رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع عشر17 والثامن عشر18 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع عشر17 والثامن عشر18 بقلم عاشقة القلم

.مرّت الأيام التالية مسرعة، وكأنها تسابق الزمن لتدفع كلًّا منهما نحو قدر لا يعلمان كيف ستكون نهايته.

كان باران يعيش أيامه بين حقيبة سفر لم تكتمل، وقلب أثقلته الحيرة، وخطوات أنهكها البحث، لم يدّخر مكانًا يمكن أن يقوده إليها إلا وطرقه، ولا شارعًا ظن أن له صلة بها إلا وسلكه، حتى غدت المدينة كلها مألوفة لعينين لا تبحثان عن معالمها، بل عن وجه واحد فقط.

وفي كل مساء، كان يعود إلى غرفته مثقل الروح، يلقي بجسده على سريره، ثم يحدق طويلًا في سقف الغرفة، وكأن الإجابة المفقودة قد كُتبت هناك.

تنهد بحرقة وهمس لنفسه:

باران: أين أنتِ يا ترى؟... أتعلمين أنني ما زلت أبحث عنك؟ أم أنك نسيتِ ذلك اللقاء كما ينسى الناس المارة وجوه الغرباء؟.

ساد الصمت من حوله، ولم يجبه سوى صوت أنفاسه المتعبة،

أغمض عينيه، فإذا بصورتها ترتسم أمامه كما رآها أول مرة... نظرتها الخجولة، ارتباكها، والطريقة التي انصرف بها القدر قبل أن يمنحه فرصة يعرفها بنفسه.

نهض وجلس على كرسي مكتبه، اخرج كراسه الذي يرسم عليه، فتح صفحة جديدة وبدأ يخط صورتها كما رسمها له خياله، وكلما إنتهى من رسمة، قلب الصفحة ليرسم صورة اخرى لها، كانت تلك الرسومات من تخفف عنه تلك الآلام التي تعصف بقلبه، كان يخرجها بين الحين والآخر ينظر لها ويحدثها وكأنها هي من تتظر له وتبادله الحديث  لا رسمة رسمها هو بيديه.

رفع يده إلى جبينه وهمس بحزن أشد:

باران: كم يبدو الأمر غريبًا... أبحث عنك في كل مكان، بينما أشعر في أعماقي أنك قريبة... قريبة جدًا... لكنني عاجز عن الوصول إليك.

ثم نهض واتجه نحو النافذة، يراقب المارة في الشارع.

كم مرة أوهم نفسه أن فتاة تعبر الرصيف هي ديلان، فيسرع بالنظر إليها، ثم يبتسم لنفسه ابتسامة باهتة حين يكتشف أنه كان يطارد سرابًا جديدًا.

اقترب موعد سفره يومًا بعد يوم، وكان ذلك الموعد يغرس في قلبه خوفًا لم يعهده من قبل.

خوفًا من أن يغادر، فتأتي هي بعد رحيله.

خوفًا من أن يكون القدر قد قرر أن يجعلهما يمران من المكان نفسه... ولكن في وقتين مختلفين.

أطرق رأسه، وأخذ يحدث نفسه بصوت خافت:

باران: يا رب... لا أريد أن آخذ معي هذا السؤال، إن كانت من نصيبي، فاجمعني بها قبل أن أغادر... وإن لم تكن، فارزقني قلبًا يرضى بما قسمت.

...

وفي الجانب الآخر من المدينة...

كانت ديلان ليست بأفضل حال منه، فقد كانت تخوض معركتها الخاصة.

لم تكن معركة سلاح، بل معركة كرامة واستقلال.

كانت تخطو كل صباح خارج منزلها وهي تحمل في قلبها عهدًا قطعته على نفسها؛ أن تصبح امرأة تعتمد على ذاتها، وأن تخرج نهائيًا من دائرة الخوف التي فرضها عليها كاظم، ومن قبضته التي حاول أن يجعلها سجينة لرغباته وأفكاره الخبيثة.

كانت تعمل وتجتهد، وتتعلم كيف تبني مستقبلها حجرًا فوق حجر،

ومع ذلك...

كان هناك ركن صغير في قلبها لم تستطع أن تطرده منه،

ركن يسكنه ذلك الشاب المجهول،

كلما هدأت ضوضاء النهار، أو خلت بنفسها، امتدت يدها تلقائيًا إلى المكان الذي أخفت فيه رسالته.

تخرجها بكل عناية، كأنها تخشى أن تؤذيها.

تتأمل حروفها مرة بعد أخرى، وقد حفظتها عن ظهر قلب، لكنها كانت تقرؤها في كل مرة وكأنها المرة الأولى.

ابتسمت ابتسامة رقيقة، ثم همست لنفسها:

ديلان: ترى... كيف تكون ملامحك الآن؟، هل ما زلت تذكرني كما أتذكرك؟، أم أن الأيام أخذتك بعيدًا حتى محوتني من ذاكرتك؟.

تنهدت وهي تمرر أصابعها فوق الكلمات، وكأنها تلامس يد كاتبها،

وسرعان ما أخذ خيالها ينسج عشرات الصور.

تخيلت أنه يقف فجأة أمامها في إحدى الطرقات.

وتخيلت أنها تلتفت نحوه، فتلتقي أعينهما بعد طول انتظار،

وتخيلت أنه يبتسم قائلًا:

باران في خيالها: أخيرًا وجدتك... لقد بحثت عنك كثيرًا.

فتجيب بخجل، وقد اغرورقت عيناها بالدموع:

ديلان في خيالها: وأنا أيضًا... كنت أنتظر أن يجمع الله بيننا،

لكنها ما إن تعود إلى واقعها حتى تتنهد بحسرة، وتضم الرسالة إلى صدرها للحظات، ثم تعيدها إلى مكانها بعناية.

وكأنها لا تخبئ ورقة...

بل تخبئ حلمًا كاملًا،

رفعت بصرها إلى السماء من خلف النافذة، وتمتمت بقلب مفعم بالرجاء:

ديلان: يا رب... إن كان هذا الشعور الذي وضعته في قلبي خيرًا لي، فلا تدعه يضيع، وإن كان لقاؤنا مكتوبًا عندك، فاجمع بيننا في الوقت الذي اخترته لنا، واجعل انتظارنا بداية لفرح طويل.

وفي تلك اللحظة...

كان باران يقف أمام نافذة غرفته، يرفع بصره إلى السماء بالدعاء نفسه تقريبًا، دون أن يعلم أن الفتاة التي يناجي الله من أجلها لم تكن بعيدة عنه إلا ببضعة شوارع.

كانت هي تسير أحيانًا بالقرب من منزله، وتعبر الطرق التي اعتاد المرور منها، بينما كان هو يطوف أنحاء المدينة باحثًا عنها في أماكن لم تطأها قدمها قط، بعيدا عن الدائرة التي اصبحت تتحرك فيها ديلان.

يالها من مفارقة نسجها القدر بصمت...

كانت المسافة بين القلبين قد تقلصت حتى كادت تختفي، بينما بقيت الطرقات تصر على إبعادهما عن بعضهما، وكأن الأقدار كانت تهمس لهما في الخفاء:

"ليس كل من اقتربت منه المسافات، آن أوان لقائه... فبعض اللقاءات يؤجلها الله، لا ليحرم أصحابها منها، بل ليمنحها جمالًا لا يكتمل إلا في موعدها المكتوب."

وهكذا...

نام باران على أمل أن يحمل له صباح الغد خبرًا يقوده إليها قبل أن يحين موعد سفره.

ونامت ديلان وهي تخفي رسالته تحت وسادتها، كمن يخبئ جزءًا من قلبه، مؤمنة بأن الله لا يزرع رجاءً صادقًا في القلوب عبثًا، وأن للقدر ساعة إذا حانت، جمع بين روحين ظلتا تبحثان عن بعضهما، حتى وإن فرّقت بينهما الطرق طويلًا.


مرّت الأيام تباعًا،  وبدا اليوم الذي سيغادر فيه باران ارض الوطن يقترب، وكل يوم كان يحمل معه اقتراب موعد سفر باران، كان يأخذ معه جزءًا جديدًا من صبره.

كان يقضي نهاره متنقلًا بين إنهاء إجراءات سفره، وبين رحلة بحث لا تنتهي عن تلك الفتاة التي استوطنت قلبه منذ لقائهما العابر، طرق الأماكن التي ظن أنها قد تكون وجهتها، وسأل كل من ظن أنه قد يقوده إليها، لكن خيوط الأمل كانت تتفلت من بين يديه في كل مرة.

وفي كل مساء، كان يعود منهكًا، يجلس قرب نافذته محدقًا في السماء ويتمتم بحزن:

باران: أمعقول أن تكوني قد اختفيت هكذا؟، أم أن القدر يختبر صبري؟... لم يبقَ على سفري إلا أيام قليلة، فلا تجعلني أغادر وأنا أجهل حتى اسمك.

ثم يغمض عينيه، مستحضرًا ملامحها، ويتمسك بأمل صغير يخبره أن لقاءهما لم يكن عبثًا، وأن الله لا يجمع بين روحين صدفة ثم يفرقهما إلى الأبد.

وفي الجهة الأخرى، كانت ديلان تخوض معركة مختلفة، كانت تخطو بثبات نحو حياة جديدة، تسعى فيها إلى الاعتماد على نفسها، والتحرر من خوفها ومن سيطرة كاظم على والدتها، وأفكاره المظلمة ونفسه الخبيثة، كانت تشعر، مع كل يوم يمر، بأنها تستعيد شيئًا من قوتها و حيويتها التي سلبتها منها الأيام.

لكن، ورغم انشغالها، كان ذلك الشاب يزور خاطرها بين الحين والآخر.

فتخرج رسالته من بين أغراضها، تتأملها بابتسامة هادئة، ثم تهمس لنفسها:

ديلان: ترى... هل ما زلت تذكرني؟، أم أنني أصبحت مجرد ذكرى عابرة في حياتك؟، وكما قلت في رسالتك قد نسيتني وإبتعدت عن عالمي.

تضم الرسالة إلى صدرها للحظات، ثم تخبئها بعناية وكأنها تخبئ حلمًا تخشى عليه من الضياع.

ديلان: إن كان الله قد كتب لنا لقاءً آخر... فسيأتي في أجمل وقت، وسأصبر وأهبئ ذكراك في قلبي حتى يحين الوقت، سانتظر حتى يكتب الله لنا ذلك اللقاء.

لم تعلم حين قالت تلك الكلمات ان القدر ساقها إليه، لكن مازال الوقت لم يحن لتتقابل الوجوه بعد.

وفي صباح أحد الأيام، خرجت ديلان متجهة إلى عملها، بينما كان باران يقود سيارة والده، التي إستعارها للقيام ببعض المهام بين الدوائر الحكومية لإستخراج بعض الوثائق، ولضيق الوقت لم يكن ليفعلها بدون وسيلة نقل تأخذه بسرعة من مكان لآخر، ثم يذهب من مكان لآخر وقصدَه البحث عنها.

لم يكن يفصل بينهما سوى أمتار قليلة...

توقفت سيارته أمام إشارة المرور، وفي اللحظة نفسها عبرت ديلان الرصيف المقابل، لم ينتبه لها لانه لم يعلم بعد انها اصبحت محجبة، لم يرفع بصره لها، اما هي فكانت منشغلة بترتيب حقيبتها دون أن ترفع رأسها، بل كانت تنظر امامها لتقطع الطريق بسرعة.

وما إن تحركت الإشارة، حتى انطلقت السيارة في اتجاه، ومضت هي في الاتجاه الآخر.

مرّ كل منهما بالقرب من الآخر...

دون أن تلتقي عيناهما.

وكأن القدر ابتسم في صمت، مؤجلًا اللقاء مرة أخرى، ليزداد الشوق في قلبين لم يدرك صاحبهما أنهما كانا، في تلك اللحظة، أقرب إلى بعضهما من أي وقت مضى.


 بعض مرور عدة أسابيع، وفي الجهة الأخرى من المدينة...

 كانت الحياة تمضي بهدوء في بيت ديلان، وكأنها تحاول أن تضمد شيئًا من جراح الأيام الماضية.

فبعد أن تجاوزت الأسرة تلك المحنة العصيبة بعد مرض والدتها، بدأ الجميع يستعد لاستقبال عام دراسي جديد، يحمل في طياته أمنيات صغيرة، لكنها كانت تعني لهم الكثير.

خرجت ديلان برفقة والدتها إلى السوق، تتنقل بين المحال التجارية، تحمل في يدها قائمة بما يحتاجه إخوتها، وفي قلبها شعور جميل لم تعرفه منذ زمن... شعور بأنها أصبحت السند الحقيقي لهذه الأسرة.

وقفت أمام أحد المحال الخاصة بملابس المحجبات، وأخذت تتأمل الثياب بعناية، ثم ابتسمت وهي تختار بعض القطع التي تناسبها.

همست أمينة وهي تراقب ابنتها:

أمينة: الحمد لله... أراك اليوم تختارين ما تحبين، بعدما كنتِ تحرمين نفسك من أبسط الأشياء.

ابتسمت ديلان ابتسامة دافئة، وقالت وهي تطوي إحدى العباءات:

ديلان: لم أعد أشتري لنفسي وحدي يا أمي... أصبحت أفكر في أحمد وعمر قبلي.

ربتت أمينة على يدها بحنان، وقالت:

أمينة: بارك الله فيك يا ابنتي... لقد أصبحتِ عونًا لي بعد الله، لاتقلقي من هذا الشهر ساحمل انا ذلك الحمل عنك لتتفرغي لنفسك ودراستك التي اصبحت على الابواب.

ثم انتقلتا إلى محل آخر، حيث كانت الحقائب المدرسية مصطفة بألوانها الزاهية.

ركض أحمد نحو إحدى الحقائب وهو يقول بحماس:

أحمد: ديلان... انظري! أريد هذه... إنها أجمل واحدة.

ضحكت ديلان، ثم التفتت إلى عمر الذي كان يقف صامتًا، يتأمل المكان بعينين تملؤهما الدهشة.

اقتربت منه وانحنت إلى مستواه.

ديلان: ما بك يا بطل؟ ألا تعجبك أي حقيبة؟.

رفع عمر رأسه إليها وقال بخجل:

عمر: هل سأذهب حقًا إلى المدرسة مثل أحمد؟.

ابتسمت وهي تمسح على شعره برفق.

ديلان: نعم... ستبدأ أولى خطواتك، وستتعلم القراءة والكتابة، وستعود كل يوم لتحكي لنا ما تعلمته.

اتسعت ابتسامة الصغير، وأخذ يقفز في مكانه فرحًا، بينما ضحك أحمد وهو يقول:

أحمد: سأعلمه كيف يحمل حقيبته... وسأوصيه ألا يبكي في أول يوم.

قطب عمر حاجبيه محتجًا:

عمر: أنا لست صغيرًا... لن أبكي.

تعالت ضحكات الجميع، حتى أمينة شعرت أن قلبها، الذي أثقلته الهموم طويلًا، بدأ يستعيد شيئًا من راحته، نظرت لصغيرين وقالت ..

انينة: هيا إختارا الحقائب التي تريدونها حتى ادفع الثمن، مازال امامنا اشياءا اخرى لنشتريها.

وفي طريق العودة، مروا بالطريق المؤدية إلى المدرسة القرآنية التي اعتادت ديلان أن تصطحب أخويها إليها، وقد إلتحقت بها والدتها لتعمل عي أيضا هناك،

كانت تؤمن أن العلم لا يكتمل إلا بالأخلاق، وأن حفظ شيء من كتاب الله سيكون خير زاد لهما في حياتهما.

قالت وهي تنظر إلى أحمد وعمر:

ديلان: بعد أيام ستبدآن الدراسة، لكننا لن نترك حلقات القرآن، اتفقنا؟.

أجابا بصوت واحد:

الطفلان: اتفقنا.

أما أمينة، فكانت تحمل في قلبها فرحة مختلفة.

فبعد أشهر من القلق وعدم الاستقرار، كتب الله لها بداية جديدة.

كانت قد إلتحقت بعملها الجديد في المدرسة، بعدما استغنت السيدة التي كانت تعمل لديها عن خدماتها بسبب طول فترة غيابها.

وللمرة الأولى منذ سنوات، لم تشعر بالحزن لذلك.

بل كانت ترى أن الله عوضها خيرًا.

فهذا العمل سيمنحها راتبًا ثابتًا، وتأمينًا صحيًا يكفل لها ولصغارها العلاج، والأهم من ذلك كله... أنه سيجمعها بأبنائها في مكان واحد، فلا تعود تمضي ساعات عملها وقلبها معلق بهم.

التفتت إلى ديلان وقالت بصوت امتزج فيه الامتنان بالأمل:

أمينة: قررت أن أنقل أحمد وعمر إلى المدرسة القريبة من عملي... سأكون مطمئنة عليهما، ولن أعيش ذلك القلق الذي كان يرافقني كل يوم.

ابتسمت ديلان وهي تشعر براحة لم تعرفها منذ زمن.

ديلان: هذا أفضل قرار يا أمي... لقد آن الأوان أن تبدأ حياتنا تستقر، وأن نعوض ما فاتنا من تعب.

رفعت أمينة بصرها إلى السماء، وقد اغرورقت عيناها بالدموع.

أمينة: الحمد لله... ما أغلق الله بابًا إلا وفتح لنا أبوابًا لم نكن نتخيلها، أسأله أن يديم علينا هذه الطمأنينة، وأن يحفظكم جميعًا من كل سوء.

سارت الأسرة في طريق العودة، تتعالى ضحكات الطفلين وهما يتجادلان حول شكل حقائبهما الجديدة، بينما كانت ديلان تنظر إليهما بقلب امتلأ دفئًا.

ولأول مرة منذ وقت طويل...

شعرت أن المستقبل، رغم ما يخفيه من غموض، لم يعد يبدو مخيفًا كما كان، وأن بعد كل عسر... لا بد أن يأتي يسر كتبه الله لعباده الصابرين.


جاءت ليلة السفر و حلَّ الليل أخيرًا...

وسكنت أرجاء المدينة بعد يوم طويل من الوداع والاستعداد للسفر.

في منزل باران، خفتت الأصوات، وأُطفئت الأنوار واحدًا تلو الآخر، ولم يبقَ مستيقظًا سوى قلبٍ أثقلته الغربة قبل أن تبدأ.

كان باران مستلقيًا فوق فراشه، يحدق في سقف غرفته، بينما كانت صورة ديلان تمر أمام عينيه للمرة الأخيرة قبل أن يغادر وطنه.

تنهد وهمس بصوت خافت:

باران: يا رب... إن كان لقاؤنا خيرًا، فلا تجعل الغربة تمحوها من ذاكرتي، واجمعني بها يومًا وإن طال الفراق.

أغمض عينيه بعدما تحركت شفتاه بدعاء النوم، وسرعان ما غرق في نوم عميق...

رأى نفسه يقف على شاطئ بحر هادئ، تتهادى أمواجه برفق تحت ضوء القمر.

وفجأة، ظهرت سفينة بيضاء كبيرة، رست أمامه، وانفتح بابها ببطء، وكأنها تدعوه للصعود.

نظر خلفه، فرأى مدينته تغفو في هدوء، ثم صعد إلى السفينة دون أن يدري إلى أين تمضي،

وما إن ابتعدت عن الشاطئ، حتى أخذ البحر يتحول إلى صفحة من نور، وارتفعت السفينة شيئًا فشيئًا حتى لامست السحاب.

وفي الأفق، لاح له جبل شامخ تعلو قمته شجرة وارفة، تتدلى من أغصانها مفاتيح ذهبية تلمع كأنها نجوم.

اقترب منها، وما إن مد يده، حتى استقر أحد المفاتيح في كفه،

ابتسم دون أن يفهم السبب،

ثم لمح فتاة ترتدي ثوبًا أبيض ونقابًا أسود، تقف على الضفة الأخرى، ترفع يدها نحوه،

خفق قلبه بعنف،

همس باسم دون صوت...

وأخذ يركض إليها.

لكن، وقبل أن يصل، ارتفع بينهما جدار زجاجي شفاف،

كانت قريبة جدًا...

يراها بوضوح...

لكنها أبعد من أن يلمسها.

طرق الزجاج بكلتا يديه، وهي تفعل الشيء نفسه، وكأن كليهما يستغيث بالآخر.

وفجأة...

ظهر رجل يقف إلى جوارها، لا تظهر ملامحه جيدا، أخذ بيدها وسار بها نحو بيت كبير يفتح أبوابه لهما.

وقف باران عاجزًا، يراقبهما وقلبه يعتصر ألمًا.

ثم، وبعد لحظات، انطفأ نور البيت، واختفى الرجل كما يختفي الظل عند طلوع الشمس، وكأنه ذاب في ذلك الظلام الذي خيم فجأة على ذلك البيت،

وفي اللحظة نفسها، تلاشى الجدار الزجاجي.

اندفع باران نحو الفتاة، امسكها من يديها، وما إن مد يده ليرفع نقابها...

حتى دوى صوت قوي في الأفق، وحينها استيقظ فزعًا، كان أذان الفجر يعلو في الخارج.

اعتدل في جلسته، وأنفاسه تتلاحق.

مرر يده على وجهه وهمس:

باران: سبحان الله... ما أغرب هذا الحلم!.

ثم نظر إلى النافذة، وقد بدأ خيط الفجر الأول يلوح في السماء، ولكنه ظن أن ما رآه لم يكن سوى حديث نفس سببه ألم الفراق، فبدا يستغفر في سره وهو يمسح على وجهه وصدره من شدة فزعته حين إستيقظ.


وفي الجهة الأخرى من المدينة...

وفي نفس الليلة كانت ديلان قد نامت هي الأخرى، بعدما رتبت رسالة ذلك الشاب داخل صندوقها الصغير، وأغلقت عليه برفق، كأنها تحفظ فيه أمنية عمرها.

وما إن إستلقت على فراشها أغمضت عينيها، وغطت في نوم عميق، حتى وجدت نفسها تسير في بستان تغمره الأزهار،

وكان أمامها طائر أبيض جميل يحمل في منقاره رسالة،

طار حولها مرات عدة، ثم حط على كفها، وكأنه يودعها،

ابتسمت له، ومدت يدها لتداعب ريشه.

لكن الطائر فرد جناحيه فجأة، وارتفع عاليًا نحو السماء،

أخذت تركض خلفه وهي تناديه لكن صوتها لم يتجاوز شفتيها، غير أنه كان يبتعد أكثر فأكثر، حتى غاب خلف الغيوم،

وقفت تنظر إلى السماء بعينين دامعتين،

وإذا بباب خشبي كبير يُفتح أمامها،

دخلت بتردد...

فوجدت نفسها داخل بيت دافئ، تملؤه السكينة،

استقبلتها امرأة وقورة، أمسكت بيدها بمحبة، وأدخلتها إلى الداخل،

ثم وضعت في إصبعها خاتمًا بسيطًا يتوسطه حجرا كان يلمع في يدها، وأشارت إليها أن تجلس،

جلست في هدوء، لكن قلبها ظل معلقًا بالطائر الذي رحل،

وبعد قليل، فُتح باب البيت،

ظنت أن الطائر عاد إليها،

لكنها رأت رجلًا يقف عند العتبة، ولم تستطع رؤية وجهه مهما حاولت،

كان يمد إليها يده في صمت، بدأت تخطو نحوه، لكن وقبل أن تصل نحوه، عاد الطائر الأبيض يحلق فوق المنزل،

دار حوله مرات، لكنه لم يستطع الدخول.

ظل يرفرف فوق السطح، كأنه يبحث عن طريق إليها، ثم ابتعد من جديد،

وفجأة...

اختفى الرجل الواقف عند الباب،

فانفتح الباب وحده على مصراعيه،

وعاد الطائر يحلق نحوها بسرعة،

ابتسمت، ومدت يديها لاستقباله...

لكنها استيقظت على صوت أذان الفجر، قبل ان ترى ذلك الطائر ولا حتى ملامحه او حتى تلمسه،

فتحت عينيها ببطء، وضعت يدها على قلبها، وهمست في حيرة:

ديلان: اللهم اجعله خيرًا...

لا أدري لماذا أشعر أن ذلك الطائر كان يودعني... وكأنه سيغيب طويلًا.

نهضت تتوضأ استعدادًا لصلاة الفجر، بينما كانت في الجهة الأخرى من المدينة طائرة باران تستعد بعد ساعات من الآن لتحمل صاحب ذلك الحلم بعيدًا عن وطنه...

بعيدًا عنها...

إلى أن يحين الموعد الذي كتبه الله منذ الأزل، حين تنكشف معاني تلك الرموز، ويدرك كل منهما أن القدر كان قد أخبر قلبيهما بالحقيقة منذ ليلة الفراق، لكنهما لم يفهما لغته إلا بعد سنوات طويلة.


حلَّ صباح السفر أخيرًا...

اشرقت الشمس ترسل خيوطها الذهبية نحو ارجاء المدينة، فقد

كان اليوم الذي انتظرته العائلة على أنه بداية مستقبل جديد لباران، بينما استقبله هو بقلب يزداد ثقلًا مع كل دقيقة تمضي.

كان المنزل يعج بالحركة منذ ساعات الصباح، أصوات الخطوات تتعالى في أرجائه، والحقائب مصطفة قرب الباب، وكل فرد من أفراد العائلة يحاول أن يخفي حزنه خلف ابتسامة متعبة.

جلس باران في غرفة الجلوس بين والده عزت وعمه إبراهيم، يصغي إلى وصاياهما الأخيرة، بينما كان مراد وروني يجلسان على الأريكتين المتقابلتين يتبادلان الحديث بين الحين والآخر، حيث اخذ مراد ذالك اليوم إجازة ليودع اخيه لديار الغربة، محاولين كسر ذلك الصمت الذي خيّم على المكان.

قال عزت وهو يربت على كتف ابنه:

عزت: تذكر يا بني... أنت لا تسافر من أجل نفسك فقط، بل من أجل مستقبلك، اجتهد، وكن كما عهدناك دائمًا، ولاتقلق إفتح حسابا هناك حتى ارسل لك بين الفترة والاخرى، مبلغا من المال يمكن ان تحتاجه في أي وقت.

ابتسم باران ابتسامة باهتة وأومأ برأسه.

باران: بإذن الله يا أبي... لن أخذلكم، وإن شاء الله تمر الأمور بخير ولن احتاج لمزيد من المال، ساقتسم الغرفة مع سليم ونتدبر امورنا هناك.

أما عمه ابراهيم فقال وهو يخفي تأثره:

إبراهيم: الغربة قاسية، لكنها تصنع الرجال، وإن ضاقت بك الأيام، فتذكر أن لك هنا بيتًا وقلوبًا تنتظر عودتك، ولاتخجل إن احتجت لأي شيء فانت أيضا إبني في نفس معزة روني.

اكتفى باران بابتسامة امتنان، بينما كان قلبه يردد في صمت:

"وهل هناك أصعب من أن أغادر وأنا لم أجدها؟".

في الجهة الأخرى، كانت عائشة تدور بين المطبخ وغرفة الطعام، تجهز لابنها أصنافًا من الطعام الذي يدوم أيامًا، وهي تردد بين الفينة والأخرى:

عائشة: لا أعرف إن كان الطعام سيعجبك هناك... خذ هذا معك حتى ترتب أمورك وتعتاد المكان.

كانت صفية تساعدها في ترتيب الأطعمة داخل الحقائب، بينما وقفت دنيز إلى جانبها بابتسامة لم تستطع إخفاءها، وكذلك فعلت والدتها.

ظن الجميع أن فرحتهما سببها سفر باران لتحقيق حلمه، إلا أن باران وحده كان يدرك الحقيقة،

كان يلتقط النظرات الخاطفة التي تتبادلها الاثنتان، والابتسامات التي تحمل معنى لا يخفى عليه.

خفض بصره وقال في نفسه بأسى:

"حتى فرحكما لم يكن من أجلي... بل لأنكما تظنان أن الطريق قد خلا لكما بعد رحيلي."

لكنه لم يشأ أن يعكر صفو ذلك اليوم، فآثر الصمت.

ومع اقتراب موعد المغادرة، نهض الجميع دفعة واحدة.

أسرع مراد إلى حمل إحدى الحقائب، بينما تناول روني الأخرى.

ابتسم باران وقال معترضًا:

باران: دعاني أحملها، ليست ثقيلة.

ابتسم مراد وهو يهز رأسه.

مراد: اليوم أنت ضيفنا... ولن تحمل شيئًا.

ضحك روني وأضاف:

روني: احتفظ بقوتك للطريق الطويل.

لم يبقَ في يد باران سوى حقيبة ظهر صغيرة تضم أوراقه الجامعية، وجواز سفره، وبعض متعلقاته الشخصية، وحقيبة متوسطة وضعت بها والدته تلك الأطعمة التي جهزتها له.

ودع أفراد عائلة عمه واحدًا تلو الآخر، ثم اتجه نحو السيارة.

استقل سيارة مراد وجلس إلى جواره، بينما ركب إبراهيم وإبنه روني في الخلف، أما عزت فقاد سيارته وبرفقته عائشة التي كانت تضم الصغيرة "ملك" إلى صدرها.

كانت الطفلة تمد ذراعيها الصغيرتين نحو خالها، وتصدر أصواتًا وبعض الكلمات متقطعة، حيث بدات تنطق بعض الكلمات صحيحة ببلوغها عامها الثالث منذ أيام، وكأن قلبها الصغير قد شعر أنه سيرحل بعيدًا عنها كما ٱبتعد والديها من قبل.

ابتسم لها باران، وربت على رأسها برفق بعد ان قبلها على وجنتيها ورأسها قبل أن يغلق الباب، إلا أن تلك الابتسامة سرعان ما انطفأت وهو يشيح بنظره نحو الطريق،

وفي المقعد الخلفي جلست صفية وإلى جوارها دنيز، التي لم تُخفِ انزعاجها حين رأت باران يركب مع مراد، بعدما كانت تظن أنها سترافق مراد وحدهما في السيارة، وانا اباها سيذهب بسيارته ويأخذ معه والدتها وآخاها، لم تكن تعلم ان باران افسد خطتها ليكمل مراد وهو يطلب من عمه ان يركب معه ويترك سيارته، لانه سيعود من المطار فارغا بعد ان يغادر باران.

وصل الجميع إلى المطار،

ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى النداء المتكرر عن مواعيد الرحلات.

احتضنت عائشة ابنها طويلًا، وقد خانتها دموعها هذه المرة.

عائشة: انتبه لنفسك يا بني... ولا تنس الاتصال بنا كلما سنحت لك الفرصة.

قبل رأسها وقال بصوت اختنق بالعبرة:

باران: ادعي لي يا أمي... فهذا كل ما أحتاج إليه.

صافح والده، ثم عانقه بقوة.

عزت: ارفع رأسنا كما عهدناك، ولاتقلق علينا وإن إحتجت لشيء لا تتردد في طلبه.

باران: بإذن الله يا أبي.

وتبادل العناق مع عمه ٱبراهيم، ثم مع مراد أخيه الذي طال عناقهما قليلا، ثم روني وبقية أفراد العائلة من زوجة عمه مع دنيز اللتان مد فقط يده لهما يصافحهما وفقط.

وفي تلك اللحظة، لمح سليم مع عائلته يقترب وهو يجر حقائبه،

ابتسم له سليم ابتسامة مشجعة، وإقترب مع عائلته يسلمون على بعضهم البعض، ثم ربت سليم على كتفه قائلًا:

سليم: إننا سنبدأ رحلة الغربة معًا... فلا تجعل الحزن يسرق منك هذه الفرصة.

تنهد باران وهو ينظر نحو بوابة المغادرة.

باران: سأحاول... لكنني أشعر وكأنني أترك شيئًا مني خلفي هنا.

نظر سليم إليه متفهمًا، فقد كان يعلم جيدًا أن ذلك "الشيء" لم يكن غرضًا ولا مكانًا...

بل فتاة لم يستطع القدر أن يجمعه بها او حتى يعرف من هي.

أُعلن عن موعد الصعود إلى الطائرة.

التقط باران حقيبته وودع عائلته، ثم سار بخطوات بطيئة رفقة سليم نحو البوابة.

وقبل أن يصعد درجات الطائرة، توقف لثوانٍ، وأدار رأسه نحو السماء، وكأن قلبه يهمس بدعاء أخير:

"يا رب... إن كانت من نصيبي، فلا تجعل الغربة تبعدني عنها أكثر... واجمعني بها يومًا كما جمعت بيننا أول مرة."

ثم التفت خلفه، فرأى أفراد عائلته يقفون خلف الزجاج، يلوحون له بعيون اختلطت فيها الدموع بالابتسامات.

رفع يده ملوحًا لهم، وفعل سليم الشيء نفسه لعائلته، قبل أن يختفيا داخل الطائرة.

وما هي إلا دقائق، حتى أخذت الطائرة تتحرك ببطء فوق مدرج المطار.

تسارعت شيئًا فشيئًا...

ثم ارتفعت عن الأرض، مغادرة المدينة التي ترك فيها باران قطعة من قلبه، ومتجهة إلى بلد جديد، يحمل بين طياته مستقبلًا مجهولًا، لا يعلم هو ولا سليم ما الذي يخبئه لهما... ولا كيف سيعيد القدر نسج الخيط الذي انقطع بين باران وديلان من جديد.

الفصل الثامن عشر من رواية 

حبيبتي زوجة اخي 💔🥺


✍️......مضى أسبوعان كاملان منذ أقلعت الطائرة التي حملت باران بعيدًا عن وطنه، أسبوعان فقط... لكنهما كانا كفيلين بأن يبدلا ملامح حياته تبدلًا كبيرًا.

كانت مدينة زيورخ تستقبله كل صباح بوجهها الهادئ، وشوارعها النظيفة التي تتزين بأشجار بدأت أوراقها تميل إلى الاصفرار مع اقتراب الخريف، وبمبانيها العريقة التي تمتزج فيها الحداثة بأصالة التاريخ، كل شيء هناك كان جديدًا عليه؛ اللغة، والوجوه، والعادات، وحتى رائحة الهواء التي كانت تختلف عن تلك التي اعتاد أن يستنشقها في بلده.

كان قد استقر هو وصديقه سليم في السكن الطلابي التابع للجامعة، وبعد أيام من الانشغال بترتيب غرفتيهما وإنهاء الإجراءات الرسمية، أخذا يجوبان المدينة يومًا بعد يوم، يتعرفان إلى الطرق المؤدية إلى الجامعة، ومحطات القطار والحافلات، وأقرب المتاجر، والصيدليات، والمكتبات، وكل ما قد يحتاجانه خلال عاميهما الدراسيين.

كانا يحملان الخرائط في هواتفهما تارة، ويسألان المارة تارة أخرى، حتى حفظا الطريق عن ظهر قلب، وأصبحا يخرجان كل صباح في الموعد نفسه، وكأنهما يتدربان منذ الآن على الحياة الجديدة التي تنتظرهما.

بدأت حقائبهما تمتلئ بالكتب والأوراق والأقلام بدلًا من الهدايا التي جاءا بها من الوطن، وأصبحت أحاديثهما تدور حول المحاضرات المقبلة، والأساتذة، والمختبرات، والمشاريع التي يأملان أن ينجزاها، والطموحات التي قطعا آلاف الكيلومترات من أجل تحقيقها.

كان باران يقف أحيانًا عند نافذة غرفته المطلة على المدينة، يتأمل الغروب وهو يغمر السماء بلونه البرتقالي، فتختلط داخله مشاعر الفخر بالغربة، والحماس بالحنين.

لقد بدأ يقترب من حلمه خطوة بعد أخرى... لكنه، رغم ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينقص تلك الصورة الجميلة.

كانت ذاكرته، كلما هدأت ضوضاء النهار، تسافر من تلقاء نفسها إلى تلك الفتاة التي لم يعرف عنها إلا القليل، لكنها استطاعت أن تترك في قلبه أثرًا لم يستطع الزمن ولا المسافات أن تمحوه.

كان يتساءل بينه وبين نفسه:

ترى... هل عادت إلى جامعتها؟، هل حققت ما كانت تتمناه؟، وهل ما زالت تحتفظ بالرسالة التي تركتها لها؟.

ثم يبتسم ابتسامة باهتة وهو يهز رأسه، كأنه يوبخ قلبه على تعلقه بمن لا يعلم عنها شيئًا.

أما سليم، فكان يقرأ ما يدور في صمت صديقه دون أن يسأله، فقد أدرك منذ زمن أن بعض الاشتياق لا تداويه الكلمات، وأن بعض الأسماء يكفي أن تسكن القلب حتى تصبح جزءًا من كل يوم.

وفي الجهة الأخرى من العالم...

كانت الحياة تمضي بوتيرة مختلفة تمامًا.

لم تكن ديلان تستقبل صباحاتها بإطلالة على بحيرة هادئة، ولا بشوارع أنيقة تفيض بالنظام، بل كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، على صوت المنبه الذي اعتادت ألا تؤجله، لأن يومها لم يكن يحتمل دقيقة واحدة من الكسل.

نهضت كما اعتادت، أدت صلاتها، ثم ساعدت والدتها في إعداد الفطور لإخوتها، قبل أن تراجع جدول يومها المزدحم.

فقد سجلت نفسها في السنة الثانية بالجامعة، وكانت تشعر بسعادة خفية لأنها استطاعت، رغم كل ما مرت به، أن تواصل طريقها نحو العلم، وألا تسمح للظروف أن تنتزع منها حلمها.

ولكي لا تضطر إلى ترك عملها في المدرسة القرآنية، بادرت إدارة المدرسة إلى تعديل مواعيد الدروس بما يتناسب مع برنامجها الجامعي، تقديرًا لاجتهادها والتزامها.

استقبلت ذلك القرار بامتنان كبير، فقد كان بمثابة طوق نجاة حافظ لها على مصدر دخلها، ومكنها من الاستمرار في تعليم الأطفال تعاليم دينهم، وحفظ كتاب الله بما يناسب سنه، وحتى هي إنخرطت في بعض الدروس لحفظ القرآن وتعلم ما تجهله عن دينها من فقه ودروس إيمانية، وكان إختلاطها بالاطفال بتلك الطريقة هو العمل الذي كانت تؤديه بقلبها قبل يديها.

أما أحوال الأسرة، فقد بدأت تميل شيئًا فشيئًا نحو الاستقرار.

فبعد أن استعادت أمينة عافيتها، عادت إلى عملها بكل عزيمة، وكأنها قررت أن تعوض كل يوم سرقه منها المرض.

كانت تخرج كل صباح وهي تخفي تعبها خلف ابتسامة هادئة، وتعود آخر النهار مثقلة بالإرهاق، لكنها لا تسمح لأحد أن يرى انكسارها.

كانت تعلم أن البيت لن يقف على قدميه إلا إذا وقفت هي أولًا.

ولم تكن وحدها هذه المرة...

فقد أصبحت ديلان سندها الحقيقي.

تقاسمت معها أعباء المنزل، وشاركتها مسؤولية إخوتها، ولم تعد تكتفي بمساعدتها في أعمال البيت، بل تحملت أيضًا مسؤولية نفسها كاملة.

كانت تنفق من راتبها البسيط على احتياجاتها الجامعية، فتشتري كتبها، وأدواتها، وكل ما يلزمها لمواصلة تعليمها، حتى لا تضيف عبئًا جديدًا على كاهل والدتها.

كانت تشعر براحة داخلية كلما دفعت ثمن كتاب أو دفتر من تعب يديها، وكأنها تؤكد لنفسها في كل مرة أنها قادرة على بناء مستقبلها بكرامة.

لكن، وعلى الرغم من كل تلك المحاولات للنهوض...

ظل هناك ظل ثقيل يخيم على البيت.

كان اسمه... كاظم.

ذلك الرجل لم يتغير.

ولم تعلم الأيام قلبه الرحمة، ولم توقظ فيه المسؤولية.

كان لا يزال أسير نزواته، لا يعنيه من أمر أسرته شيء، يعيش لنفسه وحدها، وكأن الزوجة والأبناء مجرد تفاصيل لا تخصه.

بل إن عودة أمينة إلى العمل زادته تهاونًا، فألقى على كتفيها كل أعباء المنزل، وكأنه وجد في تعبها فرصة ليتحرر أكثر من أي مسؤولية.

كان يدخل البيت ويخرج منه كما يشاء، لا يسأل عن حاجات أطفاله، ولا عن تعب زوجته، ولا عن الهموم التي أثقلت كاهل ابنتها.

أما ديلان، فقد كانت كلما رأته يزداد أنانية، ازدادت تصميمها على ألا تسمح له بأن يهزمها.

كانت تخفي ضيقها، وتبتلع مرارة الأيام، ثم تبتسم في وجه إخوتها، وكأنها تخشى أن تنتقل إليهم قسوة الحياة.

وفي كل ليلة، وبعد أن يخلد الجميع إلى النوم، كانت تجلس قرب نافذتها، تراجع دروسها تحت ضوء مصباح صغير، بينما تتسلل نسمات الليل الباردة إلى غرفتها.

كانت عيناها تتعبان، ويداها تؤلمانهما من كثرة الكتابة، لكن قلبها كان يردد في صمت:

"سيأتي يوم تنتهي فيه كل هذه المعاناة... وسيكافئ الله كل صبرٍ تحملته."

وفي تلك اللحظة تحديدًا...

كان شاب يقف عند نافذة غرفته في مدينة بعيدة، ينظر إلى السماء نفسها، بينما كانت فتاة تجلس خلف نافذة متواضعة في وطنها، تحدق في القمر ذاته.

فرقت بينهما آلاف الكيلومترات...

لكن الأقدار كانت، في صمتها العجيب، تواصل نسج الخيط الخفي الذي سيجمع طريقيهما يومًا، حين يحين الموعد الذي كتبه الله قبل أن يعرف أحدهما الآخر.


بدأ العام الدراسي....

وقبل شروق شمس ذلك اليوم بقليل، كان المنبه قد صدح في الغرفتين اللتين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات.

في زيورخ، نهض باران من فراشه وهو يشعر بمزيج من الحماس والتوتر، فهذا هو اليوم الأول الذي سيبدأ فيه رحلته الجامعية الحقيقية، الرحلة التي حلم بها طويلًا وسافر من أجلها تاركًا وطنه وأهله وكل ما اعتاده.

كان سليم قد سبقه إلى الاستيقاظ، فانشغلا معًا بارتداء ملابسهما وتجهيز حقائبهما قبل أن يغادرا السكن الطلابي متجهين إلى الجامعة.

وخلال الطريق، كانت اللافتات الممتدة على جانبي الشوارع، وأسماء المحطات، والإعلانات المعلقة على المباني، كلها مكتوبة باللغة الفرنسية، فكان باران يرمقها بين الحين والآخر بعينين حائرتين، ثم يبتسم ابتسامة خفيفة.

قال وهو يزفر براحة: "الحمد لله أن الدراسة في الجامعة تعتمد على اللغة الإنجليزية، وإلا لكنت في ورطة حقيقية."

ضحك سليم وهو يربت على كتفه قائلاً: "أما أنا فكلما سمعتهم يتحدثون الفرنسية شعرت أنهم يتحدثون بسرعة البرق، لا أفهم إلا كلمات معدودة."

ابتسم باران وقال بثقة ممزوجة بالأمل: "اللغة تُكتسب مع الأيام، ولسنا هنا من أجلها فقط، سنعتاد عليها شيئًا فشيئًا، لكن الأهم الآن أن نفهم محاضراتنا ونثبت أننا نستحق هذه الفرصة."

وما إن وطئت أقدامهما حرم الجامعة حتى انشغل كل منهما بالتعرف إلى القاعات والأساتذة والطلبة القادمين من بلدان مختلفة، وكانت اللغة الإنجليزية تجمعهم جميعًا تحت سقف واحد، فشعر باران براحة كبيرة، وكأن حملًا ثقيلًا قد أزيح عن صدره.

وفي الوطن...

كانت ديلان تتهيأ هي الأخرى لأول أيام سنتها الجامعية الثانية.

ارتدت ملابسها المحتشمة ووضعت خمارها، وحملت حقيبتها التي رتبت كتبها بعناية في الليلة السابقة، ثم ودعت والدتها وإخوتها قبل أن تغادر المنزل.

كان جدولها الجديد قد أصبح أكثر ازدحامًا، بعد أن وازنت بين دراستها في الجامعة وعملها في المدرسة القرآنية، لكنها لم تكن ترى في ذلك عبئًا، بل كانت تعتبره خطوة أخرى نحو تحقيق حلمها، وإثبات أن الظروف القاسية لا تستطيع أن تهزم من يملك الإرادة.

سارت في طريقها إلى الجامعة وقلبها يفيض بالأمل، وقد عقدت العزم على أن يكون هذا العام أفضل من سابقه، وأن تواصل اجتهادها حتى تبلغ ما تطمح إليه.

وفي تلك اللحظة...

كان باران يعبر بوابة جامعته في بلد غريب مع صديقه سليم، بينما كانت ديلان تعبر بوابة جامعتها رفقة مريم رفيقة دربها في وطنها.

افترقت الطرق بينهما، واختلفت اللغات والوجوه والبلدان...

لكن الحلم كان واحدًا...

وكان القدر، في صمت، يمضي بهما نحو مستقبل لم يكن أيٌّ منهما يعلم أن طريق الآخر سيكون جزءًا منه يومًا ما.


مرَّ شهرٌ كامل منذ أن ودَّعت العائلة باران في المطار.

ثلاثون يومًا مضت...

بدأ خلالها الجميع يتأقلم مع غيابه، وإن بقي حضوره يملأ زوايا المنزل، وكأن روحه رفضت أن ترحل معه إلى الغربة.

كانت عائشة، كلما مرت بجانب غرفتة باران، لا تستطيع مقاومة قدميها وهما تقودانها إلى غرفة ابنها، تفتح الباب بهدوء، فتستقبلها الرائحة التي اعتادت أن تعبق بالمكان، رائحة كتبه، وعطره الذي ما زال عالقًا في الوسادة، وكأن الغرفة ترفض الاعتراف بأن صاحبها أصبح على بعد آلاف الكيلومترات.

كانت تدخل بخطوات وئيدة، تمسح الغبار عن مكتبه، وترتب فراشه الذي لم يختل منذ يوم سفره، ثم تقف أمام الجدار الذي ازدحم برسوماته وشهاداته وصوره، فتبتسم تارة، وتتنهد تارة أخرى.

وقبل أيام قليلة، كانت قد جمعت كل ألبومات صوره منذ طفولته، ورسوماته القديمة، وشهادات تفوقه، ورسالة المنحة التي طالما افتخر بها، ثم وضعتها جميعها داخل خزانة غرفته، فقد إعتاد باران على ذلك منذ طفولته، ليعيد رسم الصور بقلمه مرة أخرى، وهي تقول في نفسها:

"حين يعود... سأرتبها في ألبوم كبير، ليحكي لأولاده يومًا كيف صنع حلمه بيديه."

أغلقت الخزانة يومها، ولم تكن تعلم أنها لن تفتحها مرة أخرى أبدًا.

حلَّ الليل...

واكتست العمارة بهدوء مألوف.

في الطابق الأرضي، كانت أبواب المرأب والمحلين قد أغلقت، وغادرت الحركة المكان إلا من ضوء خافت يتسلل من المصابيح الخارجية.

أما في الطابق الأول، فقد اجتمعت أسرة إبراهيم بعد العشاء، كانت صفية ترتب أواني المطبخ، بينما كان روني يراجع بعض الدروس استعدادًا لدخوله الجامعة، وجلست دنيز بالقرب من والدها تتحدث إليه عن يومها.

وفي الطابق الثاني...

كانت عائشة قد انتهت من إعداد العشاء، وجلس عزّت يطالع بعض الأوراق، بينما كانت الصغيرة ملك تركض بين الغرف بضحكاتها البريئة، ومراد يراقبها بابتسامة هادئة، كان صوتها يدوى في أرجاء الشقة.

لم يكن أحد يعلم...

أن كارثة صامتة بدأت تتشكل خلف جدار غرفة باران.

هناك...

خلف المكتب الخشبي الذي طالما جلس أمامه يرسم ويقرأ...

كان أحد الأسلاك الكهربائية القديمة قد بدأ يسخن شيئًا فشيئًا لم ينتبه له احدا، لانه كان  غير مرئي خلف مكتب باران.

وفي لحظة خاطفة...

انبثقت شرارة صغيرة.

شرارة بالكاد تُرى...

لكنها كانت كافية لتوقظ وحشًا نائمًا.

التهمت النار الغلاف البلاستيكي للسلك، ثم زحفت بصمت نحو الستارة الملاصقة للنافذة.

اشتعل طرفها أولًا...

ثم أخذ اللهب يصعد ببطء، كأنه يتسلق المكان بطمأنينة مخيفة.

امتدت النار إلى المكتب...

فاشتعلت الأوراق والكتب والدفاتر واحدًا تلو الآخر.

لم يصرخ شيء...

ولم يستغث شيء...

كان كل ما في الغرفة يحترق في صمت.

تسللت ألسنة اللهب إلى الجدار الذي ازدانت به صور باران منذ طفولته.

احترق أول إطار...

وسقط أرضًا.

تناثر الزجاج، بينما التهمت النار ابتسامته المحفوظة داخله.

ثم امتدت إلى الصورة التي التقطت له يوم تخرجه، ثم إلى صوره مع والديه ومراد، وأخرى جمعته بعمه إبراهيم وأسرته.

صورة تلو الأخرى...

وجهًا بعد وجه...

حتى لم يبق سوى رماد أسود يتطاير مع الدخان.

ولم تتوقف النار عند هذا الحد.

بل وصلت إلى الخزانة...

حيث كانت عائشة قد وضعت قبل أيام قليلة كل ذكرياته.

ألبومات الصور...

دفاتر الرسم...

شهادات التفوق...

رسالة المنحة...

كلها اشتعلت دفعة واحدة، وكأن السنوات كلها قررت أن تحترق في ليلة واحدة.

وفي الخارج...

كانت الرياح تهب بهدوء، تدفع الدخان المتصاعد نحو نافذة الغرفة.

أما في الداخل...

فقد بدأت رائحة الاحتراق تتسلل ببطء إلى أرجاء الشقة.

كانت ملك أول من شعر بها.

توقفت فجأة عن الركض، ثم أخذت تسعل سعالًا متقطعًا، وهي تفرك عينيها الصغيرتين.

التفتت عائشة إليها بقلق.

اقتربت منها وهي تحملها بين ذراعيها، لكنها ما إن رفعت رأسها حتى عقدت حاجبيها.

رائحة دخان...

ليست كرائحة طعام احترق.

بل كانت أشد قسوة.

خرجت إلى الممر تستطلع الأمر.

وفي اللحظة التي وقع بصرها فيها على باب غرفة باران...

تجمد الدم في عروقها.

كان خيط كثيف من الدخان الأسود يتسلل من أسفل الباب، بينما بدأ مقبضه المعدني يكتسي بلون أحمر من شدة الحرارة.

اتسعت عيناها، وسقطت الكلمات من حلقها قبل وعيها:

 عائشة: "يا الله... غرفة باران!".

اندفعت نحو الباب وهي لا تزال تحمل ملك، ثم صرخت بأعلى صوتها:

 عائشة: عزّت!... مراد!... الحريق...!.

هبَّ عزّت من مكانه، وركض مراد نحو الغرفة دون تردد.

أبعد مراد والدته عن الباب، وأمسك بالمقبض محاولًا فتحه.

لكن ما إن لامسته يده حتى سحبها بسرعة، وقد لسعته الحرارة.

لفَّ يده بطرف سترته، وحاول مرة أخرى بكل قوته.

غير أن الباب لم يكد ينفتح بضعة سنتيمترات، حتى اندفعت منه ألسنة لهب هائلة، تبعتها سحابة كثيفة من الدخان الخانق.

اضطر إلى التراجع وهو يحمي وجهه بذراعه.

وفي تلك اللحظة...

تعالت صرخات عائشة وهي تحدق إلى النار التي بدأت تلتهم غرفة ابنها.

لم تكن ترى الخشب يحترق...

كانت ترى عمرًا كاملًا يحترق أمام عينيها.

صرخت بصوت مزق سكون الليل:

 عائشة: "باران...!".

ثم وضعت يدها على صدرها وهي تبكي بحرقة.

وكأن عقلها نسي أن ابنها ليس في الغرفة...

بل في بلد بعيد.

وصلت الصرخات إلى الطابق الأول.

فتح إبراهيم باب شقته مذعورًا، ولحقت به صفية، بينما خرج روني ودنيز يركضون خلفهما.

وما إن رأوا الدخان يتصاعد نحو سقف العمارة حتى أدركوا حجم الكارثة.

أسرع إبراهيم بالاتصال برجال الإطفاء، بينما أخذ مراد وعزّت يساعدان الجميع على النزول إلى خارج العمارة، خوفًا من امتداد النيران إلى بقية الطوابق.

وفي الخارج...

اجتمع الجيران وهم يحدقون بعجز في ألسنة اللهب التي راحت تخرج من نافذة غرفة باران.

كانت صفارات سيارات الإطفاء تقترب شيئًا فشيئًا...

لكن النار كانت أسرع.

وحين نجح رجال الإطفاء أخيرًا في السيطرة على الحريق، كانت الغرفة قد انتهت تمامًا.

دخل عزّت وعائشة بعد السماح لهما بذلك.

وقفا عند العتبة...

ولم يستطيعا التقدم خطوة واحدة.

الجدران سوداء...

السقف متفحم...

والمكتب الذي طالما جلس إليه باران لم يبق منه إلا هيكل محترق.

أما الخزانة...

فلم تكن سوى كومة من الخشب المتفحم.

جثت عائشة على ركبتيها، وأخذت تنبش الرماد بيديها المرتجفتين، علها تعثر على صورة واحدة... أو ورقة واحدة... أو أي شيء بقي من ذكريات ابنها.

لكن النار...

لم تترك لها شيئًا.

رفعت قبضة من الرماد، ثم تركتها تنساب بين أصابعها وهي تبكي بحرقة، وتهمس بصوت مكسور:

عائشة: حتى صورك... لم ترحمها النار يا بني...

وفي تلك الليلة...

لم تحرق النيران غرفة باران فحسب...

بل أحرقت آخر أثرٍ ماديٍّ كان يشهد أنه عاش بين جدران ذلك البيت، تاركةً القدر يطوي سرًّا لن يُكشف إلا يوم يعود صاحبه بنفسه.

وصل خبر الحادث إلى كريمة مع أولى ساعات الصباح، عن طريق نساء الحي اللواتي يحظرن اطفالهن للمدرسة، وحتى اللواتي اعتدن أن يتناقلن أخبار الأسر المحتاجة والمتضررة، بحكم ارتباطهن باللجنة الاجتماعية التابعة للمسجد.

توقفت كريمة عن ترتيب دفاتر الأطفال في مكتبها الصغير داخل المدرسة القرآنية، وشعرت بانقباضة تعتصر قلبها وهي تستمع إلى تفاصيل ما أصاب تلك الأسرة.

تنهدت بأسى، وهمست في نفسها:

كريمة: ما أقسى أن يفقد الإنسان أمنه في لحظة... وما أثقل أن تجتمع المصائب على بيت واحد.

لم تكن كريمة مديرة للمدرسة القرآنية فحسب، بل كانت أيضًا عضوًا فاعلًا في اللجنة الخيرية التابعة لمسجد الحي، تشارك في كفالة الأيتام، ومساعدة الأرامل، وتقديم العون للعائلات التي أثقلتها ظروف الحياة، وكانت تؤمن أن رسالتها لا تقتصر على تعليم القرآن الكريم وتعاليم الدين الحنيف، بل تمتد إلى غرس الرحمة في القلوب، ومد يد العون لكل من أنهكه الألم.

أغلقت الدفتر الذي كان بين يديها، ثم التفتت إلى إحدى المعلمات.

قالت بهدوء:

كريمة: سأخرج قليلًا، إن تأخرت، فتابعن الحصص كالمعتاد.

ابتسمت المعلمة مطمئنة:

المعلمة: لا تقلقي يا أستاذة كريمة، نسأل الله أن يجعل سعيك في ميزان حسناتك.

أومأت برأسها شاكرة، ثم غادرت المدرسة بخطوات متسارعة.

طوال الطريق، كانت تفكر في الأسرة التي سمعت عنها.

"ترى... كم بلغ حجم المصيبة؟، وهل لديهم من يقف إلى جانبهم؟، وهل يحتاج الأطفال إلى مأوى؟، إلى طعام؟، إلى كسوة؟".

كانت تُعد في ذهنها قائمة طويلة بما يمكن أن توفره اللجنة من مساعدات عاجلة، ولم يخطر ببالها قط أن الزيارة ستمنحها لقاءً انتظرته أكثر من عشرين عامًا.

وصلت إلى المنزل.

كان الهدوء يخيّم على المكان، ذلك الهدوء الثقيل الذي لا ينبئ بالسكينة، بل بالحزن.

طرقت الباب برفق.

فتحت لها دنيز، وقد بدا الإرهاق واضحًا على وجهها.

ابتسمت كريمة ابتسامة دافئة وقالت:

كريمة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أجابتها مريم بصوت خافت:

دنيز: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... تفضلي.

دخلت كريمة وهي تلقي نظرات متفحصة على أرجاء البيت، فرأت آثار الحزن في كل زاوية؛ وجوه شاحبة، وصمت يخترقه بين الحين والآخر بكاء طفل صغير.

قالت برفق:

كريمة: أنا كريمة... مديرة المدرسة القرآنية في الحي، وعضو في لجنة المسجد، بلغنا ما أصابكم، فجئت لأطمئن عليكم، ولأتعرف إلى احتياجاتكم، لعل الله يجعل لنا نصيبًا في تخفيف ما تمرون به.

اغرورقت عينا مريم بالدموع، وقالت:

دنيز: جزاكِ الله خيرًا... وجودكم وحده يخفف عن القلب الكثير.

وبينما كانت كريمة تتبادل الحديث معها، وقع بصرها على امرأة كانت تجلس بصمت في زاوية الغرفة.

كانت ملامحها مألوفة...

مألوفة إلى حد أربكها.

عقدت حاجبيها وهي تحدق في الوجه الذي غيّرته السنون قليلًا، لكن شيئًا فيه بقي كما هو.

همست في نفسها: 

"مستحيل... أيمكن أن تكون هي؟".

وفي اللحظة نفسها، رفعت المرأة رأسها.

تلاقت العيون...

وساد الصمت.

بقيت كل واحدة تحدق في الأخرى وكأن الزمن توقف فجأة.

اتسعت عينا كريمة، وانفرجت شفتاها بدهشة.

همست بصوت مرتجف:

كريمة: أ... أستاذة عائشة؟.

شهقت المرأة، ونهضت ببطء، وهي تكاد لا تصدق ما تراه.

عائشة: كريمة؟... كريمة كرتاش؟.

لم تستطع كريمة الإجابة.

اكتفت بالإيماء وهي تبتسم، بينما أخذت الدموع تلمع في عينيها.

أما عائشة، فقد اقتربت منها بخطوات مترددة، كأنها تخشى أن يكون ما تراه مجرد وهم.

ثم احتضنتها بقوة.

ارتجف جسداهما معًا.

وغلبتهما الدموع.

قالت عائشة بصوت اختنق بالبكاء:

عائشة: سبحان الله... بعد أكثر من عشرين عامًا!.

ابتسمت كريمة وهي تمسح دموعها.

كريمة: والله ما إن رأيتك حتى شعرت أنني أعرف هذا الوجه... لكنني لم أصدق.

ضحكت عائشة بين دموعها.

عائشة: أما أنا، فما إن ناديتني حتى عاد بي الزمن إلى أيام المدرسة.

ساد صمت قصير، امتلأ بذكريات لا تحصى.

ذكريات المقاعد الدراسية، والطابور الصباحي، وصوت الجرس، وضحكات الطالبات في الساحة، والإجتماع مع المعلمات لدراسة اوضاع المدرسة والطالبات.

قالت كريمة بحنين:

كريمة: أتذكرين؟ كنتِ ناظرة المدرسة... وكنتِ تعامليننا كأبنائك، كنتِ صارمة، لكن قلبك كان أحن من قلوب كثير من الأمهات.

ابتسمت عائشة ابتسامة امتزج فيها الفخر بالحزن.

عائشة: كنت أحبكن جميعًا... وكنت أرى فيكن مستقبلًا جميلًا.

خفضت رأسها قليلًا ثم قالت:

عائشة: لكن الأيام فرقتنا.

أجابت كريمة:

كريمة: بحثت عنك كثيرًا بعدما إستقلت، وقيل لي إنك تركت العمل، ايامها كنت اخذت إجازة بعد زواجي، اتذكرين كنت تساعدين اي معلمة تتزوج حديثا.

تنهدت عائشة طويلًا.

عائشة: نعم... اضطررت لذلك بسبب ظروف عائلية، ثم مضت السنوات مسرعة حتى انقطعت أخبار الجميع.

أمسكت كريمة بيدها بحنان.

كريمة: ولكن الله جمعنا اليوم... وإن كان اللقاء في ظرف مؤلم.

أطرقت عائشة برأسها وقالت:

عائشة: لعلها حكمة الله.

ابتسمت كريمة ابتسامة مطمئنة.

كريمة: بإذن الله، سيكون هذا اللقاء بداية خير.

جلستا إلى جوار بعضهما، وأخذ الحديث يتدفق بينهما بعدما كسرته السنوات.

سألتها عائشة باهتمام:

عائشة: أخبريني عنك يا كريمة... أمازلت تعملين الآن؟.

أضاء وجه كريمة بابتسامة هادئة.

كريمة: بعد تقاعدي هذه السنة، اتجهت إلى تعليم القرآن الكريم، كما تعلمين كنت معلمة في المدرسة في البداية، ثم وفقني الله لتولي إدارة المدرسة القرآنية الموجودة في الحي.

ارتسمت الدهشة والإعجاب على وجه عائشة.

 عائشة: ما شاء الله... بارك الله فيك.

قالت كريمة بتواضع:

كريمة: هذا من فضل الله وحده. المدرسة أصبحت بيتي الثاني، والأطفال فيها هم أبنائي جميعًا.

سكتت لحظة، ثم أكملت بحماس يفيض من قلبها:

كريمة: نستقبل الجميع دون استثناء، يبدأ معنا الطفل الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره، ثم الأطفال الأكبر، فالفتيات، والشباب، والنساء، وحتى كبار السن.د، قسمنا الدروس إلى أفواج بحسب الأعمار، ومستويات الحفظ، وظروف كل شخص، حتى يتمكن الجميع من التعلم دون مشقة.

كانت عائشة تنظر إليها بإعجاب حقيقي.

قالت:

عاىشة: جميل جدًا... إذن لم تقتصروا على تحفيظ القرآن فقط؟.

ابتسمت كريمة.

كريمة: بالطبع لا، نعلم أحكام التلاوة، والسيرة النبوية، والفقه، والعقيدة، والأخلاق، ونقيم مسابقات، وبرامج تربوية، ونخصص حلقات للدعم النفسي والتوجيه الأسري، نحاول أن تكون المدرسة بيتًا يطمئن إليه الناس قبل أن تكون مكانًا للدراسة.

أشرق وجه عائشة، وشعرت بفخر يصعب وصفه.

"سبحان الله... تلك المعلمة الهادئة التي كانت تجلس في قاعات الاساتذة، أصبحت اليوم تصنع جيلًا كاملًا."

قالت بصوت تغلبه العاطفة:

عائشة: كنت أعلم أن الله سيجعل لك شأنًا... كنت مختلفة منذ دخولك كمعلمة في المدرسة.

احمر وجه كريمة خجلًا.

كريمة: لا تقولي ذلك يا أستاذتي... فما زلت إلى اليوم أعتبر نفسي تلميذتك.

ابتسمت عائشة، وربتت على يدها بحنان.

عائشة: بل أصبحتِ مصدر فخر لكل معلم.

ثم التفتت كريمة نحو أفراد الأسرة وقالت بثقة وطمأنينة:

كريمة: اطمئنوا... لن تكونوا وحدكم بعد اليوم، سنقف إلى جانبكم بما نستطيع، سأعرض حالتكم على اللجنة هذا المساء، وسنوفر ما تحتاجونه بإذن الله، وسأزوركم باستمرار حتى تتجاوزوا هذه المحنة.

قالت عائشة: الحمد لله احوالنا ميسورة، لكن كلامك هذا بث فينا الطمأنية.

تحدث حينها عزت وقال..

عزت: بل انا من سيخرج صدقة اجمعيتكم، شكرا لله ان نجى عائلتي من الحريق، وحتى يحفظهم من كل مكروه، وانا منذ اليوم تحت إشارتكم إن إحتجتم لشيء.

ساد الغرفة شعور دافئ لم يعرفه أهل البيت منذ أيام.

ولأول مرة منذ وقوع الحادث، أحس الجميع أن الله بعث لهم من يولسيهم في محنتهم، وأن الله إذا أغلق بابًا بحكمة، فإنه يفتح أبوابًا أخرى برحمته.

أما كريمة وعائشة، فقد أدركتا أن بعض اللقاءات لا يصنعها البشر، بل يكتبها الله بعد سنوات طويلة، لتعيد إلى القلب أشخاصًا ظن أنه فقدهم إلى الأبد، ولتؤكد أن الأقدار، مهما باعدت بين الطرق، قادرة في لحظة واحدة على أن تجمع الأرواح من جديد.

         الفصل التاسع عشر من هنا

 

تعليقات



<>