
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثالث عشر13 والرابع عشر14 بقلم عاشقة القلم
✍️ما إن أُغلق باب الغرفة خلف كريمة، وتلاشى وقع خطواتها في الممر الطويل، حتى خيّم صمتٌ ثقيل على المكان. كانت أمينة مستلقية على سريرها، وقد بدا عليها الإرهاق بعد ما مرت به من آلامٍ جسدية ونفسية، بينما وقف كاظم قرب النافذة، يشيّع الخارج بنظراتٍ متجهمة، قبل أن يستدير إليها ببطء.
كان الغضب يتأجج في عينيه، إلا أنه حاول في البداية أن يكبحه، لكن ما لبث أن انفلت منه كالسيل الجارف.
تقدم نحوها بخطواتٍ متثاقلة، ثم قال بصوتٍ خافتٍ يخفي خلفه نارًا مشتعلة:
ــ كيف سمحتِ لها بأخذ ديلان؟
رفعت أمينة رأسها إليه في هدوء، لكنها لم تُجب، فازداد ضيقه، وارتفع صوته وهو يهدر:
ــ لماذا تضعين كلمتي في التراب أمام الناس؟! ألهذه الدرجة لم يعد لرأيي قيمة في هذا البيت؟!
ازدادت نبرته حدّة، وهو يلوح بيده في الهواء:
كاظم: إن رأتكِ تشجعين كلام كريمة بهذه الطريقة، فلن تحترمني بعد اليوم، ولن تسمع لي أمرًا، ستظن أن بإمكانها أن تفعل ما تشاء، ما دامت تجد من يقف في صفها!.
ساد صمتٌ قصير، ثم تابع بنبرةٍ امتلأت بالاستنكار المصطنع:
كريمة: ثم من تكون كريمة أصلًا؟!، وما الذي يربطها بديلان حتى تتصرف وكأنها صاحبة القرار؟!، أهي من أهلها؟، أهي من عائلتها الحقيقية؟!.
اقترب أكثر، ثم أردف وهو يراقب ملامح زوجته:
كاظم: ألم تكوني تقولين إن أقاربكم تخلوا عنكم بعد وفاة والد ديلان؟، أين هم الآن؟، لماذا لم يسأل عنها أحد منهم؟.
أطرقت أمينة رأسها في صمت.
لم تكن تنصت إلى كاظم بقدر ما كانت تغوص في أعماق ذكرياتها.
عادت بها الذاكرة إلى تلك الأيام العصيبة التي أعقبت وفاة زوجها الأول، يوم اشتد الخلاف بينهما وبين جد ديلان وأعمامها، حين أصروا على أخذ الطفلة منها، وخصوصا بعد أن أعلنت نيتها الزواج من جديد.
تذكرت خوفها آنذاك...
وارتجاف قلبها وهي تتشبث بابنتها، رافضة أن تُنتزع من بين ذراعيها.
وفي خضم تلك الذكريات، لمعت في ذهنها صورة كاظم وهو يقف يومها في وجه الجميع، مهددًا ومعترضًا، حتى انتهى الأمر ببقاء ديلان معها، وكان ذلك سبب قبولها الزواج منه، حين ظنته انه هو من سيحمي إبنتها من غدر الزمن، لم تعلم انه هو الذئب المفترس الذي يتربص بفريسته، وينتظر الوقت المناسب للإنقضاض عليها.
ولذلك بقي في نفسها اعتقادٌ راسخ بأنه، رغم حدّته أحيانًا، كان يومًا سببًا في حفاظها على ابنتها.
تنهدت بهدوء، ثم رفعت بصرها إليه وقالت بصوتٍ واهن، أنهكته الأيام والمرض:
أمينة: سيبقون عند كريمة إلى أن أخرج من المستشفى... لا أكثر.
توقفت قليلًا تستجمع أنفاسها، ثم أردفت برفق:
أمينة: وأنت ستكون منشغلًا بي هنا، ولن تستطيع أن تذهب إليهم وتعود في الوقت نفسه.
ثم ابتسمت ابتسامةً متعبة، وقالت:
أمينة: قل لي... ماذا ستفعل ديلان وحدها في البيت مع طفلين صغيرين؟،
كيف ستعتني بهما وهي ما زالت تدرس، وما مرت به اليوم ليس بالأمر الهيّن؟، الم تسمع ما قالته كريمة عندما وجدوها تبكي لوحدها.
خفض كاظم عينيه قليلًا، بينما واصلت أمينة حديثها بثقةٍ صادقة:
أمينة: لكنني مطمئنة ما داموا عند كريمة، أعرفها منذ سنوات، وأعرف زوجها أيضًا.
إنهما من خيرة الناس، ولن يفرطا بأولادي، بل سيعاملونهم كأنهم من أبنائهم.
ثم تنهدت، وأكملت:
أمينة: ثم إن الأمر لن يطول،
الطبيبة أخبرتني أن حالتي تتحسن، وغدًا ستعاينني مرةً أخرى، فإن سارت الأمور كما تتوقع، فربما تكتب لي الخروج بعد غد.
ابتسمت ابتسامةً خفيفة، وكأنها تحاول أن تطمئنه أكثر من تطمين نفسها.
أمينة: لذلك لا داعي لكل هذا القلق... إنها أيام معدودة، ثم أعود إليهم.
كانت كلماتها تخرج بعفويةٍ صادقة، وهي تظن أنها بذلك تهدئ من غضبه.
أما كاظم...
فلم يكن يستمع إليها إلا بعينٍ أخرى.
ثبت نظره عليها طويلًا، ثم ارتسمت في أعماق عينيه لمعةٌ ماكرة، سرعان ما أخفاها خلف ملامحٍ جامدة.
أدرك في تلك اللحظة أن أمينة لم تشك في شيء.
لم تصلها حقيقة ما حدث،
ولم تلمح الرعب الذي كان يسكن عيني ديلان.
بل ما زالت ترى في الأمر مجرد حرصٍ من كريمة على ابنتها في غيابها.
تسللت إلى قلبه راحةٌ خبيثة، وأخذ يحدث نفسه في صمت:
"إذن... لم تخبرها بشيء."
"ما زالت تثق بي... وما زالت تصدق كل ما أقوله."
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باهتة، لم تحمل ذرةً من الدفء، بل كانت ابتسامة من ظن أنه أفلت من انكشاف أمره.
ثم أطرق برأسه، يخفي مكره خلف قناعٍ من الهدوء المصطنع، بينما أخذ عقله يعمل في صمت، يفكر في خطوته التالية، وقد أيقن أن معركته الحقيقية لم تعد مع أمينة، بل مع أولئك الذين بدأوا يحيطون بديلان، ويحاولون أن يكونوا لها السند الذي طالما حُرمت منه.
_________////////
انقضت ساعة العشاء في جوٍّ هادئ حاولت فيه كريمة أن تُشعر ضيوفها بأنهم بين أهلهم، لا في بيتٍ غريب، كانت تراقب ديلان خلسة، فتراها تجاهد لتبتسم كلما نظر إليها أحد، غير أن عينيها كانتا تفضحان التعب الذي استوطنهما منذ الصباح.
وما إن فرغ الجميع من الطعام، حتى بادرت ديلان إلى جمع الأطباق، إلا أن كريمة قالت برفق:
كريمة: دعيها يا ابنتي، أنتِ ضيفة عندنا.
هزت ديلان رأسها بابتسامةٍ خافتة، وقالت في حياء:
ديلان: بل أشعر أنني في بيتي يا خالة كريمة، والعمل يهون على القلب بعض ما فيه.
ابتسمت كريمة، ولم تشأ أن تحرمها من ذلك الشعور، فاكتفت بربتةٍ حانية على كتفها.
وسرعان ما انضمت إليهما مريم، فاجتمعت الأيدي الثلاثة على رفع الصحون وتنظيف المائدة، ثم غسل الأواني وترتيبها في أماكنها، كان المطبخ يمتلئ برنين الصحون وصوت الماء، تتخلله بين الحين والآخر كلماتٌ مقتضبة أو ابتسامةٌ صامتة، وكأن الجميع اتفق دون تصريح على ألا يوقظ الأحزان من جديد.
وبعد أن انتهين من ترتيب المطبخ، توجهت مريم إلى غرفة أخيها، وأعدت للصغيرين فراشًا دافئًا، وساعدتهما على ارتداء ملابس النوم.
كان أحمد يحاول أن يبدو شجاعًا، بينما كان عمر يتلفت بين الحين والآخر باحثًا عن أخته.
اقتربت ديلان منهما، وجثت على ركبتيها، ثم قبّلت رأسيهما وقالت برقة:
ديلان: ناما مطمئنين... أنا في الغرفة المجاورة، وإن احتجتما إليّ، ناديا باسمي فقط.
ابتسم أحمد ابتسامةً صغيرة، أما عمر فاحتضنها سريعًا قبل أن يستلقي، وكأنه يستمد من عناقها بعض الأمان الذي افتقده منذ دخلت والدته المستشفى.
اطمأنت عليهما، ثم خرجت مع مريم إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفهما في هدوء.
أما كريمة وعبد الله، فبقيا في الصالون قليلًا، يحتسيان كوبًا من الشاي ويتبادلان الحديث عن شؤون الغد، لكن ذهن كليهما لم يكن حاضرًا فيما يقولان.
كان الصمت يقطع حديثهما بين الفينة والأخرى، وكأن كليهما يعلم أن هناك كلامًا أثقل من أن يُقال أمام الآخرين.
وحين تأكدا أن الجميع قد أوى إلى غرفته، نهض عبد الله قائلًا:
عبد الله: هيا... لننام.
دخل الزوجان غرفتهما، وأغلقت كريمة الباب بهدوء.
وما إن جلست على طرف السرير، حتى تنهدت تنهدةً طويلة، وكأنها كانت تحمل فوق صدرها حملًا تنتظر اللحظة المناسبة لتضعه.
نظر إليها عبد الله باستغراب، وقال:
عبد الله: أخبريني الآن... ماذا حدث؟، أشعر أن الأمر أخطر مما أوحيتِ به في الصالون.
خفضت كريمة بصرها لحظات، ثم بدأت تروي له، كلمةً كلمة، ما قصته عليها مريم على لسان ديلان.
كانت تتحدث بصوتٍ منخفض، لكن كل جملةٍ كانت كالسهم يغرس في قلب زوجها.
وكلما مضت في حديثها، ازداد وجه عبد الله احتقانًا، وانعقد حاجباه غضبًا، حتى إذا وصلت إلى ما فعله كاظم بمحاولته الاعتداء على ديلان مستغلًا غياب والدتها، انتفض من مكانه دفعةً واحدة.
اتسعت عيناه ذهولًا، ثم صاح وقد اختلط صوته بالغضب والصدمة:
عبد الله: أعوذ بالله!،
كيف يبلغ به الانحطاط إلى هذا الحد؟!.
راح يجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا، وقد اشتدت أنفاسه.
ثم توقف فجأة، والتفت إلى زوجته قائلًا بحزم:
عبد الله: يجب أن تعلم أمينة بما يفعله زوجها.
هزت كريمة رأسها بأسى، وقالت:
كريمة: أخشى أن الأمر ليس بهذه السهولة يا عبد الله.
نظر إليها متسائلًا.
فأردفت بحزن:
كريمة: كاظم رجلٌ مراوغ... يعرف كيف يغيّر الحقائق، وكيف يقلبها لمصلحته.
ثم أطرقت قليلًا، وأضافت:
كريمة: لقد أحكم سيطرته على أمينة حتى باتت لا ترى إلا بعينيه، ولا تسمع إلا ما يريدها أن تسمعه، كلما حاول أحد تنبيهها، خرج هو من الموقف بريئًا، وجعل غيره يبدو مذنبًا.
ضرب عبد الله بكفه على الأخرى في ضيق، وقال بحرقة:
عبد الله: ومن سيحمي هذه الفتاة من ذلك الذئب البشري إن لم تحمها أمها؟.
ساد صمتٌ ثقيل.
ثم أردف بصوتٍ خافت، كأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدث زوجته:
عبد الله: حتى نحن... ما صفتنا؟،
لسنا من أقاربها، وأول ما نتدخل، سيقول لنا: من أنتم؟، وبأي حق تتدخلون في شؤون بيتي؟.
خفضت كريمة رأسها، وشعرت بعجزٍ يعتصر قلبها.
قالت بصوتٍ متهدج:
كريمة: إذًا... ماذا نفعل؟، هل نتركها فريسةً سهلة لذلك المجرم حتى ينهش براءتها، ويدمر حياتها ومستقبلها؟.
أطرق عبد الله طويلًا، ثم جلس على حافة السرير، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه.
كان يشعر بثقلٍ لم يشعر به منذ سنوات.
وقال بعد صمت:
عبد الله: والله يا كريمة... لا أدري، لايمكننا التدخل ليس هناك دليل واحد يدينه، كل ما نملكه هو إعترتفات ديلان وفقط،
حتى القانون يقف عاجزًا في هذه الحالة.
رفع رأسه إليها، وأردف:
عبد الله: ديلان ما تزال تعتبر قاصرًا امام القانون، وهي تحت ولاية أمها وزوج أمها في شؤونها والتصرف في كل ما يخصها، ولا نملك دليلًا ماديًا واحدًا يدين كاظم.
ثم زفر بحرقة:
عبدالله: كل ما لدينا هو كلام ديلان... وسيقابله كلامه،
وأنت تعلمين كيف يتلاعب بالألفاظ، وكيف ينتقل من موضوعٍ إلى آخر حتى يجعل الباطل يبدو حقًا، والحق يبدو باطلًا.
أغمض عينيه لحظة، ثم قال بأسى:
عبد الله: ولو واجهناه الآن، فقد يزداد خطره عليها بدل أن يقل.
اغرورقت عينا كريمة بالدموع،
وقالت وهي تعصر كفيها:
كريمة: وهذا ما يرعبني يا عبد الله، وهذا ما يقيدني ويشل تفكيري ولا اعلم ماذا افعل امام هذا المراوغ البارع في تلفيق القصص، وتحويل الانظار بعيدا عنه.
منذ الصباح وأنا أفكر...
وأقلب كل الاحتمالات في رأسي،
أبحث عن طريقةٍ نمد بها يد العون لهذه المسكينة، فننقذها من بين أنيابه، لكنني كلما ظننت أنني وجدت حلًا، اكتشفت أنه طريقٌ مسدود.
ساد الصمت مرةً أخرى.
كان صمتًا ثقيلًا، لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة.
رفع عبد الله بصره إلى السماء، ثم قال بهدوء المؤمن الذي يعلم أن لكل شدةٍ فرجًا:
عبد الله: هيا... لننم.
غدًا يومٌ جديد.
ولعل الله يفتح لنا بابًا لم نكن نراه اليوم.
ثم رفع يديه قليلًا، وقال بخشوع:
عبد الله: نسأل الله عز وجل أن يدلنا على الطريق الذي فيه نجاة ديلان، وأن يلهمنا الصواب،
فالله سبحانه ليس بظلَّامٍ للعبيد، وما من بلاءٍ إلا وله حكمة يعلمها وحده.
ونسأله كذلك أن يهدي ذلك الظالم، فإن عاد إلى رشده فذاك خير، وإن أصر على ظلمه، فحسبنا أن الله لا يضيع حق المظلوم.
مسحت كريمة دمعةً انسابت على خدها، وقالت بصوتٍ خافت:
كريمة: آمين...
ثم أضافت وهي تضم كفيها إلى صدرها:
كريمة: وأنا أيضًا لا أملك بعد الله إلا الدعاء.
أسأله في كل صلاة أن يحفظ تلك الطفلة، وأن ينجيها من شره، وأن يجعل لها من أمرها فرجًا ومخرجًا.
أطفأ عبد الله المصباح، وساد الظلام أرجاء الغرفة.
لكن النوم لم يزر عينيهما سريعًا،
كان كلٌّ منهما مستلقيًا يفكر في ديلان، وفي ذلك الحمل الثقيل الذي تحمله وحدها، بينما كانا يدعوان في سريرتهما بدعاءٍ واحد:
"اللهم احفظها بعينك التي لا تنام، واكتب لها فرجًا قريبًا، فإنك نعم المولى ونعم النصير."
ما إن أغلقت مريم باب غرفتها بهدوء، حتى عمَّ المكان سكونٌ لم يقطعه سوى صوت تنفس الفتاتين.
كانت الغرفة دافئة، تعبق برائحة الورد والياسمين، لكن ذلك الدفء لم يكن قادرًا على إذابة الجليد الذي التف حول قلب ديلان منذ ساعات.
تقدمت بخطواتٍ بطيئة، ثم جلست على طرف السرير، وأسندت كفيها إلى ركبتيها، وأطرقت برأسها. كانت نظراتها معلقةً في الفراغ، بينما راحت الأفكار تتلاطم في رأسها كموجٍ هائج، لا يترك لها فرصةً لالتقاط أنفاسها.
أما مريم، فلم تتعجل الحديث،
جلست إلى جوارها في صمت، وظلت تتأمل وجه صديقتها الذي بدا شاحبًا أكثر من أي وقتٍ مضى.
كانت تعرف أن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف سؤال.
وبعد لحظات، مدت يدها وربتت برفق على كتف ديلان، وقالت بصوتٍ يفيض حنانًا:
مريم: ما بكِ يا ديلان؟... فيمَ تغرقين بكل هذا الشرود؟.
انتفضت ديلان انتفاضةً خفيفة، كأنها عادت لتوها من عالمٍ بعيد.
تنهدت طويلًا، ثم أجابت بصوتٍ مرتجف اختلط فيه الخوف بالألم:
ديلان:أفكر فيما حدث هذا الصباح...
وسكتت قليلًا، ثم أضافت وهي تعض على شفتيها محاولةً حبس دموعها:
ديلان: كلما أغمضت عيني رأيته أمامي...
ورأيت نفسي محاصرةً بين يديه...
ثم رفعت عينيها إلى مريم، وقد امتلأتا بالدموع، وقالت بصوتٍ يكاد يختنق:
ديلان: أخبريني يا مريم...
لو أنني لم أستطع الإفلات منه...
ماذا كان سيحدث لي؟.
وما إن خرج السؤال من بين شفتيها، حتى انهارت كل الحواجز التي حاولت أن تبنيها حول قلبها.
ارتجفت شفتاها، واغرورقت عيناها بالدموع، ولم تنتظر مريم أكثر.
اقتربت منها، واحتضنتها بقوة، كأنها تريد أن تحيطها بسياجٍ من الأمان يعجز الخوف عن اختراقه،
وقالت وهي تمسح على شعرها بحنان:
مريم: لا تخافي يا أختي...
فمن كان الله حافظه، فلن يضره أحد.
عين الله لا تغفل عنك، وستظل تحرسك من ذلك الحقير ما دمتِ متعلقةً بربك.
كان ذلك الحضن كفيلًا بأن يهدم آخر ما تبقى من صمود ديلان.
أجهشت بالبكاء.
بكت بحرقةٍ لم تبكِ مثلها من قبل.
كانت دموعها تخرج محملةً بكل ما كتمته طوال اليوم...
خوفها...
ووجعها...
وشعورها بالعجز...
وظلت مريم تضمها إلى صدرها، تتركها تبكي دون أن تمنعها، فقد كانت تعلم أن بعض الدموع دواءٌ للروح، وأن القلب المثقل لا يشفى إلا إذا أفرغ شيئًا مما يحمله،
وبعد وقتٍ ليس بالقصير، بدأت شهقات ديلان تخف شيئًا فشيئًا.
أخرجت مريم منديلًا ورقيًا، ومسحت دموعها برفق، ثم رفعت وجهها إليها وقالت بابتسامةٍ مطمئنة:
مريم: اسمعيني جيدًا...
لا تسمحي للخوف أن يتحول إلى سجنٍ تعيشين فيه،
فالشيطان يريد أن يزرع في قلبك الرعب حتى يكسر عزيمتك، ثم يدفعك إلى الاستسلام، وبعدها يغرقك في بحرٍ من الأحزان لا ترين له شاطئًا.
ثم أمسكت بيديها وأردفت:
مريم: فوضي أمرك إلى الله...
واطلبي منه الحفظ والستر والسلامة.
ادعيه أن يقوي قلبك، وأن يريك طريق النجاة، فهو وحده القادر على أن يخرجك من كل ضيق.
وسكتت لحظة، ثم ابتسمت وهي تحاول أن تغير مجرى أفكارها:
مريم: ثم لا تنسي شيئًا مهمًا...
لم يبقَ إلا أيامٌ قليلة وتُعلن النتائج.
سننتقل إلى السنة الثانية بإذن الله، وسنقترب أكثر من تحقيق أحلامنا.
سنكمل طريقنا، ونتخرج، ونبني مستقبلنا الذي طالما حلمنا به،
أخفضت ديلان رأسها، وأخذت تمسح دموعها بطرف كمها،
ثم قالت بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل شعورًا بالذنب:
ديلان: نعم...
لن يحميني بعد الله إلا الدعاء.
لكن...
ترددت قليلًا، ثم أكملت:
ديلان: أظن أن الله يعاقبني.
رفعت مريم رأسها إليها بدهشة.
مريم: يعاقبك؟!، على ماذا؟.
قالت ديلان بخجلٍ ممزوج بالحزن:
ديلان: لأنني سمحت لقلبي أن يفكر في شاب...
ما كان ينبغي لي أن أفكر فيه،
ومنذ تلك اللحظة...
بدأت المصائب تتوالى،
مرض أمي...
ثم ما حدث لي هذا الصباح...
ألا ترين أن كل ذلك بسبب ذنبي؟،
وحتى أنني لم ألتقي به وقد ضياعت فرصة لقائي به...
هزت مريم رأسها بسرعة، وقالت بحزمٍ ممزوج بالرفق:
مريم: لا يا ديلان...
لا تقولي هذا مرةً أخرى.
ثم سألتها بلطف:
مريم: أتعنين طالب الهندسة؟ بقولك ذلك الشاب.
أومأت ديلان برأسها.
ديلان: نعم...
منذ أن قبلت أن أراه خفيةً عن أمي، وأنا أشعر أن البركة نزعت من أيامي.
ابتسمت مريم ابتسامةً هادئة، ثم أمسكت بيديها وقالت:
مريم: يا صديقتي...
لا تربطي بين الأقدار بهذه الصورة.
مرض والدتك قضاءٌ وقدر،
وأنتِ بنفسك كنتِ تخبرينني منذ أشهر أنها تتعب كثيرًا وخصوصا منذ حملها، وأن الأطباء طلبوا منها الراحة، لكنها كانت تتحمل فوق طاقتها من أجل بيتها وأولادها.
ثم تابعت بنبرةٍ يملؤها اليقين:
مريم: أما ما فعله كاظم...
فلا ذنب لكِ فيه.
هو رجلٌ خبيث النفس، وما صدر منه ليس إلا انعكاسًا لما امتلأ به قلبه من سوء نوياه وبات تحت سيطرة نفسه الهبيثة واسير نزواته السيئة.
ولا يحمل أحدٌ وزر معصية غيره،
ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة، وقالت:
مريم: وأما ذلك الشاب...
فأنتِ لم تكوني ذاهبةً إلى معصية.
كنتما ستلتقيان في مكانٍ عام، وأمام الناس وليس في خلوة بعيدة عن الاعين، ولم يكن حديثكما ليخرج عن حدود الأدب والاحترام، بل إنكِ كنتِ تريدين أن تعرفي حقيقة نواياه قبل أي شيء، واظنه كان جادا حسب ما قرأته في تلك الرسالة، التي اعطاك إياها، حيث طلب منك عدم الحظور لوحدك، وجل كلماته كانت محترمة، وأنا... كنت سأرافقك، هل نسيتِ ذلك؟، ما كنتُ لأسمح لكِ أن تذهبي وحدك.
ثم أردفت وهي تنظر إليها بثقة:
مريم: بل سأقول لكِ شيئًا...
لولا أنني لمست في رسالته احترامًا، ورأيت في أسلوبه رقيًّا، لما وافقت أصلًا على ذهابك.
قد أكون مخطئة في تقديري، فالله وحده يعلم ما في القلوب، لكن ما قرأته يومها لم يكن يحمل إساءة ولا استخفافًا ولاحتى تلاعبا، لذلك... لا تجعلي قلبك يحمل ذنبًا لم يرتكبه.
ساد الصمت في الغرفة بعد كلمات ديلان الأخيرة، ولم يبقَ سوى صوت أنفاسهما الهادئة ينساب بين الجدران، كانت مريم لا تزال تمسك بيد صديقتها، تتأمل ملامحها التي بدأت تستعيد شيئًا من هدوئها بعد العاصفة التي اجتاحت قلبها طوال ذلك اليوم.
أما ديلان، فقد كانت تحدق في الأرض بشرود، وكأنها تخشى أن ترفع رأسها فتقرأ مريم ما يختلج في أعماقها قبل أن تنطق به.
ظلَّت مريم صامتة لحظات، ثم رفعت عينيها نحوها، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة امتزجت بالفضول والشفقة، وقالت برفق:
مريم: أصدقيني القول يا ديلان...
توقفت لحظة، ثم أردفت بصوت خفيض:
مريم: هل يكنُّ قلبك مشاعر لذلك الشاب؟.
ارتجفت أهداب ديلان، وكأن السؤال أصاب وترًا حساسًا في قلبها.
أطرقت برأسها، وعقدت أصابعها فوق حجرها، وأخذت تفركها بتوتر، كانت تبحث في أعماقها عن جواب، لكنها لم تجده واضحًا.
مرَّت لحظات قبل أن تتنهد وتقول بصوت يملؤه الحيرة:
ديلان: لا أدري...
ثم ابتسمت ابتسامة خافتة، كأنها تسترجع ذكرى بعيدة، وأكملت:
ديلان: كل ما أعلمه أنني كنت أشعر بطمأنينة غريبة كلما رأيته.
رفعت عينيها قليلًا، وقد غاب بصرها في الفراغ، كأنها لم تعد ترى جدران الغرفة، بل تستحضر صورته أمامها.
وقالت بصوت أكثر دفئًا:
ديلان: عيناه...
كان في عينيه هدوء لا أستطيع وصفه،
لا أدري لماذا؟، لكنني كلما وقعت عيناي عليه، شعرت وكأن شيئًا داخلي يستكين،
وكأن ضجيج الدنيا كله يخفت فجأة.
ابتسمت في حياء، ثم أردفت:
ديلان: كنت أشعر بالأمان...
أمان لم أعرفه من قبل،
ولذلك...
كنت أتمنى أن أراه كل يوم.
أخفضت رأسها، ثم ضحكت ضحكة قصيرة يغلب عليها الخجل.
ديلان: هل تعلمين شيئًا؟،
كنت أدعو الله بعد كل صلاة...
أن أصادفه عند محطة قطار الأنفاق، أو في أروقة الجامعة.
كانت الكلمات تخرج منها بصدق طفلٍ يعترف بسرٍّ أخفاه طويلًا.
وقالت وهي تبتسم لنفسها:
ديلان: وفي الأيام التي كنت أراه فيها صباحًا...
كان يومي كله يتغير، أشعر بطاقة لا أعرف مصدرها.
وكأن الشمس أشرقت داخل قلبي قبل أن تشرق في السماء.
كنت أعود إلى محاضراتي بخفة، وأبتسم دون سبب، وأشعر أن حملًا ثقيلًا كان جاثمًا على صدري ثم انزاح.
سكتت لحظة، ثم انطفأت ابتسامتها شيئًا فشيئًا.
وقالت بصوت خافت:
ديلان: أما إذا مرَّ اليوم ولم أره...
فكان النهار يبدو طويلًا...
باهتًا...
كئيبًا،
وكأن الدنيا كلها فقدت ألوانها،
بل كنت أشعر أحيانًا أن هموم العالم اجتمعت فوق كتفي.
أنصتت إليها مريم بصمت، وكانت كل كلمة تزيد يقينها بأن ما تعيشه صديقتها لم يعد مجرد إعجاب عابر.
ابتسمت ابتسامة دافئة، وربتت على يدها بحنان، ثم سألتها بلطف:
مريم: إذن...
هل تتمنين أن تريه مرة أخرى؟.
رفعت ديلان رأسها ببطء.
التقت عيناها بعيني مريم.
ورسمت على شفتيها ابتسامة حالمة، امتزج فيها الخجل بالأمل.
ثم قالت بصوت يكاد يهمس:
ديلان: أتريدين أن أصدقك القول؟.
ابتسمت مريم ابتسامة الأخت الواثقة، وضغطت على يدها برفق، وقالت:
مريم: وهذا ما عهدته فيك دائمًا،
أنت تعلمين أنك بالنسبة إليَّ لست مجرد صديقة...
بل أخت،
وما يفرحك يفرحني، وما يؤلمك يؤلمني.
وأسرارك ستبقى محفوظة في قلبي ما حييت.
تنهدت ديلان، وكأنها أخيرًا وجدت صدرًا آمنًا تودع عنده ما أثقل قلبها.
وقالت بهدوء:
ديلان: نعم...
كنت متحمسة لذلك اليوم أكثر مما كنت أظن،
في البداية أقنعت نفسي أنني ذاهبة فقط لأعرف ماذا يريد،
لكن...
هزت رأسها مبتسمة في خجل.
ديلان: حين بقيت أفكر في الأمر، أدركت أن أكثر ما كنت أتوق إليه هو أن أعرف اسمه،
أن أعرف من يكون،
ومن أي حي في المدينة جاء،
وكيف يفكر،
وكيف يتحدث،
ثم ابتسمت ابتسامة امتزجت بالحزن.
ديلان: كنت أريد أن أسمع صوته وهو يعرّفني بنفسه، تذكرت تلك اللحظات التي جلسها بجانبي في القطار، صوته؛ رزانته في الكلام؛ عدم رفعه لنظره نحوي كما يفعل بعض الشباب، هو يدقق في ملامحك او تفاصيل جسمك، لا بل كان يرفعهم إلا ليلقي نظرة خاطفة إذا كنت اسمعه او لا اعيره إنتباها،
أما ما يريد قوله لي...
فقد أصبح في المرتبة الثانية.
سكتت لحظة، ثم أردفت:
ديلان: وصراحة...
ما زلت أتمنى أن أراه مرة أخرى،
لكنني أرى أن هذا الاحتمال أصبح بعيدًا جدًا.
عقدت مريم حاجبيها، وقالت باستغراب:
مريم: ولماذا تقولين ذلك؟،
ومن قال إن الأمر مستحيل؟،
لا يوجد مستحيل إذا أراد الله شيئًا، فهو إذا اراد شيء قال كن فكان.
تنهدت ديلان، ثم أجابتها بصوت يملؤه الأسى:
ديلان: هل نسيتِ ما كتبه في رسالته تلك؟،
قال إنه سينتظرني ساعة واحدة،
وإن لم أحضر...
فسيصرف نظره عن الأمر كله،
ووعد أنه لن يزعجني بعد ذلك، ولن يعترض طريقي، ولن يحاول الاقتراب مني مرة أخرى.
أطرقت قليلًا، ثم أكملت:
ديلان: ومن خلال ما رأيته منه طوال الأشهر الماضية...
أشعر أنه ليس من أولئك الذين يتراجعون عن كلماتهم، او يطلقون شعارات رنانة للفت الإنتباه فقط،
كان يبدو شخصًا يحترم قراراته،
ويفي بما يقوله، ويقف وراء كل كلمة يقولها،
ولذلك...
أظنه نفذ ما وعد به،
وربما...
لن أراه مرة أخرى أبدًا، أنسيتي انه تخرج وايامه في الجامعة باتت معدودة إن لم تكن قد إنتهت.
لمحت مريم الغصة التي اختنقت بها كلمات صديقتها، فاقتربت منها أكثر، ومسحت بيدها على كتفها، ثم قالت بصوت يملؤه اليقين:
مريم: لا تستبقي الأقدار يا ديلان،
فنحن لا نعلم ما الذي يخبئه الله لنا، وتأكدي إن كان هذا الشاب صادقًا فيما يحمله لك، وكان فيه خير لدينك ودنياك، فلن يفرق بينكما موعد ضائع، ولا رسالة لم تكتمل، وكما قلته إن مان حبه لك صادق فلا اظنه سيتخلى عنه وسيبحث عنك لا محالة.
ثم ابتسمت وهي تنظر إليها بثقة:
مريم: وإذا أراد الله أن يجمع بين قلبين، فلن تستطيع الدنيا كلها أن تحول بينهما.
قد يكون اللقاء غدًا...
وقد يكون بعد أشهر...
وقد يكون بعد سنوات،
لكن ما كتبه الله سيأتي في وقته، لا قبل ذلك ولا بعده.
خفضت ديلان بصرها، وأخذت تتأمل كلمات مريم في صمت.
شعرت أن شيئًا من الطمأنينة بدأ يتسلل إلى قلبها، وأن نافذة صغيرة من الأمل قد انفتحت وسط ظلام اليأس.
رفعت رأسها نحو السماء التي كانت تبدو من خلف النافذة، وهمست في سرها:
"يا رب... إن كان في لقائه خير لي، فاجمعني به بالحلال، في الوقت الذي ترضاه، وعلى الوجه الذي يرضيك، وإن كان غير ذلك، فاصرفه عن قلبي، واصرف قلبي عنه، ولا تعلق قلبي بوهم، وأرضني بما قسمت لي، فإن اختيارك خير من اختياري."
ثم أغمضت عينيها، واستقرت في قلبها حقيقة واحدة كانت مريم تحاول أن تغرسها فيها منذ بداية الحديث:
أن الأقدار لا تُبنى على الظنون، وأن ما كتبه الله لعباده لا يضيعه موعد فات، ولا طريق افترق، ولا قلب انتظر.
شعرت مريم بوخزةٍ مؤلمة تعتصر قلبها وهي تستمع إلى اعترافات ديلان. لم يحزنها تعلق صديقتها بشابٍ مجهول بقدر ما آلمها السبب الذي دفعها إلى ذلك، لقد كانت تبحث عن شعورٍ بالأمان في نظرة عابرٍ من شاب لا تعرف اسمه ولا موطنه ولا حقيقة حياته، بينما تنفر من البيت الذي كان يفترض أن يكون حصنها الأول وملاذها الآمن، أيُّ وجعٍ ذاك الذي يسلب فتاةً إحساسها بالأمان بين جدران منزلها، حتى تغدو نظرةٌ صادقة من غريب أحنَّ على قلبها من سقفٍ يأويها؟، عندها أدركت مريم أن ديلان لم تكن مفتونةً بذلك الشاب بقدر ما كانت متعطشةً إلى الطمأنينة التي حُرمت منها طويلًا، وأن قلبها المنهك كان يتشبث بأي بارقة أمان، ولو جاءت من شخصٍ لم تعرف عنه سوى هدوء عينيه ونبل ملامحه، ومن أجل ذلك، عزمت في قرارة نفسها ألا تسمح لصديقتها أن تواجه ذلك الألم وحدها، وأن تبقى إلى جوارها حتى تستعيد يقينها بأن الأمان الحقيقي لا يُستمد من البشر، وإنما يمنحه الله لعباده، ثم يهيئ لهم من يكون سببًا فيه.
ظلَّت ديلان صامتةً برهة، وكأن كلمات مريم كانت تنزع من صدرها حجرًا بعد آخر.
ثم رفعت رأسها، وقالت بصوتٍ أكثر هدوءًا:
ديلان: منذ الصباح... وأنا أفكر في أمرٍ واحد.
وأدعو الله أن يشرح صدري له، ويعينني عليه.
ابتسمت مريم، وسألتها باهتمام:
مريم: وما هو يا أختي؟.
ساد صمتٌ قصير، ثم تنفست ديلان بعمق، وقالت وقد ارتسمت في عينيها لأول مرة منذ ساعات لمعةُ يقينٍ وطمأنينة:
ديلان: قررت... أن أرتدي الحجاب.
اتسعت عينا مريم دهشة، ثم سرعان ما تحولت دهشتها إلى ابتسامةٍ غمرت وجهها كله.
أمسكت بيدي ديلان بكلتا يديها، وقالت وعيناها تلمعان فرحًا:
مريم: الحمد لله... إن كان هذا القرار قد خرج من قلبك، وعن قناعةٍ ومحبةٍ لله، فأسأل الله أن يثبتك عليه، وأن يجعله بداية خيرٍ وسكينةٍ في حياتك.
ابتسمت ديلان لأول مرة منذ ذلك الصباح، ابتسامةً صغيرة، لكنها صادقة.
ثم رفعت بصرها إلى السماء التي كانت تظهر من نافذة الغرفة، وهمست من أعماق قلبها:
ديلان: يا رب... إني أقبل عليك، فلا تردني خائبة، واجعل لي من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، وأعنّي على طاعتك، واصرف عني كل سوء، واكتب لي من رحمتك ما يطمئن به قلبي.
الفصل الرابع عشر من رواية
خبيبتي زوجة أخي 💔🥺
✍️......لم تدرِ ديلان متى غلبها النعاس.
كانت مستلقية إلى جوار مريم على السرير، وعيناها معلقتان بسقف الغرفة، بينما تتزاحم في رأسها أحداث اليوم الطويل؛ وجه والدتها الشاحب على سرير المستشفى، ونظرات كاظم التي ما زالت تثير الرعب في قلبها، وكلمات مريم التي كانت كبلسمٍ يداوي جراح روحها.
أما مريم، فلم تترك يد صديقتها حتى بعد أن خيّم الصمت بينهما، وظلت تربت عليها برفق، كأنها أمٌّ تهدهد طفلتها حتى تستسلم للنوم.
شيئًا فشيئًا، هدأت أنفاس الفتاتين، واستسلمتا لرحمة النوم، بعد يومٍ أثقل روحيهما بما يكفي.
شقَّ سكون الليل صوت الأذان العذب:
«الله أكبر... الله أكبر...»
فتحت ديلان عينيها ببطء، وظلت للحظات تستمع إلى النداء الذي تسلل إلى قلبها قبل أن يصل إلى سمعها.
شعرت براحةٍ لم تشعر بها منذ زمن، وكأن الله أرسل إليها مع أذان الفجر رسالةً خفية تقول لها:
"ما دمتِ معي... فلا تخافي."
اعتدلت في جلستها، ثم أيقظت مريم برفق.
ابتسمت مريم وهي تفتح عينيها قائلة:
مريم: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور.
ابتسمت ديلان ابتسامةً هادئة، ورددت الدعاء معها.
توضأتا في سكينة، ثم أعارتها مريم خمارًا أبيض ناصعًا، فارتدته ديلان وهي تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة، حتى تبدأ يومها محجبة كما أرادت،
توقفت لحظة.
وضعت أطراف أصابعها على الخمار برفق، شعرت وكأنها تخطو أول خطوة في طريقٍ جديد، طريقٍ اختارته بقلبها قبل أن تختاره بيديها.
ابتسمت في حياء، ثم همست:
ديلان: اللهم ثبّتني.
وقفتا جنبًا إلى جنب، وأقامتا صلاة الفجر بخشوع.
كانت ديلان تطيل السجود أكثر من عادتها،
تبكي بصمت،
وتسكب بين يدي الله كل ما أثقل قلبها،
تدعوه أن يشفي أمها،
ويحفظ أخويها،
ويصرف عنها شر كاظم،
ويهديها إلى ما يحب ويرضى،
وبعد الصلاة، جلستا تذكران الله، تسبحان وتستغفران، ثم فتحت كل واحدة منهما مصحفها، وأخذت تتلو وردها اليومي.
كانت ديلان تراقب مريم بين الحين والآخر.
تأملت سكينتها وهي تتلو القرآن، والخشوع الذي يغمر ملامحها،
ثم انتقل بصرها إلى صورة كريمة المعلقة على الجدار مع أسرتها، فتذكرت أخلاقها، ورفقها، وحنانها.
فقالت في نفسها:
"كم أتمنى أن أكون مثلها... قريبةً من الله، مطمئنة القلب مهما اشتدت الدنيا."
وشعرت أن قرارها بارتداء الحجاب لم يكن مجرد تغيير في مظهرها، بل بداية رحلةٍ تريد أن تغير بها نفسها كلها.
وما إن ارتفعت الشمس قليلًا، حتى بدأ البيت يدب فيه النشاط،
استيقظ أحمد وعمر، يتثاءبان بكسلٍ طفولي، فضحكت ديلان وهي تساعدهما على غسل وجهيهما، ثم أخرجت لهما ثيابًا نظيفة من الحقيبة، وساعدتهما في ارتدائها، ثم سرحت شعرهما بحنانٍ يشبه حنان الأمهات.
قال أحمد وهو ينظر إليها مبتسمًا:
أحمد: أختي... اليوم تبدين أجمل.
ضحكت ديلان وربتت على رأسه،
ديلان: لأنك استيقظت مبكرًا يا مشاغب.
أما عمر، فاحتضنها فجأة وقال:
عمر: لا تتركينا وحدنا.
شعرت بغصةٍ في حلقها، ثم قبلت جبينه قائلة:
ديلان: لن أترككما أبدًا، بإذن الله.
نزل الجميع إلى غرفة الطعام،
كانت رائحة الخبز الساخن والشاي تعبق في المكان، بينما كانت كريمة ترتب الأطباق، ويعاونها عبد الله في وضعها على المائدة.
ابتسم عبد الله وهو يقول:
عبدالله: هيا يا أبطال... اجلسوا قبل أن يبرد الفطور.
جلس الجميع حول المائدة، في مشهدٍ افتقدته ديلان منذ زمن،
ضحكات...
وأحاديث...
ودعواتٌ تسبق الطعام،
شعرت للحظة أنها ليست ضيفة، بل ابنةٌ تجلس وسط أهلها.
وبينما كانت الأحاديث تتنقل بين الجميع، قالت مريم فجأة:
مريم: انتبهوا جميعًا... لدي خبرٌ مهم.
التفتت إليها كل الوجوه،
حتى عبد الله وضع فنجان الشاي جانبًا، وقال مبتسمًا:
عبدالله: خيرًا إن شاء الله.
ابتسمت مريم وهي تنظر إلى ديلان التي احمر وجهها خجلًا.
ثم قالت بفخر:
مريم: ديلان اتخذت قرارًا جميلًا...
لقد قررت أن ترتدي الحجاب،
ساد الصمت لثوانٍ، ثم انفرجت وجوه الجميع دفعةً واحدة.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه عبد الله.
أما كريمة، فتهللت أساريرها حتى اغرورقت عيناها بالدموع.
وقالت من أعماق قلبها:
كريمة: الحمد لله...
الحمد لله الذي شرح صدرك لهذا القرار يا ابنتي.
أسأل الله أن يجعله لباس تقوى، وأن ينير به قلبك قبل وجهك، ويثبتك عليه حتى تلقينه وهو راضٍ عنك.
أطرقت ديلان رأسها حياءً، وقد تلونت وجنتاها بحمرة الخجل.
اقتربت منها كريمة، وربتت على يدها بحنان، ثم قالت:
كريمة: مباركٌ لك يا ابنتي.
وأول حجاب سترتدينه سيكون هديةً مني.
اليوم، بعد أن أنتهي من عملي في المدرسة القرآنية، سأمر بكم جميعًا، ونذهب إلى السوق.
سنختار معًا ما يعجبك من الألبسة والحجاب.
ثم ابتسمت وأضافت:
كريمة: أعلم أن والدتك هي من تتكفل دائمًا بمصاريفك، لذلك اسمحي لي أن أشاركها اليوم هذه الفرحة، وكذلك المسجد الذي الذي ادرس النساء، قد خصصوا به مبلغا ماليا للفتياتي اللواتي يردن إرتداء الحجاب كهدية من إدارة المسجد وتحفيز للبنات ساتحدث، مع المرشدة المكلفة بذلك لنشتري لك ثوبا ثاني لك.
لم تتمالك ديلان نفسها.
خفضت رأسها أكثر.
فرفعت كريمة ذقنها برفق، وقالت وعيناها تلمعان بالمحبة:
كريمة: ألا تعلمين؟،
أنت ابنتي الثانية التي لم تلدها بطني، لكن الله أرسلها إلى قلبي،
وأنا قبلت هديته بكل حب.
ثم احتضنتها بقوة، احتضان أمٍّ لابنتها، احتضانٍ افتقدته روح ديلان منذ زمن.
ابتسم عبد الله وهو ينظر إليهما، ثم قال بصوتٍ دافئ:
عبد الله: وأنا أيضًا لن أكون أقل من أم مريم، والله إن معزة ديلان في قلبي لا تقل عن معزة مريم،
هي بالفعل هديةٌ ساقها الله إلى بيتنا، ومنذ عرفناها، لم تدخل بيتنا إلا ومعها البركة وراحة النفس.
ثم أخرج محفظته، ووضع بعض النقود في يد زوجته قائلًا:
عبدالله: خذي... واشتري لها ثوبًا تختاره بنفسها، وأرجو الله أن يجعل هذه النفقة خالصةً لوجهه الكريم، وأن يرزقها بها سترًا في الدنيا، وأجرًا لنا عنده يوم نلقاه.
ما إن أنهى حديثه، حتى رفعت مريم يدها معترضة وهي تضحك:
مريم: لا... لا... لن تنفردا بالأجر وحدكما.
نظر الجميع إليها مبتسمين.
فقالت وهي تشير إلى غرفتها:
مريم: أتذكرون الثوب الجديد الذي اشتريته قبل أيام ولم ألبسه بعد؟، لقد أصبح من هذه اللحظة ملكًا لديلان.
ثم أمسكت يد صديقتها وأضافت بمحبةٍ صادقة:
مريم: وكل ما في خزانتي تحت أمر أختي... بل قطعةٍ من قلبي.
عند تلك الكلمات...
لم تستطع ديلان المقاومة أكثر.
ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع، ثم خانتها دمعةٌ ساخنة، انسابت ببطء فوق خدها.
لم تكن دمعة حزن...
بل دمعة إنسانةٍ أنهكتها قسوة الأيام، ثم وجدت فجأة قلوبًا تحتضنها دون مقابل.
كانت تنظر إلى أفراد هذه الأسرة واحدًا واحدًا، وهي تقول في سرها:
"يا رب... كيف عوضتني عن قسوة الدنيا بكل هذا الحنان؟"،
لم تشعر يومًا بأنها غريبة بينهم،
ولم يعاملوها يومًا كضيفة، بل كابنةٍ حقيقية، اقتسمت معهم المائدة، والدعاء، والابتسامة، والمحبة.
وفي تلك اللحظة، أدركت ديلان أن الله، إذا أغلق بابًا بالابتلاء، فتح أبوابًا أخرى بالرحمة، وأن الأسرة ليست دائمًا رابطة دم، بل قد تكون قلوبًا اختارها الله لتكون وطنًا آمنًا لمن أثقلته الحياة.
في مكان آخر من المدينة....
كان الليل قد أرخى سدوله الأخيرة، وبدأت خيوط الفجر الأولى تشق طريقها في السماء، بينما ساد السكون أرجاء الحي، لا يقطعه سوى صوت المؤذن وهو يصدح بنداء الفجر، فينساب إلى القلوب قبل الآذان.
في تلك الليلة، لم يكن باران كعادته.
استيقظ قبل أن يسمع والده يفتح باب غرفته ويخرج منها، جلس على طرف فراشه لحظات، يمرر يده على وجهه وهو يسترجع ما رآه في منامه، لم يرَ سوى وجهٍ واحد... وجه الفتاة التي استوطنت قلبه دون استئذان.
ابتسم ابتسامةً باهتة وهو يهمس لنفسه:
باران: حتى في نومي... لم تتركيني، أين انت؟، ربي دلني على طريقها.
تنهد، ثم نهض متوضئًا، وما إن فرغ حتى فتح باب غرفته، ليجد والده عزّت يهم بالخروج من المنزل.
نظر إليه والده باستغراب، فقد اعتاد أن يؤدي ابنه صلاة الفجر في المنزل أحيانًا، خاصة بعد السهر في الدراسة.
ابتسم باران ابتسامة هادئة وقال:
باران: ما رأيك يا أبي أن أرافقك اليوم إلى المسجد؟.
اتسعت ابتسامة عزّت، وربت على كتف ابنه بمحبة.
عزت: هذا ما كنت أتمناه يا بني.
خرج الأب وابنيه يسيرون في هدوء، والنسيم البارد يداعب وجوههم، بينما كان كل واحد منهما يردد الأذكار في خشوع.
وبينما هم ينزلون من السلم، لمحوا العم إبراهيم يخرج من شقته برفقة ابنه روني.
ابتسم إبراهيم وهو يقترب منهما.
إبراهيم: السلام عليكم.
عزت وابنائه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
صافح عزّت أخاه بحرارة، ثم التفت إلى روني مبتسمًا، كان الشاب يبدو متوترًا رغم محاولته إخفاء ذلك.
ربت عزّت على كتفه قائلًا:
عزت: لم يبقَ إلا أيام قليلة يا روني، أليس كذلك؟.
ابتسم روني ابتسامة خجولة.
روني: نعم يا عمي، نهاية الأسبوع ستُعلن النتائج بإذن الله.
قال إبراهيم وهو ينظر إلى ابنه بفخر:
إبراهيم: منذ انتهى من الامتحانات وهو يعيش بين الدعاء والانتظار.
ضحك عزّت وقال:
عزت: هذا شعور طبيعي، فقد مررنا به جميعًا.
ثم رفع يده يدعو له:
عزت: أسأل الله أن يكلل تعبك بالنجاح، وأن يفتح لك أبواب الخير، ويكتب لك التخصص الذي تتمناه.
ابتسم باران وربت على كتف ابن عمه.
باران: لا تقلق... لقد اجتهدت، ومن اجتهد حصد بإذن الله.
أشرق وجه روني، وقال ممتنًا:
روني: جزاكم الله خيرًا.
دخل الأربعة المسجد، وأدوا الصلاة بخشوع، ثم خرجوا يتبادلون الأحاديث الهادئة في طريق العودة.
وحين وصلوا إلى مدخل البناية، لمحوا دنيز تقف عند باب الشقة بالطابق الاول.
كانت ترتدي ثوبًا منزليًا محتشمًا، وتمسك بيدها كوبًا صغيرًا، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة بدت في ظاهرها عفوية، لكن قلبها كان يخفق بشدة، لم تكن تنتظر عودة أبيها وأخيها فحسب... بل كانت تنتظر شخصًا آخر،
"مراد."
منذ أن سمعت صوت الباب الخارجي، سارعت إلى الوقوف عند المدخل، متذرعةً بأنها تنتظر والدها، بينما كانت عيناها تبحثان عن مراد بين الخارجين.
وما إن وقع بصرها عليه، حتى شعرت بقلبها يقفز بين ضلوعها،
خفضت رأسها متصنعة الحياء، لكنها كانت تراقبه بطرف عينها، علّه يبادلها نظرة، أو يبتسم لها كما تمنت مرارًا.
غير أن مراد، كعادته، لم يرَ فيها سوى ابنة عمه التي كبرت أمام عينيه، تمامًا كما كان يرى شقيقته هازان.
أما هي... فكانت تبني في خيالها أحلامًا لا يعلم عنها أحد.
اقترب عزّت منها، وقد لاحظ وقوفها.
ابتسم لها بحنان الأب، وقال:
عزت: صباح الخير يا ابنة أخي.
رفعت رأسها مبتسمة.
دنيز: صباح النور يا عمي.
سألها باهتمام:
عزت: كيف حالك؟ وكيف تسير أمور دراستك؟.
أشرق وجهها وقالت بفخر:
دنيز: الحمد لله... نجحت، والأسبوع القادم سأستلم شهادتي.
تهلل وجه عزّت.
عزت: مبارك يا ابنتي.
ثم أردف بابتسامة مشجعة:
عزت: ها أنتِ تضعين أولى خطواتك في طريق المستقبل،
أسأل الله أن يوفقك، وأن تحققي كل أحلامك.
وقبل أن تجيب، خرج صوت صفية من خلفها، وقد كانت تتابع الحديث منذ بدايته.
قالت بنبرة امتزج فيها الفخر بالمباهاة:
صفية: لا يا أخ زوجي، ابنتي لا تفكر في العمل.
التفت الجميع إليها، وأضافت وهي تضع يدها على كتف دنيز:
صفية: لقد قررت أن تبقى في بيتها، وتتقن شؤون المنزل، حتى تكون زوجة صالحة، تعرف كيف ترعى زوجها وأبناءها، وتبني بيتًا سعيدًا لمن يكتبه الله من نصيبها.
ابتسم عزّت بأدب، وقال:
عزت: ما دام ذلك اختيارها وقناعةً منها، فأسأل الله أن يوفقها لما فيه الخير.
ثم نظر إلى دنيز مبتسمًا.
عزت: بارك الله فيك يا ابنتي،
سيكون من نصيب رجلٍ محظوظ إن شاء الله، ما دمتِ صاحبة خلقٍ وحسن تربية.
اغتنمت صفية الفرصة، وقالت وقد ازداد اعتزازها بنفسها:
صفية: والله يا أخ زوج، دنيز لا يعيبها شيء، تعرف الطهو، والخياطة، والترتيب، وإدارة البيت، وكل عمل تمسكه تتقنه.
أطرق باران برأسه، وأخفى زفرة ضيق كادت تفلت منه.
لم يكن يضايقه مدح الأم لابنتها، بل الطريقة التي كانت تحول بها كل لقاء عائلي إلى مجلسٍ لاستعراض مزايا دنيز، وكأنها تعرضها أمام الجميع.
مال برأسه نحو مراد، وهمس بصوتٍ خافت حتى لا يسمعه أحد:
باران: هل ستبقى واقفًا تستمع إلى وصلة المديح هذه؟.
كاد مراد يضحك، لكنه تمالك نفسه بصعوبة، ثم همس مجيبًا:
مراد: معك حق، إذا بدأت زوجة عمي الحديث عن دنيز، فلن ينتهي قبل شروق الشمس.
خفض باران رأسه حتى لا يراه أحد يبتسم، وقال مازحًا:
باران: أسأل الله فقط أن يرزقها الزوج المناسب، حتى ترتاح أمها من هذا الملف الذي لا يغلق.
ابتسم مراد وهو يهز رأسه،
ثم قال بخفوت:
مراد: آمين.
ساد بينهما صمت قصير، ثم تمتم باران بكلماتٍ غامضة، وهو ينظر أمامه:
باران: يبدو أن العريس الذي تحلم به أمامها... لكنه لا يعلم شيئًا عمّا يُحاك حوله.
التفت مراد إليه باستغراب.
مراد ماذا تقصد؟.
رفع باران كتفيه وكأنه لم يقل شيئًا.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
باران: لا شيء... هيا بنا نصعد،
أنت أمامك يوم عمل طويل، ولا أريد أن تتأخر، أما أحلام زوجة عمي وابنتها، فدعهما لهما.
ضحك مراد وهو يربت على كتف أخيه.
مراد: صدقت، وما شأننا نحن بما يخططان له أو يتمنّيانه؟.
استدار الشقيقان وصعدا الدرج نحو شقتهما.
أما دنيز...
فقد بقيت واقفة في مكانها،
كانت لا تزال تخفض رأسها أمام الجميع، متظاهرةً بالخجل والحياء، غير أن أذنيها لم تفوّتا همسات باران ومراد، ورغم أنهما تحدثا بصوتٍ خافت، فقد التقطت بعض الكلمات، ولا سيما تلك العبارة التي قالها باران عن "العريس" و"ما يُحاك له".
تسلل القلق إلى قلبها، وشعرت بوخزةٍ باردة في صدرها.
"هل فهم باران شيئًا؟"،
"أم أنه يشك فيما أفكر به؟"،
كانت تعلم أن باران يقرأ الناس بسرعة، وأنه يملك حدسًا لا يخطئ كثيرًا.
ولأول مرة، شعرت أن وجوده قد يصبح العقبة الأكبر أمام الأحلام التي نسجتها طويلًا في خيالها.
راقبت الشقيقين حتى اختفيا خلف باب شقتهما، ثم عقدت أصابعها في توتر، وهمست لنفسها:
دنيز: لا... لن أسمح لأحد أن يفسد ما رسمته في قلبي.
لكنها، رغم محاولتها طمأنة نفسها، لم تستطع أن تتخلص من ذلك الشعور الغامض الذي استقر في أعماقها...
شعورٍ يخبرها أن الأيام القادمة قد تحمل ما لم تكن تتوقعه، وأن أول من قد يقف في وجه خططها ليس مراد... بل أخوه باران، الذي بدأت عيناه تلتقطان ما يحاول الآخرون إخفاءه خلف الأقنعة والابتسامات.
ما إن صعد عزّت خلف ولديه، بعد أن ودّع أخاه إبراهيم وتبادل معه كلمات الصباح المعتادة، حتى عاد الهدوء يخيّم على الطابق من جديد.
فتح إبراهيم باب شقته، ودخل وهو يردد الأذكار بصوتٍ خافت، ثم ألقى السلام على أفراد أسرته، قبل أن يتجه إلى غرفته ليبدل ثيابه استعدادًا ليوم عمل جديد.
أما صفية، فقد همّت بالدخول إلى المطبخ كعادتها، وهي تستعرض في ذهنها ما ستعدّه لزوجها من إفطار، غير أن يدًا أمسكت بمعصمها فجأة، التفتت باستغراب.
كانت دنيز.
بدت ملامحها متوترة على غير عادتها، وعيناها تجولان في أرجاء المنزل وكأنها تخشى أن يسمعها أحد.
لم تمهل والدتها فرصة للسؤال، بل سحبتها بخفة نحو غرفتها، ثم أغلقت الباب خلفهما بإحكام.
انعقد حاجبا صفية في دهشة، وقالت وهي تنظر إلى ابنتها باستغراب:
صفية: ما بكِ يا دنيز؟.
ثم أشارت بيدها نحو الخارج وأضافت بنبرة مستعجلة:
صفية: دعيني أُحضّر الإفطار، فوالدك لن يلبث أن يخرج إلى عمله، ولا أحب أن ينتظرني.
لكن دنيز لم تبدُ وكأنها سمعت شيئًا من ذلك.
كانت تقف في منتصف الغرفة، تضم يديها إلى صدرها، وقد ارتسم القلق واضحًا على وجهها.
رفعت رأسها نحو أمها وقالت بصوتٍ خفيض:
دنيز: أمي... هل رأيتِ باران قبل قليل؟.
عقدت صفية حاجبيها وهي تحاول أن تتذكر.
صفية: رأيته... ولكن لمَ؟.
دنيز: وهل سمعتِ ما قاله؟.
هزّت صفية رأسها نافية.
صفية: لا... لم ألتفت إلى حديثه،
كنت منشغلة بالكلام مع عزّت.
اقتربت دنيز خطوة، ثم قالت بصوتٍ يملؤه الاضطراب:
دنيز: أما أنا فقد انتبهت لكل كلمة.
ساد الصمت لحظة، قبل أن تضيف وهي تعض شفتها السفلى:
دنيز: أشعر... وكأنه فهم شيئًا.
رفعت صفية حاجبها باستغراب.
صفية: فهم ماذا؟.
أخفضت دنيز صوتها أكثر، وكأن الجدران قد تنقل أسرارها.
دنيز: ما نخطط له...
اتسعت عينا صفية قليلًا، لكنها بقيت صامتة.
أما دنيز، فتابعت حديثها وهي تعود لتذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا.
دنيز: سمعته حين همس لمراد... لقد قال إن العريس أمامهم لكنه لا يعلم ما يُحاك له...
توقفت، ثم رفعت رأسها نحو أمها.
دنيز: كان يقصدنا، أنا متأكدة من ذلك.
زفرت ببطء، ثم همست:
دنيز: باران ليس ساذجًا... بل على العكس، إنه يلاحظ ما لا ينتبه إليه غيره، وأخشى أنه بدأ يشك في أمري.
توقفت أمام النافذة، وأسندت كفها إلى إطارها، بينما أخذت تنظر إلى الخارج بشرود.
ثم قالت في سرها:
"إن وقف باران ضدي... فلن أستطيع الاقتراب من مراد أبدًا."
"يكفي أن يزرع في قلب أخيه كلمة واحدة، فيبتعد عني إلى الأبد."
أما صفية، فقد ظلت تنظر إلى ابنتها بهدوء، ثم اقتربت منها وربتت على كتفها في محاولة لطمأنتها.
صفية: لا تسترسلي في هذه الهواجس.
التفتت إليها دنيز بسرعة.
لكن صفية أكملت بثقة:
صفية: لقد حدثتني عائشة منذ أيام.
قالت إن باران من المتوقع أن يحصل على منحة دراسية، وربما يسافر إلى الخارج ليستكمل دراسته أو يتلقى تدريبًا في تخصصه.
ارتسمت الدهشة على وجه دنيز.
دنيز: حقًا؟.
ابتسمت صفية ابتسامة خفيفة، وقالت وهي تخفض صوتها:
صفية: بل وأكثر من ذلك... كلما جلست مع عائشة، كنت أؤكد لها أن سفر باران سيكون في مصلحته.
أقول لها إنه شاب طموح، وإن الخبرة التي سيكتسبها في الخارج ستفتح أمامه أبوابًا واسعة، وستجعله يعود بمنصبٍ أفضل ومستقبلٍ أكبر.
ثم ابتسمت ابتسامةً ذات مغزى.
صفية: وكل مرة أردد لها الكلام نفسه... حتى أصبح السفر بالنسبة إليها فكرةً تستحق التشجيع.
ساد الصمت بينهما للحظات.
كانت كلمات صفية تتسلل إلى قلب دنيز كالماء البارد بعد طول عطش.
شعرت بشيء من الارتياح، لكنها لم تزل متوجسة.
قالت بصوتٍ متردد:
دنيز: وإذا لم يسافر؟، وإذا بقي هنا؟، ماذا لو أفسد كل شيء؟.
وضعت صفية يديها على كتفي ابنتها، ثم نظرت مباشرةً في عينيها وقالت بثبات:
صفية: لا تشغلي نفسك بما لم يحدث بعد، إن سافر... خلا لك الطريق، وإن بقي... فسنتصرف حينها.
ثم ابتسمت ابتسامةً حاولت أن تبث بها الطمأنينة في نفس ابنتها.
صفية: أما أنتِ، فأظهري أفضل ما لديك، كوني رزينة، مؤدبة، قريبة من العائلة، ولا تتعجلي شيئًا،
فبعض الأمنيات لا تتحقق بالقوة، بل بالصبر.
تنفست دنيز بعمق، وقد بدأت ملامحها تستعيد شيئًا من هدوئها، لكن في أعماقها، ظل شعورٌ غامض يلح عليها.
كانت تدرك أن مراد لم ينظر إليها يومًا إلا بوصفها ابنة عمه، وأن الطريق إلى قلبه ليس ممهدًا كما تتمنى.
أما باران...
فقد أصبح في نظرها خصمًا صامتًا، لا لأنه أعلن حربًا عليها، بل لأنها شعرت، بحدسها، أن بصيرته قد تسبق خطواتها، وأنه قادر على كشف ما تحاول إخفاءه خلف ابتساماتها الهادئة.
تبادلت الأم وابنتها نظرةً طويلة،
ابتسمتا في ظاهر الأمر، وكأنهما قد اتفقتا على ما ستفعلانه في الأيام القادمة.
غير أن خلف تلك الابتسامة، كانت تُنسج خيوطٌ جديدة من الترقب والحذر، في انتظار ما ستكشفه الأيام، وما إذا كانت الأقدار ستسير وفق ما تتمنيان... أم سيكون لها رأي آخر.
اقتربت صفية من ابنتها وقد لاحظت أن بريق الأمل عاد يلمع في عينيها بعد أن خفَّ عنها شيء من القلق، فابتسمت ابتسامةً ذات مغزى، وربتت على كتفها برفق، ثم قالت بصوتٍ هادئ يخفي وراءه كثيرًا من التدبير:
صفية: هيا يا دنيز... لا تجعلي الوقت يضيع هباءً.
رفعت دنيز رأسها إليها متسائلة، فأردفت صفية:
صفية: لقد أعددتُ منذ الفجر بعض الفطائر الطازجة، تعالي وضعيها في طبقٍ جميل، وزينيه كما تعودتِ، ثم اصعدي به إلى بيت عمك.
توقفت لحظة، ثم نظرت إليها نظرةً ذات دلالة، وقالت:
صفية: ولا تنسي أن تخبريهم أنكِ أنتِ من أعددتها بيديك، حتى يروا حسن صنيعك وإتقانك لفنون الطهي، فالمرأة تُعرف في بيتها قبل أن تُعرف بجمالها.
أشرقت ملامح دنيز، وانفرجت أساريرها حتى بدا الفرح واضحًا على وجهها، وكأن والدتها قد فتحت أمامها بابًا جديدًا تتسلل منه نحو الحلم الذي طالما راودها.
قالت في سرها وهي تكاد تبتسم دون شعور:
"لعلها تكون الفرصة التي طال انتظارها... لعل مراد هذه المرة ينظر إليّ بعينٍ مختلفة، لا بعين ابن العم الذي اعتاد رؤيتي منذ الصغر."
راحت تتخيل للحظات أنه سيبتسم لها وهو يتذوق ما صنعته يداها، أو يثني على مهارتها، وربما... يلتفت إليها أخيرًا بتلك النظرة التي رسمتها في خيالها مئات المرات.
أما صفية، فكانت تراقب تغير ملامح ابنتها بصمت، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، كانت تعلم أن قلب دنيز يسبق عقلها، لذلك أرادت أن تمنحها ما يبقي الأمل حيًا في نفسها، ولو كان ذلك عبر طبقٍ من الفطائر.
سارتا معًا نحو المطبخ، ففتحت صفية الفرن، لتفوح رائحة الزبدة والخبز الساخن في أرجاء المكان. تناولت دنيز الفطائر بعناية، ورتبتها في طبقٍ دائري، ثم زينتها بأغصانٍ صغيرة من البقدونس وبعض شرائح الزيتون والليمون، حتى بدا الطبق شهيًّا يسرّ الناظرين قبل المتذوقين.
ابتسمت صفية وهي تتأمل ما صنعته ابنتها، وقالت بإعجاب:
صفية: أحسنتِ... هكذا يكون الترتيب، فالاهتمام بالتفاصيل هو أول ما يلفت الأنظار.
ذهبت دينيز بسرعة لغرفتها، أبدلت فستانعا بآخر بلون زاهي، ووضعت بعض مساحيق التجميل على وجهها، وسرحت شعرها، ألقت نظرة على نفسها ثم تثرت بعض العطرةعلى نفسها خرجت، ثم إتجهت للمطبخ حملت الطبق بكلتا يديها، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما أخذ قلبها يخفق بقوة.
"اللهم... اجعلها بداية خير."
ألقت والدتها نظرة عليها مشيرة بعلامة الرضا على مظهرها، ثم خرجت من المطبخ بخطواتٍ هادئة، متجهة نحو شقة عمها، تحمل بين يديها طبق الفطائر... وتحمل في قلبها أمنيةً أكبر بكثير من ذلك الطبق؛ أمنية أن يلتفت إليها مراد يومًا بعين المحب، لا بعين الأخ الذي لم ير فيها، حتى الآن، سوى ابنة عمه التي نشأت معه تحت سقف العائلة.
قبل أن تبزغ الشمس تمامًا، كانت الشقة تغرق في سكونٍ لا يقطعه سوى وقع خطواتٍ هادئة وصوت أدوات المطبخ الخافت.
كان باران ومراد قد صعدا إلى شقتهما يتبعهما والدهما عزّت، وقد بدا على كل واحدٍ منهم انشغاله بما ينتظره في يومه. لم يتبادلوا سوى كلماتٍ مقتضبة، ثم افترق كلٌّ منهم إلى غرفته يستعدان للخروج.
أما عائشة، فقد كانت قد سبقتهم جميعًا إلى المطبخ، تتحرك بخفةٍ اعتادت عليها منذ سنوات، تُعدّ الإفطار قبل أن تستيقظ الصغيرة ملك، فهي تعلم أن حفيدتها ما إن تستيقظ حتى تتشبث بثوبها وتمنعها من إتمام أي عمل، فتتحول دقائق المطبخ إلى ساعاتٍ من اللهو والضحكات.
كانت رائحة الخبز المحمص تمتزج برائحة الشاي، بينما كانت ترتب الأطباق بعنايةٍ على المائدة، تحرص كعادتها أن يبدأ يوم أسرتها في دفءٍ وطمأنينة،
بعد دقائق، اكتمل الجميع حول المائدة.
جلس عزّت في مكانه المعتاد يتصفح بعض الأوراق، بينما تناول مراد كوب الشاي على عجل وهو يراجع في ذهنه جدول أعماله، أما باران فكان صامتًا على غير عادته، يعبث بالشوكة بين أصابعه، وعيناه شاردتان في أفكارٍ لا يعلمها سواه.
وقبل أن تبدأ الأسرة بالإفطار، دوّى رنين الجرس في أنحاء الشقة.
رفعت عائشة رأسها، ثم قالت وهي تمسح يديها بالمئزر:
عائشة: يبدو أن أحدهم جاء مبكرًا.
اتجهت نحو الباب، وما إن فتحته حتى فوجئت بدنيز تقف أمامها، ترتدي ثوبًا أنيقًا وملامحه مزينة بالمساحيق، وتحمل بين يديها طبقًا كبيرًا غطته بمنشفةٍ مطرزة، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة حاولت أن تبدو عفوية.
ابتسمت دنيز وقالت بلطفٍ مصطنع:
دنيز: صباح الخير يا زوجة عمي.
بادلتها عائشة الابتسام، وإن لم يغب عنها ذلك اللمعان الغريب في عيني الفتاة.
عائشة: صباح النور يا ابنتي... كيف حالك؟.
دنيز: بخير، الحمد لله.
ثم رفعت الطبق قليلًا وقالت بنبرةٍ يملؤها الزهو:
دنيز: أعددتُ بعض الفطائر هذا الصباح، وقلت في نفسي: لماذا لا يتذوقها عمي وعائلته وهي ما تزال ساخنة؟، ألححت على أمي حتى تسمح لي بإحضارها لكم.
ابتسمت عائشة بمحبة، فلم تكن ممن يردّون ضيفًا، وقالت وهي تفسح لها الطريق:
صفية: أهلًا بكِ يا ابنتي... تفضلي، بل ستفطرين معنا.
لم تنتظر دنيز دعوةً ثانية، دخلت بخطواتٍ هادئة، إلا أن قلبها كان يخفق بقوة، لم تأتِ من أجل الفطائر، ولم تكن رائحة طعام الإفطار هي ما قادها إلى هذا المنزل... لقد جاءت من أجل شخصٍ واحد.
مراد...
ومنذ أن وطئت قدماها قاعة الطعام، كانت عيناها تبحثان عنه،
وما إن التقت عيناهما للحظة، حتى تبدلت ملامح باران فجأة.
انعقد حاجباه في ضيقٍ واضح، وزفر بصمت.
"إذن... لهذا السبب أصرت صفية على إرسالها، ما أشد إصرارها!".
أدار وجهه إلى الناحية الأخرى محاولًا ألا يمنحها حتى نظرةً إضافية، بينما كان يعلم جيدًا أن وجودها لم يكن مصادفة.
أما مراد، فلم يرفع رأسه إلا لحظةً قصيرة، ثم عاد يكمل طعامه وكأن دخولها لا يعنيه في شيء.
بينما رحّب بها عزّت بصوته الوقور:
عزت: تعالي يا دنيز، اجلسي معنا.
أشرقت أساريرها سريعًا.
دنيز: شكرًا يا عمي.
جلست إلى جوار عائشة، في المقعد المقابل لمراد، ثم وضعت الطبق على الطاولة ونزعت الغطاء عنه، فانتشرت رائحة الفطائر الساخنة في المكان.
قالت وهي تنظر مباشرةً إلى مراد:
دنيز: هذه بالجبن... أعرف أنك تحبها كثيرًا.
رفع مراد رأسه إليها لأول مرة، ثم ابتسم ابتسامةً مهذبة لا أكثر.
مراد: شكرًا لكِ يا دنيز... سلمت يداكِ.
تناول واحدة، وقضم منها قطعة صغيرة.
ساد الصمت للحظات.
أما دنيز، فلم تكن تنظر إلى الفطائر...
كانت تحدق في وجه مراد، تنتظر كلمة.
أي كلمة...
مدحًا...
إعجابًا...
ابتسامةً أطول...
شيئًا يؤكد لها أن تعبها لم يذهب هباءً.
ابتلع مراد اللقمة، ثم قال ببساطة:
مراد: طيبة... شكرًا.
وانشغل بإكمال إفطاره.
تلاشت الابتسامة عن شفتيها شيئًا فشيئًا.
"أهذا كل شيء؟"،
"حتى كلمة جميلة لم يقلها..."،
شعرت بخيبةٍ صغيرة تسللت إلى صدرها، لكنها سارعت إلى إخفائها.
لاحظت عائشة أن باران لم يمد يده نحو الطبق، فقالت بحنان الأم:
عائشة: باران... خذ واحدة يا بني، ما تزال ساخنة.
رفع رأسه إليها، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة حتى لا يحرج والدته، وقال بهدوء:
باران: سامحيني يا أمي... معدتي لا تحتمل الأطعمة الدسمة في الصباح، تعلمون أنني أفضل إفطارًا صحيًا غنيًا بالبروتينات والألياف، أما المعجنات فتجعلني أشعر بالغثيان منذ الصباح.
ساد صمتٌ قصير.
أما دنيز، فقد شعرت وكأن كلماته لم تكن موجهة إلى الجميع...
بل إليها وحدها.
"إذن... حتى فطائري لم يرد أن يتذوقها."
قبضت على أطراف ثوبها تحت الطاولة، بينما ارتسمت في عينيها لمعة امتعاضٍ لم تستطع إخفاءها،
وراحت ترمقه بنظرةٍ يختلط فيها الغضب بالمهانة.
"تتكبر كثيرًا يا باران... لكنني لن أستسلم."
حولت بصرها سريعًا نحو مراد، علّه يخفف عنها شيئًا من تلك المرارة.
لكن مراد كان قد أنهى إفطاره بالفعل.
وقف من مكانه، وقال بأدب:
مراد: أستأذنكم.
اتجه إلى المغسلة، غسل يديه، ثم نظف أسنانه، وعاد يحمل حقيبته.
وقف أمام والده قائلًا:
مراد: سأغادر الآن يا أبي.
رفع عزّت رأسه إليه.
عزت: مبكرًا اليوم؟.
أجاب مراد وهو يعدل ياقة قميصه:
مراد: نعم، لدي عمل كثير، المدير كلّفني بإعداد الجدول المالي للمشروعات الجديدة، ويجب أن أكون في الشركة قبل الجميع حتى أراجع الأرقام وأجهز التقارير قبل اجتماع المساء.
أومأ عزّت برضا.
عزت: وفقك الله يا بني.
ابتسم مراد ابتسامةً خفيفة.
مراد: في أمان الله.
ثم التفت إلى عائشة يقبّل رأسها، وألقى السلام على الجميع، وغادر دون أن ينتبه حتى إلى النظرات التي كانت تلاحقه من خلفه.
تابعته دنيز بعينيها حتى أغلق الباب.
وشعرت، لسببٍ لم تفهمه، أن خروجه ترك فراغًا كبيرًا في المكان.
أما باران...
فمنذ اللحظة التي جلست فيها دنيز إلى المائدة، كان قد حسم أمره.
نهض بهدوء، ودفع كرسيه إلى الخلف.
التفتت إليه عائشة باستغراب.
عائشة: مازلت لم تُكمل إفطارك؟.
ابتسم ابتسامةً باهتة حتى لا يثير الشكوك، وقال:
باران: أعتذر منكِ اليوم يا أمي، لدي موعد مع بعض زملائي في الكلية، سنحظر آخر بمناقشات المخصصة لنهاية هذا الأسبوع، كما أنني سألتقي ببعض الاصدقاء، والاستعداد لحفل نهاية العام الذي ستُسلَّم فيه شهادات التخرج وشهادات التفوق.
نظرت إليه والدته بعينٍ خبيرة.
كانت تعلم أن حديثه صحيح...
لكنها شعرت أيضًا أنه يتعجل المغادرة أكثر من المعتاد.
أما دنيز، فقد فهمت السبب جيدًا.
"إنه يهرب مني..."
كانت تلك الحقيقة أكثر إيلامًا من أي كلمةٍ يمكن أن يقولها.
نهض باران، قبّل رأس والده ووالدته، ثم غادر بخطواتٍ ثابتة، غير ملتفتٍ إلى تلك العينين اللتين ظلتا تراقبان الباب طويلًا بعد أن أُغلق.
ساد الصمت في أرجاء المائدة.
جلست دنيز تحدق في الفطائر التي أعدّتها والدتها بيديها قبل ساعات، وقد فقدت حرارتها شيئًا فشيئًا... تمامًا كما أخذ الأمل يخبو في قلبها.
لكنها، رغم الانكسار الذي شعرت به، لم تكن من النوع الذي يستسلم بسهولة.
خفضت رأسها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خافتة لا يعلم سرها أحد، وهمست في أعماقها:
"قد ترفضني اليوم يا مراد... لكن الأيام طويلة، وسأجعلك يومًا تنظر إليّ بالطريقة التي أتمنى."
بينما كانت عائشة تراقبها من طرف عينها، شعرت بشيءٍ من القلق يتسلل إلى قلبها، فقد أدركت أن وراء تلك الابتسامة الهادئة إصرارًا قد يقود إلى أحداثٍ لا تُحمد عقباها.