رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس عشر15 والسادس عشر16 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس عشر15 والسادس عشر16 بقلم عاشقة القلم

ما إن انتهى باران من تناول إفطاره مع أسرته، حتى استأذن بهدوء، ثم انسحب من المائدة تاركًا خلفه نظراتٍ متباينة؛ نظرة أمٍّ تدعو له بالتوفيق، ونظرة أبٍ يراقب خطوات ولده بثقة، ونظرة دنيز التي كانت تضطرم بما لم تستطع أن تخفيه من غضبٍ وغيظ.

كان وقع خطواته الهادئة نخو غرفته يزيد من احتقانها، وكأن كل خطوةٍ يبتعد بها عنها كانت صفعةً جديدة لكبريائها.

قبضت على أطراف ثوبها أسفل الطاولة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها، بينما أخذت تحدث نفسها في صمتٍ مرير:

"كيف يستطيع أن يتجاهلني بهذا البرود؟!، لم يكتفِ برفض تذوق ما أعددته، بل كان ينظر إليّ وكأنه يقرأ كل ما أخفيه في داخلي... وكأنه يلمح لي بأن محاولاتي للتقرب من مراد باتت مكشوفة أمامه."

ثم انزلقت عيناها نحو الباب الذي اختفى خلفه، وازدادت ملامحها قسوة.

"أما مراد... فقد كان أشد إيلامًا، كلمة شكرٍ باردة ألقاها، ثم رحل وكأن وجودي وعدمه سواء، هل أصبحت غير مرئية إلى هذا الحد؟".

ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باهتة، لكنها لم تكن ابتسامة رضا، بل كانت قناعًا يخفي نارًا تشتعل في أعماقها.

أما باران، فما إن أغلق باب غرفته خلفه، حتى تنفس بعمق، كأنما تحرر من عبءٍ ثقيل.

اقترب من النافذة، وأزاح الستارة قليلًا، فداعبت أشعة الصباح وجهه، غير أن دفئها لم يكن قادرًا على تبديد ذلك الفراغ الذي يسكن قلبه.

ظل واقفًا للحظات، وعيناه معلقتان بالأفق البعيد.

ثم همس لنفسه بصوتٍ خافت:

باران: يا رب... دلّني عليها.

لم يكن يرى أمامه سوى وجه تلك الفتاة التي اقتحمت حياته دون استئذان، وأصبحت صورتها ترافقه في يقظته ومنامه،

تذكر ابتسامتها المحتشمة، وانكسار نظراتها، وصوتها الذي لم يسمعه إلا قليلًا، لكنه بقي عالقًا في ذاكرته كأنشودةٍ لا تغادر القلب.

تنهد طويلًا، ثم فتح خزانته، وأخرج ثيابه بعناية.

أثناء ارتدائه ملابسه، كان عقله يعيد ترتيب خطته لليوم.

"سأبدأ من الجامعة مرة أخرى... وإن لم أجدها فسأمر على المكتبة، ثم ذلك الشارع الذي المكان الذي طلبت رأيتها فيه آخر مرة، لا بد أن يكون هناك شخص يعرفها... لا يمكن أن تكون قد تبخرت من الوجود."

ابتسم ابتسامةً شاحبة.

"ربما أبدو مجنونًا... لكنني لا أستطيع التوقف، يكفيني أن أجد طرف خيط يقودني إليها."

ألقى نظرةً أخيرة على صورته في المرآة، ثم تناول مفاتيحه ومحفظته، وغادر الغرفة بخطواتٍ يملؤها الأمل، رغم أن قلبه كان يخشى أن ينتهي هذا اليوم كسابقيه... دون أن يعثر على أثرٍ لمن استوطنت قلبه، وسرقت راحته، وأصبحت محور كل أفكاره.

وفي الجهة الأخرى من المدينة...

كان الصباح مختلفًا في منزل كريمة.

دفءٌ عائلي بسيط، وأحاديث هادئة، وأصوات الأطفال التي تبعث الحياة في أرجاء البيت.

جلست ديلان إلى المائدة برفقة أخويها الصغيرين، بينما كانت مريم تساعد كريمة في تقديم ما تبقى من الإفطار.

ورغم الابتسامة التي كانت ترتسم على وجه ديلان بين الحين والآخر، فإن قلبها كان معلقًا بمكانٍ آخر...

بالمستشفى...

بأمها أمينة.

كانت تحاول أن تبدو مطمئنة أمام أخويها، لكنها في كل مرة تقع عيناها على مقعدٍ خالٍ، تتذكر والدتها، فيثقل قلبها بالدعاء.

قطع عبد الله ذلك الصمت اللطيف وهو ينهض من مكانه، يعدل ساعته حول معصمه، ثم قال مبتسمًا:

عبدالله: الحمد لله... كان إفطارًا طيبًا.

التفت إلى الجميع، وأردف بصوته الأبوي الدافئ:

عبدالله: أستودعكم الله، وأسأل الله أن يجعل يومكم مليئًا بالخير.

ابتسمت كريمة وقالت:

كريمة: حفظك الله، ولا تُرهق نفسك كثيرًا في العمل.

اقترب عبد الله من الأطفال وربّت على رؤوسهم واحدًا تلو الآخر، ثم نظر إلى ديلان قائلًا بلطف:

عبدالله: لا تقلقي يا ابنتي... ستكون أمك أمينة بخير بإذن الله.

ابتسمت ابتسامة امتزج فيها الرجاء بالألم.

ديلان: أسأل الله ذلك يا عمي.

أومأ برأسه، ثم غادر المنزل بعد أن ودع الجميع.

ولم تمضِ سوى دقائق حتى بدأت كريمة تستعد للخروج هي الأخرى.

ارتدت عباءتها، ثم نادت الأطفال ليحمل كل واحدٍ حقيبته.

قبل مغادرتها، التفتت إلى مريم وديلان وقالت:

كريمة: سأذهب الآن إلى المدرسة القرآنية، وبعد انتهاء دوامي نلتقي إن شاء الله في المستشفى، ثم نذهب جميعًا إلى السوق بعد أن نزور أمينة في المستشفى.

أجابت مريم بحماس:

مريم: اتفقنا، سنكون هناك في الموعد.

أما ديلان فاكتفت بابتسامةٍ هادئة وقالت:

ديلان: بإذن الله.

انحنت كريمة نحو الأطفال، ثم بدأت تساعدهم على ارتداء حقائبهم.

وفي تلك الأثناء، كانت ديلان قد جلست أمام أخويها الصغيرين.

عدلت ياقة قميص أحمد، ثم سوت خصلات شعره المبعثرة وهي تقول بحنان:

ديلان: انتبه لنفسك يا أحمد، ولا تترك يد أخيك في الطريق.

رفع أحمد رأسه إليها مبتسمًا.

أحمد: لا تقلقي يا أختي... سأعتني به.

ابتسمت وربتت على كتفه.

ثم التفتت إلى أخيه الأصغر عمر، وأصلحت حقيبته الصغيرة، وقبلت جبينه.

وفي الجهة الأخرى، كانت مريم تساعد أخاها فراس، الذي كان يكبر أحمد بعامين.

ناولته حقيبته وقالت مازحة:

مريم: أنت المسؤول عن الجميع اليوم، فلا أريد أن أسمع أنك كنت سببًا في أي شقاوة.

ابتسم فراس ضاحكًا.

فراس: بل سأكون أكثرهم هدوءًا.

ضحكت كريمة وهي تقول:

كريمة: سنرى ذلك يا سيد فراس، ثم نظرت للأطفال وقالت.

كريمة: هيا يا أبطال للمدرسة القرآنية فاليوم لدينا يوم طويل.

تعالت الضحكات في أرجاء المنزل، فشعرت ديلان بشيءٍ من السكينة يتسلل إلى قلبها.

"ما أجمل أن يكون للإنسان بيتٌ يحتضنه في لحظات ضعفه..." همست في داخلها.

"لولا هذه الأسرة الطيبة... لا أدري كيف كنت سأتحمل كل ما مررت به."

غادر الأطفال بصحبة كريمة، ولوحوا بأيديهم من الباب، بينما وقفت ديلان ومريم تردان التحية بابتساماتٍ دافئة.

وما إن أغلق الباب، حتى عاد الصمت يخيّم على المنزل.

نظرت مريم إلى ديلان، ثم قالت وهي تشمر عن ساعديها:

مريم: هيا... لننتهِ من أعمال البيت سريعًا، حتى نتفرغ لزيارة خالتي أمينة.

أومأت ديلان برأسها.

ديلان: نعم... أريد أن أصل إليها مبكرًا اليوم، أشعر أن قلبي لن يهدأ حتى أراها.

اقتربت منها مريم، وربتت على كتفها برفق.

مريم: ستتعافى بإذن الله... ثقي برحمة الله، فهو لا يخذل قلبًا تعلق به.

تنهدت ديلان، ثم ابتسمت ابتسامةً امتزج فيها الأمل بالخوف.

ديلان: نعم... يكفيني أن أراها بخير.

بعدها تقاسمتا الأعمال المنزلية في هدوءٍ وتفاهم؛ انشغلت مريم بتنظيف الغرف وترتيبها، بينما اتجهت ديلان إلى المطبخ تغسل الأواني وتعد ما يلزم لوجبة الغداء.

ورغم انشغال يديها بالعمل، كان عقلها يحلق بعيدًا.

كلما انزلقت قطرة ماء على كفيها، تذكرت دموع أمها.

وكلما سمعت دقات الساعة، ازداد شوقها للحظة التي تقف فيها إلى جوار سرير أمينة، تمسك بيدها، وتطمئن بأن الألم بدأ يغادر جسدها.

أما مريم، فكانت تراقبها بين الحين والآخر، فتقرأ في ملامحها ذلك الصراع الصامت بين الخوف والرجاء، فتتعمد أن تفتح معها أحاديث خفيفة، لعلها تنتزعها، ولو لدقائق قليلة، من دوامة القلق التي كانت تحاصر قلبها منذ دخول والدتها المستشفى.


ما إن انتهت ديلان ومريم من إنجاز الأعمال المنزلية، حتى خيّم على البيت شيءٌ من السكون، بعد ساعاتٍ امتلأت بالحركة، مسحت ديلان جبينها بطرف كمها، ثم ألقت نظرةً راضية على المكان بعد أن عاد مرتبًا كما كان، وكأنها كانت تحاول أن تمنح البيت شيئًا من الطمأنينة قبل أن تعود هي  ووالدتها إلى بيتهم.

اتجهت بعدها إلى المطبخ، وأخرجت حقيبةً صغيرة احتفظت بها منذ جاءت من بيتها، ثم راحت ترتب محتوياتها بعنايةٍ وحنان، كما لو أنها ترتب شيئًا ثمينًا.

وضعت في داخلها بعض الطعام الخفيف الذي أعدته بنفسها، بعد أن راعت وصايا الطبيبة في نوعية الغذاء، ثم أضافت بعض حبات التفاح والموز والبرتقال، ومسحتها بمنديلٍ نظيف قبل أن تصفها بعناية، ولم تنس أن تضع زجاجة ماء وبعض المناديل، ثم أغلقت الحقيبة وهي تبتسم في رضا.

همست لنفسها:

ديلان: لعل أمي تشتهي شيئًا مما أعددته... لقد اشتقت لأن أراها تأكل بيدها وهي تبتسم.

كانت أبسط الأشياء بالنسبة إليها تحمل معنىً عظيمًا، فبعد الأيام التي عاشتها وهي ترى والدتها تتألم، صار مجرد التفكير في أن تستعيد شهيتها للحياة نعمةً تستحق الشكر.

في تلك الأثناء، خرجت مريم من غرفتها وهي تحمل بين يديها ثوبًا طويلًا بلونٍ هادئ، يتناسق معه حجابٌ أبيض ناصع.

ابتسمت وهي تتقدم نحو ديلان قائلةً:

مريم: لقد وعدتك أن أهديه لك... وأظنه اليوم سيكون أجمل عليك من أي وقتٍ مضى.

تناولت ديلان الثوب بكلتا يديها، وأخذت تتأمله بصمت.

لم تكن تنظر إلى قطعة قماشٍ فحسب...

بل كانت ترى بداية مرحلةٍ جديدة من حياتها.

ارتجف قلبها قليلًا، وشعرت بشيءٍ من الهيبة، وكأنها تقف على أعتاب عهدٍ جديد بينها وبين ربها.

رفعت عينيها إلى مريم، وقد اغرورقتا بدموعٍ رقيقة.

قالت بصوتٍ خافت:

ديلان: جزاكِ الله عني خيرًا يا مريم... لن أنسى لكِ هذا الجميل ما حييت.

ابتسمت مريم وربتت على يدها برفق.

مريم: لا تقولي جميلًا... إنما هو توفيقٌ من الله، وأنا سعيدة لأنني سأشهد هذه اللحظة معك.

دخلت ديلان إلى غرفتها.

وقفت أمام المرآة للحظات، تحمل الحجاب بين يديها.

طال صمتها...

ثم أغمضت عينيها.

واستحضرت في قلبها كل ما مرت به خلال الأيام الماضية.

تذكرت خوفها...

وألمها...

وضعفها...

وتذكرت كيف شعرت أن الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهها، فلم تجد بابًا أوسع من باب الله.

تنهدت بعمق، ثم رفعت الحجاب برفق، ووضعته فوق رأسها.

كانت أصابعها ترتجف وهي ترتبه، ليس خوفًا من شكله، بل رهبةً من تلك الخطوة التي انتظرتها طويلًا.

وما إن انتهت، حتى فتحت عينيها ببطء.

نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة.

فلم ترَ مجرد فتاةٍ غطت شعرها...

بل رأت إنسانةً وُلدت من جديد.

ابتسمت ابتسامةً هادئة، امتزج فيها الخجل بالسكينة، ثم همست وقد غلبتها العبرة:

ديلان: الحمد لله الذي هداني... أسألك يا رب أن تثبت قلبي، وأن تجعل حجابي طاعةً خالصةً لوجهك الكريم.

طرقت مريم الباب برفق.

مريم: هل انتهيتِ؟.

فتحت ديلان الباب.

وما إن وقعت عينا مريم عليها، حتى اتسعت ابتسامتها، ووضعت يدها على فمها إعجابًا.

قالت وهي تتأملها:

مريم: ما شاء الله... تبارك الرحمن.

خفضت ديلان بصرها حياءً.

ديلان: أخشى ألا أكون أهلًا لهذه الخطوة.

اقتربت منها مريم، وأمسكت بيديها قائلةً بحنان:

مريم: بل أنتِ أهلٌ لها يا ديلان... والحجاب لا يعني أن الإنسان صار كاملًا، بل يعني أنه اختار طريقًا يقترب به من ربه يومًا بعد يوم.

ابتسمت ديلان، وشعرت أن كلمات صديقتها أزالت عن صدرها شيئًا من رهبة البدايات،

حملت الحقيبة التي أعدتها لوالدتها، ثم خرجتا معًا متجهتين إلى المستشفى.

طوال الطريق، كانت ديلان تضع يدها بين الحين والآخر على طرف حجابها، تتحسس وجوده فوق رأسها، وكأنها لا تزال تعتاد عليه.

ولم يكن في قلبها أدنى شعورٍ بالضيق...

بل كانت تشعر بخفةٍ لم تعرفها من قبل.

أما مريم، فكانت تراقبها بطرف عينها، وترسم في داخلها دعاءً صامتًا أن يديم الله على صديقتها هذه الطمأنينة.

وصلتا إلى المستشفى قبل وصول كاظم، الذي يخرج صباحا متوجها للبيت، ثم يذهب للجلوس على المقهى، او الأماكن التي إعتاد عليها للعب القمار او شرب الخمر.

كان الممر هادئًا على غير عادته، ولم يكن يسمع فيه سوى خطوات الممرضات وأصوات الأجهزة الطبية القادمة من الغرف المجاورة.

طرقت ديلان الباب برفق، ثم فتحته ببطء.

كانت أمينة مستلقية على سريرها، تستند إلى الوسادة، وقد بدت ملامحها أكثر هدوءًا مما كانت عليه بالأمس.

صحيح أن آثار التعب ما تزال بادية على وجهها، إلا أن لونها بدأ يستعيد شيئًا من الحياة.

وما إن رفعت رأسها نحو الباب، حتى تجمدت نظراتها للحظة.

ثم اتسعت عيناها دهشةً...

وأشرقت ملامحها بنورٍ لم تستطع إخفاءه.

أمينة: ديلان...

خرج الاسم من بين شفتيها مغمورًا بالفرح.

اقتربت ديلان مسرعة، وانحنت تقبل جبين والدتها أولًا، ثم يدها بكل إجلال، وقالت بصوتٍ اختلط فيه الحنين بالشوق:

ديلان: السلام عليكم يا أمي... كيف أصبحتِ اليوم؟.

رفعت أمينة يدها المرتجفة، وربتت بها على رأس ابنتها، ثم احتضنت وجهها بين كفيها.

أمينة: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يا نور عيني.

كانت تلمس وجنتيها وكأنها تخشى أن تكون هذه اللحظة حلمًا.

ثم التفتت إلى مريم.

أمينة: أهلًا بكِ يا ابنتي.

ابتسمت مريم، وانحنت تقبل يدها هي الأخرى.

مريم: الحمد لله على سلامتك يا خالتي أمينة.

وضعت ديلان الحقيبة على الطاولة المجاورة، ثم بدأت تخرج منها الطعام والفاكهة وهي تقول:

ديلان: أعددت لكِ بعض الطعام الخفيف... وأحضرت هذه الفاكهة، لعلها تعجبك.

نظرت أمينة إلى ما أحضرته ابنتها، ثم عادت تنظر إليها بعينين امتلأتا بالامتنان.

أمينة: بارك الله فيكِ يا ابنتي... يكفيني أنكِ بخير أمامي.

جلست ديلان إلى جوارها، وأمسكت بيدها.

ديلان: كيف تشعرين الآن يا أمي؟.

ابتسمت أمينة لأول مرة منذ أيام.

أمينة: الحمد لله... الطبيبة مرت عليّ هذا الصباح، وقالت إن حالتي تحسنت كثيرًا، وكتبت لي بعض الأدوية، وأخبرتني أنه إن مر هذا اليوم دون أي مضاعفات، فسوف تسمح لي بالخروج غدًا بإذن الله.

ساد الصمت لثوانٍ...

ثم أطلقت ديلان زفرةً طويلة، وكأن حملًا ثقيلًا كان جاثمًا على صدرها وسقط دفعةً واحدة.

اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها هذه المرة كانت دموع فرح.

ابتسمت وهي تقول:

ديلان: الحمد لله... الحمد لله كثيرًا.

ثم انحنت تقبل يد أمها مرةً أخرى.

ديلان: اشتقنا إليكِ كثيرًا يا أمي... البيت ليس بيتًا من دونك.

ابتسمت أمينة وقد لمعت الدموع في عينيها.

أمينة: وأنا أيضًا اشتقت إليكم جميعًا.

ثم سكتت فجأة...

وأخذت تتأمل ابنتها من جديد.

كانت نظراتها تتحرك بين وجهها... وحجابها.

ثم قالت بصوتٍ تغلب عليه الدهشة الممزوجة بالفخر:

أمينة: ما شاء الله...

ما هذه الحلة الجميلة يا ديلان؟.

خفضت ديلان بصرها في حياء، وابتسمت ابتسامةً وادعة.

قالت بصوتٍ ملؤه اليقين:

ديلان: لقد اتخذت قراري يا أمي.

رفعت أمينة حاجبيها في ترقب.

أمينة: أي قرار؟.

تنفست ديلان بعمق، ثم قالت:

ديلان: قررت أن أرتدي الحجاب طاعةً لله سبحانه وتعالى، واستجابةً لأمره الذي فرضه على كل امرأةٍ مسلمة بالغة، أردت أن أقترب أكثر من ربي، وأن أحفظ نفسي بما شرعه لي، لا خوفًا من الناس، ولا إرضاءً لأحد، وإنما ابتغاءً لرضاه وحده.

سادت الغرفة لحظة صمتٍ مهيبة،

ثم انهمرت دموع أمينة دون أن تشعر.

رفعت كفيها المرتجفتين إلى السماء وهي تقول بصوتٍ اختنق من شدة التأثر:

أمينة: الحمد لله... الحمد لله الذي أقر عيني وأنا ما زلت على قيد الحياة.

ثم جذبت ابنتها إليها، واحتضنتها طويلًا، حتى شعرت ديلان بحرارة دموع أمها تنساب على كتفها.

قالت أمينة وهي تمسح على رأسها بحنانٍ غامر:

أمينة: أسأل الله يا ابنتي أن يثبتك، وأن يجعل هذا الحجاب نورًا لكِ في الدنيا، وسترًا لكِ، ورفعةً في الآخرة، وأن يحفظك من كل سوء، ويجعل طاعتك خالصةً لوجهه الكريم.

لم تتمالك ديلان نفسها، فانخرطت في البكاء بين ذراعي أمها.

أما مريم، فكانت تراقب ذلك المشهد بصمت، وقد اغرورقت عيناها هي الأخرى.

وفي تلك اللحظة، شعرت أن الغرفة الصغيرة لم تعد مجرد غرفةٍ في مستشفى...

بل غدت موطنًا لرحمةٍ إلهيةٍ احتضنت ثلاثة قلوبٍ أنهكها الألم، ثم جمعتها على الأمل، والإيمان، والمحبة الصادقة.


كانت ديلان لا تزال جالسة إلى جوار والدتها، تمسك بيدها بحنان، بينما كانت مريم تشاركهما الحديث، محاولةً أن تملأ الغرفة بشيءٍ من البهجة بعد الأيام الثقيلة التي مرت على الجميع. تعالت بين الحين والآخر ضحكاتٌ خافتة، كانت أشبه برسائل طمأنينة تخبر أمينة بأن أبناءها ما زالوا بخير، وأن المحنة، مهما اشتدت، لا بد أن يعقبها فرج.

ولم يكد الحديث يطول، حتى سُمع طرقٌ خفيف على باب الغرفة.

التفتت الأنظار جميعها نحو الباب، ثم دخلت كريمة بعد أن استأذنت من الممرضة في إدخال الطفلين لزيارة والدتهما لبضع دقائق.

ابتسمت كريمة قائلةً:

كريمة: السلام عليكم... أحضرت لكِ من يشتاق إليك أكثر منا جميعًا.

وما إن وقع بصر أحمد وأخيه على والدتهما، حتى انطلقا نحوها مسرعين.

أمينة: أمي...!.

ارتجف قلب أمينة، ومدّت ذراعيها بكل ما بقي فيهما من قوة، لتحتضن صغيريها احتضانًا طويلًا، كأنها تخشى أن تتركهما مرةً أخرى.

دفن أحمد رأسه في صدرها وهو يقول بصوتٍ متحشرج:

أحمد: اشتقت إليك كثيرًا يا أمي... البيت ليس جميلًا من دونك.

أما شقيقه الأصغر، فقد أخذ يقبل يدها ووجنتها وهو يبكي بصمت.

اغرورقت عينا أمينة بالدموع، وأخذت تمسح على رأسيهما بحنانٍ غامر.

أمينة: وأنا أيضًا اشتقت إليكما... والله لقد كان شوقي إليكما يحرق قلبي كل ليلة.

رفعت رأسها نحو كريمة، وقالت بصوتٍ يملؤه الامتنان:

أمينة: جزاكِ الله عني كل خير يا كريمة... لا أدري كيف أرد لكِ هذا المعروف، لقد كنتِ لي أختًا قبل أن تكوني جارة.

ابتسمت كريمة بتواضع، وجلست إلى جوارها.

كريمة: لا تقولي هذا يا أمينة، فما فعلته واجبٌ يمليه علينا الدين قبل أي شيء، ثم إننا أسرةٌ واحدة، وما يصيب أحدنا يمس الجميع.

نظرت إليها أمينة بعينين دامعتين، ثم قالت:

أمينة: أسأل الله أن يجزيك عني وعن أولادي خير الجزاء.

ساد الغرفة شعورٌ دافئ، امتزجت فيه المحبة بالامتنان، حتى بدا وكأن المرض قد تراجع خطوات أمام ذلك الحب الصادق.

لكن تلك السكينة لم تدم طويلًا...

إذ فُتح الباب مرةً أخرى.

دخل كاظم بخطواتٍ بطيئة، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي كانت تخفي أكثر مما تُظهر.

ألقى السلام ببرود، ثم جالت عيناه في الغرفة حتى استقرتا على ديلان.

شعرت ديلان بوخزةٍ غريبة في صدرها.

كانت نظراته هذه المرة مختلفة...

ثقيلة...

وقحة...

كأنها تحاول أن تنفذ إلى ما وراء ثيابها.

شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها، فقبضت دون وعي على طرف عباءتها، وخفضت بصرها، محاولةً أن تتجنب النظر إليه،

أما مريم، فلم يفتها ذلك المشهد.

راقبت عينيه جيدًا، ثم التفتت إلى ديلان، فرأت الاضطراب المرتسم على ملامحها، وفهمت في لحظةٍ واحدة ما يدور في نفسها.

اقتربت من أمينة، وقالت بابتسامةٍ هادئة تخفي خلفها قلقًا كبيرًا:

امينة: خالتي أمينة... سنستأذن نحن الآن، فقد أرهقنا العمل اليوم، وأمي تحتاج إلى بعض الراحة، وسنزورك غدًا بإذن الله.

ابتسمت أمينة، غير مدركةٍ لما حدث.

امينة: بارك الله فيك يا ابنتي... لا تتعبوا نفسكم.

انحنت مريم تقبل يدها، ثم أشارت بعينيها إلى ديلان.

فهمت ديلان الإشارة على الفور، فودعت والدتها، وقبلت جبينها مرةً أخيرة، ثم خرجت مع الجميع.

ولم تلتفت خلفها ولو مرة واحدة...

كانت تشعر أن بقاءها في تلك الغرفة بعد دخول كاظم سيخنق أنفاسها.

ما إن غادروا المستشفى حتى استنشقت ديلان الهواء بعمق، وكأنها تحررت من قبضةٍ كانت تطبق على صدرها.

لاحظت كريمة شحوب وجهها، فسألتها برفق:

كريمة: هل أنت بخير يا ابنتي؟.

أجابت ديلان بابتسامةٍ متعبة:

ديلان: نعم... فقط أشعر بشيءٍ من الإرهاق.

أما مريم، فكانت تعلم أن الإرهاق لم يكن سبب ذلك الشحوب، لكنها آثرت الصمت حتى لا تقلق والدتها كريمة.

ولكي تبدد شيئًا من ذلك التوتر، قالت وهي تصفق بكفيها بخفة: 

مريم: هيا... لقد وعدناكِ اليوم بمهمةٍ جميلة.

التفتت إليها ديلان باستغراب.

ديلان: أي مهمة؟.

ابتسمت كريمة وقالت:

كريمة: شراء ملابس جديدة تليق بمحجبةٍ جميلة.

احمر وجه ديلان خجلًا، وخفضت رأسها وهي تبتسم.

توجهوا جميعًا إلى محطة الترامواي( لا اعلم كيف يسمى باللغة العربية)، واستقلوا القطار الكهربائي الذي انطلق يشق شوارع المدينة بهدوء، بينما كانت ديلان تجلس قرب النافذة تتأمل المارة والسيارات، وتشعر بأن حياتها هي الأخرى بدأت تدخل محطةً جديدة، أكثر هدوءًا ونقاءً.

بعد دقائق، وصلوا إلى أحد المراكز التجارية الكبرى، كان المكان يعج بالمتسوقين، والأضواء تنعكس على واجهات المحال الزجاجية، فيما أخذ الأطفال يقفزون بفرح وهم يتأملون الألعاب المعروضة.

أخذت كريمة ومريم تتنقلان بين المحال المخصصة لملابس المحجبات، تعرضان على ديلان هذا الثوب وذاك، بينما كانت هي تختار بذوقٍ بسيط، تميل إلى الألوان الهادئة والقصات المحتشمة.

قالت مريم وهي ترفع عباءةً بلونٍ أزرق داكن:

مريم: هذه ستليق بك كثيرًا.

ابتسمت ديلان وهي تلمس القماش برفق.

ديلان: جميلة... لكنها أغلى مما أحتاج.

ابتسمت كريمة وقالت بحزمٍ ممزوجٍ بالأمومة:

كريمة: لا تفكري في الثمن، بل فيما يريحك.

وبعد جولةٍ طويلة، اشترين عدة أثواب وأوشحة بألوان مختلفة.

أما كريمة، فلم تنس الأطفال، فاتجهت إلى متجر الألعاب، واشترت لكل واحدٍ منهم لعبةً صغيرة، ثم أضافت أكياسًا من الحلوى وبعض المأكولات التي يحبونها.

وحين خرجوا من المركز التجاري، كان الأطفال يقفزون فرحًا بما حصلوا عليه، فضحكت ديلان من أعماق قلبها لأول مرة منذ أيام.

وشعرت أن الابتسامة بدأت تعود إلى حياتها شيئًا فشيئًا.

مضت الأيام بهدوء...

واستعادت أمينة عافيتها، وعادت إلى بيتها، فعادت معه الحياة إلى المنزل، وعاد دفء الأم يملأ الأركان من جديد.

حتى جاء صباح يوم الخميس...

اليوم الذي أعلنت فيه كلية الآداب نتائج الامتحانات.

كانت ديلان قد اتفقت مع مريم على أن تلتقيا، كما اعتادتا دائمًا.

وصلت الفتاتان، وازدحم المكان بالطلبة الذين التفوا حول لوحة الإعلانات، تتعالى أصواتهم بين فرحٍ وقلقٍ ولهفة.

أخذ قلب ديلان يخفق بقوة وهي تشق طريقها بين الحشود.

حتى وقفت أمام اللوحة...

وراحت تبحث عن اسمها بعينين مرتجفتين.

وفجأة...

اتسعت عيناها.

ثم ارتسمت ابتسامةٌ مشرقة على وجهها.

ديلان: وجدته...

قالتها بصوتٍ يكاد لا يُسمع.

اقتربت منها مريم بسرعة.

مريم: وأين اسمي؟.

أشارت ديلان بإصبعها وهي تضحك:

ديلان: هنا... نحن الاثنتان.

تأملت مريم القائمة، ثم أطلقت ضحكةً عفوية، وما لبثت أن احتضنت ديلان بقوة.

مريم: الحمد لله... لقد نجحنا!.

كانت كلتاهما من الطالبات المتفوقات، وانتقلتا إلى السنة الثانية بجدارةٍ واستحقاق.

غمرتهما فرحةٌ كبيرة، وشعرتا أن كل ما بذلتاه من تعبٍ وسهر لم يذهب سدى.

وفي طريق العودة...

كانت ديلان تسير إلى جوار مريم، إلا أن عينيها ظلتا تجولان بين ممرات الجامعة وساحاتها.

مرةً نحو المكتبة...

وأخرى نحو الحديقة...

وثالثة نحو البوابة الرئيسية.

لاحظت مريم ذلك، فابتسمت ابتسامةً خفيفة، ثم سألتها:

مريم: أراكِ تبحثين عن شيء... أم عن شخص؟.

توقفت ديلان لحظة، ثم تنهدت.

ديلان: ربما... عن شخص.

نظرت إليها مريم بصمت،

فقالت ديلان وهي تبتسم ابتسامةً حزينة:

ديلان: كنت أتمنى أن أراه... ولو مرةً أخيرة.

ساد الصمت بينهما.

ثم أردفت بصوتٍ تغلب عليه الرضا بقضاء الله:

ديلان: لكنني أظن أن الله لن يجمع بين طريقينا مرةً أخرى، لقد افترق كلٌّ منا في طريقه... وإن كان لنا نصيب، فسيجمعنا الله في الوقت الذي كتبه لنا، لا في الوقت الذي نريده نحن.

ابتسمت مريم وربتت على كتفها.

مريم: أحسنتِ الظن بربك... وما كتبه الله سيكون، سواء أدركناه أم جهلناه.

أومأت ديلان برأسها، ورفعت بصرها إلى السماء، وقد سكن قلبها بشيءٍ من التسليم.

وفي ذلك اليوم...

لم يحضر باران إلى الجامعة،

فمنذ ساعات الصباح الأولى، كان منزله يعج بالمهنئين.

فقد أعلنت نتائج الثانوية، ونجح روني بتفوق، فغمرت الفرحة الأسرة كلها.

توافد الأقارب والجيران يباركون له نجاحه، وحضر أخواله وخالاته وأبناؤهم يحملون الهدايا وباقات الزهور، وتعالت أصوات التهاني والدعوات بأن يوفقه الله في مرحلته الجامعية المقبلة.

ولم تتسع دار إبراهيم لكل الضيوف، فتوزع الرجال بين منزله ومنزل شقيقه عزت، بينما اجتمعت النساء في القسم الآخر من المنزل.

كانت عائشة تساعد زوجة إبراهيم في إعداد القهوة والحلوى وتقديم الضيافة للنساء، وهي لا تكف عن الابتسام كلما سمعت كلمات الثناء على روني.

أما باران، فقد انشغل مع والده وعمه في استقبال الرجال، يحمل صواني القهوة، ويقدم الحلوى، ويرحب بكل ضيفٍ يدخل المنزل.

ورغم انشغاله، كانت تمر بخاطره بين الحين والآخر فكرة الذهاب إلى الجامعة.

"لعلني أجدها هناك..."

لكن كلما همَّ بالاعتذار والخروج، جاء ضيفٌ جديد، أو احتاجه عنه في استقبال أحد الأقارب.

نظر إلى ساعته أكثر من مرة، ثم أطلق زفرةً خافتة.

"يبدو أن القدر لا يريدني أن أذهب اليوم."

وفي الجهة الأخرى من المدينة...

كانت ديلان تغادر الجامعة، وقلبها يحمل الشعور ذاته.

فهو يبحث عنها...

وهي كانت تبحث عنه...

لكن القدر، في ذلك اليوم، اختار أن يؤجل اللقاء مرةً أخرى، ليبقي بين قلبيهما مسافةً لا يردمها إلا الموعد الذي كتبه الله لهما منذ الأزل.


مرت الايام ومر اسبوعا كاملا كانت امينة قدعادت لبيتها، لتجمع أسرتها حولها بالبيت، بينما كان باران يقضي معظم وقته في البحث، وكله املا بالعثورة عليها، او إيحاد طرف خيط يقوده لها وهو كله عزيمة وإرادة . 

قبل أن تشرق شمس ذلك اليوم، كان في الأفق شعورٌ مختلف، شعورٌ يشبه الوقوف على عتبة مرحلةٍ كاملة من العمر، يومٌ انتظره الطلبة سنواتٍ طويلة، وسهروا لأجله الليالي، وحملوا في سبيله هموم الامتحانات وضغوط المشاريع، حتى غدا بالنسبة إليهم خاتمة رحلةٍ وبداية أخرى.

استيقظ باران باكرًا على غير عادته، فلم يكن النوم قد زار عينيه إلا ساعاتٍ قليلة، ظل يتقلب طوال الليل، لا يدري أكان سبب أرقه رهبة هذا اليوم، أم تلك الأمنية التي لم تغادر قلبه منذ أيام...

"هل يمكن أن تكون هناك؟"،

ابتسم لنفسه وهو يهز رأسه مستنكرًا أفكاره.

"حتى في يوم تخرجي... ما زلتِ تسكنين كل تفاصيل تفكيري."

نهض، توضأ، وأدى صلاة الفجر بخشوع، ثم جلس يدعو الله أن يبارك له فيما هو مقبل عليه، وأن ييسر له الخير حيث كان.

بعدها ارتدى بدلته الرسمية بعناية، وعدّل ربطة عنقه أمام المرآة، وألقى نظرةً أخيرة على صورته في المرآة.

لم يكن يرى فيها مجرد شابٍ تخرج من كلية الهندسة...

بل رأى سنواتٍ من التعب، والكد، والسهر، والنجاح. 

كانت عائشة تتحرك في أرجاء المنزل بنشاطٍ ملحوظ، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة أمٍ ترى ثمرة تعب ابنها قد أينعت أخيرًا.

وضعت آخر أكواب الشاي على المائدة، ثم نادت بصوتٍ تغلب عليه الفرحة:

عائشة: هيا يا أولاد... لا نريد أن نتأخر.

دخل عزّت وهو يعدل سترته، وقال مبتسمًا:

عزت: اليوم ليس يومًا عاديًا... اليوم نحصد ما زرعناه طوال سنوات.

خرج باران بعد لحظات، فابتسمت عائشة فور أن رأته،

تقدمت نحوه، وأصلحت ياقة سترته، ثم مسحت على كتفه بحنانٍ أمومي.

عائشة: ما شاء الله... كبرت يا باران، وأصبحت رجلًا نفتخر به.

ابتسم وقبّل يدها.

باران: هذا بفضل الله وفضلك حظرة الناظرة، ثم بدعائكما.

إبتسمت عائشة وقالت.

عائشة: إننا هو فضل من الله اولا وتعبك انت يابني، اما حظرة الناظرة فقد احليت للتقاعد من مدة، ثم رمقت زوجها بنظرة، فيها إشارة فخر رغم ان تقاعدها كان بإلحاح منه بعد ولادة باران.

أما مراد، فكان يراقب أخاه بإعجاب، وقال ممازحًا:

مراد: لا تنسنا عندما تصبح مهندسًا عالميًا، فقد اخذت اليوم إجازة خصيصا لاكون معك واحظر بنفسي تخرج مهندس العائلة.

ضحك الجميع، ليكسروا شيئًا من رهبة ذلك الصباح.

في الوقت ذاته، كان سليم قد وصل برفقة والديه وإخوته، والتقى بباران عند مدخل الكلية.

صافحه بقوة وهو يقول:

سليم: أخيرًا... انتهت الرحلة.

ابتسم باران.

باران: بل بدأت رحلة جديدة.

ربت سليم على كتفه وقال ضاحكًا:

سليم: المهم ألا تنسَ أن تدعوني عندما تصبح مديرًا لشركةٍ عالمية.

ابتسم باران، إلا أن عينيه راحتا تجولان بين الوجوه المتوافدة.

لاحظ سليم ذلك، فابتسم بخبث.

سليم: ما زلت تبحث عنها؟.

تنهد باران دون أن ينكر.

باران: لا أدري لماذا... لكن قلبي يخبرني دائمًا أنها قريبة مني.

ابتسم سليم بأسى.

سليم: أتمنى أن تجدها يومًا.

بدأت القاعة الكبرى تمتلئ شيئًا فشيئًا.

اصطف الطلبة بملابس التخرج السوداء، تتدلى من أعناقهم الأوشحة الملونة، بينما جلس أولياء الأمور في المقاعد الأمامية، يحمل بعضهم الكاميرات، وبعضهم لا يحمل سوى الدموع التي حبستها أعوام الانتظار.

كان المكان يفيض بالحياة.

ضحكات...

صور تذكارية...

أحاديث تختلط فيها الفرحة بشيءٍ من الحنين.

فها هي سنوات الجامعة توشك أن تصبح ذكرى.

وما إن اكتملت المقاعد، حتى خفتت الأصوات تدريجيًا.

صعد مقدم الحفل إلى المنصة، ورحب بالحضور، ثم أعلن افتتاح الحفل بتلاوةٍ مباركة من القرآن الكريم.

ساد القاعة سكونٌ مهيب، وانطلقت آيات القرآن الكريم تلامس القلوب، فتوقفت الأحاديث، وخشعت الأبصار، وشعر الجميع أن أجمل افتتاحٍ لهذه المناسبة هو أن يبدأ بكلام الله أولًا.

وبعد انتهاء التلاوة، اعتلى عميد كلية الهندسة المنصة، وسط تصفيقٍ حار.

ابتسم للحضور، ثم بدأ كلمته بصوتٍ وقور:

العميد: بسم الله الرحمن الرحيم... أيها الزملاء الكرام، أبنائي الطلبة، أولياء الأمور الأفاضل... يسعدني أن أرحب بكم في هذا اليوم الذي نجني فيه ثمار سنواتٍ طويلة من الجد والاجتهاد...

تحدث عن دور الأساتذة، وشكرهم على إخلاصهم، كما أثنى على الطاقم الإداري وكل من ساهم في نجاح الكلية.

ثم التفت نحو الطلبة وقال:

العميد: إن ما حققتموه اليوم ليس نهاية الطريق، بل هو أول خطوة في رحلة العلم، فاحملوا علمكم بأخلاقكم، واجعلوا أوطانكم تفخر بكم أينما كنتم.

ارتفعت القاعة بالتصفيق.

أما عائشة، فكانت تنظر إلى ابنها بعينين تفيضان فخرًا.

همست لزوجها:

عائشة: الحمد لله الذي أحياني حتى رأيت هذا اليوم.

ابتسم عزّت وربت على يدها.

عزت: وما زالت أمامه نجاحاتٌ أكبر بإذن الله.

بدأت بعدها مراسم تسليم شهادات التخرج.

أخذ مقدم الحفل ينادي أسماء الطلبة واحدًا تلو الآخر.

وكلما صعد أحدهم إلى المنصة، دوّت القاعة بالتصفيق.

وحين جاء الدور على باران...

قال مقدم الحفل بصوتٍ واضح:

المقدم: المهندس الاول على دفعة التخرج... باران يلدريم...

وقف باران، وشعر بأن دقات قلبه تسارعت.

تقدم بخطواتٍ ثابتة نحو المنصة.

صافح العميد، وتسلم شهادته، ثم التقط صورةً تذكارية وسط تصفيق الحضور.

في تلك اللحظة...

لمع بصره نحو المقاعد.

فرأى والدته تمسح دموعها بطرف منديلها.

ابتسم لها ابتسامةً مطمئنة،

فبادلته بابتسامةٍ اختلطت بالفخر والامتنان لله.

بعده صعد سليم، وتسلم شهادته هو الآخر، وعاد إلى مقعده وهو يرفعها أمام باران مازحًا.

همس:

سليم: انتهت المعاناة.

ضحك باران.

باران: وبدأت المسؤولية.

ظن الجميع أن الحفل قد شارف على نهايته.

لكن أحد الأساتذة، وهو المسؤول عن مناقشة مشاريع التخرج، صعد إلى المنصة حاملًا ظرفًا أبيض.

ساد الهدوء.

قال الأستاذ بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

الاستاذ: أبنائي الطلبة... قبل أن نختتم هذا الحفل، يسعدني أن أعلن عن نتائج المنحة الأكاديمية التي خصصتها الجامعة لهذا العام لدعم أفضل مشاريع التخرج، وتمكين أصحابها من مواصلة دراساتهم العليا خارج البلاد.

ساد القاعة صمتٌ ثقيل.

تبادل الطلبة النظرات.

بين متفائلٍ...

ومترقب...

ومن أقنع نفسه بأنه لم يعد ينتظر شيئًا.

فتح الأستاذ الظرف ببطء، ثم قال:

اللستاذ: لقد خضعت المشاريع لتقييمٍ دقيق من لجنةٍ علمية متخصصة، واعتمدت اللجنة معايير الإبداع، والابتكار، وقابلية التطبيق، والقيمة العلمية.

ثم رفع رأسه، وابتسم.

الاستاذ: وقد وقع اختيار اللجنة على ثلاثة مشاريع متميزة.

ازدادت دقات القلوب، حتى إن باران شعر بأن أنفاسه أصبحت أثقل.

أخذ الأستاذ الورقة، ثم أعلن:

الاستاذ: اول منحة للمشروع الناجح الأول... مشروع الطالبين باران يلدريم... وسليم اوندار.

للحظة...

ساد الصمت.

وكأن القاعة لم تستوعب الاسم.

ثم انفجرت بالتصفيق.

وقف سليم مدهوشًا.

التفت نحو باران، وقال بصوتٍ يكاد لا يصدق:

سليم: هل... هل سمعت جيدًا؟.

ابتسم باران، لكن الصدمة عقدت لسانه.

لم يجد ما يقوله، فاكتفى بالنظر إلى صديقه، ثم عانقه بقوة،

قال سليم وهو يضحك وقد اغرورقت عيناه:

سليم: لقد نجحنا يا باران... لقد نجحنا!.

أما عائشة، فلم تستطع هذه المرة أن تحبس دموعها.

رفعت كفيها إلى السماء وهي تردد:

عائشة: الحمد لله... الحمد لله الذي لم يخيّب تعبي ودعائي.

ربّت عزّت على كتفها وهو يحاول إخفاء تأثره، لكن عينيه كانتا تلمعان بالفخر.

أشار الأستاذ إلى الطالبين قائلاً:

الاستاذ: ندعو صاحبي المشروع إلى التفضل بالصعود إلى المنصة لاستلام شهادة المنحة، التي تخولهما مواصلة الدراسة لنيل شهاداتٍ عليا في تخصصهما بإحدى الجامعات المرموقة خارج الوطن، ليتفضل الطلبة رفقة ذويهم.

نظر باران إلى المنصة...

ثم إلى والديه...

ثم إلى الشهادة التي يحملها بين يديه.

كان يشعر أن الله قد فتح أمامه بابًا جديدًا لم يكن يحلم أن يُفتح بهذه السرعة.

ورغم الفرح الذي ملأ قلبه، بقي في أعماقه فراغٌ صغير لا يشعر به أحد.

"ليتكِ كنتِ هنا..."

"ليتكِ رأيتِ هذه اللحظة..."

"لا أعرف أين أنتِ الآن... لكنني كنت أتمنى أن تكوني بين هذا الجمع، ولو من بعيد، لأشارككِ أول انتصارٍ كبير في حياتي."

ابتسم ابتسامةً هادئة وهو يصعد المنصة إلى جوار سليم، وكل منهما برفقة والديه، بينما كانت عدسات الكاميرات تلتقط تلك اللحظة الخالدة.

ولم يكن يدري أن القدر، الذي باعد بينه وبين ديلان مراتٍ عديدة، كان لا يزال ينسج بخيوطٍ خفية موعدًا آخر... موعدًا لن يكون كسابقيه، بل سيغيّر حياة كلٍّ منهما إلى الأبد.

الفصل السادس عشر من رواية

حبيبتي زوجة أخي 💔🥺


✍️.....ساد القاعة تصفيقٌ مدوٍّ، حتى بدا وكأن جدرانها تهتز من فرط الحماس. وتعالت الهتافات والابتسامات، واختلطت دموع الفرح بضحكات الفخر، بينما اعتلى الطلبة المتفوقون منصة التكريم واحدًا تلو الآخر، يتسلّمون شهاداتهم وسط نظرات الإعجاب والاعتزاز التي غمرت وجوه ذويهم.

وحين انتهت مراسم تسليم الشهادات، اعتدل مذيع الحفل في وقفته، وأمسك بالميكروفون من جديد، فخفتت الأصوات شيئًا فشيئًا، وساد القاعة صمتٌ مشوب بالترقب.

قال بصوتٍ واضحٍ يحمل نبرة البِشر:

المذيع: والآن نصل إلى الفقرة التي طال انتظارها... إعلان أسماء الطلبة الذين نالوا المنح الدراسية لاستكمال دراساتهم العليا في الخارج.

تسارعت نبضات القلوب، وانحبست الأنفاس في الصدور، بينما راحت العيون تتنقل بين المنصة والوجوه المتلهفة.

بدأت الأسماء تتردد عبر مكبرات الصوت، ومع كل اسمٍ يعلن، كانت موجة جديدة من التصفيق تجتاح القاعة.

وكان اول إسم ينطق به كان اسم باران حتى دوّى التصفيق من جديد، وارتسمت على شفتيه ابتسامة امتزجت فيها الدهشة بالامتنان، بينما شعر بدقات قلبه تتسارع بصورة لم يعهدها من قبل.

ثم أعلن المسؤول وجهة البعثة:

المذيع: وقد وقع الاختيار على الطلبة الفائزين بهذه المنحة لاستكمال دراستهم في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، بمدينة زيورخ في سويسرا.

لم يكن الاسم عابرًا في أسماع الحاضرين، فقد كانت تلك الجامعة من أعرق الجامعات الهندسية في العالم، وكان مجرد الوصول إليها حلمًا يراود آلاف الطلبة.

أغمض باران عينيه للحظة، وكأن عقله يحاول استيعاب ما سمعه للتو.

سويسرا... زيورخ...

كم قرأ عنها في الكتب والمجلات، وكم تخيل نفسه يسير بين أروقتها طالبًا للعلم، لكنه لم يظن يومًا أن الحلم سيصبح حقيقة بهذه السرعة.

تنهد بعمق، ثم همس في نفسه:

"الحمد لله... لم يذهب تعبي سدى."

ما إن انتهى الحفل حتى نزل من المنصة، فاندفعت عائلته نحوه قبل الجميع.

كان والده أول من احتضنه، وربت على كتفه بقوة، وهو يقول بصوتٍ اختلط فيه الفخر بالتأثر:

عزت: رفعت رأسنا يا بني... كنت أعلم أنك ستصل إلى هذا اليوم.

ابتسم باران ابتسامة متواضعة، وأجاب وهو يحاول كبح تأثره:

باران: كل ما وصلت إليه كان بفضلكم بعد الله... لولا دعمكم لما وقفت هنا اليوم.

أما والدته، فلم تستطع أن تتمالك دموعها، فأحاطت وجهه بكفيها، وأخذت تتأمله كما لو كانت تراه للمرة الأولى.

قالت بصوتٍ مرتجف:

عائشة: كنت أدعو الله في كل سجدة أن يوفقك... والحمد لله الذي أقر عيني بهذا اليوم.

خفض باران رأسه، وقبّل يدها بحب، ثم قال:

باران: دعواتك كانت سر قوتي يا أمي، وايضا توجيهاتك يا حظرة الناظرة.

إبتسم الجميع على كلامه وربتت والدته على كفه وقد إغرورقت عينيها بالدموع وقالت..

عائشة: وبفضل تعبك وإجتهادك و سهرك يا بني.

في تلك الأثناء، اقترب مراد وهو يصفق بمرح، ثم لف ذراعه حول عنق أخيه وقال ضاحكًا:

مراد: يكفي هذا القدر من الدموع... البطل عاد إلينا بمنحة إلى سويسرا!، ما رأيكم أن نعود إلى المنزل ونقيم احتفالًا يليق بهذه المناسبة؟".

ضحك الجميع، وأيدوا الفكرة بحماس.

قال الأب مبتسمًا:

عزت: أوافقك الرأي... هذا يوم لن يتكرر كثيرًا.

وأضافت الأم وهي تمسح دموعها:

عائشة: سأعد كل الأطباق التي يحبها باران.

ابتسم مراد بمكر وقال:

مراد: إذن سأدعو الأقارب أيضًا... لا أريد لأحد أن يقول إننا احتفلنا سرًا.

تعالت الضحكات من جديد، وشعر باران بدفءٍ يغمر قلبه وهو يرى الفرح الحقيقي مرسومًا على وجوه أحبته.

لكن قبل أن يغادروا القاعة، دوّى صوت طرقٍ خفيف على الميكروفون، فعاد الهدوء ليسود المكان.

وقف الأستاذ المسؤول على المنصة وقال:

الأستاذ: نرجو من جميع الطلبة الفائزين بالمنح الدراسية عدم المغادرة قبل مراجعة إدارة الكلية.

تبادل الطلبة النظرات فيما بينهم، ثم تابع الأستاذ حديثه:

الأستاذ: يرجى منكم التوجه إلى مكتب الإدارة لاستلام استمارات المنحة، وملئها بدقة، ثم إرفاق جميع الوثائق المطلوبة في أقرب وقت.

وتوقف لحظة قبل أن يضيف:

الأستاذ: وقد حددت الإدارة مهلة أسبوعين فقط لاستكمال الملفات، حتى تتمكن من استخراج التأشيرات وإنهاء جميع الإجراءات الرسمية الخاصة بسفركم، أما بقية الترتيبات، من تذاكر السفر والتنسيق مع الجامعة المستقبِلة والسكن الجامعي، فستتكفل بها إدارة الكلية بالتعاون مع الجهة المانحة.

ساد الهمس بين الطلبة، بينما ارتسمت على وجوههم ملامح امتزج فيها الفرح بشيء من رهبة القادم.

وأردف الأستاذ بابتسامة مشجعة:

الأستلذ: يتبقى على موعد سفركم نحو مدينة زيورخ، في سويسرا، نحو شهر واحد ونصف الشهر فقط، لتبدؤوا رحلتكم العلمية مع انطلاق العام الجامعي هناك، استثمروا هذا الوقت في تجهيز أنفسكم والاستعداد لهذه المرحلة الجديدة من حياتكم.

كانت الكلمات تتردد في أذن باران كأنها إعلان عن بداية حياة أخرى.

شهر واحد ونصف فقط...

 شهر ونصف يفصله عن وطنه، وعن أهله، وعن كل زاوية ألفها قلبه.

رفع بصره نحو أسرته، فوجد السعادة تشع من أعينهم، لكن خلف تلك السعادة كان يلمح شيئًا آخر... شيئًا يشبه الخوف من الفراق.

أما هو، فقد كان يشعر أن قلبه يقف على عتبة طريقين؛ أحدهما يقوده إلى الحلم الذي أفنى سنوات عمره في سبيل الوصول إليه، والآخر يشده إلى كل من أحبهم واعتاد وجودهم حوله.

ابتسم ابتسامة هادئة، وأيقن أن لكل حلم ثمنًا، وأن أول أثمان هذا الحلم سيكون وداع الوطن، ولو إلى حين.

ما إن غادر أفراد العائلة حرم الجامعة، حتى استقلوا سيارة مراد التي انطلقت تشق شوارع المدينة وسط أجواءٍ يغمرها الفرح، كان الصمت يخيّم تارة، ثم لا يلبث أن ينكسر بضحكةٍ أو كلمة تهنئة أو دعابة يطلقها أحدهم، فتتعالى الضحكات من جديد، حيث كانت الصغيرة ملك متعلقة بعنق خالها باران، وكأنها شعرت انه هو أيضا سيفارقها مثلما فارقها والديها.

جلس باران إلى جوار النافذة، يتأمل الطرقات التي اعتاد السير فيها منذ سنوات، غير أن ملامحها بدت له في ذلك اليوم مختلفة؛ أكثر إشراقًا، وأكثر دفئًا، وكأن المدينة بأسرها تشاركه فرحته، وبين حين وآخر كان يلتفت إلى والديه، فيرى في أعينهما من الفخر ما يغنيه عن ألف كلمة، فيزداد يقينًا أن كل ليلة سهر، وكل لحظة تعب، لم تذهب سدى، وينظرة تارة اخرى لملك ليرى البراءة في عينيها والصفاء الذي كان يذكره بمن سكنت قلبه.

قطع مراد حبل الصمت وهو يبتسم ابتسامة واسعة:

مراد: لا أظن أن نجاحًا كهذا يليق به احتفالٌ صغير... سنقيم الليلة مأدبةً تظل العائلة تتحدث عنها سنوات.

ضحك عزّت وقال وهو يربت على كتف ابنه:

عزت: ومن قال إننا سنكتفي بالعائلة الصغيرة؟ سأدعو أخي إبراهيم وأفراد أسرته، فهذا النجاح ليس نجاح باران وحده، بل نجاحنا جميعًا.

هزّت عائشة رأسها موافقة، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة أمٍّ ترى ثمرة سنوات من الدعاء تكبر أمام عينيها.

عائشة: إذن لا وقت لدينا... علينا أن نستعد لاستقبال الضيوف.

ما إن وصلوا إلى المنزل حتى دبّت فيه حياةٌ جديدة، انشغلت عائشة في المطبخ، تتحرك بخفة ونشاط رغم الإرهاق الذي بدا على ملامحها، وما هي إلا دقائق حتى لحقت بها صفية، زوجة إبراهيم، بعدما وصلت مع أسرتها.

ابتسمت صفية وهي تشمر عن ساعديها قائلة:

صفية: لن أدعك تتحملين كل هذا وحدك... الليلة فرحتنا جميعًا.

ابتسمت عائشة بامتنان، وقالت:

عائشة: وجودك وحده يخفف عني نصف التعب.

وسرعان ما امتلأ المطبخ بأصوات الأواني، ورائحة البهارات، وضحكات المرأتين وهما تتبادلان الأحاديث القديمة، بينما راحتا تعدّان أصنافًا متنوعة من الطعام، وكأنهما تتنافسان في إكرام الضيوف وإسعاد باران في ليلته المميزة.

أما في غرفة الجلوس، فقد جلس الرجال يتبادلون أطراف الحديث، وكل منهم يسترجع موقفًا من طفولة باران أو يتحدث عن اجتهاده وإصراره.

قال إبراهيم وهو ينظر إلى ابن أخيه بفخر:

إبراهيم: كنت أعلم منذ صغره أن لهذا الفتى شأنًا عظيمًا... لم أره يومًا يهرب من مسؤولية أو يتكاسل عن واجب.

ابتسم باران بخجل، وقال في تواضع:

إبراهيم: ما وصلت إليه إلا بفضل الله، ثم بفضل دعواتكم وتشجيعكم الدائم.

ابتسم عزّت وقال:

عزت: تواضعك يزيدنا فخرًا بك يا بني.

وفي الجهة الأخرى من المنزل، كانت دنيز تساعد في ترتيب المائدة الكبيرة.

اصطفت الأطباق بعناية، وتزينت المائدة بأشهى المأكولات والحلويات، حتى غدت أشبه بلوحةٍ تنبض بدفء الأسرة واجتماعها.

وكانت دنيز تتحرك بين الجميع بخفة ونشاط، تحمل طبقًا تارة، وتعيد ترتيب آخر تارةً أخرى، غير أن اهتمامها الحقيقي لم يكن منصبًا على المائدة.

كانت عيناها تبحثان عن مراد في كل مرة يدخل فيها الغرفة أو يغادرها.

وفي داخلها كانت أمنية صغيرة تكبر مع كل لحظة...

ليته يلتفت إليّ...

ليته يلاحظ أنني من أعددت هذا الطبق... أو يثني على ترتيبي للمائدة... أو حتى يفتح معي حديثًا عابرًا.

لهذا تعمدت أن تُظهر مهارتها في إعداد بعض الأطباق، وزينتها بعناية فائقة، ثم وضعتها في مكانٍ بارز وهي تنتظر بصمت أن يلفت ذلك انتباهه.

لكن مراد كان منشغلًا بالترحيب بالضيوف، والانتقال بين الرجال لتلبية طلباتهم، ثم العودة إلى والده أو أخيه باران، ولم يخطر بباله قط أن هناك من يراقب كل خطوة يخطوها.

اقترب ذات مرة من المائدة، فتسارعت نبضات قلب دنيز حتى خُيّل إليها أنه يسمعها.

تناول أحد الأطباق، ثم التفت إلى والدته مبتسمًا وقال:

مراد: يبدو أنكما أبدعتما اليوم يا أمي... الرائحة وحدها كفيلة بأن تجعلني أتناول ضعف ما أستطيع.

ابتسمت عائشة قائلة:

عائشة: الفضل لله، ثم لصفية، فقد ساعدتني كثيرًا.

خفضت دنيز رأسها في هدوء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة.

كانت تنتظر أن يضيف أحدهم:

"ودنيز أيضًا."

لكن أحدًا لم يفعل.

شعرت بشيء من الانكسار يتسلل إلى قلبها، غير أنها أخفت خيبة أملها خلف ابتسامة مصطنعة، وعادت ترتب الصحون كأن شيئًا لم يكن.

ورغم أن الاحتفال كان يعج بالضحكات، والأحاديث، وعبارات المباركة، وأن المنزل امتلأ بالدفء والمحبة، فإن قلب دنيز كان يعيش احتفالًا آخر... احتفالًا لم يكتمل.

كانت كل محاولاتها أن تسترعي انتباه مراد، وأن تنال منه نظرة إعجاب، أو كلمة ثناء، أو حتى حديثًا عابرًا يبعث الأمل في قلبها.

إلا أن جميع محاولاتها انتهت كما بدأت... بصمتٍ طويل، وأملٍ مؤجل، بينما ظل مراد غافلًا عن تلك المشاعر التي كانت تخفق في قلبها كلما وقع بصرها عليه.


انقضت ساعات الاحتفال شيئًا فشيئًا، وخفتت الأصوات التي كانت تملأ أرجاء المنزل بالضحكات والتهاني، حتى عاد السكون يفرض هيبته على المكان.

غادر الضيوف تباعًا، وتعالت عبارات الوداع والدعوات الصادقة بالتوفيق، قبل أن تُغلق الأبواب ويغرق المنزل في هدوء الليل.

كان كل فردٍ يحمل معه ذكرى جميلة من ذلك اليوم، أما باران فقد كان يحمل في قلبه شعورًا يصعب تفسيره.

ابتسم في وجه والديه قبل أن يستأذن منهما، ثم صعد الدرج بخطوات بطيئة، بعد ان عاد من الخارج مع والده وهم يودعون احد الأقارب، وكأن كل درجةٍ يخطوها تُثقِل شيئًا في صدره، وحين دخل غرفته، أغلق الباب برفق، واستند إليه للحظات، ثم أطلق زفرة طويلة خرجت معها أنفاسه مثقلةً بما يعجز عن البوح به.

خلع سترته وألقاها فوق المقعد القريب، ثم اتجه نحو سريره وجلس على طرفه مطأطئ الرأس، بينما راحت عيناه تجولان في أرجاء الغرفة دون أن تريا شيئًا.

كان ينبغي أن يكون أسعد إنسانٍ في تلك الليلة.

لقد تحقق الحلم الذي سهر من أجله أعوامًا طويلة، ونال منحةً إلى إحدى أعرق الجامعات في العالم، المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، في سويسرا، وهو إنجاز كان يتمنى الوصول إليه منذ أن بدأ أولى خطواته في الجامعة.

ومع ذلك...

لم يشعر بتلك السعادة التي طالما تخيلها.

كان هناك فراغٌ غريب، كأن جزءًا من فرحته قد غاب، أو كأن شخصًا كان ينبغي أن يكون حاضرًا ليمنح هذا اليوم معناه الكامل.

أغمض عينيه، فإذا بصورة ديلان ترتسم في مخيلته بكل وضوح.

ابتسامتها الهادئة...

حياء عينيها...

وطريقتها الرقيقة التي استوطنت قلبه منذ اللحظة الأولى.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة سرعان ما ذابت مع تنهيدة موجوعة، ثم قال بصوتٍ خافت، وكأنه يحدث نفسه:

باران: كم حلمت بهذا اليوم... وكم تمنيت أن أعيشه.

صمت قليلًا، ثم أكمل وعيناه معلقتان في الفراغ:

باران: لكن... لماذا أشعر أن فرحتي ناقصة؟.

مرر يده بين خصلات شعره في اضطراب، ثم أردف بصوتٍ يختلط فيه الحنين بالألم:

باران: ليتها جاءت اليوم... ليتها كانت بين الحاضرين.

تخيلها للحظة وهي تدخل القاعة، فتلتقي عيناه بعينيها، فيتقدم نحوها، ثم يأخذها إلى والدته بكل فخر، ويقول لها:

"يا أمي... هذه هي الفتاة التي سكنت قلبي."

ابتسم لذلك الخيال، لكنه ما لبث أن اختفى كما تختفي الأحلام عند انبلاج الصباح.

أطرق رأسه، وهمس بحرقة:

باران: لو حدث ذلك... لسافرت وأنا مطمئن، وأنا أعلم أنها تعرف حقيقة مشاعري.

سكت طويلًا، ولم يكن يسمع سوى صوت دقات قلبه.

ثم رفع رأسه قليلًا وقال:

باران:ولكن... ماذا أفعل الآن؟.

ازدادت نبرة صوته انكسارًا وهو يهمس:

باران: أيعقل أن تنتهي قصتي معها هنا؟، هل كانت كل تلك الصدف التي جمعتنا مجرد لحظات عابرة؟، هل سأرحل دون أن تعلم أن هناك قلبًا أحبها بصدق؟.

أغمض عينيه بقوة، وكأن قلبه يأبى تصديق تلك الفكرة.

لم يكن يخشى الغربة...

ولم يكن يخاف السفر...

لكن فكرة الابتعاد عنها لعامين كاملين كانت تؤلمه أكثر مما توقع.

عاد يهمس بصوتٍ يملؤه الرجاء:

باران: يا رب... إن كانت من نصيبي، فلا تحرمني منها.

تنهد طويلًا، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة امتزجت بالرضا.

وقال وكأنه يواسي قلبه:

باران: مهما حدث... ستبقين في قلبي، لن يستطيع البعد أن يمحو صورتك من ذاكرتي، سأغادر، وسأجتهد، وسأعود إلى وطني بعد عامين، وأرجو أن تكوني حينها قد أنهيت دراستك أيضًا.

ساد الصمت من جديد.

كانت الكلمات القليلة التي نطق بها أثقل من أن يحتملها قلب عاشق.

أطرق رأسه، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، وغرق في بحرٍ من الأفكار.

تارةً يتخيل لقاءهما القادم...

وتارةً يخشى ألا يأتي ذلك اللقاء أبدًا.

كان عقله يدعوه إلى التركيز في مستقبله، وفي المنحة التي انتظرها طويلًا، أما قلبه فكان يرفض أن يغادر الوطن قبل أن يطمئن عليها، ولو بنظرة واحدة، أو بكلمة صادقة، أو حتى بدعاء تسمعه منه.

وبعد لحظات، نهض ببطء واتجه نحو النافذة.

أزاح الستارة قليلًا، فإذا بالسماء قد ازدانت بآلاف النجوم، بينما ألقى القمر ضوءه الفضي على الطرقات الهادئة.

رفع بصره إلى السماء، وأخذ يحدق فيها طويلًا، ثم رفع كفيه بخشوع، وقد اغرورقت عيناه بالدموع.

وقال بصوتٍ خافت ارتجف من شدة ما يعتمل في صدره:

باران: اللهم إنك تعلم ما أخفيه في قلبي، وتعلم أنني ما أحببتها إلا حبًا طاهرًا أرجو به رضاك، 

اللهم إن كانت خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي، فاجمعني بها من حيث لا أحتسب، ويسّر لي طريق الوصول إليها بالحلال، اللهم احفظها بعينك التي لا تنام، وأبعد عنها كل سوء، واكتب لها الخير حيث كان، وإن كان بيني وبينها لقاء قبل سفري، فاجعله لقاءً تُقر به عيني، وتطمئن به نفسي، ويزداد به يقينًا برحمتك.

ظل يدعو طويلًا، حتى شعر بشيء من السكينة يتسلل إلى قلبه، وكأن يقينه بالله كان البلسم الوحيد القادر على تهدئة ذلك الوجع.

خفض يديه ببطء، وابتسم ابتسامة خافتة.

ثم همس وكأنه يحدث قلبه قبل أن يحدث أحدًا:

باران: سأنتظر... فربما كان الله يخبئ لي لقاءً أجمل مما أتخيل.

وألقى نظرة أخيرة إلى السماء، قبل أن يعود إلى سريره، وقد بقي قلبه معلقًا بين حلمٍ تحقق، وحلمٍ آخر لا يزال ينتظر أن يكتبه القدر.

 في مكان آخر من المدينة....

عاد الهدوء إلى بيت ديلان بعد خروج أمينة من المستشفى، لكنه لم يكن ذلك الهدوء الذي يحمل الطمأنينة، بل كان هدوءًا مثقلًا بالخوف، يسبق العاصفة في كل مرة، كانت أمينة تمضي أيامها على فراشها، لا تزال آثار العملية والوهن بادية على ملامحها، تتحرك بصعوبة، ويكفيها مجهود بسيط حتى ينهكها التعب ويجبرها على العودة إلى فراشها.

كانت تنظر إلى سقف الغرفة طويلًا، لا يؤلمها جسدها بقدر ما يؤلمها شعورها بالعجز. فقد اعتادت أن تكون عماد هذا البيت، تخرج مع شروق الشمس لتعمل، ثم تعود في آخر النهار مثقلة بالإرهاق، لكنها كانت تعود وفي قلبها راحة لأنها استطاعت أن توفر لأبنائها قوت يومهم.

أما الآن... فقد أصبحت عاجزة عن فعل ذلك.

وفي الجهة الأخرى من المنزل، كان كاظم يزداد ضيقًا يومًا بعد يوم، لم يكن استياءه سببه مرض زوجته أو ما أصابها، وإنما لأنه وجد نفسه مضطرًا لتحمل مسؤولية الإنفاق، وهي مسؤولية طالما تهرب منها وألقى بها على كاهل أمينة.

كان المال الذي يجنيه بالكاد يصل إلى البيت، لا لأنه قليل، بل لأن أغلبه كان يتبخر في جلسات القمار والسهر مع رفاق السوء، وما يتبقى منه لا يكاد يكفي لشراء بعض الخبز.

وفي كل مساء، كانت المشاحنات تتجدد.

وقف كاظم في وسط الغرفة وهو يرمي ببقايا نقوده فوق الطاولة بعصبية قائلاً:

كاظم: هذا كل ما أملك... وإن لم يعجبكِ فاذهبي واعملي كما كنتِ تفعلين.

رفعت أمينة رأسها إليه ببطء، وقد امتزج الألم في عينيها بالحسرة، وقالت بصوت متعب:

أمينة: وهل نسيت أن الطبيب منعني من العمل لمدة شعريت؟ وأنتي في فترة نقاهة أم أنك لا ترى إلا نفسك؟.

زمجر بضيق وهو يدير وجهه بعيدًا.

كاظم: أنا لست مسؤولًا عن مرضك.

أغمضت أمينة عينيها لثوانٍ، وكأنها تحاول أن تبتلع مرارة كلماته، ثم قالت بهدوء موجع:

أمينة: ألست أنت من كان يريد طفلا آخر؟، كما أنني لم أطلب منك المستحيل يا كاظم... فقط كن أبًا لهؤلاء الأطفال.

ضحك بسخرية وهو يلوح بيده.

كاظم: يكفيني ما أتحمله وما تحملته من قبل... لا تزيدي عليّ.

لم تستطع ديلان احتمال ما تسمعه، فتقدمت خطوة وقالت بثبات رغم ارتجاف قلبها:

ديلان: أمي لم تقصر مع هذا البيت يومًا... كانت تعمل وهي مريضة، وتتحمل كل شيء وحدها، أما الآن فهي تحتاج إليك، فلماذا تجعلها تشعر بأنها عبء؟.

استدار إليها بعينين تقدحان غضبًا.

كاظم: وأنتِ لا تتدخلي فيما لا يعنيك.

ردت بصوت خافت لكنه ثابت:

ديلان: بل يعنيني... لأنها أمي.

إقتربت أمينة من ديلان تبعدها قائلة..

أمينة: إبقي بعيدا يا إبنتي هذه الأمور بيني وبين كاظم لا دخل لك بها.

ساد صمت ثقيل، قبل أن يغادر كاظم المنزل بعنف، مصفقًا الباب خلفه حتى اهتزت جدران البيت.

ما إن اختفى صوته حتى انفجرت أمينة بالبكاء، ليس بسبب كلماته وحدها، بل لأنها شعرت لأول مرة أن سنوات عمرها التي أفنتها في خدمة أسرتها لم تترك في قلب زوجها ذرة امتنان.

اقتربت ديلان منها سريعًا، جلست إلى جوارها، وأمسكت يدها بكلتا يديها.

ديلان: لا تبكي يا أمي... أرجوكِ... سيأتي الفرج بإذن الله.

ربتت أمينة على يد ابنتها وهي تحاول أن ترسم ابتسامة واهنة.

أمينة: أخشى عليكم يا ابنتي... هذا كل ما أخشاه.

في تلك اللحظة كانت مريم تقف عند باب المنزل، فقد جاءت للاطمئنان على صديقتها، لكنها سمعت جانبًا كبيرًا من الشجار قبل أن تطرق الباب.

دخلت بخطوات مترددة، وما إن رأت الدموع في عيني أمينة حتى شعرت بانقباض في قلبها.

جلست إلى جوارها، وأخذت تواسيها بكلمات رقيقة، بينما بقيت ديلان صامتة، تحاول أن تخفي دموعها حتى لا تزيد من حزن والدتها.

وعندما غادرت مريم، كان قلبها مثقلًا بما رأته.

لم تتردد لحظة.

اتجهت مباشرة إلى والدتها

كريمة حين وصلت المنزل ، وما إن دخلت حتى قالت بقلق:

مريم: أمي... يجب أن نساعد خالتي أمينة.

رفعت كريمة رأسها عن كتاب كانت تقرؤه وقالت بهدوء:

كريمة: ماذا حدث؟.

قصّت عليها مريم كل ما رأته، وكيف تحول البيت إلى ساحة شجار بسبب المال، وكيف أصبحت أمينة عاجزة عن العودة إلى عملها.

تنهدت كريمة طويلًا، ثم أغمضت عينيها لحظة وهي تتمتم:

ــ لا حول ولا قوة إلا بالله...

ساد الصمت للحظات كانت كريمة تقلب ملام إبنتها في رأسها، ثم نهضت من مكانها بحزم.

كريم : حسنا يا إبنتي... سنذهب إليها غدا.

في الغد استقبلتهما أمينة بابتسامة خجولة، حاولت أن تخفي بها آثار الحزن، لكن كريمة كانت أذكى من أن تنخدع.

جلست إلى جوارها، وأمسكت يدها بحنان قائلة:

كريمة: كيف حالك الآن يا أمينة؟.

ابتسمت ابتسامة باهتة.

أمينة: الحمد لله... أفضل بقليل.

نظرت إليها كريمة مليًا، ثم قالت بصوت مفعم بالدفء:

كريمة: مريم أخبرتني بكل شيء... وأريد منك أن تطمئني.

خفضت أمينة رأسها خجلًا.

أمينة: لا أريد أن أكون حملًا على أحد.

ابتسمت كريمة بحنان.

كريمة: ومن قال إنك ستكونين حملًا؟، بل جئت أعرض عليك عملًا.

رفعت أمينة رأسها بدهشة.

أمينة: عمل؟.

كريمة: نعم.... المدرسة القرآنية تحتاج إلى امرأة أمينة ونشيطة تساعد في المطبخ، أو تتولى أعمال النظافة، والعمل ليس شاقًا، كما أن الإدارة تراعي ظروف العاملات، فهناك علاوات وحوافز ومنح وتأمين صحي، ليس كالعمل في البيوت.

بدت الدهشة واضحة على وجه أمينة.

أمينة: لكن...

قاطعتها كريمة بابتسامة مطمئنة.

كريمة: لا تتعجلي؛ استعيدي عافيتك أولًا، والوظيفة ستبقى محفوظة لك.

لمعت عينا أمينة بالامتنان، وقالت بصوت اختنق بالعبرة:

أمينة: جزاكِ الله عني كل خير... والله لا أعرف كيف أشكرك.

ربتت كريمة على يدها.

كريمة: لا شكر بيننا.

ثم التفتت نحو ديلان التي كانت تتابع الحديث بصمت.

ابتسمت لها وقالت:

كريمة: أما أنتِ يا ديلان... فلدي عرض آخر.

نظرت إليها ديلان باستغراب.

ديلان: أنا؟.

كريمة: نعم... لقد رأيتك مرارًا مع إخوتك الصغار، ورأيت صبرك عليهم، وحنانك في التعامل معهم، والمدرسة تحتاج إلى معلمة تشرف على الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا سن الدراسة بعد، تعلمهم الحروف، وآداب السلوك، وتحفظهم قصار السور تمهيدًا لدخولهم المدرسة.

اتسعت عينا ديلان دهشة.

ديلان: لكن... هل أستطيع فعل ذلك؟.

ابتسمت كريمة بثقة.

كريمة: أنا واثقة من أنك تستطيعين، بل وستنجحين أيضًا.

ظل الصمت يخيّم على المكان لحظات، بينما راحت الكلمات تتردد في عقل ديلان.

وظيفة...

دخلٌ خاص بها...

وسبيل لمساعدة والدتها...

وفرصة للخروج من ذلك البيت الذي أصبح يضيق بأنفاسها يومًا بعد يوم.

رفعت رأسها أخيرًا، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة لم تظهر منذ زمن.

ديلان: أوافق.

اتسعت ابتسامة كريمة.

كريمة: إذن ستبدئين العمل فور إعلان نتائج الامتحانات، بما ان الجميع في عطلة.

ومنذ اليوم الأول، أدرك الجميع أن كريمة لم تخطئ في اختيارها.

كان الأطفال يلتفون حول ديلان كالفراشات، يأنسون لابتسامتها، ويتسابقون للإمساك بيديها، بينما كانت تعامل كل طفل وكأنه أحد إخوتها.

كانت تركع إلى مستواهم، تمسح على رؤوسهم، وتصغي إلى كلماتهم المتعثرة بصبر لا ينفد، فتغرس في قلوبهم حب القرآن قبل أن تحفظهم آياته.

راقبتها كريمة من بعيد غير مرة، وكلما رأتها ازداد يقينها بأنها وُلدت لتكون قريبة من الأطفال، تمنحهم من حنانها ما حُرم منه قلبها.

وفي أحد الأيام، استدعت كريمة ديلان إلى مكتبها وقالت بابتسامة يغمرها الرضا:

كريمة: لقد أبدت إدارة المدرسة إعجابها الكبير بأدائك، وهم يدرسون الإبقاء على هذه الحلقات حتى بعد بدء العام الدراسي، مع تنظيم جدول يناسب الأطفال والمعلمات.

شهقت ديلان بدهشة.

ديلان: حقًا!؟.

كريمة: نعم... وإذا تم اعتماد القرار، فستحصلين على وظيفة ثابتة وراتب شهري، مع الحوافز والعلاوان وحتى التأمين الصحي.

شعرت ديلان وكأن نافذة واسعة قد فُتحت في قلبها بعد طول اختناق.

قالت وعيناها تلمعان بالأمل:

ديلان: هذا أكثر مما تمنيت.

ابتسمت كريمة وقالت:

كريمة: فكري في الأمر، ولا تتعجلي.

هزت ديلان رأسها، ثم قالت بثقة:

ديلان: لا... لقد فكرت، أريد أن أعمل، أريد أن أعتمد على نفسي، وأن أساعد أمي، وأن يكون لي رزق أكسبه بيدي.

ثم أطرقت برأسها قليلًا وهمست:

ديلان: كما أنني... لا أريد أن أبقى في ذلك البيت طوال اليوم.

فهمت كريمة ما لم تنطقه الكلمات، فاكتفت بأن وضعت يدها على كتفها بحنان وقالت:

كريمة: إذن اعتبري الأمر قد تم، أما والدتك فلتستعد عافيتها أولًا، وبعدها تتواصل مع السيدة التي كانت تعمل لديها لترتب أمورها، ولا أحد سيجبرها على العودة قبل أن تصبح قادرة على ذلك.

ابتسمت ديلان لأول مرة منذ أشهر ابتسامة صادقة، وشعرت أن الله، بعد كل ذلك الألم، بدأ يفتح لها بابًا صغيرًا من النور... بابًا كانت ستعبر منه نحو حياة جديدة، تحمل في طياتها الأمل بعد طول انكسار.


مرّت الأيام متتابعة، تحمل معها شيئًا من السكينة لقلبٍ أنهكته العواصف، وشيئًا من الألم لقلبٍ ما زال يلهث خلف حلمٍ بعيد.

كانت ديلان تستيقظ كل صباح قبل شروق الشمس، تؤدي صلاتها، ثم تساعد والدتها في إعداد ما تحتاج إليه داخل المنزل، قبل أن ترتدي حجابها وتحمل حقيبتها الصغيرة وتتجه إلى المدرسة القرآنية.

ومنذ أن تخطو قدماها بوابة المدرسة، كانت تشعر وكأنها تعبر إلى عالمٍ آخر... عالم لا يعرف الصراخ، ولا الإهانات، ولا نظرات كاظم المقيتة التي كانت تطاردها داخل البيت.

ما إن تقع عيناها على الأطفال حتى ترتسم على شفتيها ابتسامة صادقة، ابتسامة غابت طويلًا عن وجهها حتى ظنت أنها لن تعود إليه أبدًا.

كان الصغار يركضون نحوها كل صباح وهم يهتفون بفرح:

الأطفال: جاءت المعلمة ديلان!.

فيتسابق أحدهم ليعانقها، بينما تتعلق آخرى بعباءتها، ويقف ثالث وهو يلوح لها بكفه الصغيرة،

فتضحك من أعماق قلبها، وتنحني إلى مستواهم، تربت على رؤوسهم واحدًا تلو الآخر، وكأنها تعوضهم عن حنان افتقدوه، بينما كانوا هم، دون أن يشعروا، يداوون الجراح العميقة المختبئة داخل قلبها.

كانت تستمع إلى تلاوتهم المتعثرة، تصحح لهم برفق، وتكافئهم بكلمات تشجيع بسيطة، فتتلألأ أعينهم بالسعادة.

وفي كل مرة تسمع طفلًا يردد سورة قصيرة بعدما كان يعجز عن حفظها، كانت تشعر بانتصار صغير يضيء قلبها.

ولم يكن الأطفال وحدهم من تعلقوا بها بل مل من يعمل بتلك المدرسة، بل كانت هي أيضًا قد تعلقت بهم.

أصبحت تنتظر الصباح بشوق، وتعد الساعات حتى يحين موعد ذهابها إليهم، وكأن المدرسة لم تعد مجرد مكان للعمل، بل ملاذًا آمنًا تهرب إليه من واقعها المؤلم،

كانت تقول في سرها وهي تراقب ضحكاتهم البريئة:

"ما أعجب قلوب الأطفال... يدخلونها دون استئذان، ثم يعيدون إليها الحياة دون أن يعلموا."

أما حين تعود إلى المنزل، كانت تعود أكثر قوة مما كانت عليه،

لم تعد تلك الفتاة المرتجفة التي يخيفها مجرد صوت كاظم أو وقع خطواته في أرجاء البيت.

لقد بدأ شيء ما يتغير داخلها...

شيء يشبه الكرامة التي استعادت أنفاسها.

وشيئًا فشيئًا، بدأ أول راتب تتقاضاه يرسم في قلبها شعورًا لم تعرفه من قبل.

أمسكت بالنقود بين يديها طويلًا، تحدق إليها بعينين اغرورقتا بالدموع.

لم تكن تنظر إلى قيمتها المادية...

بل إلى معناها.

إنها أول مال تجنيه بعرق جبينها.

أول مبلغ تشعر أنه ثمرة تعبها هي.

ضمت الأوراق النقدية إلى صدرها وهمست بصوت بالكاد يسمع:

ديلان: الحمد لله...

ثم أغمضت عينيها، لتنساب دمعة دافئة على خدها.

"إذن... أستطيع أن أقف على قدمي."

"لست ضعيفة كما أراد كاظم أن يقنعني."

"ولست عاجزة كما كنت أظن."

في تلك الليلة، مدت يدها إلى والدتها وقدمت لها جزءًا من راتبها.

هزت أمينة رأسها رافضة.

أمينة: احتفظي به يا ابنتي... ستحتاجينه.

ابتسمت ديلان برقة وأعادت المال إلى يد والدتها.

ديلان: بل نحن من يحتاجه يا أمي... وما أكسبه هو حق لهذا البيت.

نظرت أمينة إليها بعينين امتلأتا بالفخر.

كانت ترى أمامها ابنة لم تكبر في العمر فحسب...

بل كبرت في المسؤولية أيضًا.

وفي مكان آخر...

كان باران يعيش أيامًا مختلفة تمامًا.

أوراق متناثرة فوق مكتبه،

طلبات استخراج الوثائق،

تصديق الشهادات،

إجراءات السفر،

مواعيد لا تنتهي،

كان يستعد لبدء مرحلة جديدة من حياته، مرحلة طالما حلم بها، فقد اقترب موعد سفره لإكمال دراسته خارج البلاد.

لكن الغريب أن قلبه لم يكن حاضرًا مع كل تلك الاستعدادات.

كان يؤدي كل شيء وكأنه آلة...

أما روحه، فكانت معلقة في مكان آخر.

في كل صباح، وبعد أن ينهي بعض معاملاته، كانت قدماه تقودانه دون تفكير إلى محيط الجامعة.

كان يقف هناك طويلًا،

أمام البوابة...

أو بالقرب من الحديقة...

أو في المقهى المقابل.

عيناه تجوبان الوجوه في صمت،

كل فتاة تعبر أمامه كانت تجعله يرفع رأسه بسرعة، قبل أن يخبو ذلك الأمل عندما يكتشف أنها ليست هي.

تنهد ذات مرة وهو يهمس لنفسه:

باران: أحقًا لن أراكِ مرة أخرى؟.

ظل صامتًا للحظات، ثم ابتسم ابتسامة حزينة.

باران: ربما تأتي اليوم...

ربما لديها معاملة في الجامعة...

ربما جاءت لاستخراج وثيقة...

ربما...

ضحك من نفسه ساخرًا.

باران: أصبحت أعيش على كلمة... ربما.

مرت ساعات، وغابت الشمس، ولم تأتِ.

عاد إلى منزله بخطوات بطيئة، لكنه لم يستسلم.

وفي اليوم التالي...

عاد من جديد،

وفي الذي يليه...

عاد أيضًا،

حتى أصبح الحارس عند بوابة الجامعة يراه كل يوم، فيلقي عليه التحية، بينما يجيبه باران بابتسامة شاردة لا تخلو من التعب.

كان يحدث نفسه كلما همّ بالمغادرة:

"إن لم تأتِ اليوم... فربما تأتي غدًا، ولعل القدر يحنّ أخيرًا."

لكنه لم يكن يعلم...

أن القدر كان يخبئ لكل واحد منهما طريقًا مختلفًا.

ففي الوقت الذي كان يقف فيه أمام الجامعة ينتظر أن تخرج ديلان من إحدى القاعات...

كانت ديلان، على بعد أحياء قليلة من منزله، تجلس وسط دائرة من الأطفال، تردد معهم بصوت عذب:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.

وبينما كان يحدق في بوابة الجامعة مترقبًا ظهورها...

كانت هي تمسح دموع طفل صغير، وتبتسم له حتى عاد يبتسم.

وبينما كان باران يجوب المكان الذي جمعه بها أول مرة، متشبثًا بأملٍ واهنٍ أن تقع عيناه عليها بين المارة أو عند بوابة الجامعة، كانت ديلان قد سلكت طريقًا آخر، طريقًا لم يخطر بباله أن يقصده يومًا.

لم تكن بعيدة عنه كما كان يظن...

بل كانت أقرب إليه مما يتصور.

فلم يكن يفصلها عن منزله سوى خطوات قليلة، تقطعها الأقدام في دقائق معدودة، غير أن عقله ظل يقوده كل يوم إلى المكان الخطأ، بينما كانت هي تمر بحياتها الجديدة في مكان يكاد يجاور حياته.

ويا لعجب الأقدار...

كم من روحين يفصل بينهما وطنان، فيجمعهما القدر في لحظة واحدة، وكم من قلبين لا تفصل بينهما إلا أمتار معدودة، ومع ذلك يحول القدر بين لقائهما حتى يحين أوانه.

كانا يعيشان تحت السماء نفسها، ويتنفسان الهواء ذاته، وتداعب وجهيهما نسمات الريح نفسها، بل لعل أحدهما مر غير مرة بالطريق الذي سلكه الآخر قبل دقائق، دون أن يدرك أيٌّ منهما مدى قربه من صاحبه.

كانت المسافة بينهما تُقاس بالخطوات، لكنها في ميزان القدر كانت أبعد من أن تطويها الأقدام، لأن اللقاء لم يكن رهن الطرقات، ولا ثمرة بحثٍ أو مصادفة، بل كان موعدًا كتبه الله في كتابٍ لا يخطئ، وأجّل لحظته إلى الزمن الذي اختاره بحكمته.

لذلك ظل باران يبحث في كل مكان إلا المكان الذي كانت فيه، وظلت ديلان تمضي في طريقها غير عالمة أن من يشغل تفكيرها بين الحين والآخر كان قريبًا منها إلى حدٍّ لو التفت أحدهما في اللحظة المناسبة، لتقاطعت النظرات، وتبدل مسار الحكاية بأكملها.

لكن القدر لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد...

وكان يخفي لهما لقاءً سيأتي في وقته المقدر، حين تتلاقى الخطوات التي فرقتها الأيام، وتجتمع القلوب التي حفظها الله لبعضها، مهما أطال بينها الانتظار.


ولهذا، ظل باران يبحث...

وظلت ديلان تبني حياتها من جديد...

دون أن يعلم أيٌّ منهما أن الزمن كان يعدّ لهما لقاءً مختلفًا، يأتي في أوانه، لا قبل ذلك، ولا بعده بلحظة واحدة. 

         الفصل السابع عشر من هنا

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>