رواية الاعصار الفصل السابع والعشرون 27 بقلم محمد منصور
"راح فين؟! انطقي!"
دي كانت صرخة مالك وهو واقف قدام المربية، والغضب مولع في عينيه.
كان هو وفاروق جوة الشقة التمليك اللي اشتراها مخصوص علشان يربي فيها هاشم بعيد عن عيون الناس، لكن دلوقتي الشقة كلها كانت ساكتة بشكل مخيف... وهاشم اختفى.
المربية كانت مرعوبة، وإيديها بتترعش وهي بترد:
يا أستاذ مالك، والله العظيم ما أعرف! أنا كنت نايمة وقت ما خرج، وما كانش في بالي إن طفل في سنه يقدر ينزل ويخرج لوحده في عز الليل كده.
ضرب مالك كفه في الحيطة بعصبية وقال:
بس أنا محذرك منه ألف مرة! وقولتلك إنه محتاج رعاية خاصة، وإن حالته النفسية مش مستقرة! إزاي تسيبيه من غير ما تاخدي بالك منه؟
المربية نزلت عينيها للأرض من الخوف، لكن فاروق تدخل بسرعة:
مالك... اهدى شوية. هي هتعمل إيه يعني؟ برضو لازم تنام. دي مش غلطتها لوحدها.
لفّ مالك ناحيته بعصبية شديدة وقال:
لأ... عندك حق.
وسكت لحظة، ثم ضحك ضحكة كلها مرارة.
دي مش غلطتها... دي غلطتي أنا.
بص حواليه في الشقة وكأن كل ركن فيها بيحاكمه.
غلطتي إني خرجته من الفيلا وجبته هنا... بعيد عني. افتكرت إني بحميه، لكن الظاهر إني كنت بزقه بإيديا للهروب.
فاروق:
مالك، بلاش تفكر بالطريقة دي. اهدى، وأنا هعمل كل اتصالاتي. هنقلب الدنيا عليه لحد ما نلاقيه.
رفع مالك عينيه لفاروق، وكانت مليانة خوف لأول مرة. وقال
هتوصله إزاي يا فاروق؟
وسكت ثانية قبل ما يكمل بصوت متكسر:
اللي بيضيع مرة... ممكن يرجع.
لكن هاشم؟
هاشم ضاع كتير قبل كده...
وكل مرة كان بيرجع وهو مكسور أكتر من اللي قبلها.
نزل مالك على أقرب كرسي وكأنه فقد كل قوته، وحط إيده على راسه وقال بصوت أقرب للهمس:
خلاص...
هاشم ضاع والمرة دي مش هيرجع،،
الإعصار
تأليف
محمد منصور
**منص**
وقبل ما نبدأ، نوحد الله ونصلي على خير خلق الله سيدنا محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تحل بها العقد، وتفرج بها الكرب، وتقضي بها الحوائج.
ونروح لشارع فاضي وبارد، كان هاشم قاعد فيه على الرصيف، ضامم رجليه لصدره وملفوف على نفسه من شدة البرد.
لا معاه فلوس يشتري بيها لقمة يسكت بيها جوعه، ولا معاه غطا يحميه من السقعة اللي كانت بتنهش في جسمه الصغير.
حياة صعبة أوي على طفل اتولد وفي بقه معلقة دهب، عمره ما عرف يعني إيه ينام جعان أو يبات في الشارع.
لكن اللي زاد الطين بلة، إن وهو قاعد لوحده، ظهر قدامه راجل كبير في السن، ملامحه كلها خشونة وخطر، ومعاه شابين شبهه كأنهم نسخة منه.
الراجل وقف قصاده وقال بصوت خشن ومخيف من كتر السجاير والمخدرات:
مين اللي اداك الإذن ترقد على الرصيف بتاعي؟
اتنفض هاشم من الرعب وبص له باستغراب وقال:
الرصيف... بتاعك؟
في ثانية واحدة، انقض عربي عليه ومسَك هدومه بعنف ورفعه من مكانه.
إيه يا يلا ! محدش علمك إنك لما تكلم كبير المنطقة تكلمه وإنت واقف على رجليك؟ ولا تحب أقطعهم لك؟
اتسعت عيون هاشم من الخوف، وحاول يفلت من إيده لكنه ما قدرش.
قرب عربي وشه منه وقال بنبرة كلها تهديد:
ولو مستغرب إن الرصيف ده بتاعي، أحب أعرفك يا شاطر إن مفيش رصيف في مصر إلا وليه صاحب.
وبعدين رمقه بنظرة شك وقال:
عايز تتسول؟ قول وأنا أدلك على الطريق الصح وأحميك. إنما تيجي من نفسك وتقعد هنا؟ لا... كده تزعلني منك ومن اللي باعتك.
هاشم كان تايه ومش فاهم حاجة من اللي الراجل بيقوله. وقال
أنا مش فاهم إنت عايز إيه! أنا تعبت من المشي وقولت أقعد أرتاح شوية بس.
ضحك عربي ضحكة ساخرة وهو بيهز راسه.
ترتاح؟!
وبص في ساعته الوهمية وقال:
بقالك أكتر من تلات ساعات هنا. هو حد قالك إني مختوم على قفايا؟
بدأ الخوف يتحول لذعر حقيقي جوة هاشم. وقال
طيب خلاص... سيبني وأنا همشي من هنا.
فضل عربي يبص له كام ثانية كأنه بيقرر يعمل فيه إيه، وبعدها زقه بعيد عنه وقال:
غور من هنا...
ثم أشار له بإصبعه وأضاف بصوت مرعب:
ولو شفت وشك في المنطقة دي تاني... ساعتها مش هتمشي على رجليك.
أول ما إيد عربي سابته...
ما استناش هاشم ثانية واحدة.
لف وجري بكل قوته.
جري وهو مش باصص وراه...
جري وكأن الموت نفسه بيطارده...
أما عربي، ففضل واقف يتابعه بعينيه، قبل ما يطلع سيجارة ويقول للشابين اللي معاه:
الواد ده مش طبيعي...
حاسس إن وراه حكاية كبيرة هدومة نظيفة وريحتة حلوة شكله ابن ناس لية قاعد علي الرصيف ،،،،،،
ويتغير المشهد ونروح ل اوضة نوم مالك اللي كان قاعد قصاد حنان وبيقول
هاشم ضاع يا حنان...
بصّت له وسكتت كام ثانية، وبعدها قامت وقربت منه، وخدته في حضنها وهي بتحاول تهوّن عليه. لكن مالك كان منهار، وقال بصوت مكسور وهو بين إيديها:
ليه يهرب مني؟ ليه يسيبني ويمشي؟! أنا عملت له إيه وحش؟! أنا حبيته أوي... وكنت بعتبره ابني بجد.
تنهدت حنان بضيق وقالت ببرود
وعايز إيه من عيل ابن حرام؟
في لحظة، مالك خرج من حضنها بسرعة كأنه اتلسع، وبصلها بصدمة واضحة في عينيها وقال
إيه يا حنان اللي إنتِ بتقوليه ده؟!
حنان:
إيه؟ زعلان إني قلت الحقيقة؟
مالك:
ليه بقيتي قاسية على الواد بالشكل ده؟! كل ما ييجي اسمه تتكلمي عنه كأنه عدوك!
ابتسمت حنان ابتسامة غامضة، فيها حاجة مخيفة، وقالت:
مش أنا لوحدي اللي قاسية عليه يا مالك...
وسكتت. نظراتها كانت مليانة أسرار، وكأنها عارفة حاجة خطيرة ومخبياها
مالك فضل باصص لها وهو مش فاهم تقصد إيه، لكن قلبه بدأ يدق بعنف... وكأن كلامها خبّى وراه حقيقة ممكن تقلب كل حاجة رأسًا على عقب. وقال مالك تاني
تقصدي إيه بكلامك ده يا حنان؟
لكن حنان برضو ما ردتش...
واكتفت بنظرة طويلة زادت شكوك مالك، وخوفه، وخَلّت أسوأ الاحتمالات تبدأ تدور في دماغه... دون ما يعرف إن اللي جاي أخطر بكتير مما يتخيل وقامت حنان وكانت بتستعد للخروج من الأوضة، لكن مالك لحقها ومسَك إيدها بسرعة. وقال
رايحة فين؟
وقفت حنان وبصت له بهدوء غريب وقالت:
هروح أعمل الأكل... ولا إحنا مش هناكل النهارده؟
هز مالك راسه بعصبية وقال:
مش وقت أكل دلوقتي! فهميني قصدك إيه بالكلام اللي قولتيه.
رفعت حنان حاجبها وقالت:
مصمم تعرف يعني؟
مالك:
إيه السؤال ده؟! طبعًا مصمم.
سحبت حنان إيدها من بين صوابعه، ومشت ناحية الدولاب بخطوات ثابتة. فتحت أحد الأرفف، ومدّت إيدها تحت كومة هدوم، وطلعت موبايل قديم.
رجعت وحطته قدام مالك على الترابيزة.
أول ما عينه وقعت على الموبايل، وشه اتغير في ثانية.
اتجمد مكانه...
واللون هرب من وشه.
كان عارف الموبايل ده كويس... وعارف إن ظهوره دلوقتي معناه كارثة.
بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز:
جبتي الموبايل ده منين؟! ومن إمتى وإنتِ بتفتشي في هدومي؟
ضحكت حنان بسخرية مريرة وقالت:
أنا ما كنتش بفتش يا مالك... كنت برتب الدولاب. ولما لقيت الموبايل استغربت، والغريبة انه من غير باسورد وفتحته وشوفت اللي ماكنش ينفع اشوفه
وسكتت لحظة وهي بتراقب ملامح مالك اللي بدأت تنهار قدامها. وقالت
وعرفت الحقيقة... الحقيقة اللي كنت مخبيها عن الكل.
ضرب قلب مالك بعنف، وحاول يتكلم، لكن الكلمات خانته.
كملت حنان وهي بتبص له مباشرة:
عرفت إنك إنت اللي كنت بتبعت الصور والرسائل لهاشم.
اتسعت عيون مالك فجأة.
وكأن الأرض اتسحبت من تحت رجليه.
لأول مرة، ما لقىش كذبة يستخبى وراها...
ولا مبرر ينقذه. الحقيقة وصلت لحنان كاملة. وفي لحظة واحدة، انهارت كل الحكايات اللي كان بيحكيها عن حبه لهاشم، واتكسرت كل الأقنعة اللي لبسها سنين.
فضل ساكت...
مصدوم...
بينما كانت حنان واقفة قدامه، وعينيها مليانة خيبة وغضب، وكأنها لأول مرة بتشوف الشخص الحقيقي اللي كان مستخبي خلف صورة الأب الحنون.
لأن أكتر واحد كان يقول إنه بيحبه... هو نفسه اللي كان بيعذبه ،،،،،،،،،
