رواية الاعصار الفصل السادس والعشرون 26 بقلم محمد منصور
"مين اللي بعت لابني الصورة دي؟!"
قالها مالك وهو بيبص لمديرة المدرسة بعينين مليانين توتر وقلق.
المديرة أخدت نفس عميق وردت وهي بتقلب في بيانات الرقم:
"رقم غريب... ومش متسجل علي موبيل هاشم بأي اسم. بس اللي محيرني بجد... إيه اللي يخلي بني آدم يبعت صورة بالشكل ده لطفل صغير؟ والأغرب من كده... ليه هاشم مصمم إن الراجل اللي في الصورة ده يبقى والده؟!"
اتوتر مالك للحظة، وحس إن الأرض بتهتز تحت رجليه، لكنه حاول يتمالك نفسه وقال بصوت متردد:
"هاشم بقاله فترة مش مستقر نفسيًا... وبيمر بحالة غريبة شوية. بصراحة أنا نفسي مش عارف إيه السبب الحقيقي اللي وصله لكده."
بصت له المديرة بقلق شديد، وكان الخوف واضح في عينيها وهي تقول:
"لا... الموضوع أكبر من مجرد حالة عابرة. الولد كان منهار تمامًا وهو بيعيط. لازم تعرضه على دكتور نفسي في أسرع وقت قبل ما حالته تسوء أكتر."
هز مالك رأسه بسرعة وقال:
"أكيد... أكيد هعمل كده."،،،،،،
الإعصار
تأليف
محمد منصور
(منص)
وقبل ما نبدأ، نوحد الله ونصلي على خير خلق الله سيدنا محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تحل بها العقد، وتفرج بها الكرب، وتقضي بها الحوائج.
من جوة عربية مالك...
كان مالك سايق العربية، وكل شوية يبص لهاشم اللي كان قاعد جنبه، ماسك موبايله وساكت بشكل غريب.
مالك قال بضيق:
"هتفضل ساكت كده كتير؟"
لكن هاشم ما ردش، ولا حتى رفع عينه من على شاشة الموبايل.
فقال مالك بنبرة أعلى:
"أنا بكلمك على فكرة!"
رفع هاشم عينه ببطء، وبص له بنظرة مليانة وجع وقال:
"قتلته ليه؟"
اتجمدت ملامح مالك فجأة، وكأن قلبه وقف ثانية كاملة.
وقال بصدمة:
"قتلت مين؟!"
هاشم ودموعه بدأت تتجمع في عينيه:
"بابا خيري."
بلع مالك ريقه وقال بسرعة:
"أنا أبوك يا هاشم! والراجل ده كداب... وكفاية بقى الكلام ده."
هاشم هز راسه وهو بيبكي:
"أنا مبقتش عارف أصدق مين... بابا قالي إنك طول الوقت كنت بتكدب عليه."
وانفجر في البكاء.
مالك اتأثر، ومد إيده بحذر يحطها على رأسه.
لكن أول ما لمسه...
هاشم صرخ بأعلى صوته وأبعد إيده بعنف:
"ابعد إيدك عني!"
مالك قال بتوتر:
"يا هاشم... اهدى، مش كده."
لكن هاشم كان خارج عن السيطرة.
وقال وهو بيصرخ:
"وقف العربية!"
مالك بص له باستغراب:
"هاشم... إيه اللي حصل لك؟"
فصرخ هاشم مرة تانية، بصوت هز العربية كلها:
"وقف العربية!"
رد مالك بعصبية بدأت تسيطر عليه:
"مش هوقف العربية! وكفاية صريخ بقى!"
وفجأة...
سكت هاشم.
وسند رأسه على الكرسي وغمض عينيه.
مرّت دقيقة واحدة بالظبط...
وفجأة وصلته رسالة على الموبايل.
اهتز الهاتف بصوت التنبيه.
نظر هاشم للشاشة، واتسعت عيناه وهو بيقرأ:
"افتح الشباك اللي جنبك... واصرخ وقول إنك مخطوف."
مالك سمع صوت نغمة الرسائل فبص له بسرعة وقال:
"مين اللي بعتلك رسالة؟"
لكن هاشم ما ردش.
وفي حركة مفاجئة...
ضغط زر الشباك وفتحه بالكامل.
وقبل ما مالك يستوعب اللي بيحصل، كان هاشم مطلع نص جسمه بره العربية وبيصرخ بأعلى صوت عنده:
"أنا مخطوف! الحقوني! أنا مخطوف!"
اتصدم مالك.
الصدمة كانت أكبر من إنه يلحق يتصرف.
لكن بعد ثوانٍ قليلة، شد هاشم لجوه بسرعة وضغط زرار الشباك وقفله.
ثم التفت له بعينين مشتعلة وقال بحدة:
"إيه اللي انت عملته ده؟!"
في نفس اللحظة...
الناس اللي سمعت صراخ هاشم بدأت تلفت انتباهها للعربية.
بعضهم جرى ناحيتها.
وبعضهم حاول يقطع الطريق قدامها.
وآخرون أخرجوا موبايلاتهم وهم بيصوروا اللي بيحصل.
هنا فقط...
أدرك مالك خطورة الموقف.
ولو العربية وقفت دلوقتي، فالكارثة هتحصل.
فداس بقوة على دواسة البنزين.
وزأرت العربية وانطلقت وسط الشارع بسرعة جنونية، متفادية الناس بصعوبة شديدة...،،،،
ويتغير المشهد...
ونشوف مالك قاعد لوحده في الأوضة، ساكت تمامًا، وعينيه تايهة في الفراغ وكأن ألف فكرة بتصارعه في نفس الوقت.
وفجأة اتفتح الباب.
دخلت حنان.
أول ما شافها مالك رفع رأسه بسرعة وقال بلهفة وخوف:
"نام؟"
وكان يقصد هاشم.
ردت حنان وهي بتحاول تخفي توترها:
"نام... بعد ما اديته نص برشامة مهدئة."
تنهد مالك براحة مؤقتة.
قعدت حنان جنبه، وبصت له شوية قبل ما تقول بقلق وغضب مكتوم:
"وآخرتها إيه يا مالك؟ هاشم بقى عنيف بشكل يخوف. أنا حامل، ومبقتش قادرة أستحمل اللي بيحصل ده."
مرر مالك إيده على وشه بإرهاق وقال:
"هشوف له دكتور نفسي."
حنان هزت رأسها وقالت:
"بس ليه بقى كده؟ وإيه حكاية إنه مقتنع إنك خاطفه؟ وإنك قتلت أبوه؟ وهو خيري الطباخ فعلًا أبوه... ولا أمير أخوك؟"
رفع مالك عينه ليها وقال بصوت خافت:
"هتفرق معاكي؟"
ردت حنان بسرعة:
"آه هتفرق يا مالك... وهتفرق جدًا."
وسكتت لحظة قبل ما تكمل والدموع بدأت تلمع في عينيها:
"لو ده ابن أمير أخوك... يبقى واجب عليّا أشيله جوة عيوني. طفل يتيم وأبوه في اخطر مراحل الجنان"
ثم تغيرت نبرتها فجأة وقالت بحدة:
"لكن لو ابن خيري... الراجل اللي كان عايز يقتلني ويقتل ابني... فدي حكاية تانية خالص. وساعتها من حقي أعرف أنا بربي مين."
ساد صمت ثقيل داخل الأوضة.
ثم قال مالك أخيرًا:
"حقك... وفعلاً جه الوقت تعرفي الحقيقة."
حبست حنان أنفاسها وهي منتظرة الإجابة.
فقال مالك:
"هاشم ابن خيري."
اتسعت عينا حنان بصدمة.
أما مالك فأكمل:
"لكن كل الناس فاكرة إنه ابن أمير عبود الباشا... أخويا."
وقفت حنان فجأة وكأنها اتلسعت من مكانها.
وقالت وهي مش مصدقة:
"يعني خطفته وهو صغير؟!"
وسكتت ثانية قبل ما تضيف بغضب:
"يبقى خيري كان معاه حق يوم ما فكر ييجي ياخده من هنا!"
ضرب مالك بيده علي السرير وقال بعصبية:
"حنان... بالله عليكي، مش وقته الكلام ده. أنا تعبان، وفيا اللي مكفيني."
ضحكت حنان ضحكة قصيرة مليانة وجع وقالت:
"وأنا إيه؟ مش في حساباتك؟"
وبدأت دموعها تنزل رغمًا عنها.
"مش فارقة معاك؟ مش حاسس أنا حاسة بإيه دلوقتي؟"
وأشارت إلى بطنها وهي تكمل:
"أنا حامل يا مالك... والمفروض أربي ابن الراجل اللي كان عايز يقتلني ويقتل ابني!"
قال مالك بهدوء متعب:
"هاشم ملوش ذنب."
ابتسمت حنان بسخرية مريرة:
"آه... صح."
ثم هزت رأسها وقالت:
"ملوش ذنب."
لكن نبرة صوتها كانت بتقول إنها مش قادرة تقتنع.
استدارت ناحية الباب.
فانتبه مالك وقال بسرعة:
"رايحة فين؟"
ردت وهي من غير ما تبص له:
"عند أمي."
وقف مالك وقال بقلق:
"حنان..."
فالتفتت له بعينين مليانين دموع وخذلان:
"علشان أنا كمان... ماليش ذنب."
وشدّت شنطتها واتجهت للباب.
حاول مالك يوقفها وقال:
"حنان... هعملك اللي إنتِ عايزاه. بس استني. لازم الأول أعرف مين اللي بعت لهاشم صور جثة أبوه... وليه بيعمل كده."
مسكت حنان مقبض الباب وقالت ببرود موجع:
"اعرف براحتك يا مالك..."
فتحت الباب ببطء.
ثم أضافت من غير ما تلتفت له:
"بس لحد ما تعرف... أنا هكون عند أمي."
وأغلقت الباب خلفها.
وبقي مالك واقف مكانه لوحده...
بين أسرار الماضي اللي بدأت تتكشف...
والكارثة الجديدة اللي بتقرب منه خطوة بعد خطوة.،،،،،،،،،
ويتغير المشهد... وبعدها بيوم بالظبط.
كان مالك واقف قدام حنان في شقة أمها، وباصص لها بنظرات كلها اشتياق، وقال بصوت هادي لكنه مليان وجع:
هوّنت عليكي تسيبيني أنام ليلة واحدة بعيد عنك؟
ابتسمت حنان ابتسامة حزينة، وهزت راسها وقالت:
بلاش الكلام اللي بيوجع القلب ده... وقولي هتعمل إيه في موضوع هاشم؟
اتنهد مالك تنهيدة طويلة، وبص للأرض ثواني قبل ما يرد:
هشوف له شقة كويسة ومربية تهتم بيه وتربيه بعيد عنك... وأنا هروح أطمن عليه من وقت للتاني.
اتغيرت ملامح حنان، وكأن الكلام نزل عليها زي الصاعقة، وكانت لسه هتتكلم، لكن مالك قاطعها بسرعة وقال:
متقوليش حاجة يا حنان... أنا مش قادر أعمل أكتر من كده.
وسكت لحظة، وبعدين قرب منها خطوة وقال بصوت كله شوق:
ويلا... جهزي نفسك علشان ترجعي معايا.
حنان:
أرجع؟
مالك:
آه ترجعي... أصل الفيلا من غيرك بقت وحشة.
وبعدين ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
لا... مش الفيلا بس. والله الدنيا كلها وحشة من غيرك.
رفعت حنان عينيها وبصت له، ولأول مرة من وقت طويل شافت قد إيه التعب والحزن ماليين وشه.
فضلت ساكتة... لا عارفة توافق ولا عارفة ترفض.
أما مالك فكان واقف مستني ردها، وقلبه بيدق بعنف، وكأن الكلمة اللي هتخرج من بقها دلوقتي هتحدد مصير أيام جاية كتير.
وساد بينهم صمت ثقيل... صمت مليان مشاعر، ومليان أسئلة محدش فيهم كان قادر ينطق بيها.،،،،
ونروح لمكتب المستشار فاروق، اللي كان مالك قاعد قدامه وعلامات القلق واضحة على وشه، وقال بضيق:
يعني إيه يا أستاذ فاروق؟! ما عرفتش مين صاحب الرقم ده؟
هز فاروق راسه وقال:
للأسف لا... الرقم مش متسجل بأي اسم، وكل المحاولات اللي عملناها ما وصلتناش لأي معلومة عنه.
قطب مالك حاجبيه وقال وهو بيحاول يربط الأحداث ببعض:
طيب ليه؟ ليه صاحب الرقم ده بيعمل كده؟
سكت فاروق لحظة، وبعدين قال بنبرة كلها حيرة:
لولا إني استلمت جثة خيري بنفسي من المشرحة، كنت حلفت إن خيري لسه عايش!
اتسعت عيون مالك، لكنه هز راسه بالنفي وقال:
لا... خيري مات، أنا متأكد.
وسكت لحظة وهو بيفكر، قبل ما يكمل:
أكيد خيري حكى حكاية هاشم لحد يعرفه... والشخص ده هو اللي بيبعت الرسائل دي. بس السؤال الأهم...
رفع عينيه لفاروق وقال بقلق:
ليه عايز يبعد هاشم عني؟ وإيه مصلحته في كده؟
ساد الصمت في المكتب... صمت تقيل، وكل واحد فيهم بيدور على إجابة مش لاقيها.
ويتغير المشهد...
ونشوف هاشم قاعد لوحده في أوضته داخل الشقة الجديدة.
وكان الوقت بعد نص الليل، والهدوء مالي المكان، لدرجة إن صوت عقارب الساعة كان مسموع.
فجأة...
رن موبيله.
انتفض هاشم من مكانه، ولما بص على الشاشة لقى رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول.
دقاته زادت، وفتح الرسالة بسرعة.
وكان مكتوب فيها:
"مالك حطك في سجن جديد وسمّاه شقة... هو بيجهز لموتك وبيفكر إزاي يخلص منك. زي ما خلص علي ابوك خيري الطباخ اهرب فورًا... وسيب السجن ده. إنت ما بقيتش عيل صغير. انزل الشارع وما ترجعش ليه تاني مهما حصل."
اتجمد هاشم مكانه وهو بيقرأ الكلام.
مرة... واتنين... وتلاتة.
والخوف بدأ يتسلل لقلبه.
فضل يفكر كام ثانية، قبل ما يقوم فجأة من على السرير.
قرب من باب الأوضة وفتحه بالراحة.
وبص يمين...
وبعدين شمال...
بحذر شديد.
كان عايز يتأكد إن المربية اللي معاه نايمة.
ولما اتأكد إن المكان هادي تمامًا، خرج على أطراف صوابعه.
فتح باب الشقة...
وخرج.
ثواني قليلة، وكان واقف قدام الأسانسير.
ضغط الزر بإيده المرتعشة.
نزل...
دور ورا دور...
لحد ما وصل للشارع.
وقف في نص الطريق، وسط ظلام الليل المخيف.
لا معاه فلوس تكفيه...
ولا عارف يروح فين...
ولا يثق في مين.
لكن حاجة واحدة كانت مسيطرة على عقله...
"لازم أهرب من مالك."
وبدأ يمشي.
خطوة...
ورا خطوة...
ورا خطوة...
والشوارع الفاضية بتبتلعه أكتر مع كل دقيقة.
لحد ما اختفى تمامًا وسط الظلام...
وكأن الأرض انشقت وبلعته.
وفي نفس اللحظة...
كان خطر جديد بيقرب منه من غير ما يعرف.
خلصت الحلقة... لكن الحكاية لسه ما خلصتش.
يا ترى هاشم راح فين؟ ومين صاحب الرقم المجهول؟ وهل فعلًا هدفه إنقاذ هاشم... ولا بيقوده لفخ أخطر؟
