فتاة هادئة،
حنونة،
تهتم بوالديه،
وتحن على ملك الصغيرة،
تحترمه رغم قسوته،
ولا تحاول أبدًا أن ترد الإساءة بالإساءة،
كان يراها وهي تساعد والدته، أو تضحك مع والده، أو تهتم بأصغر تفاصيل البيت، حتى هو كانت كل ما يحتاجه يجد ملابسه نظيفة وبمكانها، طعام الإفطار حاضر في وقته، وكذلك الغذاء جاهزا قبل الوقت أحيانا، وكان طعامها أشهى وألذ بشاهدة والديه اللذان اصبحا لا يستطعما إلا ما تطبخه هي.
وفي تلك اللحظات...
كان شيء داخله يتحرك رغمًا عنه، كان يشعر بأن الصورة التي رسمها عنها لا تتطابق دائمًا مع تصرفاتها، كان يشعر أحيانا باللين نحوها، او الحنين او الشوق او ربما أحبها، لكن ما إن يشعر بأن قلبه بدأ يلين...
حتى يعود مسرعًا إلى ذلك الحاجز الذي بناه بينهما.
يدخل غرفته،
يفتح هاتفه على الصور المحفوظة داخله، ويخرج تلك الصور التي أخذها من ذلك الشاب ويصفحها.
ينظر إليها طويلًا، وكأنه يبحث فيها عن سبب يبرر به قسوته،
ثم يقول لنفسه:
مراد: لا...
لا يجب أن أضعف أمامها،
هي ليست كما تبدو،
إنها أخطر مما أتخيل،
مثل الحية...
تتلوى حول فريستها بهدوء حتى تصل إلى ما تريد.
تنهد وهو يحدق في الصور.
مراد: لا يمكنني أن أنسى، ولن أسمح لمشاعري أن تخدعني مرة أخرى،
سأبقى صامدًا،
سأنتظر فقط الوقت المناسب،
لقد مضت ثلاثة أشهر ...
وسأصبر أكثر إن لازم الأمر، وحين تأتي اللحظة المناسبة...
سينتهي كل شيء، وسيذهب كل منا في طريقه.
صمت برهة ثم همس ببرود:
مراد: وهذا الزواج لن يكون سوى مرحلة و يجب ان تنتهي.
ثم أغلق هاتفه وهو يعيد تلك اللحظات في ذاكرته، وكأنه بذلك يعيد معها قناع القسوة الذي يرتديه.
أما دنيز...
فكانت تخوض حربًا مختلفة تمامًا، لم تكن تفكر إلا في ديلان،
في وجودها،
في قربها من العائلة،
وفي الطريقة التي استطاعت بها خلال فترة قصيرة أن تكسب محبة الجميع، حتى انها لاحظت ان مراد بدا يلين لها، وذلك حين احظرت في إحدى الايام فطائر ساخنة مدعية كالعادة انها هي من أعدتها واحظرتها لهم ليتناولوها ساخنة، لكن كلا من عائشة وعزت لم يأكلوا منها وقالوا أنها دسمة كثيرة، وهي ثقيلة على المعدة ولا يمكن هضمها بسهولة وان التي تحظرها ديلان، لذيذة و قليلة الدسم، وحينها نطق مراد وتحدث وهو يوافق والديه في رأيهما، حتى اننا لاحظت تصرفاته معها حين تجلس بجانبه على الطاولة، لم تكن تعلم ان مراد يتصنع ذلك امام والديه حتى لايلفت النظر، لكن أحيانا تلك الأفعال تكون لا إرادية منه حتى هو يتفاجئ من نفسه حين يفعلها، ويسأل نفسها هل بدأ يتعود عليها او بدأ قلبه يحن ويلين لها، وصادف ان في ذلك اليوم كانت كذلك، وقد إلتقطت دنيز ذلك، حين جلست في الكرسي المقابل لهما، ورات تلك النظرات التي كان يرمقها بعا في غفلة منها، وذلك ما أشعل نيران الغيرة والحقد بقلبها،
مما جعل دنيز تستشاط غضبا وتهمس لنفسها:
"كيف لم يطلقها بعد كل ما فعلته، وفوق هذا أراه بدا قلبه يلين لها، ويجب ان اتصرف قبل ان يحدث شيء، ولن استطيع حينها فعل أي شيء."
ومن يومها؛ كانت تجلس لساعات تفكر.
كيف تستطيع الوصول إلى مراد؟،
كيف ستعرف ما يدور بينهما؟،
كيف تجد نقطة ضعف تستغلها؟،
وفي أحد الأيام...
وبيننا هي جالسة في غرفتنا تفكر بالموضوع، لمعت في ذهنها فكرة.
ابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت لنفسها:
دنيز: كيف سأوقع بينهما وأنا بعيدة عنها؟، أنا لا أعرف ما يحدث داخل بيتها، ولا أعرف ما يقوله لها أو تقوله له، إذا أردت أن أهدم ما بينهما...
فعليّ أولًا أن أعرف ما يحدث بينهما.
توقفت لحظة، ثم أكملت:
دنيز: سأقترب منها،
سأصبح صديقتها،
سأجعلها تثق بي،
وحينها...
ستحكي لي كل شيء من نفسها، دون جهد او عناء مني حتى،
وبذلك سأعرف حينها كيف أتصرف، وكيف اتدخل واوقع بينهما.
ثم رسمت إبتسامة خبيثة على وجهها وكأنها أخيرا وجدت السلاح الذي ستدنر به زواج مراد من ديلان نهائيا.
وفي اليوم التالي كانت عائشة قد أصيبت بوعكة صحية، وبعد ان تناول الجميع طعام الإفطار في شقة عزت، كان مراد يتجهز ليذهب لعمله، حين تقدمت ديلان إلى عائشة قائلة..
ديلان: هل جهزت قائمة المشتريات حتى أذهب لأحضرها، بعد ان اتهي من اعمال البيت.
وعندها أغلق مراد باب الشقة وعاد إليها، عند نطق ديلان آخر كلمة كان مراد يقف امامها، وهو يصيح بوجهها بصوت بث فيها الرعب:
مراد: إلى أين يا سيدة، اليس لديك زوج تستأذنيه قبل خروجك، ألم اقول لك لا يوجد خروج من البيت.
صاح عزت بوجه إبنه ينهره عن طريقة كلامه مع زوجته:
عزت: مابك يا مراد ولما تصرخ بزوجتك هكذا؟، فهي لم تقل شيء لتصرخ بها هكذا، ثم إنها ستذهب لتبتاع اغراض تحتاجها بالمطبخ لتعد لك طعام الغذاء، وكما ترى والدتك هي من كانت تقوم بذلك، ولكن هي اليوم قد اصبحت مريضة بعض الشيء، وانا وانت طوال اليوم غائبان عن البيت فمن سيشتري الاغراض، لتجد غذائك جاهزا حين عودتك من العمل.
عندها قالت ديلان حتى تخفف الجو الذي كان محتد بين مراد وابيه..
ديلان: حسنا يا أبي سأرى ما الموجود واجهز الغذاء حسب ذلك.
نظر عزت لإبنه الذي أخذ نفسا وقال..
مراد: إذا أردت ان تذهبي لشراء تلك المستلزمات فلا تخرجي لوحدك.
صاح به عزت حينها:
عزت: إذن ومن سيرافقها يا فهيم.
تدخلت ديلان بينهم لتقترح امرا ربما يخفف من حدة مراد، ولايزيد الأمر سوءا بينه وبين والده.
ديلان: اظن ان دنيز بالبيت ولاتخرج فإسألها إن كانت تريد مرافقتي وأخبرني برأيها.
اومأ لها مراد ثم نزل يتبعه اباه، وما إن وصل شقة عمه طرق بابها، ولم تمضي فقط ثواني حتى كانت دنيز تفتح الباب( دائما تنتظر خلف الباب لعلمها بموعد ذهابه وعودته لتختلق الاعذار وتلتقي به لعله يراها ويفتن بجمالها ورقتها) وما إن رأت مراد امامها حتى إتسعت إبتسامتها وقالت ...
دنيز: صباح الخير يا مراد.
اجابها عزت الذي كان يهم بنزول الدرح قائلا..
عزت : صباح الخير يا دنيز، لا تتأخر يا مراد لتوصلني لعملي كما تعلم فسيارتي اخذتها آخر الأسبوع لورشة التصليح وربما استلمها اليوم، هيا لتوصلني حتى لاتأخر عن عملي.
أجابه مراد: حسنا يا أبي سآتي فورا.
حينها قالت دينيز: صباح الخير يا عمي كيف حالك.
عزت : بخير ثم اكمل نزوله السلالم، فهو لم يلتفت لها ولم يحبذ فكرة مرافقتها لديلان، لانه متأكد من اخلاق ديلان.
عندها إلتفت مراد لدنيز وقال..
مراد: إذا لم يكن لديك مانع، فهل ترافقي ديلان لشراء بعض المستلزمات للمطبخ، فأمي مصابة بوعكة صحية، وكما تعلمين هي من كانت مسؤولة عن ذلك، وانا وعمك مشغولان طوال اليوم، وديلان ليس لديها ما تطبخ لنا اليوم، فإذا لم يكن لديك مانع ان ترافقيها فهي لاتعلم الأماكن التي تشتري منها أمي ما تحتاجه.
تهللت اسارير دنيز فقد جائتها الفرصة لتقترب بها من ديلان وتنفذ مخططها فقالت وإبتسامة عريضة قد زينت وجهها...
دنيز: بالطبع يا مراد بكل سرور حتى يمكنني الذهاب انا وتبقى هي بجانب زوجة عمي لترعاها.
مراد: لا رافقيها فقط حتى تعرف الاماكن، وإن إظطرت مرة اخرى فتذهب لوحدها دون إزعاجك.
دنيز وقد بدأ قلبها يتراقص من الفرح، لانها لن تفلت هذه الفرصة التي جائتها على طبق من ذهب، لتنفذ لحياة ديلان وتنفذ مخططها وقالت..
دنيز: اي إزعاج يا إبن عمي، فانت لاتعلم انك غالي علينا وطلباتك اوامر .
اومأ لها مراد برأسه إحترام وقال: مراد: شكرا لك ولن انسى معروفك هذا.
ثم تركها وهو يفتح هاتفه ليتصل بأمه يخبرها ان دنيز سترافق ديلان لشراء ما يلزمهم.
صعدت دنيز بعد ذلك لشقة عمها لترافق ديلان كما طلب منها مراد،
وطوال الطريق وهي تحاول ان تستضرف وتفتح مواضيع مع ديلان، لكن تلك الأخيرة كانت متحفظة بعد شيء معها، ليس لانها شعرت بخبث دنيز، لكن لم تطمئن لها خوفا من ان تنقل كلامها لمراد، بحكم انها إبنة عمه وتربت معه في بيت واحد فهي أكيد تكن له محبة الاخوة، ولن ترضى أي كلام يسيئ لإبن عمها، كما ان ليس من عادات ديلان ان تفشي أسرارها، ولا ان تتحدث عن أشخاص سواء كان اقرب لها او ابعد، وليس من عاداتها ان تنتهك خصوصيات الغير او تقوم بنميمة او غيبة.
عادت دينيز وديلان للبيت، كانت طول الطريق تحاول دنيز، ان تستدرج ديلان في الكلام لذلك عندما عادت للبيت بدأت تفكر بالامر، حتى إهتدت لفكرة ،لماذا لا تتقرب منها وتطلب ان تصبحا صديقتين، بحكم انها لاتخرج وليس لها صديقات، وديلان أيضا بعد توقفها عن العمل، وبحجة ان تتكلم مع فتاة قريبة من سنها، فهناك مواضيع تستحي ان تتكلم بها مع عائشة، وافقت ديلان على مقتراحها بإقتضاب .
.....✍️ومنذ أن دخلت دنيز حياة ديلان، وهي تحاول في كل لقاء أن تستدرجها إلى الحديث عن مراد، وعن تفاصيل حياتهما الزوجية.
كانت تختار كلماتها بعناية، وتخفي خلف ابتسامتها الوديعة نوايا لم تكن بريئة.
مرت الايام بل أسابيع وكانت دنيز في كل مرت تحاول التدخل ومعرفة تفاصيل حياة ديلان مع مراد، وكل يوم تختلق عذرا او تتحجج بحجة، او تحاول غرس فكرة في عقل ديلان اما عن مراد او الخياة الزوجية بصفة عامة.
وفي أحد الأيام، زارت دنيز ديلان في شقتها في المساء، حين تنتهي ديلان من مساعدة عائشة، التي كانت تحرص على ان تحضى ببعض الخصوصية مع زوحها، ومن ضمنها بقائهما بشقتهما مساء والعشاء بمفردهما ، حتى في أيام عكلة مراد الاسبوعية كانت تطلب منها البقاء في شقتها وعدم النزول إليها، وبينما كانتا الإثنتين تجلسان في الصالة تحتسيان الشاي، قالت دنيز وهي تتظاهر بالعفوية:
دنيز: أتعلمين يا ديلان... كلما رأيتك ازددت تعجبًا منك.
رفعت ديلان رأسها مبتسمة، بعد ان وضعت كوب الشاي على الطاولة، وهمست بوجه دنيز:
ديلان: ولماذا؟.
قالت دنيز:
دنيز: منذ زواجك بمراد، لم أعد أراك تخرجين كما كنت، حتى عملك في المدرسة القرآنية تركته، هل مراد هو من منعك من ذلك؟.
ثم تنهدت وأضافت دون ان تدع مجالا لديلان بالكلام:
دنيز: لو كنت مكانك، لما استسلمت له بهذه السهولة، ولأصررت على أن أخرج وأعمل.
ابتسمت ديلان ابتسامة هادئة وقالت بحسن نية:
ديلان: ألا تعرفين مراد؟، الم تحدثينني عن تحكماته وغيرته الشديدة الغير مبررة من قبل، وأنه إذا اقتنع بشيء، فمن الصعب أن يغير رأيه.
هزت دنيز رأسها، بينما كانت فكرة خبيثة تتشكل في ذهنها.
اقتربت منها قليلًا وقالت بصوت خفيض:
دنيز: أنت طيبة أكثر من اللازم يا ديلان، لقد أخبرتني إحدى صديقاتي المتزوجات، في إحدى المرات أن المرأة الذكية تستطيع أن تجعل زوجها يحقق لها كل ما تريد.
ضحكت ديلان بخفة وقالت:
ديلان: يبدو أن زوج صديقتك ليس مراد.
ضحكت دنيز هي الأخرى، ثم مالت نحوها كأنها تهمس بسر خطير.
دنيز: كانت تقول إنها تستعمل بعض الدلال... وبعض حيل النساء ودهائهن، ثم نظرت إليها مدعية المازاح الممزوج بالمكر:
دنيز: وأظنك لا تعرفين شيئًا من ذلك.
ابتسمت ديلان ببراءة وقالت:
ديلان: إذًا علمي صديقتك بعضًا من ذلك الدهاء، لعله ينفع مع ابن عمك مراد.
لم تكن تعلم أن كلماتها زادت ضيق لدنيز، فهي تريد إبعاده عنها لا أن تقربهما من بعض، فقالت الأخيرة بسرعة:
دنيز: لاتكوني مطيعة له في كل ما يريده منك، بل افعلي شيئًا آخر، مثلا امنعي نفسك عنه قليلًا...
نامي في غرفة منفصلة.
نظرت لها ديلان وقد إتسعت عيناه من الدهشة، ثم رفعت حاجب واحدا مدعية عدم الفهم وقالت...
ديلان: أمنع نفس عنه وكيف.
عندها قالت بنبرة هادئة:
دينز :هدديه فقط لا أكثر، وستجدينه يرضخ لك، نامي في غرفة منفصلة عنه وسترين كيف سيرضخ لطلابتك.
كانت ديلان تتحدث بلسانها، لكن
قلبها قد اضطرب ، وأطرقت رأسها وهي تهمس في داخلها:
"أمنع نفسي عنه؟ وهل اقترب مني يومًا حتى أمنعه؟"،
لكنها لم تقل ذلك، بل رفعت رأسها وقالت بهدوء:
ديلان: أليس في هذا معصية؟،
لقد سمعت أن الزوجة لا يجوز لها أن تهجر زوجها بغير سبب.
لوّحت دنيز بيدها باستخفاف،
دنيز: يا لك من ساذجة!، أنا لا أطلب منك أن تفعلي ذلك حقًا، بل هدديه فقط، أحيانًا يحتاج الرجل أن يشعر أنه قد يخسر زوجته حتى يلين.
ابتسمت ديلان مجاملة، لكن قلبها لم يطمئن لهذا الحديث.
في اليوم التالي...
بعد أن انتهت ديلان من مساعدة عائشة في أعمال المنزل، صعدت إلى شقتها.
كان الهدوء يلف المكان.
بدأت بترتيب الصالة، ثم المطبخ، قبل أن تدخل غرفة مراد لتنظفها كما اعتادت.
وبينما كانت ترتب الفراش، تعرقت كثيرا، حيث كانت الحرارة مرتفعة بعض الشيء، وبينما كانت تنظف الحمام المرفق بالغرفة، ارادت ان تجرب ذلك الحمام الذي جهزه مراد بطريقة عصرية خصيصا لها كما كان يخبرها في مكالماته، أخذت حماما بعد ان جلبت اغراضها من غرفتها، لكن عند خروجه من الحمام شعرت بدوخة قليلة، إقتربت من السرير وإتكأت عليه، جلست على طرف السرير لتستريح دقائق، ثم من شدة الارهاق تمددت فوقه لتستريح، فقد أمضت ساعات الصباح كلها في الحركة، ثم استندت برأسها إلى الوسادة،
ولم تشعر بنفسها...
حتى غلبها النوم،
بعد وقت قصير...
عاد مراد من عمله.
فتح باب الشقة، ودخل بهدوء،
ثم اتجه نحو غرفته،
وما إن فتح الباب...
حتى تجمد في مكانه،
كانت ديلان نائمة على طرف السرير، وجهها الطفولي بدا ساكنًا، وقد غطت خصلات من شعرها جانبًا من جبينها.
اقترب منها ببطء، وللمرة الأولى منذ زواجهما، لم ير أمامه المرأة التي أقنع نفسه بكراهيتها...
بل رأى فتاة أنهكها التعب، وقف يحدق فيها طويلًا، وشعر أن قلبه يلين رغمًا عنه، فقد شد إنتباهه جمالها الفاتن الذي تعمد ان لايعطي له بالا من قبل، وتلك الخصلات التي إنزلقت من تحت على وجهها، فقد كانت تلك المرة الأولى التي يرى لون شعرها وطواه بوضوح، ولم يستطيع ان يقاوم ذلك الجمال الفتان.
كان وجهها يشع جمالا طبيعيا كله براءة، وتلك الوجنتين التي إمتستعما بعض الحمرة الطبيعية، ووقعت عينيه على شفتيها المنتفختين التي تشبه حبات الكرز، مع لو ن بشرتها الحليبية وذلك الشعر الخرير الكستنائي الذي تتخلله بعض الخصلات الذهبية الطبيعية، شعرها الذي إنسدل خلفها كموجات بحر في ليالي صفية حين تهب بعض النسمات العليلة فتبعثر موجاته على الشاطئ، لم يستطع ان يقاوم تلك الفتنة القابعة امامه، ٱزدرد ريقه بصعوبة ثم إقترب منها،وجلس على حافة السرير دون أن يشعر بما يفعله، فقد قدته رجليه تحت اوامر تلقتها من قلبه الذي غاب في بخور جمالها وهي بذلك المنظر الشهي بالنسبة له، تقدم منها وبفعل لا إرادي منه، تحركه غريزته وإحساسه الذي كان يقاومه لشهور ويخاول كبته والسيكرة على مشاعره التي كانت تجتاحه بين الفينة والأخرى، وهو يحاول إلجام تلك المشاعر حتى لايفقد السيطرة عليها، ورفع يده بتردد...
وكادت أصابعه تلامس تلك خصلات الشاردة من شعرها،
لكن...
في اللحظة نفسها، قفزت تلك الصور إلى ذاكرته، الصور التي ظل يصدقها دون نقاش،
فسحب يده كأن نارًا أحرقتها،
وقف فجأة، وقد عاد الغضب يعصف به، وكأنه يلوم نفسه على ضعفه امامها، وصب جام غضبه عليها بسبب تلك اللحظة التي إجتاحته فيها تلك المشاعر وكاد ان ينجرف ورائها، لما تمليه عليه تلك العاطفة الجياشة التي إقتحمت قلبه لثواني، وصاح بصوت مرتفع:
مراد: ديلاااان!!!....
انتفضت من نومها مذعورة،
نظرت حولها في ارتباك، ثم وقعت عيناها عليه.
قال بغضب:
مراد: ماذا تفعلين في غرفتي؟،
ومن سمح لك بالنوم على سريري؟، أتظنين أن هذه التصرفات ستؤثر فيّ؟،
أم أنها حيلة جديدة من حيلك؟.
وقفت ديلان، وقد اختلط عليها الأمر، سحبت خمارها الذي كان موضوعا على الاريكة بالقرب منها، وهي تنظر له بذهول غير مستوعبة الموقف ولاسبب صراخه عليها الان، فقالت بنبرة مهزوزة من شدة إرتباكها....
ديلان: كنت أنظف الغرفة...
وشعرت بالتعب فقط...
ولم أشعر بنفسي...
قاطعها بعنف:
مراد: كفى تمثيلًا!،
اقترب منها بعينين تقدحان غضبًا.
مراد: لن تنجحي في التأثير عليّ بهذه الأساليب، لقد اكتشفت حقيقتك منذ زمن، هي رتبي نفسك وغطي شعرك كما كنت تفعلين من قبل فلن اضعف أمام إغراءاتك الرخيسة هذه.
نظرت إليه بذهول.
ثم قالت، وقد ارتجف صوتها:
ديلان: أي حقيقة؟، وما هي إغرائاتي الرخيسة التي تتحدث عنها؟، وما الذي فعلته لك حتى تتهمني بهذا الشكل؟ وتصرخ بوحهي بهذه الطريقة كأنني إرتكبت جريمة؟..
فقد السيطرة على أعصابه، وأمسكها من ذراعها بعنف وهو يدفعها نحو خارج الغرفة قائلا بزمجرة حادة كادت تصيبها بالصم:
مراد: لا تتظاهري بالبراءة!.
صرخت وهي تحاول تخليص ذراعها منه:
ديلان: اتركني!.
ثم دفعت يده عنها بقوة، ووقفت تواجهه لأول مرة منذ زواجهما.
رفعت إصبعها نحوه، وقالت بصوت امتزج بالألم والكرامة:
ديلان: اخرس!، فأنا ابنة بيت يعرف معنى الشرف والتربية،
صبرت على إهاناتك احترامًا لوالديك، لأنني أحببتهما ولم أرد أن أكسر قلبيهما، لكنني لن أسمح لك أن تطعن في شرفي مرة أخرى، وتتمادى بسحقي دون رحمة.
ارتفع صدر مراد من شدة الغضب،
وفي لحظة فقد فيها سيطرته على نفسه...
رفع يده وصفعها وهو يصرخ بحنق في وجهها:
مراد: إخرسي انت أيتها الساقطة.
ترنحت ديلان وسقطت على الأرض.
وضعت يدها على خدها، ونظرت إليه بعينين امتلأتا بالدموع، لا من الألم وحده...
بل من الصدمة أيضا، لم تتوقع ان يصل به الامر ليمد يده عليها.
قالت بصوت مخنوق:
ديلان: أهذا ما تسميه رجولة؟،
الرجل لا يرفع يده على امرأة ائتمنها الله عنده، ثم أردفت والدموع تنساب على خديها:
ديلان: قال رسول الله ﷺ: "ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم."
كانت كلماتها تلك كالسهم أصابه،
لكنها لم توقف غضبه، بل زادت جموحه كفرس بري غير مروض او ثور هائج، وفي تلك اللحظة إستل حزام بنطاله، وهوى به عليها بكل وحشية وهي تصرخ بأعلى صوتها.
ارتفع صراخها وهي تحاول الابتعاد عنه، لتخلص نفسها من وابل الضربات التي بدات تتهاوى على جسدها منه.
في الطابق السفلي...
انتفض كل من عزت وعائشة من مكانيهما، فور سماع تلك الصرخات التي تصدر من الطابق العلوي، وبالتحديد من شقة مراد،
تبادلا نظرة مذعورة.
قالت عائشة:
عائشة: هذا صوت ديلان!!!....
ولم ينتظرا لحظة واحدة،
أسرعا يصعدان الدرج بذعر وهلع،
وصل عزت إلى الباب، وطرقه بقوة عدة طرقات وهو يصرخ من خلفه بأعلى صوته..
عزت: مراد!!! إفتح الباب....
ولما تأخر مراد في فتحه، أعاد الطرق بعنف وبكل قوة حتى كاد يكسره، وقد زاد خوفه مما يحدث بالداخل.
وأخيرا فتح الباب مراد.
وما إن دخل عزت...
حتى وقعت عيناه على ديلان، مرمية على الأرض امامه خلف باب غرفة النوم، ووجهها تغطيه آثار الصفعة، وبعد الدم يصيل من شفتها إثر تلك الصفعة، وبدت بعض علامات الضرب عليها، وكانت حالتها مزرية، ودموعها تنهمر في صمت بقهر واضح.
وفي المقابل...
وقف مراد، والغضب لا يزال يعلو وجهه، وقد كانت ملابسه غير مهندنة وهو يلهث.
لم يحتج عزت إلى سؤال، فهم كل شيء من مجرد نظرة للمشهد، اقترب من ابنه بخطوات ثابتة، ثم رفع يده للأعلى وهوت على خده، صفعه صفعة مدوية ارتج لها المكان.
وصاح فيه بصوت لم تسمعه العائلة منه من قبل:
عزت: أتضرب زوجتك يا مراد؟،
أهذه هي الرجولة التي ربيتك عليها؟، أهذا ما تعلمته في بيتي؟.
أما عائشة...
فقد هرعت إلى ديلان بمجرد دخولها الشقة، ورأيت ذلك المنظر، وإقتربت منها واحتضنتها بقوة، وهي تبكي بحرقة.
عائشة: يا ابنتي...
سامحيني...
والله ما ربيناه على ذلك، ثم التفتت إلى ابنها، وقد اختلطت دموعها بالغضب منه.
عائشة: كيف هان عليك أن تمد يدك عليها؟،
ها!!!!.....كيف؟،
أما عزت...
فأمسك بذراع مراد بقوة، وسحبه خارج الشقة وهو يقول بصرامة:
عزت: تعال معي...
اليوم ستسمع مني ما لم تسمعه طوال حياتك.
وأغلق باب الشقة خلفه، وبقيت ديلان بين ذراعي عائشة...
تبكي لأول مرة بتلك الحرقة، وقد سقط القناع الذي كانت ترتديه أمام الجميع، وانكشف جزء من الحقيقة التي أخفتها لمدة تزيد عن الثلاثة اشهر كاملة.
في الشقة بالطابق الاول...
كانت صفية ودنيز قد انتفضتا على وقع الصراخ الذي دوّى في أرجاء العمارة في تلك اللحظة.
تبادلتا النظرات دهشة، ثم أسرعتا إلى فتح باب الشقة.
وقفتا في الممر، فإذا بحركة غير مألوفة تعلو في الطابق العلوي.
رأتا عزت يصعد مسرعًا، وخلفه عائشة، ثم بعد دقائق نزل عزت وهو يجر مراد من ذراعه، ويسحبه خلفه، وقد ارتسم الغضب على وجهه بصورة لم تعهداها من قبل.
لم تسمعا شيئًا مما دار بينهما...
لكن المشهد وحده كان كافيًا.
ابتسمت دنيز ابتسامة خفية، وهمست في نفسها:
"إذن... حدث ما كنت أنتظره."
"يبدو أن الشرارة الأولى قد اشتعلت."
وأخذ خيالها ينسج لها عشرات الاحتمالات.
كانت واثقة أن الخلاف قد بدأ، وأن خطتها التي زرعت بذرتها قبل أيام قد آتت أكلها.
وقالت في سرها:
"غدًا سأعرف كل شيء من ديلان نفسها..."
وفي صباح اليوم التالي...
وقفت دنيز أمام مرآتها وقتًا أطول من المعتاد.
اختارت ثوبًا أنيقًا، وصففت شعرها بعناية، ثم وضعت شيئًا من مساحيق التجميل.
ولم يكن ذلك عبثًا...
بل لأنها كانت تنتظر لحظة خروج مراد إلى عمله، كانت تقف خلف الباب، تراقب في صمت.
وحين سمعت صوت باب الشقة في الطابق العلوي يُفتح، ابتسمت بخبث.
خرجت بسرعة، متظاهرة بأن لقاءهما جاء بمحض الصدفة.
وما إن اقترب مراد حتى قالت بابتسامة رقيقة:
دنيز: صباح الخير يا مراد.
التفت إليها، ثم رد بأدب:
مراد: صباح الخير يا ابنة عمي،
كيف حالك؟.
دنيز: بخير، والحمد لله.
نظر إليها مراد وقال مستفسرا..
مراد: خيرا هل ستخرجين الآن.
همهمت لتبحث عن عذر تقوله..
دينيز: كنت أجرب هذا الفستان الذي إشتريته امس، ولم يساعفني الحظ لأجربه، وقد سمعت حركة عن الباب فخرجت لأرى ما الامر.
نظر إليها مراد بوجه متجهم.
مراد: حركة!! غريب فباب العمارة مغلق، وانا دائما الذي افتحه بحكم انني اول من يخرج منها، فهل خرج روني اليوم وسبقني للجامعة.
إبتسمت دنيز في حركة تخفي إرتباكها..
دنيز: لا لم يخرج بعد فهو يتجهز، اظن ان بعض القطط كانت عند الباب، وهي من فعلت تلك الجلبة على الاغلب.
إبتسم مراد بود وقال...
مراد: عن إذنك الآن سأذهب لعملي.
نظرت له هي إلى وجهه مليًا، وقالت بنبرة توحي بالاهتمام:
مراد: لكن يبدو أن من ليس بخير هو أنت، أظن أن ديلان بدأت تتعبك.
توقفت خطوات مراد لحظة، ثم قال بهدوء حاول أن يخفي ما بداخله:
مراد: لا...
لم يحدث شيء بيننا، مجرد سوء تفاهم بسيط يحدث بين زوجين، وقد انتهى.
ثم نظر إلى ساعته وقال:
دنيز: اعذريني، يجب أن أذهب إلى العمل.
أومأت برأسها مبتسمة، وقالت:
دنيز: في أمان الله.
غادر مراد الدرج بخطوات سريعة.
أما دنيز...
فظلت تراقب أثره حتى اختفى،
ثم همست بابتسامة ماكرة:
دنيز: سوء تفاهم... وانتهى؟،
لا يا مراد...
وإن حدث فأنا سأعيد فتحه مرة أخرى، وسأغذيه حتى يكبر.
رفعت بصرها نحو الشقة العلوية، وقالت في نفسها:
"والبداية ستكون من تلك الساذجة...".
وحينها التقت بروني أخيها يخرج من الباب في تلك اللحظة تعجب من هيئة اخته وصاح بها..
روني: ماذا تفعلين خارج الشقة في هذا الوقت وبهذا المنظر.
صاحت به دنيز:
دنيز: وما دخلك انت واي منظر تتحدث عنه انت، ثم دفعته ودخلت لداخل الشقة، تبعها هو يصرخ بها..
روني: لاتحاولي التظاهر بان لاشيء قد حدث فقد رأيت كل شيء.
عندها إلتفتت إليه عي الأخرى وإنتفضت بوجهه قائلة:
دنيز: عن اي شيء تتحدث وماذا حدث لتصرخ بوجهي هكذا؟.
حينها خرج ابراهيم من غرفته تتبعه زوجته في أثره وصاح بهما.
إبراهيم: ما الذي يحدث؟ ولماذا تتشاجران هكذا عند الصباح؟.
صاح روني وقال:
روني: إسأل إبنتك التي كانت خارج الشقة بهذا المنظر.
نظر لعا اباها وقال:
ابراهيم: إلى أين تنوين الذهاب في هذا الصباح؟.
تلعثمت دنيز وفتحت فمها لتخرج كلماتها مهزوزة :
دنيز: كنت أجرب فستان إشتريته من مدة وسمعت جلبة انام الباب فخرجت لأرى ما يحدث؟.
عند ضحك روني ضحكة ساخرة وقال:
روني: بل قولي خرجت ربما ألتقي بمراد إبن عمي فأكلمه قليلا.
صاحت به والدته تنهره.
صفية: وماذا هناك هل عيب إذا تحدثت مع إبن عمها امام باب بيتهم؟.
نظر إبراهيم الى زوجته نظرة كانت كفيلة بإسكاتها، ثم رمق إبنته بنظرة فهمت مغزاها وصاخ بها..
ابراهيم: وهل التحدث مع إبن عمك يتطلب كل هذا اللبس وعذه الزينة على وجهك، ثم إنه رجل متزوج الآن و لايجب ان تقتربي منه إلا بحدود وبلباس محتشم وليس بزينة كأنك في عرس او انت العروس، واقسم بالله لو سمعت أي كلام او حدث بين نراد وزوجته اي شيء بسبب افعال إبنتك هذه الرعناء فلا تلومي ألا نفسك.
ألقى بملماته تلك امام زوجته محذرا إياها وهو يلوح بسبباته بوجهها ثم تخطاهما ونزل ليلخق بموعد عمله، يتبعه روني الذي لحق به ليوصله للجامعة في طريقه، تاركا دينز تأكلها نيران غضبها مشتعلة، وقد جذبتها امها تحذرها موبخة إياها، على تصرفاتها المتهورة التي لطالما حذرتها منها، وان اباه لن يسكت لو شعر بأي شيء، او وصله أمر ما يخططان له فلن يسكت أبدا، وسيهدم كل شيء فوق رؤسهم، وامها اول من ستطالها نيران غضبه.
حينها تراجعت دنيز ودخلت غرفتها مؤجلة زيارتها لديلان، فكانت تريد الصعود لها لتزيد من لهيب الخلاف الذي نشب بين مراد وديلان، بسكب المزيد من البنزين عليه ليزداد إشتعالا وربما يحدث ما طال إنتظاره، وهمست لنفسها:
دنيز: سأصبر بعض الأيام حتى يهدأ أبي وتنر زوبعة غضبه بسلام ثم أعيد فتح الجراح الاي لم تندمل بعد.
لم يمضي سوى اسبوعان غلى تلك الحادثة...
كانت ديلان قد تعافت بسبب إهتمام عائشة وعزت بها، وكانت أثار الضرب قد إختفت تقريبا، وقد إلتأمت تلك الجروح والكدمات التي كانت بجسدها، وعاد مراد يتحاشى ديلان بعد توبيخ والديه له، وطلبا منه الاعتذار لديلان امامهما، ومراضاتها ووعدها امماهم ان لايتكرر هذا الامر مرة أخرى، وان اي خلاف يحدث بينهما يحل بالنقاش لا بالضرب.
حتى كانت دنيز تطرق باب شقة ديلان مرة أخرى.
فتحت لها ديلان الباب كعادتها بابتسامة هادئة.
ديلان: أهلًا دنيز... تفضلي.
دخلت دنيز مسرعة، وما إن جلست حتى سألت بلهفة مصطنعة:
دنيز: ماذا حدث منذ أيام بينك وبين مراد؟ فقد كنت مريضة بغغض الشيء، ولم استطع الصعود للإطمئنان عليك، لقد أقلقني الصراخ فقد كنا نسمعه من شقتنا تحت.
ابتسمت ديلان ابتسامة خفيفة تخفي وراءها كثيرًا من الألم.
ثم قالت بهدوء:
ديلان: لا شيء يستحق الذكر،
مجرد سوء فهم...
كما انه لم يضربني مراد بل تزحلقت على الارض المبللة بالماء والصابون وقد وبخني مراد بعض الشيء لتهوري وتهاوني لعدم إرتداء شيئ في قدمي، وقد انتهى بعد تدخل أبي عزت وأمي عائشة.
راقبتها دنيز بعناية، كانت تشعر بخيبة أمل، فهي كانت تمنى نفسها، أن تسمع ما يؤكد انهيار العلاقة بينهما، لكن ديلان لم تمنحها شيئًا مما كانت تطمح إليه، ونغصت عليها الفرحة التي كانت تنتظرها، بجوابها العفوي على سؤال دنيز الماكر، فسارعت ديلان إلى تغيير مجرى الحديث حتى لا تثير شكوكها،
ابتسمت ديلان فجأة وقالت:
ديلان: في الحقيقة...
أردت أن أسألك عن شيء منذ مدة، لكنني كنت أستحي منك دائما، واليوم تشجعت وقلت لأسئلك.
استغربت دنيز.
دنيز: تفضلي...
ألسنا صديقتين؟، فلا تستحي وإسألي ما شئت.
ابتسمت ديلان وقالت بعفوية:
ديلان: كيف لفتاة جميلة، ومتعلمة، وتجيد إدارة البيت مثلك...
أن تبقى دون زواج؟، ولقد أخبرتني أمي عائشة أنك أنت من ترفضين كل من يتقدم إليك.
وصمتت لحظة، ثم ابتسمت بخبث بريء وأكملت:
ديلان: وقد خطر في بالي...
أن سبب رفضك لكل من كرق بابكم لخطبتك، جوابه ان هناك شخصًا في حياتك،
نحن فتيات...
ونفهم بعضنا.
انخفض بصر دنيز إلى الأرض.
وأصاب السؤال جرحًا كانت تحاول جاهدة لتخفيه.
تنهدت طويلًا، ثم قالت بصوت غلب عليه الشرود:
دنيز: نعم...
هناك رجل...
أحبه.
لكن للأسف...
هو متزوج.
شهقت ديلان.
ديلان: متزوج؟، وكيف؟.
رفعت دنيز رأسها بسرعة، وقالت لتتدارك ما تفوهت به للحظة، لكنها زادت الطينة بلة بسبب إنجرافها تلك الآونة وراء مشاعرها الدفينة :
دنيز: لا تسيئي الظن بي،
لكنه...
سيطلق زوجته قريبًا.
انعقد حاجبا ديلان دهشة، وقالت بصدق:
ديلان: وما الذي تقولينه يا دنيز؟،
أتبنين سعادتك على خراب بيت امرأة أخرى؟.
أجابت دنيز على عجل:
دنيز: لا..... ليس كما تظنين،
هو لا يشعر بالراحة معها،
ودائمًا يختلفان،
ولا يوجد تفاهم بينهما،
فهو لم يتزوجها عن حب،
بل والداه هما من أجباراه على الزواج بها.
ثم تداركت نفسها حين شعرت أنها أوشكت على كشف أكثر مما ينبغي.
فابتسمت قسرًا وقالت:
دنيز: دعينا الآن مني وقد مشفت لك عن أخطر سر عندي، لتعلمي معزتك وحبي لك، والآن جاء دورك، فعليك أن تخبريني أنت أيضًا،
ألم تحبي أحدًا قبل زواجك؟.
أطرقت ديلان رأسها.
ديلان: لا...
لم أفكر يومًا في إقامة علاقة مع أي شاب.
ابتسمت دنيز، وقالت ممازحة:
دنيز: لا تقولي هذا يا فتاة، سأغضب منك، لا أصدق أن فتاة مثلك لم يعجب بها أحد أيام الجامعة، ام انك لاتثقين بي، فان وثقت بك وفتحت لك قلبي واخبرتك بسري.
ساد الصمت لحظة.
ثم ارتسمت على شفتي ديلان ابتسامة شاردة،
ابتسامة حملت ذكرى بعيدة،
قالت بهدوء:
ديلان: عندما دخلت الجامعة...
كان هناك شاب...
كنت أراه كثيرًا.
في الحرم الجامعي.
وعند محطة قطار الانفاق،
وكنا أحيانًا نستقل القطار نفسه ذهابًا وإيابًا،
ومع مرور الأيام...
شعرت أنه أصبح يلاحظ وجودي،
وفي أحد الأيام...
جلس بجواري...
وأعطاني رسالة.
اتسعت عينا دنيز.
دنيز: يا إلهي...
كم احب هذه اللحظات الرومانسية، وهذا الحب العذري وتبادل النظرات، ثم تنهدت بحالمية وقالت: إذن كنتِ تخفين عني قصة حب!.
هزت ديلان رأسها بسرعة.
ديلان: لا يا دنيز.
ليس كما تظنين.
مجرد رسالة...
لم يحدث بيننا شيء،
ولا اعرف من هو ولا إسمه،
مجرد شاب كانت تتكرر لقائتنا بالصدفة.
لكن دنيز لم تترك الفرصة لها لأنذ نفسها، قالت بسرعة:
دينيز: وأين تلك الرسالة؟،
لا تقولي إنك مزقتها،
أو رميتها.
أجابت ديلان ببراءة:
ديلان: لا...
ما زلت أحتفظ بها،
لم أستطع أن أرميها،
ولا أن أمزقها،
لا أدري لماذا؟.
وفي اللحظة نفسها...
لمعت في عيني دنيز شرارة انتصار.
وقالت بلهفة أخفتها خلف ابتسامتها:
دنيز: وهل هي هنا؟، معك؟
أومأت ديلان.
ديلان: نعم،
إنها بين أغراضي.
ابتسمت دنيز ابتسامة واسعة،
ثم قالت متظاهرة بالنصح:
دينيز: احتفظي بها إذًا،
فهي مجرد ذكرى،
وإن كنت تخشين أن يراها مراد...
فأعطيني إياها، وسأحتفظ بها عندي.
كادت ديلان تجيب...
لكن صوت طرقات خفيفة على الباب قطع الحديث.
نهضت متعجبة.
واتجهت إلى الباب.
وحين فتحته...
وجدت الصغيرة ملك تقف أمامها، وعيناها تلمعان من شدة الفرح.
قالت وهي تكاد تقفز من مكانها:
ملك: خالتي ديلان...
جدتي تناديك بسرعة!.
انحنت ديلان مبتسمة، وقالت:
ديلان: خيرًا يا صغيرتي؟.
ابتسمت ملك ابتسامة واسعة، ثم قالت بحماس:
ملك: تقول لك جدتي تعالي بسرعة...
فخالي باران...
عاد من السفر!.
تجمدت ديلان في مكانها، ونظرت لملك وهي تهمس لنفسها ، وأخيرا ستتعرف على باران الذي طالما حدثتها عائشة عنه.
أما دنيز...
فالتفتت نحوها بسرعة، تراقب ملامحها في صمت، فذكر إسم باران وعودته في هذا الوقت ليس في صالحها ابدا.
وفي تلك اللحظة...
كان القدر يطرق باب الجميع، معلنًا بداية فصل جديد، ستتغير معه حياة كل من في هذا البيت.