
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم عاشقة القلم
نزل مراد مع أخيه باران إلى شقة والديهما، وما إن طرقت أقدامهما الدرج حتى فتحت لهما عائشة الباب، فاستقبلتهما بنظرة دافئة قبل أن تفسح لهما الطريق.
دخلا إلى الصالون، وجلست عائشة قبالتهما، بينما اتخذ باران مكانه إلى جانب أخيه.
بدأت عائشة تتحدث عن بعض شؤون البيت، لكن مراد لم يكن معها حقًا، كان جسده حاضرًا، أما عقله فكان عالقًا في مكان آخر... عند باب الشقة الذي أغلقه خلف ديلان، وعند صورتها وهي جالسة وحيدة فوق الدرج.
كان ينتظر أن تبدأ والدته كعادتها بتوبيخه.
كان يتوقع أن تسأله عن سبب طرده لديلان، وأن تعاتبه على تصرفه، وربما أن تصعد بنفسها للبحث عنها.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
مرّت الدقائق، وعائشة تتحدث بهدوء، دون أن تأتي على ذكر ديلان.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبه.
مراد في نفسه: لماذا لم تسأل عنها؟، هل عادت إلى هنا ولم تخبر أمي؟، أم أنها...
قاطع أفكاره صوت والدته:
عائشة: ما بك يا مراد؟ منذ جلست وأنا أراك شارد الذهن، حتى إنك لم تفتح فمك بكلمة واحدة، هل هناك شيء يشغل بالك؟
رفع مراد عينيه إليها سريعًا، ثم رسم على وجهه ابتسامة باهتة.
مراد: لا يا أمي، لا شيء، مجرد بعض المشاكل في العمل.
رمقته عائشة بنظرة متفحصة، لكنها لم تضغط عليه.
أما باران، فبقي صامتًا، وقد فهم من جواب أخيه أنه يتعمد إخفاء الأمر.
باران في نفسه: إذن أنت تخفي الأمر عن أمي... حسنًا، وأنا أيضًا لن أخبرك أين زوجتك.
لم يكن يريد أن يفضح ديلان أو يزيد اضطرابها، وربما كان يرى أن أخاه يحتاج إلى أن يشعر قليلًا بعاقبة أفعاله.
وبعد لحظات، نهض مراد.
مراد: سأصعد إلى شقتي، لدي بعض الأمور أريد إنجازها.
خرج قبل أن تسأله والدته شيئًا آخر.
لكن بدلًا من صعوده إلى شقته، اتجه مباشرة إلى سيارته.
جلس خلف المقود، وأدار المحرك، لكنه لم يتحرك فورًا.
ظل يحدق أمامه، وعشرات الاحتمالات تتصارع في رأسه.
مراد في نفسه: إذا لم تنزل إلى أمي... فأين ذهبت؟.
ضرب المقود بأصابعه بتوتر.
مراد في نفسه: هل خرجت بهذه الحالة وذهبت إلى بيت والدتها؟،
لم يجد أمامه سوى احتمال واحد.
سيتوجه إلى هناك بنفسه.
مراد في نفسه: سأذهب وأرى... ثم أحاول إعادتها معي قبل أن تلاحظ أمي الأمر.
انطلق بسيارته.
بعد وقت قصير، وصل إلى الحي الذي تسكن فيه أم ديلان.
وما إن أوقف سيارته بالقرب من المنزل حتى لمح طفلين يلعبان أمامه.
كان أحمد وعمر.
وما إن رأياه يترجل من السيارة حتى ركضا نحوه، وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامة واسعة.
ظنّا أن ديلان جاءت معه.
اقترب أحمد منه وسأله بحماس:
أحمد: عمو مراد! هل جاءت ديلان معك؟.
توقف مراد.
كانت الإجابة كافية،
إذن ديلان لم تكن هنا،
شعر بشيء يهبط في صدره،
انحنى أمام الطفلين، وقبلهما على رأسيهما، ثم قال محاولًا إخفاء ارتباكه:
مراد: هي في البيت... كنت قريبًا من هنا، وكان لدي لقاء مع اخد الاسخاص، فقلت أمر لأراكما، لقد اشتقت إليكما، ولم أركما منذ مدة.
ابتسم الطفلان.
لكن عمر قال فجأة:
عمر: لقد جاءت ديلان إلى البيت الأسبوع الماضي.
تجمد مراد.
مراد: حقًا؟.
أومأ عمر.
عمر: نعم، لكنها لم تستطع البقاء معنا طويلًا، تشاجرت مع أبي ثم خرجت دون أن تودعنا.
نظر مراد إلى أحمد.
ثم عاد إلى عمر.
مراد: ولماذا تشاجرت مع أبيكما؟، أليس في السجن؟،
أجاب أحمد هذه المرة:
أحمد: لقد خرج صباح اليوم الذي جاءت فيه ديلان لزيارتنا.
ثم أضاف ببراءة الأطفال:
أحمد: لكنها تشاجرت معه كعادتهما دائمًا، ولا نعرف السبب، ديلان تحبنا كثيرًا، وكانت تهتم بنا، بعكس أبي... هو دائمًا مشغول عنا.
شعر مراد بانقباض في صدره.
مراد: ولماذا كانت ديلان تتشاجر مع أبيكما دائمًا؟.
هز أحمد كتفيه.
أحمد: لا نعلم.
ثم تردد قليلًا قبل أن يقول:
أحمد: لكن أبي لا يمكث معنا كثيرًا، يعود أحيانًا مع الفجر ويكون مخمورًا، ثم يطلب من أمي المال.
تغير وجه مراد.
مراد: المال؟ لماذا؟.
قال الطفل بعفوية:
أحمد: ليصرفه على القمار... هكذا كانت أمي تقول.
ثم رفع عينيه إلى مراد وسأله ببراءة:
أحمد: عمو مراد، ما القمار؟، سمعت أن أبي دخل السجن بسببه، لأن عليه ديونًا، وصاحب الدين تسبب في دخوله السجن.
ساد الصمت.
كانت كلمات طفل صغير، لكنها وقعت في رأس مراد كحجر ألقي في ماء ساكن.
كاظم...
إذن الرجل الذي كان علم من والدته، انه سببًا في خوف ديلان لم يكن مجرد رجل سيئ الطباع.
كان مقامرًا وسكيرا، ومدمنًا على المال الحرام، وعليه ديون، وقد دخل السجن بسببها.
تذكر كيف كانت ديلان ترتجف لمجرد سماع اسمه.
وتذكر خوفها يوم سألها عنه، فأخبرته أن كاظم دخل السجن.
فهم الآن شيئًا جديدًا من ماضيها،
وربما فهم سببًا آخر من أسباب صمتها.
أخرج بعض المال من جيبه، ومده إلى الطفلين.
مراد: خذا هذا واشتريا ما تشاءان من الحلوى والسكاكر.
اتسعت عينا الطفلين فرحًا.
ثم قال مراد:
مراد: وسأعود قريبًا... وسأحضر ديلان معي لتزوركما.
ابتسم الطفلان وهزا رأسيهما.
لوّح لهما مراد، ثم اتجه إلى سيارته.
ما إن أغلق باب السيارة حتى اختفت الابتسامة من وجهه،
جلس خلف المقود، لكنه لم يشغل المحرك.
ظل ساكنًا.
مراد في نفسه: إذن ليست هنا...
رفع رأسه قليلًا.
مراد في نفسه: وإذا لم تكن عند والدتها، فأين ذهبت؟.
بدأت الاحتمالات تضيق أمامه حتى كادت تختفي.
ديلان لا تملك مكانًا آخر تذهب إليه، ليس لديها صديقة قريبة تلجأ إليها.
أما السيدة كريمة، فقد انتقلت إلى ضيعة زوجها البعيدة عن المدينة، ولا يعرف مراد عنوانها، ولا يملك حتى رقم هاتفها.
ثم حتى لو استطاع الوصول إليها...
مراد في نفسه: ماذا سأقول لها؟،
أغمض عينيه.
وعادت إليه صورة ديلان حين طردها خارج الشقة بملابس بيتية دون حجاب اونقاب،
وحيدة،
منكسر،.
مطرودة من بيتها،
بسببه.
فتح عينيه وضرب بيده على عجلة القيادة.
مراد: أحمق...
خرجت الكلمة منه مفعمة بالندم.
مراد: ماذا فعلت؟
أعاد رأسه إلى المقعد، وأخذ نفسًا عميقًا، لكنه لم يجد راحة.
لقد تصرف في لحظة غضب، ولم يفكر أين ستذهب، ولا من سيحميها، ولا أين ستقضي ليلتها.
والآن...
لم يكن يعرف حتى إن كانت بخير.
حدق أمامه بشرود.
مراد في نفسه: أين أنتِ يا ديلان؟.
ثم عاد السؤال ينهش قلبه:
مراد في نفسه: إلى أين يمكن لامرأة مثلك أن تذهب حين يغلق الجميع الأبواب في وجهها؟،
ضرب عجلة المقود بيده مرة أخرى وقال.
مراد: انت غبي يا مراد كيف تطردها بدون ستر؟، أليست زوجتك وعلى إسمك؟، أليست شرفك وعرضك؟.
سكت قليلا ثم أجاب على نفسه.
مراد: كنت اظنها ستنزل لامي؟، لكن ماذا سأفعل الآن؟ وإلى أين تكون قد ذهبت في هذا الليل وليس لها احد غير بيت والدتها؟، وماذا سأقول لأبي وأمي إن علما بالامر؟، انت غبي غبي!!!...
لأول مرة منذ زواجهما، لم يكن أكثر ما يخيفه أن تكون ديلان قد خانته...
بل أن يكون قد دفعها بنفسه إلى مكان لا يعرفه، دون أن يترك لها مأمنًا تلجأ إليه.
أدار المحرك أخيرًا، لكنه لم يعرف إلى أين يقود.
كل الطرق بدت أمامه مفتوحة...
إلا الطريق الذي يمكن أن يقوده إليها.
كان الليل قد أرخى سدوله على البيت، وساد الهدوء أرجاء الطابق العلوي، بينما بقيت ديلان خلف باب الغرفة التي أعدّها باران، وحيدةً مع خوفها وأفكارها المتشابكة.
أما باران، فبعد أن تأكد من انشغال والدته خارج المطبخ، تسلل بهدوء وأخذ بعض الطعام وقارورة ماء، ثم صعد الدرج متجهًا إلى الغرفة التي أخفى فيها ديلان، كان يحمل الطعام بيد، وقلبه مثقلًا بالقلق عليها باليد الأخرى.
وقف أمام الباب وطرق طرقات خفيفة.
لم تجبه.
طرق مرة أخرى، فازدادت ديلان توترًا، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وشدت الخمار الذي أعطاها إياه حول وجهها، خشية أن يكون الطارق شخصًا آخر.
عندها جاءها صوته خافتًا من خلف الباب:
باران: ديلان!!... هذا أنا، افتحي، أحضرت لك بعض الطعام والماء.
ما إن سمعت صوته حتى هدأ شيء من خوفها، اقتربت بحذر، وفتحت الباب قليلًا، ثم ابتعدت سريعًا، بينما أبقى باران الباب مفتوحًا حتى لا تشعر بأنه يحاصرها.
دخل بخطوات هادئة، ووضع ما يحمله فوق الطاولة، ثم تراجع إلى الخلف، محافظًا على مسافة تحفظ لها راحتها وخصوصيتها.
نظر إليها بعينين امتلأتا بالشفقة، وقال:
باران: أحضرت لك بعض الطعام والماء، أبقي هنا الليلة وأغلقي الباب خلفي، هناك حمام في الجهة الأخرى، إن احتجتِ إليه.
ثم سكت لحظة، وكأنه يفكر كيف يخبرها بما يدور في ذهنه، قبل أن يتابع:
باران: لم أخبر أحدًا بمكانك، كنت أظن أن مراد سيخبر والدتي بما حدث، أو على الأقل سيعترف بما فعله، لكنه أخفى الأمر، لذلك قررت أن أبقي الأمر سرًّا حتى يدرك فداحة ما ارتكبه، ويعترف بخطئه بنفسه، لا أحد يعلم أنك هنا، حتى أمي لم أخبرها، فإذا احتجتِ إلى أي شيء، فلا تترددي في إخباري، وسأحضره لك.
خفضت ديلان عينيها، وشعرت بغصة في حلقها وهي تدرك للمرة الأولى منذ طردها أنها ليست وحدها تمامًا.
ثم قالت بصوت خافت:
ديلان: شكرًا لك... أنا لا أحتاج سوى إلى سجادة للصلاة ومصحف أقرأ فيه.
ابتسم باران ابتسامة صغيرة، وكأنه كان قد توقع طلبها، وأشار إلى خزانة صغيرة باداراج بالقرب من الطاولة التي يرسم عليها وقال .
باران: في تلك الخزانة سجادة ومصحف، وهناك ملاءة وغطاء إن احتجتِ إليهما، والسرير أمامك، فقد جهزت الغرفة أصلًا لأعمل فيها، وإذا تأخرت في العمل فلا اتأخر عن اداء فرائضي وأيضا أرتاح حين أحتاج إلى ذلك.
ثم أشار إلى زاوية الغرفة وأضاف:
باران: وهناك ثلاجة صغيرة بالقرب من السرير، وضعت فيها بعض العصائر والأطعمة الخفيفة، إذا شعرتِ بالجوع ليلًا فلا تترددي في تناول من ما فيها، وغدًا سأحضر لك كل ما تحتاجينه، فقط أخبريني.
رفعت ديلان عينيها إليه، وكانت الدموع لا تزال عالقة في أطرافهما.
ديلان: شكرًا لك على معروفك وصنيعك معي... حقًا، لا أحتاج إلى شيء آخر، فقط ان خائفة على امي عائشة إذا علمت بالأمر ام يحدث لها شيء.
هز باران رأسه وقال بنبرة حازمة يشوبها الحنان:
باران: لا تقولي ذلك، أنتِ الآن في عهدتنا، ومن واجبنا أن نحميكِ ونقف إلى جانبكِ، لو كانت أختي هي من تعرضت لما تعرضتِ له، لتمنيت أن تجد شخصًا يقف إلى جانبها ولا يتركها وحيدة في محنتها، اما بالنسبة لأمي افضل ان تعلم اولا بما فعله اخي معك ثم أخبرها بمكانك، اخاف ان تنفلت كلمة منها إذا علمت الامر الآن، فهي تحبك ولن ترضى بظلمك حتى ولو كان إبنها من فعل بك هذا.
ثم سكت قليلًا، قبل أن يقول:
باران: أما مراد، فلن أخبره بمكانك الآن، ليس انتقامًا منه، وإنما حتى يدرك خطأه ويأتي إليك معتذرًا عن فعلته، إن كنتِ أصلًا ترغبين في العودة إليه، وأنا لا أريد أن أفرض عليكِ شيئًا. فكري بهدوء، بعيدًا عن الخوف والغضب، ثم اتخذي القرار الذي ترينه مناسبًا لك.
ارتجفت شفتا ديلان قليلًا، وقالت:
ديلان: شكرًا لك مرة أخرى... سأفكر جيدًا في الأمر.
اقترب باران خطوة، ثم توقف، وقال بصدق خرج من قلبه:
باران: ولا تخافي، ديلان، أنا إلى جانبك.
رفع عينيه نحوها وأضاف:
باران: وإن قررتِ الطلاق، فسأقف إلى جانبك أيضًا، لو أن زوج أختي فعل بها ما فعله مراد معك، لما تركتها تعود إليه بسهولة، حتى لو طلب منها العفو وقبّل يديها واعتذر ألف مرة، ما حدث ليس أمرًا هينًا يمكن تجاوزه بكلمة اعتذار.
ثم أردف بنبرة أكثر هدوءًا:
باران: لذلك لا تشعري أنك مضطرة إلى العودة إليه خوفًا من الناس أو المستقبل، القرار قرارك أنتِ، وأنا سأحترم ما تختارينه.
لم تجد ديلان ما تقوله.
كانت الكلمات تتزاحم في صدرها، لكنها لم تجد طريقها إلى لسانها، وكل ما استطاعت فعله أن تهز رأسها، فيما انهمرت دمعة ساخنة على وجنتها.
ابتسم باران ابتسامة مطمئنة وقال:
باران: نامي الآن وارتاحي. وأغلقي الباب خلفي، وأعدك أن أحدًا لن يعلم بمكانك ما دمتِ لا تريدين ذلك.
ثم استدار وغادر الغرفة بهدوء.
بقيت ديلان واقفة عند الباب للحظات، تراقب خطواته وهي تبتعد، وكأنها لا تزال غير مصدقة أن شخصًا وقف إلى جانبها دون أن يطلب منها شيئًا في المقابل.
أغلقت الباب ببطء، وأسندت ظهرها إليه.
وحين أصبحت وحدها، انهارت كل مقاومتها.
تقدمت نحو السرير بخطوات مثقلة، ثم جلست عليه قبل أن ترتمي فوقه، وتخفي وجهها بين يديها، وانفجرت بالبكاء.
بكت على ما وصلت إليه حياتها...
على بيتٍ لم يعد آمنًا لها، وزوجٍ لم يعد قلبها يعرف كيف يطمئن إليه، وأمٍّ لم تستطع العودة إليها، وماضٍ يطاردها أينما ذهبت.
كانت تسأل نفسها وسط شهقاتها:
إلى أين ستذهب من هنا؟،
وماذا سيحدث غدًا؟،
وهل ستعود إلى مراد؟،
أم أن ما حدث كان النهاية الحقيقية لزواجها؟،
رفعت رأسها نحو السقف، والدموع تبلل وجهها، ثم أغمضت عينيها وهمست في أعماقها:
يا رب... لم يعد لي إلا أنت.
ثم عادت لتدفن وجهها في وسادتها، وتبكي بصمت، كان قلبها يعتصر ألما على مافعله مراد، ومن جهة أخرى كانت تتألم على تصرف باران معها، وهل لو علم من هي هل كان ليساعدها؟، بينما كان الليل من حولها يزداد سكونًا، وكأن العالم كله توقف للحظة، تاركًا قلب ديلان وحده يواجه عاصفة لا تعرف بعد إلى أين ستقودها.
كانت تلك الليلة ثقيلة على الجميع، وكأن أحداث الأيام الماضية تركت في البيت صمتًا لا يشبه سكون الليالي المعتاد.
عاد مراد متأخرًا، وقد بدا التعب واضحًا على ملامحه، صعد الدرج بخطوات بطيئة، ثم فتح باب شقته ودخل، وأغلقه خلفه.
ظل واقفًا للحظات في منتصف الصالة، ينظر حوله بشرود.
كان المكان كما تركه... كل شيء في موضعه، إلا ديلان.
تقدم نحو غرفتها، فتح الباب ودخل، كانت الغرفة غارقة في السكون، والسرير خاليًا، وكأن وجودها فيها لم يكن سوى ذكرى قريبة.
جلس على حافة السرير، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم شبك أصابعه أمام وجهه.
عادت إليه كل الأحداث دفعة واحدة.
رسالة مجهولة...
صورة ديلان في الحديقة...
كلمات الرجل الذي اتصل به...
دنيز وهي تخرج من شقة ديلان وتترك روني معها...
حديث باران...
ثم غضبه الأعمى الذي جعله يطرد زوجته دون أن يعرف أين ستذهب.
رفع رأسه، وزفر ببطء.
مراد في نفسه: أين ذهبتِ يا ديلان؟، أين؟.
ظل السؤال يطارده، لكنه لم يجد له جوابًا.
نهض أخيرًا، وأغلق باب الغرفة، ثم توجه إلى غرفته، بدل ثيابه واستلقى على سريره، لكنه لم يستطع النوم بسهولة.
ظل يقلب الاحتمالات في رأسه.
تارةً يصدق الرسالة...
وتارةً يعود إلى تصرفات دنيز التي لم يجد لها تفسيرًا...
وتارةً يتذكر ديلان، وكيف كانت طوال الأشهر الماضية تتحمل جفاءه وإساءته بصمت، دون أن تقابله بالإساءة نفسها.
كلما حاول أن يطمئن إلى رواية الرجل المجهول، ظهر أمامه سؤال جديد يهدم جزءًا منها.
حتى غلبه النوم أخيرًا، بعد ليلة طويلة من التفكير والقلق.
أما في الغرفة الأخرى...
فبعد أن غادر باران، بقيت ديلان لبعض الوقت جالسة على السرير، تستعيد كلماته في ذهنها.
لم تكن معتادة على أن تجد من يقف إلى جانبها بهذه الصورة،
ولم تكن معتادة على أن يخاف أحد عليها دون أن يطلب منها شيئًا، كانت تبكي محتظنة وسادته، فكل شيء في هذه الغرفة يذكرها به، يا الله كيف تطرد هذه الافكار والهواجس التي تزحف إلى عقلها.
مسحت دموعها، ثم نهضت واتجهت إلى الحمام.
توضأت، وفرشت سجادة الصلاة، وأدت فرضها، ثم رفعت يديها تدعو ربها بقلب منكسر، قبل أن تجلس قليلًا تستعيد هدوءها.
وحين فرغت، التفتت إلى الأشياء التي أحضرها لها باران.
تقدمت نحو الطاولة الصغيرة التي أعدها لتكون مكانًا لعمله وتصميماته، فأخذت تتفحصها بعينين هادئتين.
كانت هناك أوراق مرتبة، وأقلام وأدوات هندسية، وبعض المخططات، وأوراق للرسم، وألوان مبعثرة بعناية.
ثم وقع بصرها على دفتر موضوع بين تلك الأوراق.
ترددت للحظة.
مدت يدها إليه، ثم التقطته دون أن تعرف لماذا جذب انتباهها بهذه الصورة.
فتحته...
وفي اللحظة التالية اتسعت عيناها دهشة.
وضعت يدها على فمها، وهمست:
ديلان: يا إلهي...
كانت الصفحة أمامها تحمل رسمًا تعرفه جيدًا،
إنها هي؛
هي نفسها، بتفاصيل وجهها وملامحها وهدوئها الذي لطالما أخفته خلف نقابها.
قلبت الصفحة...
فرسم آخر،
ثم آخر،
حتى شعرت أن قلبها بدأ يخفق بعنف، كانت تلك الرسومات تعرفها أكثر مما توقعت،
رسمة لها وهي تجلس في حديقة الجامعة...
ورسمة أخرى للحظة كانت تسير فيها وحدها...
ثم توقفت أنفاسها عندما وقعت عيناها على رسم لمحطة القطار،
كان باران قد رسم لحظة لقائهما في قطار الأنفاق،
هو جالس إلى جوارها، وهي تنظر أمامها، ويده تمتد إليها بالرسالة التي تركها لها،
كانت الرسمة دقيقة إلى حد جعلها تشعر أنها لا تنظر إلى رسم، بل إلى صورة التقطتها عدسة كاميرا وخُبئت داخل دفتر،
همست، وقد ارتجف صوتها:
ديلان: كان يرسم كل شيء...
قلبت الصفحة ببطء.
وهناك كانت المفاجأة الأكبر،
رسمٌ لم تكن فيه وحدها،
كانا معًا،
كانت آخر رسمة رسمها لكن بإحساسه وكأنها امنية تمناها،
كانا يسيران جنبًا إلى جنب، ويده تمسك يدها، بينما كانت عينا كل واحد منهما معلقتين بالآخر.
لم يكن الرسم مجرد صورة عابرة...
كان حلمًا،
حلمًا رسمه شخص لم يستطع أن يقوله بصوته، وعلى جانب الصفحة كتب باران كلمات قصيرة، بدت وكأنها خرجت من قلبه قبل قلمه:
"ليتك تعلمين كم أشتاق إلى يومٍ لا أضطر فيه إلى النظر إليك من بعيد.
أتمنى أن تكوني المرأة التي أعود إليها آخر النهار، فأجد في عينيها سكني، وفي قربها راحتي.
أريدك رفيقة دربي، لا عابرة في أيامي.
أريد أن تكون يداك في يدي، لا في حلمٍ أرسمه ثم أخفيه.
فإن كان لي في هذه الدنيا أمنية واحدة، فهي أن يجمعني الله بك في حلاله، فأجد بك اكتمال سعادتي، وتجدين بي الرجل الذي يصون قلبك ويحفظك ما حييت."
ارتجفت أصابع ديلان وهي تمر فوق الكلمات.
لم تستطع أن تتابع القراءة.
أغلقت الدفتر بسرعة، وكأنها تخشى أن تقرأ المزيد، ثم ضمته إلى صدرها للحظات،
لكن الدموع سبقتها،
تساقطت على وجنتيها بصمت.
لم تكن تبكي لأنها اكتشفت حب باران لها فحسب...
بل لأنها أدركت مقدار الظلم الذي تحمله وحدها، ومقدار الألم الذي أصبح يحيط بها من كل جانب.
كانت هناك مشاعر في ذلك الدفتر لم تطلبها، وأسرار لم تكن مستعدة لمعرفة وجودها، وحقيقة جعلت قلبها يرتجف لأنها تعرف أنها لا تستطيع أن تمنحها جوابًا، ولا تستطيع ان تبادله تلك المشاعر.
نظرت إلى الدفتر طويلًا، ثم همست:
ديلان: لماذا وضعتني الحياة أمام كل هذا؟.
لكن الغرفة لم تجبها،
وبعد وقت طويل، غلبها التعب،
استلقت على السرير، وبقي الدفتر بين يديها، حتى استسلمت عيناها للنوم.
كان جسدها منهكًا، وروحها أكثر إنهاكًا.
ولم تشعر إلا والنوم يتسلل إليها شيئًا فشيئًا...
في المنام...
رأت ديلان حلما....
§كانت ديلان تسير في طريق تحيط به الأشجار من الجانبين، والنسيم العليل يحرك أطراف خمارها برفق، لم تكن تعرف إلى أين تسير، لكنها كانت تشعر براحة غريبة لم تعرفها منذ زمن.
وبينما كانت ترفع عينيها تتأمل المكان، لمحت شخصًا يقف على مسافة منها.
توقفت خطواتها.
كان باران.
تسارعت دقات قلبها، وشعرت وكأنها عاجزة عن تصديق عينيها.
اقترب منها بخطوات هادئة، حتى وقف أمامها.
نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة أراحت قلبها.
باران: ديلان... لقد وجدتك أخيرًا.
لم تعرف ماذا تقول، فاكتفت بالنظر إليه والدموع تلمع في عينيها.
ديلان: كنت أظن أنني لن أراك مرة أخرى.
ابتسم لها، ثم مد يده إليها.
ترددت للحظات، ونظرت إلى يده وكأن شيئًا في داخلها يخبرها أن عليها ألا تفعل.
لكنها في المنام لم تستطع مقاومة شعورها.
مدت يدها ببطء، فوضع باران يده حول يدها، وأمسك بها برفق.
وفي اللحظة التي تلامست فيها يداهما، شعرت ديلان بدفء غريب يسري في قلبها.
لم يكن خوفًا هذه المرة...
بل أمانًا.
سارا معًا في الطريق، ويده ما زالت ممسكة بيدها.
كانت تنظر إليه بين الحين والآخر، فيلتفت إليها مبتسمًا، وكأنهما لم يفترقا عن بعضهما منذ أعوام طويلة.
ثم توقف باران أمام منزل جميل تحيط به حديقة واسعة.
نظر إليها وقال:
باران: هذا هو المكان الذي كنت أتمنى أن أراك فيه يومًا.
نظرت إليه بدهشة.
ديلان: ماذا؟.
أجابها دون تردد:
باران: وستبقين معي.
ثم شد على يدها برفق، وقال:
باران: لن تكوني وحدك بعد اليوم.
ارتجف قلبها، واغرورقت عيناها بالدموع.
وللمرة الأولى شعرت أنها ليست خائفة من المستقبل.
كانت تقف إلى جواره، ويدها في يده، وتشعر وكأن كل ما عانته في الأيام الماضية أصبح خلفها.
ثم ابتسم لها باران وقال:
باران: تعالي، لقد انتظرتك طويلًا.
تحركت معه، ويدها ما تزال بين يده...
لكن فجأة تغير المشهد.
وجدت نفسها واقفة أمام مرآة كبيرة.
نظرت إلى انعكاسها، فرأت نفسها بثياب بيضاء، وباران يقف إلى جوارها، ويده ممسكة بيدها.
شهقت ديلان، وتراجعت خطوة.
ديلان: ماذا أفعل هنا؟.
وقبل أن تسمع جوابًا، بدأ المكان من حولها يختفي، واختفى باران من أمامها، وبقيت وحدها.
ثم سمعت صوت أذان الفجر من بعيد...
أيقظها صوت أذان الفجر.
فتحت عينيها ببطء، ثم انتبهت إلى الدفتر الذي ما زالت تمسك به،
استيقظت،
فتحت ديلان عينيها بسرعة، وجلست على السرير، وأنفاسها مضطربة،
جلست مذعورة، وأخفته بسرعة تحت السرير، ودفعته إلى الداخل حتى تأكدت أنه لا يمكن أن يظهر بسهولة.
نظرت إلى يدها التي كانت ممدودة أمامها دون وعي، ثم ضمتها إلى صدرها.
وفجأة تذكرت الحلم كاملًا.
باران...
يده التي أمسكت يدها...
سيرها إلى جواره...
والشعور بالسعادة الذي غمر قلبها.
اغرورقت عيناها بالدموع، وهزت رأسها بأسى.
ديلان: أستغفر الله...
غطت وجهها بكفيها، وشعرت بالخجل من نفسها.
ديلان: كيف رأيت هذا في نومي؟، كيف فرحت وأنا أمسك يده؟، أنا زوجة رجل آخر...
ثم أخذت تستغفر مرارًا، وقد ازداد اضطرابها.
ديلان: يا رب، أنت تعلم أنني لم أختر هذا الحلم، ولم أتعمده... فلا تؤاخذني بما لا أملك.
سكتت قليلًا، ثم نظرت إلى يدها مرة أخرى.
كانت لا تزال تشعر بدفء يد باران في حلمها، وكأنها كانت حقيقة.
فازدادت دموعها.
ديلان: لكن لماذا كان قلبي سعيدًا هكذا؟،
لم تجد جوابًا.
فأخفضت رأسها، ثم رفعت يديها إلى الله.
ديلان: إن كان هذا الأمر شرًا لي، فاصرفه عن قلبي قبل أن أؤذي به نفسي أو غيري... وإن كان الله قد كتب لي في القادم شيئًا لا أعرفه، فاجعلني راضية بما تكتب، ولا تجعلني أتعلق إلا بما يرضيك.
ثم مسحت دموعها، ونهضت لتتوضأ.
لكنها، رغم كل استغفارها، لم تستطع منع سؤال واحد من العودة إلى قلبها:
هل كان ذلك المنام مجرد حلم صنعه قلبها المتعب... أم أن الأيام القادمة تخبئ لها لقاءً آخر بباران؟.
دخلت الحمام، توضأت، وفرشت سجادة الصلاة.
وقفت بين يدي الله، وأدت فرضها ونوافلها، ثم جلست على سجادة الصلاة، ورفعت يديها.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
ديلان: يا رب... أنت أعلم بما في صدري، وأعلم بما أخفيه عن خلقك، فاسترني ولا تفضحني، واحفظ سري، واربط على قلبي، ولا تجعلني أضعف أمام هذه الفتنة، اللهم أعنّي على ما أنا فيه، وأخرجني من هذه المحنة بما يرضيك عني.
ظل صوتها خافتًا، لكنه كان يحمل كل خوفها وكل رجائها.
ثم فتحت مصحفها، وبدأت تقرأ وردها.
ومع مرور الآيات، أخذ اضطراب قلبها يهدأ شيئًا فشيئًا.
حتى أشرقت الشمس، وتسربت خيوطها الذهبية من بين ستائر الغرفة، بينما بقيت ديلان جالسة في مكانها، وقد أسندت قلبها إلى الله وحده، بعدما ضاقت بها الأرض بما رحبت.
في صباح اليوم التالي، كان الهدوء يخيّم على شقة عزّت، بينما كانت عائشة تتنقل بين المطبخ وطاولة الطعام، تضع اللمسات الأخيرة على وجبة الإفطار لزوجها وابنيها قبل أن يتوجهوا إلى أعمالهم.
كان كل شيء يسير على عادته، حتى دوّى طرقٌ خفيف على الباب.
مسحت عائشة يديها بطرف مئزرها، ثم اتجهت لفتح الباب، وما إن رأته حتى ارتسمت على وجهها علامات الاستغراب.
كان مراد واقفًا أمامها، لكن ملامحه لم تكن تشبهه.
وجه شاحب، عينان مثقلتان بالسهر، وملامح متعبة توحي بأنه لم يذق النوم إلا قليلًا.
نظرت خلفه تلقائيًا، فلم تجد أحدًا.
عائشة: صباح الخير يا بني... ما بك؟، تبدو مرهقًا جدًا، ثم أين ديلان؟، ألم تنزل معك؟.
رفع مراد عينيه إليها، لكنه لم يجب.
بقي صامتًا، وكأن السؤال أصاب موضعًا حاول طوال الليل أن يهرب منه.
ضيّقت عائشة عينيها وهي تراقبه، ثم أعادت السؤال بنبرة أكثر قلقًا:
عائشة: مراد... سألتك عن زوجتك، أخبرتني بالأمس أنها تشعر بالتعب وستبقى في شقتها لترتاح، فهل أصابها شيء؟ أم أنك فعلت بها شيئًا من جديد؟.
ازداد صمت مراد ثقلاً.
وفي تلك اللحظة خرج باران من غرفته، وقد كان يستعد للذهاب إلى عمله، لكنه توقف عندما سمع حديث والدته.
نظر إلى أخيه طويلًا، ثم قال بهدوء:
باران: مراد... أخبر والدتنا بما حدث، لا فائدة من إخفاء الأمر، بل يجب أن نعرف أين وصلت الأمور ونجد لها حلًا قبل أن تتفاقم.
التفتت عائشة إلى باران، ثم عادت ببصرها إلى مراد، وقد بدأ القلق يتحول إلى خوف حقيقي.
عائشة: ماذا حدث؟ تكلموا بسرعة!، ما الذي تخفيانه عني؟.
وقبل أن يجيب أحد، خرج عزّت من غرفته بعدما سمع صوت زوجته المرتفع، وقال بقلق:
عزّت: ما الذي يحدث هنا؟، ولماذا ترفعين صوتك منذ الصباح؟.
نظرت إليه عائشة، وقالت بانفعال:
عائشة: لا أعلم! سألت مراد عن ديلان فلم يجبني، وباران يقول إن هناك أمرًا يخفونه عني، أشعر أن شيئًا حدث لابنتي!.
اقترب عزّت من ابنه، ونظر إليه نظرة صارمة.
عزّت: مراد... ماذا حدث لزوجتك؟ تكلم.
ظل مراد صامتًا للحظات.
كان يعلم أن لا مفر هذه المرة.
خفض رأسه، ثم قال بصوت خافت:
مراد: لقد... طردتها من البيت أمس.
تجمدت عائشة في مكانها.
وكأن الكلمات احتاجت إلى لحظات حتى تستقر في عقلها،
ثم تقدمت نحوه بسرعة، وأمسكت بياقة قميصه بكلتا يديها، تهزه بعنف وقد اختلط الغضب بالخوف في صوتها:
عائشة: ماذا فعلت؟!، أبلغ بك الأمر أن تطرد زوجتك من بيتها؟، ومتى حدث هذا؟.
أجاب مراد وهو مطأطئ الرأس:
مراد: أمس...
ازدادت عيناها اتساعًا.
عائشة: أمس؟!، وأنت تقف أمامي الآن وكأنك تتحدث عن أمر عادي؟!.
اقترب عزّت من ابنه، وكانت ملامحه قد تغيرت تمامًا.
عزّت: أعد ما قلته.
رفع مراد عينيه إليه.
عزّت: قلتَ إنك طردت زوجتك من بيتك ليلة أمس... ولم تخبرنا؟، أين ذهبت؟، وأين قضت ليلتها؟.
تردد مراد قبل أن يجيب:
مراد: لا أعلم...
عائشة: لا تعلم؟!.
خرجت الكلمة منها كصرخة.
مراد: ظننت أنها هنا في بيتكم... لكن عندما رأيتك تتحدثين معي وكأن شيئًا لم يحدث، أدركت أنها ليست هنا، ذهبت إلى بيت والدتها، وعرفت أنها ليست هناك أيضًا.
ساد صمت ثقيل.
نظرت عائشة إلى ابنها وكأنها تراه للمرة الأولى.
ثم رفعت يدها وصفعته على وجهه.
دوّى صوت الصفعة في المكان، وتبعته كلماتها المرتجفة بالغضب:
عائشة: أهذه هي التربية التي ربيناك عليها؟!، أهذه هي الرجولة التي تعلمتها؟، أن تظلم زوجتك، ثم تطردها من بيتها ولا تعرف حتى أين قضت ليلتها؟!.
تراجعت خطوة، وامتلأت عيناها بالدموع.
ثم أشارت إلى الباب بحزم:
عائشة: اذهب!، ابحث عنها في كل مكان يمكن أن تكون فيه، لا تعد إليّ إلا وهي معك، أسمعتني؟، لن أرضى عنك، ولن أستطيع حتى النظر في وجهك إن حدث لها مكروه بسبب تهورك!.
كان مراد يقف أمامها صامتًا، وقد انحنى رأسه أكثر.
أما عزّت فتقدم منه، وصوته يحمل غضبًا لم يحاول إخفاءه:
عزّت: هل هذه هي الرجولة والنخوة التي تتحدث عنها؟، ما السبب الذي يجعلك تطرد زوجتك بكل هذه القسوة والبرود؟، ألا تعلم أنها عرضك وشرفك؟، ألا تعلم أنها أمانة ائتمنك أهلها عليها؟.
توقف لحظة، وكأن الكلمات خانته من شدة غضبه.
ثم قال بصوت حازم:
عزّت: لا أجد كلمة تصف ما فعلته، لكن اسمعني جيدًا... إذا أصاب تلك المسكينة مكروه بسبب ما فعلته، فلن يرحمك مني أحد، اذهب وابحث عنها، ولا أريد أن أراك أمامي إلا وهي معك؛ أفهمت!!!؟.
أومأ مراد بصمت.
ثم استدار وغادر.
خرج من البيت مثقلًا بالخزي والندم، وصعد إلى سيارته دون أن يعرف إلى أين يتجه.
أين يبحث عنها؟،
إلى من يذهب؟،
بيت والدتها ليست فيه،
بيت والديه ليست فيه،
وصديقتها الوحيدة التي كانت تستطيع اللجوء إليها لم تعد موجودة.
ضرب مراد بيده على المقود، وأغمض عينيه للحظة.
مراد في نفسه: أين أنتِ يا ديلان؟.
لأول مرة، لم يكن يخشى أن تتركه زوجته...
بل كان يخشى ألا يجدها.
أما في شقة والديه، فقد بقيت عائشة واقفة في مكانها، تحدق في الباب الذي خرج منه ابنها.
لم تستطع استيعاب ما حدث،
ثم جلست ببطء على أقرب مقعد، وبدأت دموعها تنهمر،
كانت الأسئلة تنهش قلبها:
أين ديلان الآن؟،
أين قضت ليلتها؟،
هل كانت وحدها؟،
هل وجدت مكانًا آمنًا تلجأ إليه؟،
وما الذي دفع مراد إلى هذه القسوة كلها؟.
لقد رأت في ديلان فتاة صابرة، هادئة، تحفظ بيتها وتصون زوجها، فلم تستطع أن تفهم ما الذنب الذي ارتكبته حتى يصل الأمر بابنها إلى طردها في ظلمة الليل.
وضعت يدها على صدرها وهي تبكي.
عائشة: يا رب... احفظها أينما كانت.
ثم أخذت تتنفس بصعوبة، وقد اشتد عليها الانفعال حتى شعرت بدوار يلف رأسها.
حاول باران الاقتراب منها، لكنه لم يلحق بها إلا بعدما ترنحت في مكانها، ثم فقدت وعيها.
باران: أمي!.
اندفع نحوها وأمسكها قبل أن تسقط على الأرض، بينما أسرع عزّت إليها، وقد تبدلت ملامحه من الغضب إلى الهلع.
وهكذا، وفي اللحظة التي خرج فيها مراد يبحث عن زوجته في المجهول، بقيت عائشة غائبة عن الوعي، وقلبها لا يحمل إلا دعاءً واحدًا:
أن يحفظ الله ديلان من كل سوء، وأن يعيدها إليهم سالمة