رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم عاشقة القلم

✍️حمل باران والدته بين ذراعيه، وقد شحب وجهه من شدة الخوف عليها، ثم أسرع بها إلى غرفتها ووضعها برفق فوق السرير.

كان قلبه يخفق بعنف، وعيناه معلقتان بوجهها الشاحب، وكأن رؤيتها فاقدة للوعي أمامه أيقظت داخله خوفًا لم يعرفه من قبل.

وفي تلك الأثناء، أمسك عزّت هاتفه واتصل بطبيبة تسكن في الحي، طالبًا منها الحضور على وجه السرعة.

جلس باران إلى جوار والدته، وأخذ يربت على يدها محاولًا إعادتها إلى وعيها.

باران: أمي... أمي افتحي عينيكِ، أرجوكِ. أنا هنا، لا تخافي.

تحركت جفون عائشة ببطء، ثم فتحت عينيها بصعوبة، وأخذت تحدق أمامها للحظات دون أن تدرك أين هي.

ثم تمتمت بصوت ضعيف:

عائشة: ديلان... ابنتي...

اقترب باران منها أكثر.

باران: أنا هنا يا أمي، لا تقلقي.

لكنها لم تكن تسمعه جيدًا، وعادت تردد بقلق:

عائشة: أين أنتِ يا ابنتي؟ ماذا حدث لكِ؟ أين ذهبتِ؟ .

أمسك باران بيدها وضغط عليها بحنان.

باران: ديلان بخير يا أمي، اطمئني. فقط اهدئي، وستعود إلينا بإذن الله.

في تلك اللحظة دخل عزّت إلى الغرفة برفقة الطبيبة، فاقترب من زوجته، ثم طلبت الطبيبة منهما الخروج حتى تتمكن من فحصها.

غادر الرجلان وأغلقا الباب خلفهما.

مرت الدقائق ثقيلة، وباران يمشي ذهابًا وإيابًا في الصالة، بينما كان عزّت جالسًا وقد عقد يديه أمامه، وعلامات القلق لا تفارق وجهه.

وبعد مدة، فُتح الباب وخرجت الطبيبة.

نهض الاثنان في اللحظة نفسها واتجها إليها.

عزّت: كيف حالها يا دكتورة؟.

باران: هل هناك ما يدعو للقلق؟.

أجابت الطبيبة بهدوء:

الطبيبة: لا تقلقا، حالتها مستقرة الآن، لكن ضغطها ارتفع قليلًا، ويبدو أنها تعرضت لانفعال شديد أو موقف صعب أدى إلى ارتفاع ضغطها بهذه الصورة.

تنفس عزّت الصعداء، بينما بقي باران صامتًا يستمع إليها باهتمام.

تابعت الطبيبة:

الطبيبة: أعطيتها مهدئًا يساعدها على النوم والراحة، كما علقت لها محلولًا يحتوي على دواء يساعد على خفض الضغط، لكن الأهم من الدواء هو أن تبتعد تمامًا عن التوتر والانفعال.

أومأ عزّت برأسه.

عزّت: بإذن الله، سننتبه لذلك.

رافقها باران حتى باب الشقة، ثم قال:

باران: دكتورة، هل حالتها تحتاج إلى شيء آخر؟.

أجابته:

الطبيبة: كما أخبرتكم، الراحة أهم شيء، لا تجعلوها تفكر فيما يوترها ويرفع ظغطها، ولا تدخلوا معها في نقاشات تثير أعصابها، وهذه الوصفة، بعد انتهاء المحلول، أعطها قرصًا منها بعد ساعتين ثم تأخذ منه مل يوم في نفس الوقت لمدة ثلاثة أيام، ثم تعود لتأخذ دواء الظغط الذي كانت تأخذه من قبل.

ناولته الورقة، ثم أردفت:

الطبيبة: وإذا ارتفع ضغطها مجددًا أو شعرت بدوار شديد، اتصلوا بي فورًا.

باران: شكرًا لكِ.

رافقها إلى أسفل المبنى، ثم اتجه مباشرة إلى الصيدلية ليحضر الدواء.

وعند كان ينزلان للأسفل، التقى بعمه إبراهيم وهو يغادر برفقة ابنه، بينما كانت صفية تودعهما عند باب الشقة.

توقف إبراهيم عندما رأى الطبيبة إلى جوار باران.

إبراهيم: ما الأمر يا بني؟ هل حدث شيء؟.

باران: لا تقلق يا عمي، جاءت الطبيبة لتكشف على أمي، فقد ارتفع ضغطها وأغمي عليها.

تغير وجه إبراهيم قلقًا.

إبراهيم: سلامتها، إن شاء الله لا يكون بها سوء.

باران: اطمئن، حالتها مستقرة، لكن عليها أن ترتاح وتبتعد عن التوتر.

أومأ إبراهيم برأسه، ثم قال:

إبراهيم: سنصعد إليها مساءً للاطمئنان عليها، أما الآن فسأذهب إلى عملي لانني متأخر بعض الشيء.

ثم غادر الجميع.


بعد أن غادر باران الغرفة برفقة الطبيبة، بقي عزت للحظات عند الباب يتابع خطواتهما بعينين مثقلتين بالقلق، ثم عاد وأغلق الباب خلفه بهدوء، واتجه نحو زوجته التي كانت مستلقية على السرير، لكن القلق لم يكن يسمح لها بالراحة.

اقترب منها وجلس إلى جوارها، ثم أمسك يدها برفق وقال بصوت حاول أن يبعث الطمأنينة في قلبها:

عزت: كيف حالك الآن يا عائشة؟، هل تشعرين بتحسن؟.

رفعت عائشة عينيها إليه، وكان القلق واضحًا في ملامحها، ثم قالت بصوت متعب اختلط فيه الخوف بالحيرة:

عائشة: وكيف أكون بخير وأنا لا أعلم أين ابنتي؟، كيف قضت ليلتها؟، وأين ذهبت بعدما طردها مراد من البيت؟.

تنهد عزت محاولًا تهدئتها، وقال:

عزت: لا تقلقي، لا بد أنها ذهبت إلى بيت والدتها، ربما لم يرغبوا في إخبار مراد بذلك، أو لعل ديلان نفسها طلبت منهم أن ينكروا وجودها هناك حتى لا يعرف مكانها.

هزت عائشة رأسها بسرعة، وكأن الفكرة نفسها أرعبتها، وقالت بحزم:

عائشة: لا... مستحيل، ديلان لم تذهب إلى بيت والدتها، وأنا متأكدة من ذلك.

اتسعت حدقتا عزت، ونظر إليها بدهشة لم يستطع إخفاءها.

عزت: وكيف تقولين ذلك؟!، ليس لها مكان آخر تلجأ إليه غير بيت والدتها، كيف أنت متأكدة إلى هذه الدرجة من أنها لم تذهب إلى هناك؟، أيُعقل أن تترك فتاة بيت زوجها في هذا الليل ولا تذهب إلى بيت أمها؟، وأين يمكن أن يكون المكان الأكثر أمانًا لها من بيت والدتها؟.

خفضت عائشة عينيها للحظات، ثم قالت بحزن:

عائشة: لأن ديلان تعرف جيدًا ما ينتظرها هناك... ولهذا فإن آخر مكان يمكن أن تفكر في اللجوء إليه هو ذلك البيت.

عقد عزت حاجبيه، وشعر بأن القلق الذي كان يحاول تهدئته قبل قليل بدأ يتسلل إلى قلبه هو الآخر.

عزت: ماذا تقصدين؟، هل هناك شيء لا أعرفه؟، أخبريني يا عائشة... لقد بدأت أقلق عليها حقًا، لا تنسي أنها أمانة بين أيدينا، وهي فتاة يتيمة لا أب لها يحميها، وحتى زوج أمها... لطالما أخبرتنا كريمة أنه ليس رجلًا صالحًا ولا يعاملها كما ينبغي.

وما إن ذكر زوج أم ديلان حتى تبدلت ملامح عائشة، وارتسم على وجهها امتعاض شديد.

عائشة: لا تذكر ذلك الحقير على لسانك!.

توقفت لحظة، ثم تابعت بغضب امتزج بألم عميق:

عائشة: بسببه تحديدًا يستحيل أن تعود ديلان إلى هناك، وأنا لن أسمح لها بالعودة إلى ذلك الرجل مهما حدث، إنه رجل قذر... ولا يستحق حتى أن يُذكر اسمه.

نظر إليها عزت طويلًا، ثم قال بجدية وقد بدأ نفاد صبره من غموض حديثها:

عزت: أخبريني الحقيقة يا امرأة، ولا تحدثيني بالألغاز، ماذا فعل ذلك الرجل بديلان حتى أصبحت تخشى بيت والدتها إلى هذه الدرجة؟.

سكتت عائشة للحظات، وكأنها تتردد في إخراج الكلمات من صدرها، ثم تنهدت بعمق، وبدأت تخبر زوجها بكل ما أخبرتها به ديلان في وقت سابق.

أخبرته عن المعاملة القاسية التي كانت تتلقاها، وعن خوفها الدائم من زوج أمها، وعن المرات التي حاول فيها ذلك الرجل الاعتداء عليها بطريقة مشينة، مستغلًا ضعفها وغياب من يحميها.

ثم أخبرته عن آخر مرة، حين لم تكن ديلان قادرة على الدفاع عن نفسها، لولا أن كريمة وزوجها تدخلا في الوقت المناسب وأنقذاها من بين يديه، لإنتهك عرضها.

وأضافت أن مريم وأمها كريمة وحتى والدها عبد الله، كانوا على علم بما حدث، لكن كريمة لم تشأ إخبارهم بالأمر احترامًا لديلان، وخشية أن تشعر الفتاة بأن سرها الذي أخفته طويلًا قد أصبح حديث العائلة.

ظل عزت صامتًا طوال حديثها، وكلما استمع إلى تفاصيل أكثر، ازداد الغضب في عينيه، حتى قبض يديه بقوة، ثم ضرب كفيه ببعضهما من شدة الصدمة وقال:

عزت: لا حول ولا قوة إلا بالله...

مرر يده على وجهه، ثم قال بحرقة:

عزت: أي رجل حقير يفعل بفتاة صغيرة مثل هذا؟!، بدل أن يحتضنها ويحميها ويكون لها سندًا بعد أن فقدت والدها، يصبح هو الخطر الذي تحاول الهرب منه؟!.

صمت لحظة، وكأن الكلمات خانته أمام فداحة ما سمعه، ثم نظر إلى عائشة وقال بحزم:

عزت: معك حق... مستحيل أن أسمح لها بالعودة إلى ذلك الوغد، لن أتركها تواجهه وحدها، ولن أسمح بأن تعود إلى مكان يمكن أن تتعرض فيه للأذى.

ثم تبدلت ملامحه فجأة، وعاد القلق ليغلب غضبه، وقال بصوت خافت:

عزت: لكن... أين هي الآن؟، واين يمكنها ان تذهب إذن؟.

نظرت إليه عائشة، ولم تجد جوابًا.

فأردف وهو ينهض من مكانه وقد بدأ الخوف يثقل صدره:

عزت: إن كانت لا تستطيع العودة إلى بيت أمها، ومراد طردها من بيتها، فأين ستذهب فتاة مثل ديلان في منتصف الليل؟، إلى من ستلجأ؟.

وضعت عائشة يدها على صدرها، وشعرت بانقباض مؤلم وهي تتخيل ابنتها وحيدة في مكان مجهول، ثم تمتمت بصوت مرتجف:

عائشة: هذا هو ما يخيفني يا عزت... ديلان لا تملك أحدًا تلجأ إليه.

ساد الصمت بينهما، لكن هذه المرة لم يكن صمتًا عاديًا؛ كان صمتًا ممتلئًا بالخوف والأسئلة.

وفي قلب كل منهما سؤال واحد لم يجدا له جوابًا:

أين ديلان الآن؟.


بعد أن غادر باران الغرفة متجهًا إلى الصيدلية، أحضر الدواء الذي وصفته الطبيبة لوالدته، ثم عاد مسرعًا إلى المنزل، وما إن دخل حتى وجد أن المحلول المعلّق لوالدته قد أوشك على الانتهاء، فاقترب منه يتفقده بين لحظة وأخرى، وبقي إلى جوارها حتى فرغ تمامًا، ثم نزعه بحذر كما أوصته الطبيبة.

بعدها اقترب من والدته، وجلس إلى جانبها، ثم قال بصوت حنون:

باران: كيف حالك الآن يا أمي؟.

تنهدت عائشة، وما إن سمعت سؤاله حتى عادت ملامح القلق إلى وجهها، وقالت:

عائشة: وكيف تريدني أن أكون وأنا لا أعلم شيئًا عن ديلان؟!، منذ الأمس وهي في الخارج، ولا أعرف عنها شيئًا... لا أين قضت ليلتها، ولا كيف حالها الآن.

ارتجف صوتها، ثم أضافت بحسرة:

عائشة: آه يا مراد... آه يا بني، ماذا فعلت بتلك المسكينة؟!.

مد باران يده إلى يد أمه محاولًا تهدئتها، وقال:

باران: هونّي عليكِ يا أمي، أرجوكِ، لا بد أنها بخير، ما دمنا لم نتلقَّ أي خبر سيئ عنها حتى الآن، فهذا يعني أنها بخير بإذن الله... فالخبر السيئ يصل سريعًا.

لكن عائشة لم تجد في كلماته ما يكفي لطمأنة قلبها.

عائشة: لكن أين يمكن أن تكون قد ذهبت يا بني؟!، ليس لها أحد... حتى صديقتها مريم توفيت منذ زمن، وعائلتها غادرت إلى ضيعتهم البعيدة، ونحن لا نملك حتى عنوانهم.

ثم رفعت عينيها إليه برجاء:

عائشة: أخبرني يا بني... أين يمكن أن تكون ابنتي؟.

ابتسم باران ابتسامة خفيفة محاولًا إخفاء الحقيقة، وقال:

باران: أقول لكِ لا تقلقي يا أمي، ديلان بخير، وأنا متأكد أنها بخير وبصحة جيدة.

توقفت عائشة عن الكلام فجأة.

اتسعت حدقتاها، وانتقلت عيناها بين وجه ابنها ووجه زوجها الذي كان يستمع إلى حديثهما بصمت، ثم عادت لتنظر إلى باران وكأنها التقطت شيئًا بين كلماته.

عائشة: هل تعلم مكانها يا بني؟.

تعلقت عيناها به، ثم قالت برجاء:

عائشة: أخبرني... أرجوك، فقط أخبرني لأطمئن عليها.

تردد باران للحظات، ثم قال:

باران: ربما... ربما ذهبت إلى والدتها.

ما إن سمعت عائشة ذلك حتى هزت رأسها بسرعة.

عائشة: قلت لك إنها مستحيل أن تذهب إلى هناك!.

عندها تدخل عزت، وقد بدأ القلق يتسلل إلى قلبه هو الآخر، وقال لابنه:

عزت: أجل يا بني، لا يمكن أن تكون ديلان قد ذهبت إلى هناك، إذا كنت تعلم مكانها، فأخبرنا بسرعة.

زفر باران، ثم نظر إلى والديه، وكأنه أدرك أن إخفاء الأمر لم يعد ممكنًا.

باران: حسنًا... حسنًا، سأخبركما.

ثم رفع إصبعه محذرًا:

باران: لكن أولًا، أريد منكما وعدًا.

نظر إليه عزت وعائشة باهتمام.

عائشة: ماذا؟.

باران: أنكما لن تخبرا مراد بمكانها الآن، أريد أن يدرك فداحة ما فعله، وأن يندم على طردها من بيتها، تلك الفتاة صبرت عليه كثيرًا، وتحملت منه ما لا يتحمله أحد.

اشتدت ملامحه وهو يتذكر ما حدث في اليوم السابق، ثم قال بغضب مكبوت:

باران: والله، لو كانت ديلان أختي، لما قبلت أن تبقى يومًا واحدًا على ذمته، بالأمس القريب كاد أن يخنقها بيديه، ولولا أنني تدخلت في اللحظة المناسبة وأنقذتها منه، لما كنت أعرف ماذا كان سيحدث لها.

شهقت عائشة، وانتفضت من مكانها:

عائشة: ماذا؟!.

أما عزت فاقترب من ابنه بقلق شديد.

عزت: ماذا تقول يا بني؟! كاد يخنقها؟!.

أومأ باران برأسه، وقال:

باران: نعم... ولهذا أخفيتها عن الجميع، لم أستطع أن أتركها في الخارج وهي بتلم الحالة.

ثم نظر إلى والديه وقال:

باران: لهذا أريدكما أن تبقيا هادئين، ديلان بأمان، ولن يصيبها شيء بإذن الله.

أمسكت عائشة بذراع ابنها، وقالت بلهفة:

عائشة: أين هي إذن؟ أخبرني يا بني!.

تنهد باران، ثم قال:

باران: إنها في الغرفة التي جهزتها لي في الطابق الرابع.

ساد الصمت.

حدقت عائشة في وجهه وكأنها لم تستوعب ما سمعته، بينما رفع عزت حاجبيه بدهشة شديدة، وقالا في اللحظة نفسها:

عزت وعائشة: ماذا؟!.

وضعت عائشة يدها على صدرها، وقد اختلطت الصدمة بالفرحة والارتياح.

عائشة: ابنتي هنا؟!، هنا معنا في المبنى؟!، وأنا كدت أموت من الخوف عليها!.

أسرع باران إلى طمأنتها:

باران: اطمئني يا أمي، بالامس عندما غادر الرجال المكان بعد أن جهزت الغرفة لتكون ورشة عمل لي، كنت في طريقي إلى الأسفل، ولمحت امرأة متكوّرة على نفسها أسفل الدرج.

سكت للحظة، وكأنه ما زال يتذكر المشهد أمام عينيه.

باران: اقتربت منها، وعندما رأيتها عرفت أنها ديلان، ومن غيرها يمكن أن تجلس وحدها على الدرج أمام شقة مراد في مثل ذلك الوقت؟.

ثم تابع:

باران: سألتها عما حدث، فأخبرتني أن مراد طردها من البيت، لم أستطع أن أتركها هناك، فأخذتها إلى الغرفة وأخفيتها فيها حتى لا يجدها مراد.

نظر إلى والده، ثم أضاف:

باران: كنت أظن أن مراد سيخبركما بما فعله، وأنه سيعترف بأنه طرد زوجته من البيت... لكنه لم يقل شيئًا، ظل صامتًا وكأن الأمر لا يعنيه، ولهذا، عندما ضغطت عليه اليوم، عندها فقط أخبركم بما حدث.

كانت عائشة بالكاد تسمع بقية كلماته، فقد كان كل ما يشغلها في تلك اللحظة أن ابنتها كانت قريبة منها طوال الوقت.

اقتربت من باران، وأمسكت يده بقوة، وقالت بصوت مرتجف:

عائشة: إذن هي هناك؟!، إذن ابنتي كانت طوال هذه الساعات تحت سقفنا وأنا أبحث عنها في كل مكان؟!.

ثم أسرعت تقول:

عائشة: هيا يا بني... خذني إليها، أريد أن أراها، اريد ان آخذها في حضني ليطمئن قلبي، وتطمئن هيا ان لاشيء سيحدث لها، وانها في حمايتنا .

تحرك باران معها، لكنه أوقفها قبل أن يخرجا من الغرفة، ليغادرت الشقة ويصعدا الدرج.

باران: لكن يا أمي، قد يعود مراد في أي لحظة، إذا رآك تصعدين وسأل عنك، فقد يشك في الأمر ويكتشف مكانها.

نظر عزت إلى زوجته، ثم إلى ابنه، وقال بحزم:

عزت: اصعدا أنتما، إذا جاء مراد، فسألهيه بأي حجة، لن أسمح له بأن يعرف مكان ديلان الآن، فأنا اليوم لن أذهب للعمل،إتصلت بهم وأخذت إيجازة.

لم تنتظر عائشة أكثر.

نهضت، وأمسكت بيد باران، وكأنها تخشى أن تضيع ابنتها منها مرة أخرى، ثم بدأت تصعد معه الدرج بخطوات متعجلة، وقلبها يخفق بقوة.

كانت كل خطوة تقربها من ابنتها...

ومنذ اللحظة التي علمت فيها أن ديلان كانت وحيدة، خائفة، ومكسورة خلف ذلك الباب، لم تعد عائشة تفكر إلا في شيء واحد:

أن تضم ابنتها إلى صدرها، وأن تجعلها تشعر للمرة الأولى منذ زمن طويل بأنها ليست وحيدة.


صعد باران مع والدته إلى الطابق الرابع، وكانت عائشة تتكئ على ذراعه، تخطو ببطء رغم استعجالها، وكأن كل خطوة تقربها من ابنتها كانت تحمل معها شيئًا من القلق وشوقًا لا تستطيع الكلمات وصفه.

وما إن وصلا إلى الغرفة، حتى توقف باران أمام الباب، ثم طرق عليه طرقًا خفيفًا، حريصًا على ألا يصدر صوتًا مرتفعًا قد يلفت انتباه أحد.

اقترب من الباب وقال بصوت خافت:

باران: افتحي يا زوجة أخي... أنا باران، ومعي أمي.

ما إن سمعت ديلان الطرقة الأولى حتى انتفضت من مكانها، وتسارعت أنفاسها.

ظنت للحظة أن أحدًا جاء يبحث عن باران، وأن مكان اختبائها قد انكشف.

لكن عندما وصلها صوته من خلف الباب، تسلل إلى قلبها شعور بالأمان، وكأن مجرد سماع صوته أخبرها بأن الخطر لم يصل إليها بعد.

إلا أن ذلك الشعور لم يدم طويلًا.

معي أمي.

تجمدت في مكانها.

ارتعش جسدها، وعاد الخوف يتسلل إلى قلبها من جديد.

هل علم مراد بمكانها؟،

هل أخبر عائشة بما حدث؟،

هل جاءت لتأخذها إلى شقة مراد؟،

ترددت للحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وحسمت أمرها.

اقتربت من الباب، وفتحته ببطء، ثم ابتعدت عنه فورًا، وكأنها لا تزال غير قادرة على مواجهة ما ينتظرها خلفه.

دخل باران أولًا، ثم تبعته عائشة.

وما إن وقعت عينا الأم على ديلان حتى توقفت في مكانها.

كانت ابنتها واقفة أمامها، شاحبة الوجه، متعبة الملامح، وعيناها تحملان آثار ليلة كاملة من الخوف والانكسار.

في تلك اللحظة، غلبت مشاعرها كل شيء.

ارتجف صوتها وهي تهتف:

عائشة: ديلان... ابنتي!.

ثم أسرعت نحوها، وقالت والدموع تملأ عينيها:

عائشة: أنتِ بخير؟! الحمد لله... الحمد لله أنني وجدتكِ بخير!، لقد أقلقتني عليكِ كثيرًا، وكدت أموت خوفًا عندما أخبرني باران بما فعله مراد بكِ، وعندما علمت أنك قضيتِ ليلتك خارج المنزل، لا أعرف كيف بقي قلبي صامدًا!.

وقفت ديلان تحدق فيها، ثم انتقلت عيناها بين وجه عائشة ووجه باران.

كانت تحاول استيعاب وجودهما أمامها، لكن كلمات عائشة اخترقت آخر حاجز كانت تتمسك به.

لم تستطع منع دموعها.

خطت نحوها، ثم ارتمت في أحضانها فجأة، وانفجرت بالبكاء.

احتضنتها عائشة بقوة، وضمت رأسها إلى صدرها، وكأنها تريد أن تخبئها عن العالم كله.

راحت ديلان تبكي بصمت في البداية، ثم تحولت شهقاتها إلى بكاء مكتوم أفرغ شيئًا من الألم الذي ظل حبيسًا في صدرها منذ أن غادرت شقتها.

كانت عائشة تمسح على ظهرها بحنان، وتردد:

عائشة: ابكي يا ابنتي... ابكي، لا تكتمي شيئًا في قلبك.

ثم ابتعدت عنها قليلًا، وأمسكت بيدها لتقودها إلى السرير، وجلست على طرفه، وجلست ديلان إلى جوارها.

رفعت عائشة يدها ومسحت الدموع المتساقطة من وجه ديلان، ثم مررت أصابعها بحنان فوق رأسها.

نظرت إليها طويلًا، وكأنها تحاول أن تفهم كيف استطاع ابنها أن يحطم فتاة لم تؤذِ أحدًا.

عائشة: آه يا ابنتي... ماذا فعل بكِ مراد؟.

ارتجف صوتها وهي تتابع:

عائشة: لم أعد أعرفه... أهو ابني الذي ربيته؟، أم أنه أصبح شخصًا آخر لا أعرفه؟، كيف استطاع أن يترككِ وحدكِ هكذا؟، وكيف طاوعه قلبه أن يطردكِ من بيتكِ؟.

ثم أمسكت بوجهها بين كفيها وقالت بألم:

عائشة: ولماذا لم تلجئي إليّ كما كنتي تفعلين في كل مرة؟، لماذا تركتني أقلق عليكِ حتى ارتفع ضغطي من شدة خوفي؟، هل ظننتِ أنني سأترككِ وحدكِ؟.

رفعت ديلان عينيها أخيرًا إلى عائشة، وكانت الدموع لا تزال عالقة في رموشها.

ثم التفتت دون قصد نحو باران.

كان واقفًا بالقرب من الباب، يراقبهما بصمت، وقد بدا على وجهه الارتياح لرؤية والدته مع ديلان.

لاحظت عائشة نظراتها، فقال باران بهدوء:

باران: وهذا هو السبب الذي جعلني أخبر أمي بمكانكِ، لقد ارتفع ضغطها بشدة، واضطررنا إلى استدعاء الطبيبة للكشف عليها، لم أستطع أن أبقي الأمر مخفيًا عنها بعد أن رأيت حالتها.

اتسعت عينا ديلان، والتفتت فورًا إلى عائشة.

أمسكت يديها بكلتا يديها، وقالت بلهفة ممزوجة بالندم:

ديلان: سلامتكِ ألف سلامة يا أمي... سامحيني.

هزت عائشة رأسها، لكن ديلان تابعت قبل أن تمنعها:

ديلان: لهذا السبب لم أرد أن أخبركِ بما فعله مراد، خفت عليكِ من الانفعال والغضب، وخشيت أن يؤثر الأمر في صحتكِ... لكن انظري ماذا حدث، ارتفع ضغطكِ بسببي.

ثم انحنت وقبلت يدي عائشة وهي تبكي:

ديلان: سامحيني يا أمي... والله لم أقصد أن أزعجكِ أو أجعلكِ تخافين عليّ.

سحبت عائشة يديها برفق، ثم أمسكت بوجهها وقالت بحنان:

عائشة: لا تقولي هذا الكلام يا ابنتي، أنتِ لم تفعلي شيئًا، أنا أمكِ، ومن حقي أن أخاف عليكِ، ومن واجبكِ أن تلجئي إليّ عندما تضيق بكِ الدنيا، لا تحملي نفسكِ ذنب ما فعله مراد.

ثم ضمتها إليها من جديد، بينما أغمضت ديلان عينيها واستسلمت للحضن الذي افتقدته منذ أن غادرت بيتها.

بعد لحظات، تنحنح باران بخفة، وقال:

باران: عن إذنكما...

التفتت إليه عائشة، وكذلك ديلان.

ابتسم ابتسامة هادئة، ثم تابع:

باران: لقد استأذنت من الشركة لبضع ساعات فقط، وأخبرتهم أنني قد أتأخر قليلًا، لكنني لم آخذ إجازة، وإذا لم يكن هناك عمل مهم يحتاج إلى وجودي، فسأعود مبكرًا بإذن الله.

أومأت له عائشة، وقالت:

عائشة: اذهب يا بني، ولا تقلق علينا.

أما ديلان فاكتفت بإيماءة خجولة، وهي تخفض عينيها.

ابتسم باران لهما، ثم غادر الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.

هبطت خطواته على الدرج تدريجيًا، حتى غادر الطابق متوجهًا إلى عمله.

أما في الغرفة، فبقيت عائشة إلى جوار ديلان، تمسح على شعرها وتضم يدها بين يديها، بينما شعرت ديلان للمرة الأولى منذ ليلة الأمس أن هناك مكانًا تستطيع أن تضع فيه رأسها دون خوف...

مكانًا يشبه الأمان الذي كانت تبحث عنه طوال الليل.

ما إن خرج باران وأُغلق الباب خلفه، حتى التفتت عائشة نحو ديلان، وقد هدأت ملامحها قليلًا، لكن القلق ظل يسكن عينيها.

اقتربت منها، وأمسكت يدها برفق، ثم قالت:

عائشة: أخبريني يا ابنتي... ماذا فعل مراد؟، ولماذا طردك من البيت؟.

خفضت ديلان عينيها نحو الأرض، وبقيت صامتة للحظات، وكأنها تحاول ترتيب ما حدث في رأسها واختيار الكلمات التي تستطيع أن تخبر بها عائشة دون أن تزيد ألمها.

ثم رفعت عينيها إليها وقالت بصوت خافت:

ديلان: لا أدري يا أمي ماذا أصابه... عاد من عمله أبكر من موعده، وكنت كعادتي أنظف الشقة، فإذا به يتجه نحوي ويسألني عن اليوم الذي ذهبت فيه إلى بيت أمي.

توقفت لحظة، ثم تابعت:

ديلان: أخبرته بما سبق وأخبرتك به... عن ذهابي إلى هناك، وعن كل ما حدث، لكنني ما إن انتهيت من حديثي حتى تبدلت ملامحه فجأة، وكأن شيئًا أشعل الغضب داخله، أمسك بي وأخرجني من البيت وطردني...

انخفض صوتها أكثر وهي تقول:

ديلان: لم أفهم حتى ماذا فعلت أو ما الخطأ الذي ارتكبته، خرجت دون أن أعرف إلى أين أذهب... ولولا أن باران وجدني وأحضرني إلى هنا، لما وجدت مكانًا ألجأ إليه.

اتسعت عينا عائشة، وقالت بدهشة ممزوجة بالعتاب:

عائشة: كيف تقولين ذلك يا ابنتي؟!، بيتي مفتوح لك في أي وقت، ولم يكن عليك أن تقضي ليلة واحدة وأنت تبحثين عن مكان يأويك!.

ديلان: خفت عندما يأتي يجدني هناك، وانا لم ارد ان يجدني او حتى يراني.

أمسكت بيدها بقوة، وقالت بنبرة أم تريد أن تثبت في قلب ابنتها حقيقة لا تقبل النقاش:

عائشة: ألم أقل لك مرارًا إنني أمك؟!، أم كنت تظنين أنني قلت ذلك عبثًا؟، أنت ابنتي، وعزت أبوك، وباران أخاك... هذا البيت بيتك، ولن يتغير ذلك مهما حدث.

سكتت لحظة، ثم تنهدت وأضافت:

عائشة: أما مراد... فلا أفهم لماذا فعل كل هذا بعدما عرف أن الحمل لم يحدث، ربما صُدم، أو ربما ظن أن كل شيء انتهى بينكما، لكن يا ابنتي، أنت ما زلت صغيرة، ويمكنك الحمل مستقبلًا بإذن الله، ولا يوجد ما يمنع ذلك من حيث المبدأ... إلا أن حالتك النفسية وما تمرين به الآن قد  يؤثران عليك، وكيف يمكن أن يحدث حمل في ظل ما تعيشانه من توتر وبرود وخلافات؟.

ثم مررت يدها على شعر ديلان بحنان، وقالت:

عائشة: لا تقلقي يا ابنتي، أنا سأتحدث معه، وأباك عزت سيفهمه خطأه أيضًا، لن نتركه يظلمك بهذه الطريقة، وسنجعله يدرك فداحة ما فعله بك.

ارتسمت على وجه ديلان ابتسامة صغيرة، كانت أقرب إلى ابتسامة امتنان من كونها فرحًا، ثم ارتمت مرة أخرى في أحضان عائشة.

ضمتها عائشة بحنان، وربتت على ظهرها كما تفعل الأم حين تحاول أن تمسح عن قلب ابنتها وجعًا لا تستطيع الوصول إليه.

وبعد لحظات، ابتعدت ديلان عنها قليلًا، وكأنها تذكرت شيئًا، وقالت:

ديلان: أمي... أريد أن أغير ثيابي. كما ترين، مراد طردني هكذا، ولم أتمكن من أخذ أي شيء معي، ولولا أن باران أحضر لي هذين الخمارين من عندك، لما وجدت حتى شيئًا أستر به نفسي.

نظرت عائشة إليها، ثم ابتسمت بحزن وهي تتذكر هيئتها عندما رأتها للمرة الأولى.

عائشة: وأنا أيضًا استغربت عندما رأيتك تلفين أحدهما حول وجهك، والآخر حول جسدك، تعالي معي، لدي مفتاح احتياطي لشقتك.

ثم أضافت:

عائشة: أعطاني مراد إياه قبل زواجكما، وبقي عندي ونسي أمره، سأفتح لك الباب، وخذي ما تحتاجين إليه من ثياب وأغراض.

ترددت ديلان، وقالت بخوف:

ديلان: لكن ماذا لو عاد مراد ورآني؟.

طمأنتها عائشة فورًا:

عائشة: لا تقلقي، لن يعود الآن. لقد هددته بألا يعود إلى البيت حتى يحضرك معه، لن أسمح له بأن يفاجئك أو يؤذيك.

ثم نهضت، وأمسكت بيد ديلان، وخرجتا من الغرفة.

نزلتا معًا إلى شقة عائشة، وحين وقعت عينا عزت على ديلان، نهض من مكانه على الفور.

تقدمت ديلان نحوه، وسارعت إلى إلقاء السلام عليه وتقبيل يده، فما كان منه إلا أن احتضنها بحنان أبوي، وربت على كتفها قائلًا:

عزت: حمداً لله على سلامتك يا ابنتي... لا تخافي، أنت بين أهلك.

أغمضت ديلان عينيها للحظة وهي بين ذراعيه، وشعرت بذلك الدفء الأبوي الذي افتقدته طويلًا.

ثم ابتعدت عنه، وصعدت مع عائشة إلى شقة مراد.

أخرجت عائشة المفتاح الاحتياطي وفتحته بهدوء، ثم نظرت إلى ديلان وكأنها تمنحها الإذن بالدخول إلى المكان الذي خرجت منه قبل ساعات وهي لا تحمل سوى خوفها ودموعها.

دخلت ديلان بخطوات مترددة.

نظرت حولها، فبدت الشقة كما تركتها تقريبًا، لكن شيئًا فيها لم يعد كما كان.

كان المكان نفسه، الأثاث نفسه، الجدران نفسها...

إلا أن شعورها تجاهه تغير.

تقدمت نحو غرفة النوم، وأخذت بعض ثيابها التي تحتاج إليها، ثم التقطت نقابها وبعض أغراضها الشخصية، وجمعت ما استطاعت حمله دون أن تتأخر.

كانت عائشة تنتظرها قرب الباب، تراقبها بصمت، وتشعر بغصة كلما رأت ابنتها تجمع أغراضها بهذه الطريقة، وكأنها لا تعرف إن كانت ستعود إلى هذا البيت يومًا أم لا.

خرجتا من الشقة، وأغلقت عائشة الباب خلفهما، ثم عادتا إلى الغرفة في الطابق الرابع.

هناك، اطمأنت عائشة على ديلان، وتأكدت من أنها باتت تملك ما تحتاج إليه، ثم احتضنتها قبل أن تغادر.

عائشة: إذا احتجتِ أي شيء، فلا تترددي في الاتصال بي، ولا تفكري ولو للحظة أنك وحدك، ولاتقلقي سأبعث لك الاكل مع عزت او باران بدون علم مراد بمكانك، فقد قررنا إخفاء اللمر عنه، حتى يشعر بفداحة ما إرتكبه.

أومأت ديلان، وحاولت أن تبتسم.

غادرت عائشة الغرفة وأغلقت الباب خلفها، تاركة ديلان وحدها.

وقفت ديلان للحظات في منتصف الغرفة، ثم اتجهت إلى الحمام.

اغتسلت، وبدلت ثيابها، ثم خرجت وجلست على طرف السرير.

ساد الصمت من حولها.

راحت تتأمل الغرفة طويلًا، وعيناها تتنقلان بين تفاصيلها الصغيرة، بينما كان عقلها يغرق في أسئلة لا تجد لها جوابًا.

ماذا سيحدث بعد ذلك؟،

هل ستعود إلى مراد؟،

وهل يمكن أن تعود حياتهما كما كانت؟،

أم أن ما حدث بالأمس كان بداية النهاية؟،

وضعت يدها على صدرها، وأطلقت زفرة طويلة.

لم تكن تعرف إلى أين ستقودها الأيام القادمة...

كل ما كانت تعرفه أنها، للمرة الأولى، لم تعد تخشى أن تكون وحيدة تمامًا؛ فقد عرفت الآن أن هناك من سيفتح لها بابه، ويحتضنها حين تضيق بها الدنيا.

لكن مصير زواجها...

كان لا يزال معلقًا بين يدي رجل لم تعد تعرف كيف تفهمه، ولا إلى أين يمكن أن يأخذها قراره القادم.

عاد مراد في المساء إلى المنزل بخطوات ثقيلة، خالي الوفاض، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحه، كان وجهه شاحبًا، وعيناه تحملان آثار ساعات طويلة قضاها في البحث دون أن يصل إلى شيء.

ما إن دخل شقة والديه، حتى وجد عائشة في غرفة الجلوس.

رفعت عينيها نحوه للحظة، لكنها لم تسأله شيئًا.

نهضت من مكانها بهدوء، ثم غادرت الغرفة واتجهت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها دون كلمة واحدة.

تبعها مراد بعينيه للحظات، وشعر بوخزة في صدره، لكنه لم يملك طاقة ليسألها عن سبب صمتها.

في تلك الأثناء، تقدم عزت نحوه، وكانت ملامحه لا تخفي قلقه.

عزت: أين ديلان يا مراد؟، هل وجدتها؟.

أطرق مراد رأسه، ثم أجاب بصوت متعب:

مراد: بحثت عنها في كل مكان خطر ببالي يا أبي... ذهبت إلى المستشفيات، وسألت في بيوت الطالبات التابعة للمدرسة، وذهبت إلى المدرسة القرآنية وسألت المدرسات عنها، وحتى أقسام الشرطة بحثت فيها، لكنني لم أجد لها أثرًا.

ساد صمت ثقيل.

كان عزت يستمع إليه، وكل كلمة تزيد غضبه وقلقه معًا.

ثم اقترب من ابنه، وقال بنبرة حازمة لم يعتد مراد سماعها منه:

عزت: اسمعني جيدًا يا مراد... إن لم تجد زوجتك سالمة معافاة، وإذا أصابها مكروه، فلا تلومنَّ إلا نفسك.

رفع مراد عينيه إليه.

تابع عزت:

عزت: وإذا لم تظهر حتى الغد، فسنتقدم ببلاغ إلى قسم الشرطة، ولن ننتظر أكثر من ذلك، ديلان ليست لعبة تخرجها من بيتك متى شئت، ثم تتركها لمصيرها.

ارتبك مراد، وقال بسرعة:

مراد: لا يمكن يا أبي!، لا داعي للشرطة، غدًا سأعود للبحث عنها، وقد تركت رقمي لدى بعض المعارف، وطلبت منهم الاتصال بي فور حصولهم على أي معلومة عنها.

عندها قال باران الذي كان لايزال جالسا بالغرفة، فالتفت إلى أخيه وقال:

باران: وكيف سيجدونها وهي منقبة؟، إذا رأوها في مكان ما، كيف سيعرفون أنها هي ديلان؟.

تجمد مراد للحظة.

بدا وكأنه أدرك لتوه خطورة الأمر.

طأطأ رأسه، ثم قال بصوت خافت:

مراد: لا... هي حين خرجت من المنزل كانت بدون نقاب.

ما إن وصلت كلماته إلى مسامع عزت حتى تغير وجهه تمامًا.

حدق في ابنه غير مصدق، ثم صاح بغضب وصدمة:

عزت: ماذا تقول؟!.

اقترب منه خطوة وامسكه من ياقة قميصه، وقال:

عزت: طردت زوجتك من بيتها وهي مكشوفة دون ستر؟!، أي نوع من الرجال أنت يا مراد؟!، أتطرد فتاة في الليل، ثم تتركها في الشوارع بلا ستر ولا مأوى؟!.

وضع يده على رأسه، وتمتم بحسرة:

عزت: لا حول ولا قوة إلا بالله...

كان مراد عاجزًا عن الرد.

وقف مطأطئ الرأس، وكأن كلمات والده صفعة أيقظته من غفلته، بينما ظل باران يراقبه بصمت، والغضب يتصاعد في صدره.

ثم تقدم منه، وأمسك بيده وسحبه معه قائلًا:

باران: تعال معي يا أخي.

نظر مراد إليه باستغراب.

باران: تعالى نصعد معا إلى شقتك، علينا أن نفكر في حل لهذه المعضلة قبل أن يزداد الأمر سوءًا.

لم يجبه مراد.

ترك نفسه لباران يقوده إلى الخارج، بينما بقي عزت واقفًا مكانه، يراقبهما بنظرة مثقلة بالقلق.

وبينما كان مراد يصعد الدرج خلف أخيه، كان سؤال واحد يطارد عقله بلا رحمة:

أين يمكن أن تكون ديلان الآن؟،

ولم يكن يعلم أن زوجته التي يبحث عنها في المستشفيات ومراكز الشرطة، كانت على بعد خطوات قليلة منه... تحت سقف العائلة نفسها، لكن خلف باب لا يعرف بوجوده.


وفي المساء، عاد إبراهيم إلى المنزل، وصعد برفقة صفية وروني ودنيز للاطمئنان على عائشة.

اجتمعت النساء في غرفة عائشة، بينما جلس الرجال في الصالون يتحدثون عن الأمر.

كان لازال باران يتحدث مع أخيه في شقته.

كان عزّت في مقدمتهم، وقد بدت على وجهه علامات الغضب والقلق معًا.

شرد قليلا وكأنه ينظر إلى مراد مباشرة، عندها قاطعه ابراهيم سائلا.

إبراهيم : والآن أخبرنا... ماذا حدث بين مراد وديلان حتى وصل الأمر به إلى طردها من البيت؟. 

لم يجد عزت جوابًا سهلًا.

كان يعرف أن الحقيقة التي يخفيها أثقل من أن تُقال ببساطة، حاول ان يراوغ في الأمر، فلم يقل جميع التفاصيل.

وفي غرفة عائشة كانت صفية ودنيز يسألانها عن سبب إرتفاع ظغطها، وما الذي حدث بين مراد وديلان لتترك ديلان البيت.

وفي تلك اللحظة رن هاتف دنيز.

نظرت إلى الشاشة، ثم أغلقت الاتصال.

لكن الهاتف عاد يرن مرة أخرى.

التفتت صفية إليها باستغراب.

صفية: من هذا الذي يتصل بكِ بإصرار والآن؟.

ترددت دنيز لحظة، ثم قالت:

دنيز: صديقة لي... كنت قد وعدتها سابقا، أن أخرج معها للتسوق، لكن أبي منعني من الخروج، وهي تتصل لتسألني عن السبب ومتى يمكنني مرافقتها، فهي مقبلة على الزواج وتريد استشارتي في بعض الأمور.

ثم ابتسمت ابتسامة متكلفة وأضافت:

دنيز: سأخرج لأجيبها حتى تكف عن الاتصال، فهي عنيدة ولن تتوقف حتى أرد عليها.

وقبل أن تنهض، عاد الهاتف للرنين.

خرجت دنيز بسرعة من الغرفة، واتجهت إلى غرفة الطعام التي كانت خالية.

أغلقت الباب خلفها، لكن بسبب توترها لم يغلق وبقي مواربا، ثم ابتعدت إلى زاوية بعيدة، ونظرت حولها لتتأكد أن أحدًا لا يراقبها.

ثم أجابت.

دنيز: لماذا تتصل بي الآن؟.

جاءها صوت الرجل من الطرف الآخر، يحمل نفاد صبر واضحًا:

المتصل: كنت أنتظر إجابة منك، أخبريني، ماذا حدث؟ هل نجحت الخطة؟.

أخفضت دنيز صوتها.

دنيز: لا أستطيع التحدث معك الآن.

تغيرت نبرة الرجل.

المتصل: إياكِ أن تلعبي معي يا دنيز.

دنيز: لا تصرخ في وجهي!، افهم ذلك جيدًا، لا يمكنني التحدث معك في الهاتف، لاني لا أظمن ان يسمع حديتنا اي احد، سأحاول أن أخرج غدًا من البيت بأي حجة، وسنلتقي ونتحدث، لا يمكنني أن أشرح لك كل شيء عبر الهاتف.

صمت الرجل لحظة، ثم قال:

المتصل: حسنًا، نلتقي غدًا في المكان نفسه وفي الوقت نفسه، لكن أخبريني... ماذا فعلتِ بشأن الرسالة التي ستنهي أمر ديلان؟.

تجمدت دنيز للحظة.

ثم أجابت بحذر:

دنيز: لا يمكنني أن أعطيها له الآن، سيكتشف أمري، سنلتقي غدًا، وهناك نتفاهم على كل شيء.

جاءها صوته محذرًا:

المتصل: إذن غدًا، وإياكِ أن تفعلي شيئًا من ورائي.

دنيز: اتفقنا، سأتركك الآن، ونلتقي غدًا في المكان نفسه.

ثم أغلقت الخط بسرعة.

لكنها لم تنتبه إلى أن هناك من كان يقترب من المكان.

كان مراد عائدا من شقته، متجهًا إلى غرفة الجلوس، حين التقطت أذناه آخر جملة خرجت من فم دنيز:

"نلتقي غدًا في المكان نفسه."

توقف في منتصف الطريق.

تجمدت خطواته، ورفع رأسه ببطء.

ثم عاد أدارجه إلى المطبخ دون أن تشعر به دنيز.

وقف خلف الجدار، وعقله يعيد الجملة ذاتها.

من كانت تكلمه؟،

ولماذا ستلتقي به غدًا؟.

ثم قفز سؤال آخر إلى ذهنه:

هل تعرف دنيز مكان ديلان؟، ولنا لا فقد مانت مقربتين من بعضهما البعض في الآونة الأخيرة.

اشتد نبضه.

او ربما كانت على اتصال بمن يعرف مكان زوجته...

وربما كانت تعرف أين اختفت ديلان، وستقوده إليها غدًا.

شد مراد قبضته، وقد بدأ شعور غريب يتسلل إلى داخله.

هذه المرة لن يواجه دنيز مباشرة.

سيتبعها.

سيعرف إلى أين تذهب، ومن تقابل، ولماذا كانت تتصرف بهذه الطريقة منذ البداية.

ولم يكن يعلم أن خطوته القادمة لن تقوده إلى مكان تختبئ فيه ديلان...

بل ستقوده إلى الحقيقة التي طالما بحث عنها، وإلى الشخص الذي كان يحاول منذ البداية الإطاحة بزوجته من وراء الستار.

تعليقات



<>