رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل التاسع والعشرون29 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل التاسع والعشرون29 بقلم عاشقة القلم

...مرَّ أسبوع كامل، وديلان لم تغادر شقتها إلا للضرورة، لم تعد تهبط إلى شقة والدي زوجها كما اعتادت من قبل، وكأنها اختارت أن تنسحب بهدوء من كل شيء يحيط بها، مكتفيةً بجدران شقتها التي صارت ملاذها الوحيد.

كانت تقضي ساعاتها بين غرفتها والصالة، تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء حتى لا تترك لعقلها فرصة ليستعيد الكلمات القاسية التي قالها لها مراد سابقا، أو يتساءل إلى متى سيستمر هذا الجفاء الذي يحيط بها من كل جانب.

وفي الجهة الأخرى، كانت دنيز تراقب كل شيء.

منذ أن عجزت عن الاقتراب من مراد بشكل مباشر، حيث بدأت تتحين لحظة خروجه من المنزل، كانت تتعمد الخروج من شقة والديها في الوقت نفسه تقريبًا، كانت تخرج بحجة كل يوم بشكل ، مرة بسبب انها تريد إطعام القطط أو بحجة أخرى، ثم تلتقي مراد امام الباب شقتهم وكأن الأمر محض صدفة.

لكنها لم تكن تعلم أن هناك من سبقها بخطوة.

ففي مساء ذلك اليوم الذي لم تعد ديلان تنزل  لمساعدة عائشة، جلس باران إلى جوار والدته، وكان حديثهما قد انحرف نحو ديلان.

قال باران بهدوء:

باران: أمي... كيف هي زوجة اخي، اقصد احوالكم معها وكذلك مع أخي، هل يتفاهمان جيدا؟، اعلم انه لم يخترها هو، واخي عصبي قليلا فهل امورهما جيدة؟.

تنهدت عائشة، وقد ارتسم الحزن على ملامحها.

 عائشة: لا أعلم يا بني... منذ زواجها وهي تحاول أن تتحمل الكثير بصمت، ديلان فتاة طيبة جدًا، وربما أكثر مما ينبغي.

نظر إليها باران باهتمام.

باران: ماذا تقصدين يا أمي؟.

ابتسمت عائشة بحنان، ثم قالت:

عائشة: منذ ان دخلت بيتنا، لم أشعر بها يومًا كزوجة لابني فقط، كنت أشعر وكأن الله أرسل إليَّ ابنة لم أنجبها، فهي مؤدبة، هادئة، تحفظ لسانها، ولا تحمل في قلبها حقدًا على أحد، حتى عندما تُظلم، تحاول أن تجد للآخرين عذرًا.

صمت باران لحظة، ثم سأل:

باران: ودنيز كيف احوالها معها، اقصد كيف اصبحتا مقربتين من بعضهما البعض؟.

تغيرت ملامح عائشة قليلًا.

عائشة: دنيز!!؟...

باران: نعم، هل كانت قريبة من زوجة أخي من قبل زواجها به او بعده؟.

هزت عائشة رأسها.

عائشة: لا!!... لا اظن انها كانت لهما معرفة مسبقة، لان ديلان كانت تعمل مدرسة بالمدرسة القرآنية، الموجود بالقرب من مسجد الحي، لكن كانت تحاول التقرب منها في الآونة الأخيرة، وديلان بطبيعتها إحتماعية، او ربما شعرت بالوحدة بعد أن ابعدها عنها مراد وابعدها عن اي احد وعن عملها، فوجدت في دنيز شخصًا تتحدث إليه وتأنس له في نفس سنها تقريبا نع ان دنيز تكبرها بأكثر من ست سنوات.

انخفض بصر باران، وبدأت بعض التفاصيل التي كان قد لاحظها سابقًا تتجمع في ذهنه.

محاولات دنيز المستمرة للظهور أمام مراد... اهتمامها المبالغ فيه به... وطريقتها في التظاهر بأن كل لقاء بينهما مجرد مصادفة.

قال ببطء:

باران: أمي... هل تعتقدين أن دنيز تفعل ذلك بدافع الصداقة؟.

نظرت إليه عائشة باستغراب.

عائشة: ماذا تقصد؟.

تنهد باران.

باران: لدي شعور بأنها لا تتقرب من ديلان حبًا فيها، وإنما لأنها رأت في ديلان شيئا ليس عندها، وكما قلت ان ديلان أصغر منها فاشغر انها ربما تغار منها او شيء آخر.

اتسعت عينا عائشة قليلًا، فقالت عائشة بحزم:

عائشة: ولما تقول ذلك، لكنني لا اعلم ما يدور بينهما لانني لا اريد ان اتدخل، ولكن إن كنت متأكد من ذلك، وديلان من طيبة قلبها، قد لا تنتبه إلى هذا الأمر.

عندها قال باران.

باران: لا اعلم يا أمي فانت تعلمين كل شيء ديلان، أخلاقها وطباعها، كما لايخفى عليك إن كانت نية دنيز في التقرب منها صداقة فقط او شيء آخر.

صمت لحظة، ثم هتف داخل نفسه:

باران: وإذا كانت دنيز فعلًا تحمل هذه النية... فلن أسمح لها بأن تقترب من ديلان أكثر، وتحاول ان تخرب حياة اخي بدس بعض الافكار برأسها.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ باران يضع خطته بصمت.

لم يكن يريد مواجهة دنيز، ولا كشف شكوكه أمام أي أحد، كل ما أراده هو أن يمنعها من الوصول إلى مراد حتى تتضح له نواياها.

وفي صباح اليوم التالي، خرج مراد من المنزل متجهًا إلى عمله، وما إن فتح الباب حتى وجد باران يقف بالاسفل امام باب شقة والديه.

التفت إليه باستغراب.

مراد: إلى أين أنت ذاهب؟.

أجابه باران ببساطة:

باران: سأبحث عن عمل، فقد اتصلت ببعض الشركات، ولدي بعض المقابلات اليوم.

نظر إليه مراد لثوانٍ، ثم قال:

مراد: حسنًا؛ موفق إن شاء الله.

خرج الاثنان معًا.

وما إن وصلا إلى أسفل الدرج حتى ظهرت دنيز من الجهة المقابلة، تحمل صحن في يدها وتتظاهر بأنها كانت في طريقها للنزول للأسفل لإطعام بعض القطط.

ابتسمت فور رؤيتها لمراد.

دنيز: صباح الخير.

لكن قبل أن تتمكن من الاقتراب، تقدم باران وتحدث مع أخيه عن أمر عابر، ثم رافقه حتى السيارة.

وفي اليوم التالي تكرر الأمر.

واليوم الذي بعده أيضًا.

وفي كل مرة كانت دنيز تظهر في التوقيت نفسه، كان باران حاضرًا.

مرةً يرافق مراد إلى الشركة، ومرةً يطلب منه أن يوصله إلى مكان ما، ومرةً يتعمد البقاء معه لدقائق قبل انطلاقه.

وبمرور الأيام، أدركت دنيز أن الأمر لم يعد مصادفة.

وقفت ذات صباح خلف نافذة شقتها، تراقب باران وهو يخرج برفقة مراد، وقد اشتعل الغيظ في صدرها.

تمتمت:

دنيز: هذا مستحيل...

ضمت ذراعيها إلى صدرها، وراحت تفكر.

دنيز: منذ ان عاد وهو يفعل ذلك؟!.

ثم لمعت في عينيها نظرة حادة،

"إذن لقد فهم باران"، همست به لنفسها.

فهم أنها تحاول الاقتراب من مراد، وربما فهم أكثر مما ينبغي.

ضغطت على شفتيها بغيظ، ثم تمتمت:

دنيز: لن أستطيع الوصول إلى مراد بهذه الطريقة.

وبعد لحظات من التفكير، ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة.

دنيز: لكن ديلان... أستطيع الوصول إليها، ويجب ان آخذ منها تلك الرسالة.

كانت الرسالة هي مفتاح كل شيء.

رسالة باران التي أخفتها ديلان عن مراد، والتي كانت دنيز تعلم أنها موجودة، إذا استطاعت أن تعرف مكانها، أو تنتزع من ديلان اعترافًا عنها، فقد تجد الطريقة التي تستخدمها لإيقاعها في مشكلة جديدة.

لم تتأخر دنيز في تنفيذ خطتها،

وفي المساء، وقفت أمام باب شقة ديلان.

رفعت يدها، وترددت لحظة قبل أن تطرق الباب.

طرقت طرقات خفيفة.

وبعد لحظات، فُتح الباب، وظهرت ديلان أمامها.

تفاجأت برؤيتها.

ديلان: دنيز؟.

ابتسمت دنيز ابتسامة ودودة مصطنعة.

دنيز: هل أزعجتك؟.

ترددت ديلان، ثم تنحت جانبًا.

ديلان: لا... تفضلي.

دخلت دنيز، وألقت نظرة سريعة على المكان قبل أن تجلس.

أما ديلان، فجلست قبالتها وهي لا تعلم أن تلك الزيارة لم تكن زيارة صديقة قلقة عليها، وإنما بداية جولة جديدة من الحرب.

قالت دنيز بنبرة ناعمة:

دنيز: اشتقت إليكِ... منذ أيام لم أرك، لكنني جئت لاعاتبك لم تفكري ان تسألي عني.

ابتسمت ديلان ابتسامة خافتة.

ديلان: آسفة يا دنيز كنت متعبة قليلًا، وأردت أن أبقى وحدي.

مالت دنيز نحوها وقالت:

دنيز: أفهمكِ... لكنكِ لا يجب أن تبقي وحدكِ دائمًا، أحيانًا الإنسان يحتاج إلى شخص يتحدث إليه.

خفضت ديلان عينيها.

ديلان: ربما.

راقبتها دنيز طويلًا، ثم قالت:

دنيز: هل حدث شيء بينك وبين مراد؟.

تجمدت ملامح ديلان للحظة.

أما دنيز فتابعت سريعًا:

دنيز: لا أقصد التدخل، لكنني أشعر أنكِ لستِ بخير.

أجابت ديلان بهدوء:

ديلان: لا شيء يستحق الحديث عنه، انت تعلمين طباع إبن عمك.

ابتسمت دنيز، لكنها في داخلها كانت تغلي.

كانت تعرف أن عليها أن تكون أكثر صبرًا، وان لا تظهر لديلان إصرارها على الرسالة حتى لاتشك بها، ارادت ان تبني جسور الثقة بينهما ثم تفاتحها في موضوع الرسالة.

فقالت:

دنيز: كما تشائين... أنا فقط أريد مساعدتكِ.

ثم غيرت الموضوع، وبدأت تتحدث معها عن أمور مختلفة، تضحك تارةً، وتظهر تعاطفها تارةً أخرى، بينما كان عقلها يعمل في اتجاه واحد فقط.

أين تخبئ ديلان الرسالة؟

وهل يمكنها أن تجعلها تتحدث عنها دون أن تشعر بأنها وقعت في الفخ؟.

كانت دنيز قد خسرت الطريق إلى مراد...

لكنها لم تكن مستعدة لخسارة الطريق إلى ديلان.

لأنها كانت تؤمن أن أسرار الناس هي أقصر الطرق إلى إسقاطهم.

ولم تكن تعلم أن ديلان، رغم طيبتها، لم تعد تلك الفتاة التي يمكن خداعها بسهولة كما في السابق... وأن اقتراب دنيز منها قد يكون هو الخطأ الذي سيقودها في النهاية إلى كشف حقيقتها بنفسها.


مرَّ أسبوع كامل على عودة باران من الغربة...

أسبوع اختارت فيه ديلان أن تبتعد عن كل ما يمكن أن يقرّبها منه، فبقيت في شقتها، لا تنزل إلى منزل العائلة إلا للضرورة، ولا تسمح لنفسها بأن تبحث عن ذريعة تلتقي به.

كانت تعلم أن وجوده في البيت سيجعل مقاومتها أصعب، وأن مجرد رؤيته قد يوقظ في قلبها مشاعر دفنتها طويلًا تحت طبقات من الصمت والخوف والحرمان.

لذلك اختارت البعد.

كانت تساعد عائشة في السابق في أعمال المنزل، لكن منذ عودة باران، آثرت أن تبقى في شقتها، مكتفية بأن تطمئن عليها من بعيد، حتى لا تجد نفسها أمامه في موقف لا تعرف كيف ستخرج منه بقلب سليم.

لكن في صباح اليوم الثامن، تبدّل كل شيء.

كانت ديلان قد إستيقظت باكرا، وبعد ان صلت فرضها ودعت ربعا جلست تتلو وردها، ثم بعد ان اشرقت الشمس قامت لتحهز طعام الافطار لزوجها، حين سمعت طرقًا خفيفا على الباب، إستغربت الأمر ومن يطرق بابهم صباحا، ثم سمعت الطرق مرة أخرى، وما إن فتحته حتى وجدت إحدى ملك تقف أمامها وملامح القلق تملأ وجهها.

قالت ملك بسرعة:

ملك: خالتي ديلان، جدتي مريضة بعد الشيء وتناديكي.

تجمّدت ديلان للحظة.

ديلان: ماذا؟ هل هي بخير؟.

ملك: لا اعلم يا خالتي، فهي لم تستطع الوقوف وشعرت بدوار وطلبت مني ان اصعد واناديكي.

لم تنتظر ديلان بقية الحديث،

ارتدت عباءتها وحجابها ثم وضعت بسرعة، وضعت نقابها، ثم خرجت.

نزلت الدرج بسرعة ودخلت منزل عائشة الذي تركت ملك الباب لها مفتوحا، كان قلبها يخفق بقوة.

لم تكن تخاف على عائشة فحسب...

بل كانت تخاف من نفسها.

وحين دخلت المنزل، كان أول ما رأته عائشة مستلقية على الأريكة، وقد بدت عليها علامات الإرهاق.

اقتربت منها ديلان وجلست بجوارها.

ديلان: أمي عائشة... كيف حالك الآن؟.

ابتسمت عائشة ابتسامة متعبة، ومدّت يدها تمسك يد ديلان.

عائشة: أنا بخير يا ابنتي، لا تقلقي، يبدو أنني نسيت نفسي قليلًا مع فرحتي بعودة باران، واظن ان ظغطي قد إرتفع قليلا.

تنفست ديلان بارتياح، ثم قالت بنبرة عتاب ممزوجة بالحنان:

ديلان: بل نسيتِ نفسك كثيرًا. كم مرة قلت لكِ أن تنتبهي لطعامك؟ ضغط الدم ليس أمرًا هينًا، اين الآلة لأقيس لك ضغطك.

ضحكت عائشة بخفة.

عائشة: منذ متى أصبحتِ طبيبتي؟.

ديلان: منذ أن قررتِ أن تهملي صحتك.

ابتسمت عائشة، ثم ضمت يد ديلان بين كفيها.

عائشة: اشتقت إليكِ يا ابنتي، فبعد ان بقيتي بشقتك اصبح البيت فارغا كما ترين لولا ملك التي تصفي على البيت بعض المرح، سكتت ثم قالت لها: 

عائشة: آلة الضغط بغرفة الجلوس فوق الطاولة بجانب الأدوية.

توقفت ديلان لحظة، كلمة واحدة فقط...

لكنها اخترقت شيئًا في داخلها.

كلمة "اشتقت إليكِ."

وكأن عائشة لا تعلم كم كانت ديلان هي الأخرى تشتاق إلى هذا البيت، وإلى تلك المرأة التي منحتها من الحنان ما افتقدته طويلًا.

ابتسمت خلف نقابها، ثم قالت:

ديلان: وأنا أيضًا اشتقت إليكِ.

لكنها لم تقل ما كان يختبئ خلف تلك الكلمات...

اشتقت إلى البيت، نعم.

واشتقت إلى عائشة.

لكنها كانت تحاول بكل ما أوتيت من قوة ألا تشتاق إلى شخص آخر في هذا البيت.

دخلت ديلان للغرفة وجلبت الآلة وقاست ضغطها، كان مرتفعا قليلا.

ديلان: سأحظر لك شاي النعناع ليخفظ ظغطك قليلا، لكن الان تعالي معي لتستريحي في غرفتك، ولن اتركك لوحدك بعد اليوم.

عائشة: لكنك ستتعبين يا إبنتي، ولن تبقي على راحتك.

ديلان: راحتك من راحتي يا امي، ام تريدين ان تمرضي.

إبتسمت عائشة وربتت على كفها بحنان اموي، فكم تعلم هي طيبة ديلان، وسعة صدرها رفعت عينيها وقالت.

عائشة: ادعوا لك الله ان يسعدك ويفرح قلبك وقلبنا ونرى احفادنا، ويكونون سندا لكما حين تكبرا.

رفعت ديلان عينيها وكادت دمعة ساخنة ان تنفلت من عينيها فتفضحها، لكنها تداركت نفسها وقالت.

ديلان: إن شاء الله يا أمي، كل شيء باوانه ولحكمته.

ردت عائشة : والنعمة بالله، لكن انا ووالده نطوق لرؤية احفادنا تملئ  البيت علينا وإن شاء الله سيحقق لنا امنيتنا.

ردت ديلان فورا..

ديلان : إن شاء الله.

ثم تركتها تدخل لغرفتها وعادت هي لتكمل باقي الأعمال وتحظر طعام الإفطار.

دخلت المطبخ، وبدأت إعداد الإفطار كما كانت تفعل سابقًا.

كانت تتحرك بهدوء بين الأواني، تقطع الخبز، وتعد الشاي، وتجهز الطعام، بينما قلبها يردد دعاءً لا ينقطع:

"اللهم سلّم قلبي..."

"اللهم لا تجعل في قلبي ما يغضبك..."

"اللهم اصرف عني كل شعور لا يرضيك، ولا تجعلني أضعف أمام ما حرّمت..."

كانت تعرف أن الإنسان قد يقع أحيانًا قبل أن تتحرك قدماه.

قد يقع في شعور نابع من قلبه،

في فكرة عابرة،

في نظرة يطيلها دون قصد،

في حنين لا ينبغي له أن يكون،

ولهذا كانت تخاف من قلبها أكثر مما تخاف من أي شيء آخر.

بعد أن غادر الجميع إلى أعمالهم، بقيت ديلان وحدها تقريبًا، فعادت إلى أعمال المنزل.

تنظيف...

ترتيب...

إعداد الغداء...

كانت تقوم بكل ذلك وهي ترتدي حجابها ونقابها، متحملة مشقة العمل بهما، لا لأنها لا تستطيع أن ترتاح، بل لأنها كانت حريصة على حدودها، حتى داخل هذا البيت.

 وبينما كانت تحمل بعض الأطباق من المطبخ إلى غرفة الطعام، سمعت صوت خطوات خلفها،

توقفت يدها.

توقفت أنفاسها معها.

لم تكن بحاجة إلى أن تلتفت لتعرف صاحب الخطوات.

كان باران.

علمت ذلك من رائحة عطره النفاذة.

أغمضت عينيها للحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وقالت في داخلها:

"يا رب... لا تفضح ضعفي أمامي، فكيف أمامه؟".

مرّ باران من أمامها، ثم توقف للحظة.

قال بهدوء:

باران: زوجة أخي؟.

خفضت عينيها، وأجابته باقتضاب:

ديلان: نعم؟.

نظر إليها للحظات، وكأنه لم يرها منذ زمن، رغم أن أسبوعًا واحدًا فقط قد مر.

باران: كيف حالك؟.

ديلان: بخير والحمد لله.

صمت قليلًا، ثم قال:

باران: ومنذ اتيت تحسنت قليلا، اظنها أشتاقت لك لذلك مرضت.

ديلان: الحمد لله، أصبحت أفضل الان.

هز رأسه، ثم قال:

باران: شكرًا لأنك عدتِ لمساعدتها.

ارتبكت ديلان من كلماته أكثر مما ينبغي.

فأجابته:

ديلان: هي ليست بحاجة إلى الشكر... إنها أمي.

توقفت الكلمة على لسانها لحظة.

أمي.

ابتسم باران ابتسامة صغيرة.

باران: أعلم ذلك، فهي أيضا تحبك وتعتبرك كإبنة لها.

ثم مضى.

وبقيت ديلان واقفة مكانها، تحدق في الفراغ.

لم يكن قد قال شيئًا.

لم يفعل شيئًا.

لم تكن هناك حتى نظرة طويلة.

ومع ذلك، شعرت وكأن قلبها خاض معركة كاملة في تلك الثواني القليلة.

وضعت يدها على صدرها وهمست:

ديلان: يا رب...

ثم عادت إلى عملها، وكأنها تهرب من نفسها.

مرّ يومان آخران، واستعادت عائشة عافيتها شيئًا فشيئًا.

وفي صباح اليوم الثالث، جلست مع ديلان في الصالة، ثم قالت لها بنبرة حازمة:

عائشة: ديلان، كفى.

نظرت إليها ديلان باستغراب.

ديلان: ماذا؟.

عائشة: أنتِ تأتين كل صباح، تعملين طوال اليوم، ثم تعودين إلى شقتك متعبة، أنا بخير الآن.

ابتسمت ديلان.

ديلان الحمد لله أنك بخير، لكنني سأبقى أساعدك كما كنت أفعل.

تنهدت عائشة.

عائشة: يا ابنتي، أنتِ تعملين وأنتِ بهذا الحجاب والنقاب، والمطبخ حار، وأعمال المنزل كثيرة... هذا يتعبك.

ديلان: لا يهمني التعب.

عائشة: بل يهمني أنا.

ثم أمسكت يدها وقالت:

عائشة: عودي إلى شقتك، واهتمي بنفسك، فإني ارى التعب ظاعر عليك، سأطلب من عزت ان يجلب لي خادمة تساعدني في بعض الاعمال لبعض الوقت.

هزت ديلان رأسها برفض.

ديلان: لا أريد ذلك فلست متعبة، وكيف تطلبين خادمة وانا موجودة، ألست إبنتك، ومن واجب البنت ان تعتني بوالديها، لماذا تريدين ان تحرمينني من هذا الاجر الكبير.

عائشة:ولكن لماذا ما دمنا قادرين على جلب خادمة للبيت؟، وانت من واجبك الاهتمام ببيتك وزوجك؟ فما الذي يجبرك على فعل ذلك؟.

ابتسمت ديلان بهدوء.

ديلان: لا اخد يجبرني على ذلك، كما أنني اعتدت أن أكون معكِ، ثم إنني لا أريد أن أترككِ وحدكِ بعد ما حدث.

نظرت إليها عائشة بحنان، ثم قالت:

عائشة: أنتِ عنيدة.

ضحكت ديلان بخفة.

ديلان: تعلمت ذلك منكِ، حسنا لن انزل باكرا ، بعد ذهاب مراد للعمل سانزل لأساعدك في اعمال البيت وتخظير الغذاء، إتفقنا.

ردت عليها عائشة بأبتسامة.

عائشة: حسنا إتفقنا.

ضحكت عائشة، ثم احتضنتها.

وفي تلك اللحظة، شعرت ديلان بأن صدرها ضاق من شدة المشاعر.

كانت تتمنى لو أن حياتها أبسط...

لو أنها تستطيع أن تحب من تشاء دون أن تخاف.

لو أن قلبها لا يعرف إلا الطريق الذي اختاره عقلها.

لكنها تعلم أن بعض الطرق، مهما كان القلب راغبًا فيها، ليست له.

وحين عادت إلى شقتها مساءً، أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، ثم أغمضت عينيها.

لم تبكِ.

لم تكن بحاجة إلى البكاء.

كانت بحاجة إلى الله.

رفعت يديها وقالت بصوت خافت مرتجف:

ديلان: اللهم يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على طاعتك... اللهم إن كان في قلبي شيء لا يرضيك فانتزعه مني برحمتك، وإن كان هذا الشعور فتنةً لي فاصرفه عني، واصرفني عنه، لا تجعلني أقترب من حرام، لا بفعل ولا بنظر ولا حتى بفكرة أسترسل فيها.

سكتت لحظة، ثم سالت دمعة وحيدة على خدها.

ديلان: يا رب... أنت تعلم أنني لا أريد أن أعصيك، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

ثم مسحت دمعتها، ورفعت رأسها نحو السماء.

كانت تعرف أن المعركة الحقيقية لم تكن مع باران...

بل كانت مع قلبها،

وقلبها كان أكثر ما تخشاه،


مرّت عدة أيام أخرى...

وخلالها أصبحت ديلان تتفنن في اختيار الأوقات التي تضمن لها ألا تصادف باران.

لم تكن تريد الهروب منه بقدر ما كانت تحاول الهروب من قلبها.

ففي كل صباح، كانت تتعمد أن تتأخر في النزول إلى منزل عائشة، حتى يخرج الجميع، وخصوصًا باران، الذي أصبح يخرج باكرًا كل يوم بحثًا عن عمل، بعدما بدأ يسعى للحصول على وظيفة تناسب دراسته وخبرته.

كانت تنتظر حتى تسمع حركة الباب في الأسفل، ثم تنتظر دقائق أخرى، وحين تتأكد أن البيت قد خلا منه، تنزل بهدوء لتساعد عائشة في إعداد الطعام الغذاء وترتيب المنزل.

كان ذلك أسهل عليها.

أن لا تراه...

أن لا تسمع صوته...

أن لا تلتقي عيناها بعينيه ولو مصادفة.

لكن في ذلك الصباح تحديدًا، لم تسر الأمور كما خططت لها.

استيقظت متأخرة قليلًا، وحين انتهت من إعداد نفسها، خرجت من شقتها واتجهت نحو منزل عائشة.

كانت خطواتها هادئة، ويدها امتدت نحو الباب لتطرقه...

لكن قبل أن تلامسه، فُتح الباب من الداخل.

وتوقفت ديلان مكانها.

خرج باران.

كان قريبًا منها إلى درجة أربكت أنفاسها.

لم تكن مستعدة لرؤيته بهذا القرب، ولم تمنح نفسها حتى فرصة لتستعد لوجوده أمامها.

تسارعت نبضات قلبها، وشعرت للحظة بأن قدميها فقدتا قدرتهما على الحركة.

أما هو، فتوقف أمامها لحظة، ثم قال ببساطة وكأنه لم يلحظ اضطرابها:

باران: صباح الخير يا زوجة أخي.

خفضت ديلان عينيها سريعًا.

ديلان: ص... صباح الخير.

لم تستطع أن تمنع ارتجاف صوتها، فشعرت بالحرج من نفسها، وتمنت لو أنه لم يلاحظ ذلك.

لكن باران لم يعلق.

تقدم نحو الدرج، وبدأ بالنزول، بينما بقيت ديلان واقفة عند الباب، تراقب خطواته دون أن تقصد.

ثم توقف فجأة.

التفت إليها، وقال:

باران: زوجة أخي...

انتفض قلبها عند سماع تلك الكلمات، لكنها سرعان ما تداركت نفسها.

قال وهو يبتسم:

باران: ادعي لي يا زوجة أخي، لدي الآن مقابلة عمل في شركة كبيرة، إدعي لي أن أُقبل بهذه الوظيفة، المنصب مهم، والشركة من أكبر الشركات في البلاد.

رفعت ديلان عينيها للحظة، ثم قالت بنبرة حاولت أن تجعلها ثابتة:

ديلان: بالطبع، لا تقلق، اهتم أنت بشؤونك، وأنا سأدخل لأهتم بالبيت.

تنفس باران براحة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

باران: حسنًا، إذن سأذهب.


ابتسمت ديلان خلف نقابها، وقالت بصدق:

ديلان: وفقك الله، وإن شاء الله تكون الوظيفة من نصيبك.

أومأ برأسه، ثم تابع نزوله وهو يقول:

باران: إن شاء الله... يا زوجة أخي.

اختفى صوته تدريجيًا مع ابتعاده عن الدرج.

أما ديلان فبقيت للحظات تحدق في المكان الذي غاب فيه، ثم أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا.

كانت تكره تلك اللحظات التي ينجح فيها باران، دون أن يفعل شيئًا، في زعزعة كل الحواجز التي بنتها حول قلبها.

لم يقل سوى بضع كلمات.

لم يفعل سوى أن طلب منها دعوة صادقة.

ومع ذلك، وجدت نفسها تدعو له من أعماق قلبها:

"اللهم وفّقه إن كان في ذلك خير له... واكتب له ما يسعده، واصرف عن قلبي ما لا يرضيك."

ثم مسحت على صدرها، وهمست:

ديلان: يكفي يا ديلان...

وأسرعت بالدخول إلى المنزل، قبل أن تسمح لقلبها بأن يتمادى في شيءٍ تعلم جيدًا أنه لا ينبغي له أن يكون.

 بينما رفعت ديلان عينيها نحو الباب الذي خرج منه باران قبل دقائق.

كان قد رحل...

لكن أثر لقائه بها بقي عالقًا في قلبها.

فأخفضت عينيها سريعًا، وعادت تداعب الصغيرة، التي كانت تجلس بجوار جدتها، محاولةً أن تقنع نفسها أن الأمر لم يكن سوى لقاء عابر...

لقاء عابر لا أكثر.


عاد باران إلى المنزل وقت الغداء، وكانت العائلة قد بدأت تستعد للجلوس حول المائدة. وما إن دخل إلى الصالة حتى ظهرت على وجهه ابتسامة واسعة لم تستطع ملامحه إخفاءها، ثم صاح من بعيد، وكأن خبرًا عظيمًا يحمله بين يديه:

باران: لقد قُبلت في الوظيفة!، ومن بداية الأسبوع المقبل سأبدأ عملي.

ساد الصمت لثانية واحدة، قبل أن تنفجر الصالة بالتهاني.

ابتسم عزت بفخر، وربّت على كتف ابنه قائلًا:

عزت: مبارك يا بني، كنت أعلم أنك ستنالها.

أما عائشة فبدت الفرحة في عينيها، وقالت وهي تقترب منه:

عائشة: الحمد لله! كنت أدعو الله منذ أخبرتني عن المقابلة أن يكتبها لك إن كانت خيرًا لك.

ابتسم باران، وشكر الجميع، ثم جلس معهم حول مائدة الطعام.

كانت الأجواء مفعمة بالفرح، والحديث يدور حول وظيفته الجديدة، وعن الشركة والمنصب الذي حصل عليه، حتى بدا باران في تلك اللحظات وكأنه عاد طفلًا إلى بيته، يستمتع بفخر والديه به.

لكن عائشة، وكعادتها، لم تترك الفرحة تمر دون أن تضيف إليها أمنية أخرى كانت تختبئ في قلبها منذ زمن.

وضعت ملعقتها جانبًا، ونظرت إلى ابنها بحنان، ثم قالت:

عائشة: بما أنك ستبدأ عملك الجديد بمنصب مهم وراتب جيد، فلم يعد ينقصك شيء... إلا الزوجة.

توقفت يد باران في منتصف الطريق.

وتبدلت ملامحه في لحظة.

قبل ثوانٍ كان يضحك، أما الآن فقد اختفت ابتسامته تمامًا، وحل العبوس مكانها.

تابعت عائشة بابتسامة:

عائشة: أظن أنه آن الأوان فعلًا لأن تفكر في الزواج يا بني.

خفض باران عينيه إلى طبقه، ثم قال ببرود واضح:

باران: أنا لا أفكر في الزواج الآن يا أمي.

رفع عزت رأسه، ونظر إلى ابنه باستغراب.

عزت: ولماذا يا بني؟،

ثم أردف بنبرة هادئة، لكنها تحمل منطق الأب الذي يرى أن كل الظروف أصبحت مهيأة:

عزت: لقد أنهيت دراستك، وستشغل منصبًا مهمًا في شركة كبيرة، وسيكون لك راتب جيد تستطيع به أن تتزوج وتؤسس أسرة، والشقة موجودة، تلك التي فوق شقة أخيك، أنت مهندس، ويمكنك أن تجهزها وتهيئها كما تريد، وأنا سأساعدك في ذلك، كما فعلت مع أخيك، فما المانع؟.

ساد الصمت.

لم يجب باران.

كان يحدق في الطعام أمامه، لكن ذهنه كان بعيدًا تمامًا عن المائدة.

ثم وضع ملعقته بهدوء، وقال:

باران: الحمد لله... شبعت.

نظرت إليه عائشة بدهشة.

عائشة: إلى أين يا بني؟ لم تكمل طعامك.

نهض باران من مكانه، وقال دون أن ينظر إليها:

باران: لقد شبعت يا أمي.

راقبه مراد للحظات، ثم قال:

مراد: ما بك يا أخي؟،

توقف باران لحظة.

فأضاف مراد بنبرة هادئة:

مراد: من حق والديك أن يفرحا بك، وهما لا يريدان منك سوى أن يروك سعيدًا، وأن يكون لك بيت وأسرة، لا أظن أن كلامهما يستحق كل هذا الضيق.

لم يجب باران.

اكتفى بأن تحرك نحو غرفته، تاركًا خلفه مائدةً كانت قبل دقائق تعج بالفرح، فإذا بالصمت يخيّم عليها.

تابع مراد أخاه بعينيه حتى اختفى خلف باب غرفته، ثم التفت إلى والديه وقال مطمئنًا:

مراد: لا تقلقا.

تنهدت عائشة بقلق.

عائشة: لكنني لا أفهم ما الذي أصابه فجأة.

ابتسم مراد ابتسامة صغيرة وقال:

مراد: سأتحدث معه أنا، أنتما تعلمان أننا قريبان من بعضنا، وأكيد سيخبرني بما يدور في رأسه، لا تقلقا.

ثم أردف بثقة:

مراد: باران شخص رزين، ولا أظنه رفض الزواج دون سبب، لا بد أن في ذهنه أمرًا ما، لكنه سيخبرني به بالتأكيد.

هز عزت رأسه، بينما ظلت عائشة صامتة، وكأنها تحاول أن تستوعب تغير ابنها المفاجئ.

أما ديلان...

فكانت طوال ذلك الحوار جالسة في مكانها، ساكنة تمامًا.

كانت تسمع كل كلمة.

لكنها لم تسمح لملامحها بأن تفضح شيئًا، رغم ان نقابها مان يحجبها.

لم تكن فكرة زواج باران قد خطرت في بالها أصلًا، ربما كانت تعرف بعقلها أنه سيأتي يوم ويتزوج فيه، فهذا أمر طبيعي، بل ومتوقع، لكنها لم تكن مستعدة لأن تسمع الأمر بهذه الطريقة،

زوجة،

الكلمة وحدها كانت كافية لأن تشعر بشيء حاد يغرس نفسه في صدرها، وكأن سكينًا باردة اخترقت قلبها فجأة.

لماذا يؤلمها الأمر إلى هذا الحد؟،

أليس باران مجرد أخ لزوجها؟،

أليس عليها أن تفرح له كما فرح الجميع؟،

أليس من الطبيعي أن يتزوج ويبدأ حياته؟،

كانت الأسئلة تتدافع داخل رأسها، بينما كانت تحاول أن تحبس كل ما يعتمل في صدرها،

خفضت رأسها بسرعة، وحين لمحت ملك بالقرب منها، مدت يدها إليها واحتضنتها.

قالت الصغيرة:

ملك: خالتي ديلان، هل خالي باران سيتزوج؟.

ارتبكت ديلان، ثم رسمت ابتسامة صغيرة على وجهها، من خلف نقابها.

ديلان: لا أعلم يا صغيرتي.

ملك: هل ستكون زوجته مثلك.

ضحكت ديلان بخفة، وراحت تمسح على شعرها، على تفكيرها الطفولي.

ديلان: أنالا اعلم، هيا... أخبريني، هل شبعتِ؟.

هزت ملك رأسها.

ملك: نعم.

بدأت ديلان تتحدث معها عن أشياء صغيرة لا أهمية لها، فقط لتشغل نفسها عن ذلك الألم الذي أخذ يتسع في صدرها، كانت تحاول أن تبدو طبيعية،

أن تأكل،

أن تبتسم،

أن تجيب من يسألها،

لكنها في الداخل كانت ترتجف،

لم تكن تغار...

هكذا أقنعت نفسها،

بل كانت تخاف فقط من أن تخسر شيئًا لم يكن لها من الأساس.

وهنا كانت الحقيقة الأكثر إيلامًا،

أن القلب أحيانًا يتعلق بما لا يحق له، ثم يعاقب صاحبه على تعلقه،

رفعت ديلان عينيها للحظة نحو الممر المؤدي إلى غرفته، ثم أسرعت بخفضهما.

وقالت في سرها:

"اللهم لا تجعل في قلبي ما لا يرضيك... إن كان هذا الشعور فتنةً لي، فانزعه مني برحمتك، ولا تجعلني أتعلق بما ليس لي."

ثم ضمت ملك إلى صدرها أكثر، وكأنها تستمد من دفء الصغيرة قوةً تخفي بها ارتجاف قلبها.

أما في غرفة باران...

فكان باران يقف خلف باب غرفته، واضعًا يده على مقبضه، وعيناه غارقتان في شرود عميق.

لم يكن غضبه من حديث والديه عن الزواج هو ما أثقله وحده...

بل السبب الذي جعله يرفض الفكرة بهذه السرعة، والذي لم يستطع حتى الآن أن يعترف به لأحد.

حتى لنفسه.


في المساء، وبعد أن فرغت ديلان من أعمال المنزل التي اعتادت أن تؤديها إلى جانب عائشة، صعدت إلى شقتها بخطوات هادئة تخفي خلفها اضطرابًا لا يهدأ.

دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم بقيت للحظات واقفة في مكانها، كأنها تحاول أن تترك كل ما حدث خارج الغرفة. لكنها لم تستطع.

اتجهت إلى السرير وجلست على طرفه، وأسندت يديها إلى حجرها، ثم راحت تحدق أمامها بشرود.

كانت كلمات عائشة على مائدة الغداء لا تزال تتردد في رأسها...

باران سيتزوج.

أغمضت عينيها، وشعرت بوخزة حادة تعبر قلبها.

لم تكن تعرف لماذا آلمتها تلك الكلمة إلى هذا الحد، مع أنها لم تكن تملك حق الاعتراض، ولا حتى حق الحزن. باران لم يعد ذلك الشاب الذي عرفته ذات يوم، وهي أيضًا أصبحت زوجة لرجل آخر، وكل واحد منهما مضى في طريق رسمه القدر له.

همست لنفسها بحزن:

ديلان: وما عساي أن أفعل؟ ألم أتزوج أنا أيضًا؟ أليس من حقه أن يتزوج ويعيش حياته كما اختارها؟

حاولت إقناع قلبها بأن الأمر طبيعي، وأن عليها أن تفرح له كما يفرح أي شخص لعودة قريب عزيز واستقراره في حياته.

لكن القلب لا يفهم دائمًا ما يقوله العقل.

وبينما كانت غارقة في أفكارها، ارتجف شيء في داخلها حين تذكرت فجأة أمر الرسالة، 

تسارعت أنفاسها.

مدت يدها إلى المكان الذي أخفتها فيه، وأخرجتها بحذر،

 أخرجت الرسالة من مكانها، وبقيت تحدق فيها للحظات قبل أن تفتحها، وكأنها تخشى أن يراها أحد حتى وهي وحدها، ظلت تحدق في الورقة للحظات قبل أن تفتحها، 

راحت عيناها تتنقلان بين السطور، وقلبها يضطرب مع كل كلمة، ثم عادت تقرأ كلمات باران من جديد.

كان الماضي يعود إليها مع كل حرف، وكأن تلك الورقة الصغيرة قادرة على فتح أبواب أغلقتها بصعوبة.

 ومع كل سطر كانت عيناها تزدادان لمعانًا، حتى سقطت دمعة ساخنة على وجنتها، فمسحتها سريعًا بطرف أصابعها، لكنها لم تستطع منع دموع أخرى من الانهمار.

ضمّت الرسالة إلى صدرها لحظة، ثم همست بصوت متهدج:

ديلان: لا... لا ينبغي أن أبقى محتفظة بهذه الرسالة. يجب أن أنهي الأمر... سأمزقها.

فكلما خلَت بنفسها، عادت الأسئلة تتزاحم في رأسها.

ماذا لو اكتشف باران أمر الرسالة؟،

ماذا لو علم أنها ما تزال تحتفظ بها؟،

وماذا لو وصلت إلى يد مراد قبل أن تتمكن من إخفائها؟.

كانت ديلان تعرف أن الرسالة ليست مجرد ورقة تحمل كلمات من الماضي، بل سرٌّ قد يقلب حياتها رأسًا على عقب، ولهذا كانت تخشى أن تبقى قريبة منها أكثر مما ينبغي.

رفعت الورقة بين يديها، وحاولت أن تشدها من طرفيها.

لكن يديها توقفتا.

عجزت أصابعها عن تمزيقها.

أنزلت يديها ببطء، ونظرت إلى الرسالة وكأنها تنظر إلى جزء من ماضٍ تحاول دفنه، لكنه يرفض أن يُدفن.

تنهدت، ثم رفعت عينيها إلى السماء، وانسابت دموعها بصمت.

ديلان: يا رب... أنت وحدك تعلم ما في قلبي، وتعلم أنني لم أختر هذه الفتنة، ولم أطلب أن أقع فيها. فنجّني منها يا الله... ولا تجعلها سببًا في هدم ما بقي لي من ستر.

توقفت لحظة، ثم تابعت بصوت خافت يرتجف خوفًا:

ديلان: يا رب، استرني ولا تفضحني... لا تجعل حقيقتي تنكشف، ولا تجعل أحدًا يعرف من أكون. إن انكشف سرّي، فلن يبقى هذا البيت هادئًا كما هو الآن، وستتغير حياة الجميع...

مسحت دموعها، وأخذت نفسًا عميقًا محاولة أن تستعيد تماسكها.

وفجأة...

رنّ جرس الباب.

انتفضت ديلان في مكانها، وكأن الجرس انتشلها بعنف من عالمها الداخلي.

نظرت إلى الرسالة في يدها، ثم أسرعت إلى إخفائها داخل جيب عباءتها، وتأكدت أنها لم تعد ظاهرة.

مسحت آثار الدموع عن وجهها، وحاولت أن ترسم ملامح هادئة رغم ارتباكها.

ثم نهضت واتجهت نحو الباب بخطوات مترددة، وهي لا تزال تتساءل في داخلها:

من الذي جاء في هذا الوقت؟

مدت يدها نحو المقبض...

ثم فتحته.


كانت قد مرّت عدة أيام على زيارة دنيز الأولى لديلان، ولم تكن تلك الزيارة قد غادرت ذهن الأخيرة بعد، فكانت تعلم ان دنيز لن تهدأ ختى تعرف محتواها، لكن لم تكن تعلم بسوء نواياها اتجاهاها وانها تريد فضحها وهدم بيتها بواسطة تلك الرسالة.


وفجأة...

رنَّ جرس الباب.

انتفضت ديلان في مكانها، وكأن الصوت أعادها دفعة واحدة إلى الواقع. أسرعت إلى طي الرسالة، وأخفتها داخل جيب فستانها، ثم نهضت على عجل.

مسحت آثار الدموع عن وجهها، وحاولت أن تستعيد هدوء ملامحها قبل أن تتجه نحو الباب.

مدّت يدها إلى المقبض وفتحته...

فتوقفت للحظة حين وجدت دنيز تقف أمامها، وعلى شفتيها ابتسامة هادئة لا توحي بشيء.

قالت دنيز بلطف مصطنع:

دنيز: هل أزعجتك؟ أم جئت في وقت غير مناسب؟

أجابت ديلان بابتسامة خفيفة:

ديلان: لا، تفضلي بالدخول.

دخلت دنيز، وألقت نظرة خاطفة على أرجاء الشقة قبل أن تتجه إلى الصالة وتجلس. جلست ديلان قبالتها، وهي لا تزال تجهل أن تلك الزيارة لم تكن عابرة كما ظنت.

بدأت دنيز حديثًا عاديًا، تسألها عن حالها، وعن أيامها، وعن سبب بقائها في الشقة معظم الوقت. وكانت ديلان تجيبها باقتضاب، دون أن يخطر ببالها أن كل سؤال لم يكن سوى خطوة محسوبة في طريق هدف آخر.

فدنيز لم تأتِ لتطمئن عليها.

كانت تراقبها.

تقرأ ملامحها.

تنتظر زلة واحدة.

وتبحث عن فرصة تقودها إلى تلك الرسالة.

لاحظت دنيز شحوب وجهها، فقالت بنبرة بدت حنونة:

دنيز: ما بك يا ديلان؟ وجهك شاحب. تعالي، لنجلس قليلًا في الشرفة، ربما يفيدك الهواء. أنتِ تتعبين نفسك كثيرًا بالعمل. ألم تقل لكِ زوجة عمي أن تبقي في شقتك؟ فلماذا تصرين على إرهاق نفسك؟ دعيها تهتم بشؤونها وشؤون بيتها، وأريحي نفسك من طلباتها وطلبات ذلك المدلل.

نظرت إليها ديلان لحظة، ثم أجابتها بهدوء:

ديلان: بل أنا من أردت ذلك. لقد مرضت وارتفع ضغطها بسبب المجهود الزائد الذي تبذله، وفوق ذلك، فإن فرحة عودة ابنها من الغربة جعلتها لا تهتم حتى بطعامها كما ينبغي. كيف يمكنني أن أجلس وأتركها وحدها؟

ابتسمت دنيز ابتسامة صغيرة، ثم رافقتها إلى الشرفة.

جلستا متقابلتين، بينما كان الهواء المسائي يمر بينهما بهدوء.

صمتت دنيز لحظات، ثم قررت أن تغيّر مجرى الحديث.

رفعت عينيها إلى ديلان وقالت، وكأن السؤال خطر ببالها فجأة:

دنيز: ديلان... هل سبق أن زرتِ مراد في مقر عمله؟

رفعت ديلان عينيها إليها باستغراب.

ديلان: لا.

ثم أضافت ببساطة:

ديلان: لم أذهب إلى هناك من قبل، ولا أعرف الكثير عن طبيعة عمله.

اتسعت عينا دنيز قليلًا، ورسمت على وجهها دهشة مصطنعة.

دنيز: حقًا؟!

أومأت ديلان.

مالت دنيز نحوها قليلًا، وقالت بنبرة بدت في ظاهرها نابعة من القلق:

دنيز: أيعقل أنكِ لا تعرفين حتى أين يعمل زوجك؟ ولا تعرفين من يحيط به هناك؟ رجالًا كانوا أم نساءً؟

توقفت لحظة، ثم تابعت بنبرة أكثر خبثًا:

دنيز: ألا تخافين أن تخطف إحداهن زوجك من بين يديك، بينما أنتِ جالسة هنا، منشغلة بالطهي والتنظيف؟

ساد الصمت.

حدقت ديلان فيها للحظات، وكأنها تحاول أن تفهم إلى أين تريد أن تصل بهذا الحديث.

ثم، وعلى عكس ما توقعته دنيز، ارتسمت على شفتي ديلان ابتسامة هادئة.

ديلان: لا أظن أن مراد يمكن أن يخونني.

رمشت دنيز بدهشة.

كانت تنتظر خوفًا... ارتباكًا... سؤالًا عن النساء اللواتي يعملن مع مراد.

لكنها لم تجد شيئًا.

فقالت بسرعة:

دنيز: وماذا نسمي هذا إذن؟ غرورًا؟

اتسعت ابتسامة ديلان قليلًا.

ديلان: بل ثقة.

ثم استقامت في جلستها وقالت بثبات:

ديلان: ثقة بنفسي أولًا، وثقة بزوجي ثانيًا. أنا أعرف مراد، وأعرف أن الخيانة ليست من طباعه، ولا أظن أن امرأة أخرى تستطيع أن تغيّر ما في قلبه بهذه السهولة.

تجمدت ابتسامة دنيز للحظة.

تعرفين مراد؟

كادت أن تضحك بسخرية، لكنها تماسكت.

دنيز: يبدو أنكِ واثقة به كثيرًا.

ديلان: نعم.

كانت الإجابة مقتضبة، لكنها خرجت بثبات جعل دنيز تضغط على أصابعها في حجرها حتى لا يظهر ضيقها.

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.

حين حركت ديلان جسدها قليلًا، لمح بصر دنيز شيئًا عند طرف جيب فستانها.

ورقة.

لم ترَ منها سوى جزء صغير، لكنه كان كافيًا.

توقفت أنفاسها للحظة.

الرسالة...

حدقت فيها ثانية واحدة، ثم رفعت عينيها سريعًا إلى وجه ديلان.

لم تكن متأكدة تمامًا، لكن إحساسها أخبرها أنها وجدتها.

أخفت اضطرابها في اللحظة نفسها، وأكملت حديثها وكأنها لم تر شيئًا.

أما ديلان، فلم تنتبه إلى تلك النظرة الخاطفة.

وبعد دقائق، باغتتها دنيز بسؤال مباشر:

دنيز: وهل ما زلتِ محتفظة بالرسالة معك، ما دمتِ واثقة بمراد؟

اتسعت حدقتا ديلان.

تجمد الدم في عروقها.

كيف عرفت؟، وضعت يدها لا إراديا على جيبها تتحسس الرسالة.

لكنها تماسكت سريعًا وقالت:

ديلان: ألم أقل لكِ إنها مجرد كلمات عابرة كنت أسايركِ بها في ذلك الوقت؟

ابتسمت دنيز ابتسامة غامضة، وقد تأكدت من حدسها، عندما رأت حركة ديلان على جيب فستانها،ثم قالت بجدية:

دنيز: بل أنا متأكدة من وجود الرسالة، كما أنني متأكدة من جلوسك الآن أمامي. لكنني أريد أن أقول لكِ شيئًا واحدًا... إذا كانت الرسالة موجودة فعلًا، فعليكِ أن تخبئيها في مكان آمن. لأنه إذا عثر عليها مراد، فسنرى حينها مدى ثقته بكِ وبكلامك.

شهقت ديلان دون أن تشعر.

وفي لحظة واحدة، رسم عقلها أسوأ الاحتمالات.

تخيلت مراد وهو يمسك الرسالة بين يديه.

تخيلت نظراته إليها.

وتذكرت كلماته السابقة، وشكوكه، وطريقته في تفسير الأمور.

ماذا لو رأى الرسالة؟

ماذا لو قرأ كلماتها؟

ماذا لو تعرّف إلى خط باران؟

تسارعت أنفاسها.

يا إلهي...

لم يكن الأمر متعلقًا بها وحدها.

لو انكشف الأمر، فقد تهتز حياة الجميع، وقد يتحول الهدوء الذي تعيشه العائلة إلى كارثة لا يعرف أحد كيف تنتهي.

خفضت عينيها وهمست لنفسها:

ديلان: يا رب... ما هذه الورطة التي أوقعت نفسي فيها؟

راقبتها دنيز بصمت.

وقد أدركت من تغير ملامحها أن كلماتها أصابت الهدف.

الآن...

يجب أن تضرب الحديد وهو ساخن.

مالت نحوها وقالت بنبرة مليئة بالقلق:

دنيز: ماذا بكِ يا ديلان؟ هل تفكرين في التخلص من الرسالة؟ أليس كذلك؟

رفعت ديلان عينيها إليها.

فواصلت دنيز بسرعة، وكأنها مجروحة:

دنيز: وأنا التي اعتبرتكِ مثل أختي... فتحت لكِ قلبي، وبحت لكِ بأسراري، بينما أنتِ تخفين عني شيئًا كهذا. أخبريني، ربما أستطيع مساعدتكِ. ألسنا صديقتين؟

صمتت ديلان طويلًا.

ثم بدا وكأنها اتخذت قرارها.

ديلان: نعم، كانت لديّ رسالة... لكن ليس كما تظنين. وسأتخلص منها. سأمزقها وتنتهي المسألة.

رفعت دنيز صوتها قليلًا:

دنيز: ولماذا تتخلصين منها؟!

ثم ابتسمت وأضافت وكأنها تقدم نصيحة بريئة:

دنيز: احتفظي بها كذكرى من أيام الجامعة. ليت كانت لديّ ذكرى من حبيب قديم، لما فرطت بها أبدًا. أخبريني فقط أين تخبئينها، وسأخبركِ إن كان المكان آمنًا أم عليكِ تغييره.

ترددت ديلان لحظة، ثم قالت:

ديلان: لا... الأفضل أن أتخلص منها. هكذا سيكون الأمر أضمن.

تأملتها دنيز للحظات، ثم تظاهرت بالاستسلام.

دنيز: كما تشائين.

نهضت بعدها وقالت:

دنيز: انتظري هنا، سأذهب إلى المطبخ وأحضر لكِ قليلًا من العصير. لقد شحب وجهك فجأة.

ديلان: أجل، بقي لديّ بعض عصير الأفوكادو. أعددته لمراد، لكنه تأخر ولم يشربه.

ابتسمت دنيز.

دنيز: إذن ارتاحي، وأنا سأحضره لكِ.

ثم غادرت الشرفة.

وما إن ابتعدت خطواتها حتى وضعت ديلان يدها على جيب فستانها.

تحسست الرسالة.

ما زالت هنا.

شعرت بوخزة خوف.

لقد كانت كلمات دنيز الأخيرة كافية لتدرك أن بقاء الرسالة في هذا المكان لم يعد آمنًا.

رفعت عينيها تتفقد الشرفة، ثم همست:

ديلان: يجب أن أضعها في مكان أكثر أمانًا... قبل أن أنسى أمرها.

نهضت واتجهت نحو مجموعة من أصص النباتات الصغيرة الموضوعة في أحد الأركان.

اقتربت من أحدها، ثم رفعت أصيصًا معلقًا فوق أصيص زينة آخر، ونظرت حولها بحذر.

لم يكن هناك أحد.

أخرجت الرسالة من جيبها، وترددت للحظة قبل أن تضعها بعناية فوق أصيص الزينة، في موضع لا يظهر بسهولة.

ثم أعادت الأصيص المعلق إلى مكانه، وعدلت وضعه حتى بدا كل شيء كما كان.

ابتعدت خطوة، وتأملت المكان.

لا شيء يوحي بأن شيئًا قد تغير.

اطمأنت، فعادت إلى مقعدها وجلست تنتظر دنيز.

لكنها لم تكن تعلم...

أنها لم تكن وحدها.

فمن خلف باب الشرفة، كانت دنيز تقف في صمت، تراقبها منذ اللحظة التي نهضت فيها.

لم تحرك عينيها عنها.

رأت الرسالة.

رأت المكان.

وحفظته في ذاكرتها بدقة.

ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، ماكرة، لم تستطع منعها.

خفضت رأسها سريعًا، ثم اتجهت نحو المطبخ، متظاهرة بأنها منشغلة بإعداد العصير، بينما كان عقلها يعمل بسرعة.

وأثناء سيرها، تمتمت بصوت خافت:

دنيز: وجدتك أخيرًا...

كانت تظن أنها وصلت إلى ما تريد.

وأن ديلان، من حيث لا تدري، قد سلّمتها المفتاح الذي كانت تبحث عنه منذ وقت طويل.

أما في الشرفة، فكانت ديلان جالسة بهدوء، تنتظر كوب العصير، وقلبها لا يزال مثقلًا بالخوف من تلك الرسالة.

لم تكن تعلم أن المرأة التي غادرت لتجلب لها العصير، لم تعد تفكر في مراد وحده...

بل أصبحت تفكر في الرسالة.

وفي المكان الذي تخبئها فيه.

وفي الطريقة التي ستنتزع بها ذلك السر من بين يدي ديلان...

دون أن تترك خلفها أثرًا واحدًا يدل عليها، السر الذي سيقلب حياة ديلان رأسا على عقب

تعليقات



<>