
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم عاشقة القلم
........✍️ في شقة مراد...
ما إن دخل باران الشقة حتى أسرعت ديلان نحو غرفتها، وكأنها لم تعد تملك القدرة على البقاء لحظة أخرى في المكان، أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه للحظات، ثم وضعت يدها على فمها محاولة كتم شهقاتها.
لكنها لم تستطع.
انفجرت دموعها دفعة واحدة، واتجهت نحو سريرها بخطوات متعثرة، ثم ارتمت عليه ودفنت وجهها في وسادتها، تاركةً لكل ما اختزنته في صدرها أن يخرج دون قيد.
لم تكن تبكي من الألم وحده...
بل من الظلم، ومن الاتهام، ومن ذلك الشعور المرير بأنها مهما فعلت، ستبقى في نظر مراد مذنبة.
خرجت شهقاتها مطلقةً العنان للألم الذي كان يعتصر قلبها، وانهمرت دموعها دون توقف، وكأنها وجدت أخيرًا منفذًا لكل ما كتمته طويلًا.
لم يعد لها مكان تلجأ إليه حين يثقلها الحزن، ولا صدر حنون تهرب إليه لتلقي برأسها عليه وتبكي بأمان. لم تكن هناك صديقة تركض إليها، فترتمي في أحضانها وتفرغ ما في جعبتها من أحزان وآلام وخيبات وخذلان.
كانت وحيدة... وحيدة إلى الحد الذي جعلها تشعر وكأن العالم بأسره قد ضاق بها، وحيدة بحيث لم تجد يوى وسادتها التي تضع عليها راسها مطلقة العنان لدموعها، وسرسرها الذي إحنضنتا وإحتضن آلامها واوجاعها، ولم يبقَ لها سوى الله، تشكو إليه ضعفها وانكسار قلبها، وتبثه كل ما عجزت عن البوح به لأحد.
أما باران، فبقي واقفًا للحظات في بهو الشقة، وراح يوزع وعينيه بين ديلان التي دخلت غرفتها واغلقت الباب خلفها، وبين أخيه مراد الذي مان واقف امامه يكاد ينفجر من الغضب، حيث كان هو الاخر الغضب يشتعل في عينيه.
باران: تعال معي.
مراد: إلى أين؟.
باران: إلى غرفة الجلوس، أريد أن أفهم منك ما الذي حدث قبل أن أفقد أعصابي أنا الآخر.
أمسكه من يده وسحبت خلفه ودخلا الغرفة، وأغلق باران الباب خلفهما، ثم استدار نحو أخيه.
كانت ملامحه شديدة القسوة.
باران: ماذا كنت تفعل يا مراد؟!.
مراد: لا تتدخل فيما لا يعنيك.
اقترب باران منه خطوة.
باران: بل يعنيني عندما أسمع زوجتك تصرخ وتستنجد بمن ينقذها من بين يديك، وأدخل فأراك ممسكًا بعنقها!.
ساد الصمت.
ثم قال باران بمرارة:
باران: هل فقدت عقلك؟!.
مراد: أنت لا تعرف ما حدث.
باران: إذن أخبرني!.
صمت مراد لحظات، ثم قال بانفعال:
مراد: وجدتها وحدها مع روني في الشقة!.
باران: وماذا يعني ذلك؟.
مراد: ماذا يعني؟!، رجل وزوجتي وحدهما في شقتي وأنا خارجها!.
هز باران رأسه بعدم تصديق.
باران: وهل سألتها لماذا كان روني هناك؟.
مراد: قال إنه جاء من أجل فلاشة كان قد سلمني إياها منذ عدة أيام، لانقل له معلومات عن كيفية إدارة حسبات شركة وغيره، معلومات مان يريدها لبحث سيقدمه للجامعة.
باران: جميل إذا كنت تعلم بسبب محيئه إذن؟، وهل كان يحملها عندما دخلت؟.
مراد: كانت بيده لانه وجدها في المكتب.
باران: إذن كان لديه سبب واضح لوجوده هناك.
ارتبك مراد قليلًا، لكنه سرعان ما اراد ان يتكلم لكن باران سبقه.
باران: ولاتنسى دنيز كانت موجودة أيضًا، ثم اختفت فجأة!.
رفع مراد حاجبه.
باران: وهل سألت ديلان عن ذلك قبل أن تهجم عليها؟.
مراد: لم أفكر...
قاطعه باران بغضب:
باران: وهذا هو الخطأ!، أنت لا تفكر حين تغضب، بل تتصرف أولًا ثم تبحث عن مبررات لأفعالك!.
أشاح مراد بوجهه.
لكن باران لم يهدأ.
باران: حتى لو كانت لديك شكوك، هل يحق لك أن تضربها؟ هل يحق لك أن تخنقها وتتهمها بالخيانة ومع من مع إبن عمك؟!.
مراد: كنت غاضبًا.
باران: الغضب ليس عذرًا.
ثم اقترب منه أكثر، وقال بصوت منخفض لكنه أشد وقعًا:
باران: أتذكر يوم وقفتَ أمام أبي وأمي وأخبرتهما أنك ستصونها وستحميها ولن تعود لضربها مرة أخرى؟، ماذا بقي من ذلك الكلام الآن؟.
لم يجب مراد.
تابع باران:
باران: ديلان لم تفعل شيئًا لتستحق منك كل هذا، وكلما رأيتها تلتزم الصمت وتتحمل، تظن أن بإمكانك تجاوز حدودك معها أكثر.
رفع مراد عينيه إليه.
مراد: أنت تدافع عنها وكأنك تعرفها أكثر مني.
توقف باران للحظة.
لم يعرف لماذا شعر بوخزة في صدره عند سماع تلك العبارة.
لكنه أجاب بثبات:
باران: لا أحتاج إلى أن أعرفها أكثر منك حتى أعرف أن ما فعلته كان خطأ.
ثم أضاف:
باران: ولو كان أبي وأمي هنا عندما حدث ذلك، لما مر الأمر بهذه السهولة، أتعلم ماذا كان أبي سيفعل لو رأى يديك حول عنقها؟.
ابتلع مراد ريقه.
باران: كان سيقف أمامك قبل أن يصل إليها أحد، وأمي كانت ستأخذها منك ولن تسمح لك بالاقتراب منها.
تنهد باران، ثم قال:
باران: احمد الله أنهما لم يكونا هنا، وإلا لكبرت المسألة كثيرًا، وربما وصلت إلى ما لا تستطيع إصلاحه بعد ذلك.
ظل مراد صامتًا.
ثم قال باران بنبرة أكثر هدوءًا:
باران: اذهب إليها واعتذر، وحاول ان تراضيها لتسامحك، نع انني اشك انها ستسامحك، ولو كنت مكانها ما سمحتك ولو قبلت قدمي.
رفع مراد رأسه.
مراد: ماذا تقول؟ وعل تريدني ان افعل ذلك الآن؟.
باران: نعم، الآن.
مراد: لن تقبل اعتذاري.
باران: هذا شأنها، أما أنت فألا تترك وراءك ظلمًا دون أن تعتذر عنه.
ثم اتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يفتحه.
باران: وأمر آخر...
التفت مراد إليه.
باران: لا تجعل غيرتك ذريعة لظلم امرأة لم تفعل شيئًا، إن كنت لا تثق بزوجتك، فابحث عن الحقيقة أولًا، لا عن شخص تفرغ فيه غضبك، وإذا إنسدت الطريق بينكما فاولى ان يذهب مل منكما بطريقه افضل.
خرج باران، وترك أخاه وحده مع صمته وأفكاره.
وفي الغرفة الأخرى، كانت ديلان لا تزال تبكي.
لم تكن تسمع ما دار بين الرجلين، لكنها للمرة الأولى شعرت أن هناك شخصًا رأى الظلم الذي وقع عليها ولم يكتفِ بالصمت.
أما في الطابق الأول...
كانت دنيز قد دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف.
وقفت للحظات مسندةً ظهرها إليه، ثم راحت تتنفس بغضب.
كانت كلمات والدها لا تزال تتردد في رأسها.
"أول عريس يتقدم لك سأوافق عليه..."
ضغطت على شفتيها بعصبية.
دنيز في سرها: كل هذا بسبب روني!.
بدأت تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا.
كان روني قد أفسد عليها خطتها، ثم عاد إلى البيت ليكشف الأمر أمام والدها، والآن أصبحت محاصرة.
لا خروج لملاقاة مراد،
لا زيارات لبيت عمها،
لا فرصة للصعود إلى شقة ديلان،
والأسوأ من ذلك كله أن والدها هددها بأنه سيوافق على أول رجل يتقدم لها.
توقفت أمام المرآة وحدقت في انعكاس وجهها.
دنيز في سرها: وماذا أفعل الآن؟.
ثم عادت إلى السير.
كانت الرسالة لا تزال معها.
وهذا ما أعاد إليها شيئًا من هدوئها.
وضعت يدها على المكان الذي أخفتها فيه، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
دنيز في سرها: لا... لن أخسر الآن.
لكن المشكلة لم تعد في الحصول على الرسالة.
بل في إيصالها إلى مراد،
فهي إن لم تستطع الوصول إليه، فلن يكون للرسالة أي قيمة.
جلست على طرف السرير، ثم نهضت من جديد.
كانت الأفكار تتصارع في رأسها، حتى بدأت ملامحها تتغير شيئًا فشيئًا.
وفجأة...
توقفت.
رفعت عينيها، وكأن فكرة ما خطرت لها للتو.
ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيها.
دنيز: نعم...
اقتربت من المرآة، وهمست:
دنيز: إن لم أستطع الوصول إلى مراد... فسأجعله هو من يأتي إليّ.
جلست على السرير وبدأت ترتب خيوط فكرتها في ذهنها.
لقد فعلتها من قبل، ونجحت في جعل الآخرين يرون ما أرادت هي أن يروه.
ولماذا لا تكرر الأمر؟،
لكن هذه المرة عليها أن تكون أكثر حذرًا،
فوالدها يراقبها،
وروني أصبح يشك بها،
وباران ليس بعيدًا كما كانت تتمنى،
أما ديلان...
فهي آخر شخص تفمر به الان، ويحب ان تغتنم الفرصة لتزيحها من الطريق، وعليها ان تستثمر ما حدث اليوم لصالحها.
حدقت دنيز أمامها، ثم قالت في سرها:
دنيز: الرسالة لن تبقى معي إلى الأبد... ويجب أن تصل إلى مراد بطريقة تجعله يصدق أنها جاءت من غيري، لا مني.
ثم اتسعت ابتسامتها شيئًا فشيئًا.
لقد بدأت الخطة الجديدة تتشكل في رأسها...
وكانت أخطر من سابقتها، لأنها هذه المرة لن تعتمد على الاقتراب من ديلان، بل على جعل الشك يصل إلى مراد من تلقاء نفسه.
في اليوم التالي...
استيقظت ديلان، لكن النوم لم يكن قد غادرها وحده؛ فقد ترك خلفه إرهاقًا ثقيلًا، وكأن الليل مرّ فوق صدرها ولم يترك لها سوى المزيد من التعب.
بقيت في غرفتها، وأغلقت الباب عليها، ولم تعد تعرف ماذا تفعل أو إلى أين تذهب.
كانت تشعر بأنها محاصرة من كل الجهات.
بيت زوجها لم يعد مكانًا تشعر فيه بالأمان، وبيت والدتها الذي كانت تظنه ملجأها الوحيد لم يعد آمنًا بعد خروج كاظم من السجن،
وضعت ديلان يدها على صدرها، وأغمضت عينيها.
ديلان في سرها: إلى أين أذهب يا رب؟.
لم تجد جوابًا.
لم يكن أمامها سوى أن تبقى حيث هي، وتلوذ بالصمت، لعل الأيام تحمل لها مخرجًا لا تراه الآن.
خارج الغرفة، وقف مراد أمام بابها.
رفع يده وطرق طرقًا خفيفًا.
مراد: ديلان...
لم يأته جواب.
انتظر لحظات، ثم طرق مرة أخرى.
مراد: ديلان، افتحي الباب.
بقي الصمت سيد المكان.
كان يستطيع أن يطلب منها فتحه، وأن يغضب كما اعتاد، لكنه هذه المرة لم يفعل.
ظل واقفًا أمام الباب، ينظر إليه وكأن بينه وبين تلك الغرفة عالمًا كاملًا لا يعرف كيف يعبره.
تردد لحظة، ثم أنزل يده.
وأخيرًا ابتعد.
لم يكن هو الآخر قد ذاق النوم.
فمنذ عودته بالأمس، وكلمات باران لا تفارق رأسه.
"لا تجعل غيرتك ذريعة لظلم امرأة لم تفعل شيئًا."
"لماذا كانت دنيز في الشقة ثم خرجت وتركت روني وديلان وحدهما؟".
توقف مراد في منتصف الطريق، وقد عاد السؤال يلح عليه من جديد.
مراد في نفسه: لماذا؟.
لم يجد إجابة.
إذا كانت دنيز موجودة في الشقة، فلماذا خرجت تحديدًا في اللحظة التي دخل فيها روني إلى المكتب؟،
هل كان الأمر مصادفة؟،
أم أنها تعمدت ذلك؟،
وإذا كانت قد تعمدت، فما الذي كانت تريده؟.
جلس مراد في الصالة، وأسند رأسه إلى ظهر المقعد.
بدأ يعيد المشهد في ذهنه للمرة العاشرة.
دنيز كانت هنا،
روني جاء من أجل الفلاشة،
ديلان سمحت له بالدخول إلى المكتب،
ثم خرجت دنيز دون أن تخبر أحدًا،
وبعدها جاء هو...
ورأى زوجته مع ابن عمه وحدهما،
ضغط مراد على جبينه.
مراد في نفسه: هل كانت تريدني أن أراهما معًا؟.
ازداد السؤال إلحاحًا.
لكن لماذا؟،
هل أرادت أن تزرع الشك في قلبي تجاه ديلان؟،
تغيرت ملامحه.
مراد في نفسه: ولكن لأي سبب؟.
ثم توقف عند نقطة أخرى.
روني.
كان يعرف ابن عمه جيدًا،
لم يكن من النوع الذي يمكن أن يفكر في زوجة ابن عمه بتلك الطريقة، بل كان يتعامل مع ديلان باحترام، ولم يسبق أن صدر منه ما يثير الشبهة.
وفوق ذلك...
مراد في نفسه: أنا من طلبت منه أصلًا أن يأخذ الفلاشة من ديلان،
أغمض عينيه للحظة.
تذكر كيف كانت ديلان تقف أمامه طوال الأشهر الماضية.
صامتة...
صابرة...
تتحمل كلماته القاسية وبروده، ومع ذلك لم يلمس من سلوكها ما يبرر شكه فيها.
بل على العكس تمامًا،
كانت تعامل والديه بحب واحترام، حتى والدته التي لم تكن ابنتها من الدم، أصبحت بالنسبة إليها أمًا حقيقية.
وملك الصغيرة...
تذكر كيف كانت ديلان تجلس معها بالساعات، وتعتني بها وكأنها ابنتها.
خفض مراد رأسه.
مراد في نفسه: حتى عندما أسأت إليها... لم ترد إساءتي بإساءة.
شعر بشيء من الخجل يتسلل إلى صدره.
ثم عاد السؤال نفسه ليقطع عليه أفكاره:
دنيز... لماذا؟.
كان هذا هو اللغز الذي لم يجد له تفسيرًا.
لم يستطع أن يتجاهله هذه المرة،
فربما كان باران محقًا،
وربما كان غضبه قد أعماه عن رؤية أمور واضحة أمام عينيه،
وقف مراد واتجه نحو النافذة،
نظر إلى الخارج طويلًا،
لم يكن يريد أن يظلم ديلان مرة أخرى، لكنه في الوقت ذاته لم يستطع أن يتجاهل ما حدث.
مراد في نفسه: سأعرف الحقيقة.
شد قبضته.
مراد: لن أبقى مكتوف اليدين.
كان عليه أن يجد إجابة،
أن يعرف لماذا خرجت دنيز من الشقة في ذلك التوقيت تحديدًا، ومن كان يعلم بوجود روني، وما الذي كانت تريده أصلًا.
لكن هذه المرة، لن يسمح لغضبه بأن يقوده.
لن يتهم أحدًا قبل أن يتأكد.
لقد دفع ثمن اندفاعه بالأمس غاليًا، ورأى بعينيه الخوف الذي زرعه في قلب ديلان.
وللمرة الأولى، بدأ يفهم أن المشكلة لم تكن في غيرته وحدها...
بل في أنه كان يسمح لغضبه أن يتخذ القرارات نيابة عنه.
تنهد بعمق.
ثم رفع عينيه نحو باب غرفة ديلان المغلق.
وراء ذلك الباب كانت امرأة لم تعد تعرف أين تجد الأمان.
وللمرة الأولى، شعر مراد أن جزءًا من مسؤولية ذلك الخوف يقع على عاتقه.
قال في نفسه:
مراد: لن أقترب منها حتى أجد الحقيقة... لكنني لن أترك الأمر يمر أيضًا.
ثم استدار،
لقد اتخذ قراره،
سيبدأ من دنيز،
فإن كانت بريئة، فسيعرف.
وإن كانت قد تعمدت ما حدث...
فسوف يعرف أيضًا لماذا.
مرَّت عدة أيام على تلك الحادثة، وبدأت ديلان تستعيد شيئًا من روتينها المعتاد، وإن لم تعد كما كانت.
كانت تتحرك في البيت بهدوء، تؤدي ما عليها من أعمال، وتجلس مع عائشة وملك، وتحاول أن ترسم على وجهها ملامح طبيعية تخفي خلفها ما يعتمل في صدرها.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر...
أصبحت تتجنب مراد،
إذا دخل غرفة الجلوس خرجت منها بحجة إعداد شيء في المطبخ، وإذا عاد من عمله أسرعت إلى غرفتها، وإذا اضطرت للحديث معه أجابته بكلمات قليلة ثم انصرفت.
لم تكن تكرهه...
لكنها أصبحت تخاف من غضبه، وترسم حدودا واضحة بينه وبينها إلى ان يجعل الله لها مخرجا.
أما مراد، فكان يعيش صراعًا آخر.
منذ تلك الليلة، لم يعد يسمح لغضبه بأن يقوده كما كان يفعل من قبل، كان يعيد كل شيء في رأسه، يبحث عن ثغرة، عن تفصيل صغير قد يقوده إلى الحقيقة.
وكان السؤال الذي يطارده بلا رحمة:
لماذا خرجت دنيز من الشقة وتركت روني وديلان وحدهما؟.
كان يعلم أن وراء الأمر شيئًا لم يفهمه بعد.
بعد يومين، وفي مقر عمله، كان مراد يجلس خلف مكتبه، محاطًا بالملفات والأوراق، لكنه لم يكن يرى شيئًا مما أمامه.
كان عقله في مكان آخر.
رفع عينيه عن الأوراق، وأسند ظهره إلى كرسيه.
مراد في نفسه: لا بد أن هناك شيئًا فاتني...
وقبل أن يسترسل في أفكاره، اهتز هاتفه فوق المكتب.
نظر إليه.
إشعار برسالة جديدة.
مد يده والتقط الهاتف، ثم فتح الرسالة.
تجمدت عيناه عند الكلمات:
📨:"سيد مراد، أردت أن أخبرك ألا تبقى غافلًا عن زوجتك المصون، فهي ما زالت على تواصل بحبيبها القديم، وأنت مغيب تمامًا."
شعر ببرودة تسري في أطرافه.
قرأ الرسالة مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
اتسعت عيناه، وتشددت ملامحه.
كان أول ما شعر به هو الغضب...
لكن شيئًا ما منعه من الاستسلام له.
تذكر ديلان.
وتذكر ما حدث قبل يومين.
وتذكر وعده لنفسه بألا يحكم قبل أن يعرف الحقيقة.
ضغط على الرقم الذي أرسل الرسالة.
رن الهاتف.
لا إجابة.
أعاد الاتصال.
لا شيء.
وفي المحاولة الثالثة...
جاءته رسالة من رجل مجهول.
📨: لماذا تتصل بي فقد اخبرتك وانذرتك.
مراد📨: نعم! من أنت؟ وما علاقتك بزوجتي؟.
جاءته رسالة من الرجل هادئًا، متعمدًا الغموض:
الرجل📨: أنا فاعل خير فقط، لم أشأ أن أتركك خارج الصورة بينما زوجتك تخدعك.
اشتدت قبضة مراد حول الهاتف.
مراد📨: سألتك من أنت!.
رد عليه الرجل بضحكة، ضحكة بدت وكأنها تهدف إلى استفزازه.
الرجلج📨: قلت لك... فاعل خير. ولا أحب أن يُخدع رجل مثلك من امرأة خبيثة كهذه.
أغمض مراد عينيه للحظة.
كان الغضب يتصاعد داخله، لكنه تذكر كلمات باران.
"لا تجعل غضبك يقودك."
فتح عينيه من جديد.
مراد📨: ومن أين تعرف زوجتي؟، وإذا كان كلامك حقيقيًا، فأين دليلك على أنها ما زالت على علاقة بحبيبها القديم؟.
ارسل الرجل مرة أخرى بإيموجي ضاحك، ثم ارسل:
الرجل📨: هل تعلم أين كانت زوجتك منذ يومين؟.
تغيرت ملامح مراد.
مراد📨: نعم. أعلم. كانت في زيارة لوالدتها.
صدرت من الرجل رسالة صوتية لضحكة ساخرة.
الرجل📨: هذا ما قالته لك، أليس كذلك؟
صمت مراد.
تابع الرجل:
الرجل📨: نعم، ذهبت إلى بيت والدتها... لكنها لم تبقَ هناك، خرجت بعدها لتلتقي بحبيبها.
شعر مراد بانقباض في صدره،
ثم وصلته رسالة أخرى.
صورة.
فتحها.
ظهرت ديلان جالسة وحدها في الحديقة.
توقف مراد عن التنفس لثوانٍ.
ظل يحدق في الصورة.
كان يمكن لغضبه القديم أن يندفع في تلك اللحظة، وأن يفسر الصورة كما يريد.
لكنه هذه المرة لم يفعل.
كتب بهدوء متماسك:
مراد📨: هذه ليست دليلًا على شيء.
جاء رسالة الرجل:
الرجل📨: ماذا تقصد؟.
مراد📨: الصورة تظهر زوجتي جالسة وحدها. لا يوجد فيها رجل، ولا تثبت أنها كانت تلتقي أحدًا.
ساد الصمت لحظات.
ثم كتب الرجل:
الرجل📨: أنت أذكى مما توقعت...
لكن مراد لم يمنحه فرصة لإكمال حديثه بعث له برسالة.
مراد📨: إن كنت تملك دليلًا حقيقيًا فأرسله، وإلا فلا تتصل بي مرة أخرى.
وأغلق المحادثة.
بقي الهاتف في يده.
لم يتحرك.
لكنه فتح متجر الصور على صورة ديلان، كانت عيناه معلقتين بالصورة.
ديلان...
الحديقة...
زيارة والدتها...
كل التفاصيل كانت تبدو وكأنها تتجمع أمامه، لكنه لم يكن مستعدًا للقفز إلى النتيجة التي يريدها المجهول.
رفع يده ومسح وجهه.
مراد في نفسه: لماذا ترسل لي هذه الرسالة الآن؟.
ثم خطر له سؤال آخر:
إذا كان هذا الرجل يعرف أن ديلان ذهبت إلى الحديقة، فمن أين عرف؟، ومن اخبره؟، وهل هناك شخص يراقبها؟وهل تراه عشيقها السابق يريد إفساد الامر لانها لم تتواصل معه؟.
ومن الذي أخبره؟،
ولماذا يريد منه أن يصدق أنها التقت شخصًا آخر؟،
تراه نفس الشخص يريد ان يزرع الشك لانه لم يصل إليها؟.
عدة افكار واسألة كانت تتصارع في رأسه كحلبة مصارعة، حتى كاد رأسه ينفجر من كثرة التفكير،
نهض مراد من مكانه، واتجه نحو النافذة.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال بصوت خافت:
مراد: سأعرف الحقيقة.
أمسك هاتفه مرة أخرى، وأجرى اتصالًا.
كانت هذه المرة مختلفة.
لم يكن يتصل بدافع الغضب، ولا ليواجه ديلان، ولا ليطلق اتهامًا جديدًا.
بل ليتحقق.
مراد في نفسه: إذا كان ما قيل لي صحيحًا... فهذه ستكون نهايتك يا ديلان.
ثم سكت لحظة، وشعر بوخزة في صدره.
مراد في نفسه: أما إذا كان كذبًا... فسأعرف من يقف خلف هذه اللعبة، ولماذا يحاول تدمير بيتنا بهذه الأكاذيب.
أغلق عينيه لحظة.
ثم فتحهما وقد اتخذ قراره.
هذه المرة لن يسمح لأحد بأن يحركه كقطعة شطرنج.
سيبحث عن الحقيقة بنفسه...
حتى لو كانت الحقيقة التي سيجدها ستقلب حياته كلها رأسًا على عقب.
عاد مراد إلى البيت في وقتٍ لم تعتد ديلان عودته فيه، فوجدها في الشقة منهمكة في أعمالها المعتادة، كانت قد نزلت لحماتها تكمئن عليها وعلى ملك، ثم إستأذنت منها مدعية انها متعبة حتى لاتلتقي بباران، فما فعله مع مراد حرك داخلها مشاعر حاولت جاهدة لدفنها، لتبتعد عن محيطه حتى لاتنطلق مشاعرها الاي تحاول وأدها حتى تقع في الحرام وترتمب ذنب، كانت قد صعدت لتنضف البيت فقد كانت قد اهملته في الايام السابقة بسبب ما حدث، وحتى لاتطظر لتتصادف بمراد، كانت تتحرك بين الغرف بصمت، وكأنها تحاول أن تدفن أفكارها في تفاصيل المنزل.
ما إن سمعت صوت الباب حتى تجمدت للحظة.
لقد اعتادت خلال الأيام الماضية أن تتجنبه قدر استطاعتها، وأن تختار الأوقات التي لا يكون فيها موجودًا، أما اليوم فقد باغتها حضوره، لم تتوقع مجيئه به.
تقدّم مراد نحوها بخطوات هادئة، لكن ملامح وجهه كانت تخفي شيئًا جعل قلبها ينقبض.
وقف أمامها وقال بلهجة مباشرة:
مراد: في اليوم الذي ذهبتِ فيه إلى بيت والدتك... إلى أين ذهبتِ بعد ذلك؟.
رفعت ديلان عينيها إليه باستغراب.
ديلان: ولماذا تسأل؟.
تغيرت ملامحه قليلًا.
مراد: لا تجيبي عن سؤالي بسؤال آخر، سألتك فأجيبي فقط.
خفضت ديلان عينيها حتى توقف شرارة غضبها من التي بدات تتقد، ثم قالت بهدوء:
ديلان: الجواب قلته أنت بنفسك في سؤالك... ذهبت إلى بيت والدتي.
اقترب منها خطوة.
مراد: سألتك إن كنتِ ذهبتِ إلى مكان آخر.
صمتت لحظة، ثم تنهدت بعمق ثم فتحت شفتيها وألقت بكلماتها امامه.
ديلان: نعم... تذكرت صديقتي الراحلة مريم، رحمها الله، وبعد أن خرجت من بيت أمي ذهبت إلى الحديقة القريبة من المنزل وجلست هناك قليلًا، كانت مكاننا أنا ومريم... وكنا نجلس فيها كثيرًا، تذكرت بعض ذكرياتنا.
ظل مراد ينظر إليها، وكأن عينيه تبحثان في وجهها عن شيء لا تقوله.
ثم مد يده وأمسك بذراعها.
ارتجفت ديلان من قبضته، ورفعت عينيهاإلى ذراعها التي يمسكها، ثم إرتفعت إليه.
مراد: أقسم لكِ... إن كان كلامك هذه المرة غير صحيح، وإن كنتِ تراوغينني، فسأنفذ ما قلته لكِ من قبل.
اشتدت قبضته قليلًا، ثم تابع بنبرة قاسية:
مراد: لكن هذه المرة لن أكتفي بطلاقك، سأطردك من هذه الشقة، بل من هذا البيت كله، وبفضيحة لن يكون لها أول ولا آخر، ولن يقف في وجهي أي احد، فاحذري أن تكذبي عليّ.
كانت الكلمات أثقل عليها من قبضته.
تراكمت في صدرها كل الإهانات التي تحملتها، وكل الشكوك التي عاشت تحت وطأتها، وكل مرة شعرت فيها أن كرامتها لا تعني له شيئًا.
وانكسر آخر خيط من صبرها.
رفعت رأسها، وانفجرت الكلمات من فمها قبل أن تتمكن من إيقافها:
ديلان: لقد سئمت منك ومن شكوكك التي لاتنتهي!.
تراجع مراد خطوة من شدة مفاجأته.
لكنها تابعت، والدموع تملأ عينيها:
ديلان: سئمت شكوكك... واتّهاماتك... وإهاناتك! تفعل كل ذلك لأنك تعلم أنني بلا سند يقف أمامك، فتتمادى في أذيتي وإذلالي!.
ارتجف صوتها، لكنها لم تتراجع.
ديلان: لقد أرهقتني هذه الحياة معك... وكرهت العيش بهذه الطريقة!، حتى بت اتمنى ابغض شيء وهو ان يقبض الله روحي ويريحني منك ومن كل هذه الحياة، تركت كاظم ببيت امي لكني وجدت نسخة أخرى وبطريقة أخرى، وكأن هذه الدنيا تعمدت معاقبتي بشخصية كاظم اينما ذهبت.
سكتت برهة تنظر إليه وكأنها تفكر فينا ستقوله له، يكون اشد إيلاما له منا آلمها هو، في أكثر شيء سؤلمه اكثر، ثم إنفحرت بوحهه، وهي لا تكاد تميز ما تتفوه به من شدة انفعالها:
ديلان: أتريد الحقيقة؟ حسنًا... لديّ حبيب!.....نعم يا مراد لدي حبيب!!!...
اتسعت عينا مراد.
أما ديلان، فكانت تشعر في تلك اللحظة أنها تحطم بلسانها آخر ما بقي بينها وبين هذا الرجل.
ديلان: نعم، لديّ حبيب... وهو أفضل منك ألف مرة!، ولقد ندمت على تسرعي في الزواج منك، لانني ظننتك رجلا وستحميني من قسوة الحياة وغدر الزمن، لكني كنت مخطئة فأنت لا تستحق حتى ظفرًا مني... ولا تستحق أن تُقال لك كلمة رجل!.
كانت تعرف، في أعماقها، أنها تهرب من هذا الشعور حتى بتفكيرها، لكن ما فعله هو وما فعله باران هو من دفعها لقول ذلك، رغم أنها ليس موافقة عليه بل تريد ان تتهرب منه.
وتعرف أن الكلمات التي قالتها ليست ماكانت تود قولها، لكن من تملم ليس عقلها بل قلبها.
لكنها كانت غاضبة...
مجروحة...
ومنهكة إلى حد لم تعد معه قادرة على السيطرة على لسانها.
أما مراد، فقد سقطت الكلمات عليه كالصاعقة.
احمر وجهه، واشتعل الغضب في عينيه، وفقد السيطرة على نفسه.
اندفع نحوها بعنف، ثم شدد قبضته على ذراعها، وفتح باب الشقة ودفعها بعيدا، حيث أخرجها من الشقة وهو يصرخ:
مراد: إذن لماذا بقيتِ في بيتي؟! هيا، اذهبي إلى عشيقك!.
دفعتها قسوته إلى خارج الباب، ثم قال بمرارة وغضب:
مراد: لا أريدك في بيتي!.
توقفت ديلان على السلم، والدموع تنهمر من عينيها.
ثم جاء صوته من امام الباب:
مراد: ولن أطلقك! ستبقين هكذا... لا أنتِ متزوجة ولا مطلقة، أما أنا فسأفكر في حياتي من جديد، وسأتزوج، وأنتِ ستبقين كما أنتِ!
ثم أُغلق الباب في وجهها.
جلست ديلان على السلم، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وأخفت وجهها بين ذراعيها، وانفجرت في بكاء صامت.
ديلان في نفسها: ماذا فعلت بنفسي؟ لماذا قلت ذلك؟.
كانت تعرف أن كلماتها ستزيد الأمر سوءًا، لكنها لم تعد قادرة على احتمال المزيد.
في تلك الأثناء، كان باران ينزل الدرج متجهًا إلى الطابق السفلي حيث شقة والديه.
كان قد طلب سابقا من والديه غرفة بالشقة التي لم تكتمل بالطابق الذي فوق شقة مراد، وقد احظر العمال لتهيئتها كما اراد، وكان اليوم قد اخذ إيجازة ليوضبها ويضع بها اغراضه التي سيعمل عليها التصميمات التي تطلب منه، او رسومات الديكورات وكل ما يخص عمله، وحتى بعض الاوراق والالوان ليمارس هوايته الرسم.
كان قد أعد غرفة لتكون مكتبًا وورشة لأعماله الهندسية، ومكانًا يلجأ إليه حين يريد ممارسة هوايته التي أحبها منذ سنوات... الرسم.
لكن خطواته توقفت فجأة.
لمح امرأة متكوّرة على نفسها فوق الدرج، امام شقة اخيه.
لم يحتج إلى أكثر من لحظة حتى عرفها.
باران في نفسه: ديلان؟.
اقترب منها بقلق، ثم سمع صوت بكاءها المكتوم .
لم يسألها في البداية.
خلع سترته ووضعها فوق رأسها ليسترها، لقد طردها مراد بثيابها المنزلية بطرحة خفيفة صغيرة لاتستر جيدا شعرها، كانت قد عقدتها على رأسها وهي تنظف البيت وبدون نقابها، لذلك اخفت وجهها بين ركبتيها حين رفعتهما إلى صدرها، ثم قال بصوت هادئ:
باران: ديلان... زوجة أخي؟.
لم ترفع رأسها إليه، بل أسرعت إلى إخفاء وجهها بسترته.
باران: لماذا تجلسين هنا؟ ولماذا تبكين؟ هل حدث شيء بينك وبين مراد؟.
شدت سترته حول رأسها، وقالت بصوت متهدج:
ديلان: لقد طردني أخوك من البيت... وليس لدي مكان أذهب إليه.
صمت باران لحظة، وشعر بغصة في صدره.
ثم قال:
باران: هل آخذك إلى بيت والدتك؟.
هزت ديلان رأسها بسرعة نافية.
ديلان: لا أريد العودة إليها.
تردد باران، ثم قال:
باران: حسنًا... تعالي معي أولًا، للنزل للأسفل لأني إذن.
اجابته ديلان بسرعة:
ديلان: لا اريد ان تراني هكذا فهي مريضة ظغط وربما يرتفع ضغطها من شدة إنفعالها.
نفخ باران وجنتيه بذجر لا يعلم إلى أين يأخذها، ثم إهتدى لفكرة نظر إليها وقال..
باران: إذن إتبعيني يا زوجة أخي،
وصعد الدرج، وتبعته ديلان بخطوات مترددة، وهي تحاول أن تخفي وجهها عنه.
وصل إلى الطابق الرابع، وفتح باب الورشة.
باران: ادخلي هنا وانتظريني. سأعود بعد أن أتحدث مع مراد ونجد حلًا.
وقبل أن يبتعد، قالت:
ديلان: أولًا... من فضلك، أحضر لي شيئًا أستر به نفسي.
ثم أضافت بصوت منكسر:
ديلان: ولا أريد العودة إليه.
توقف باران لحظة.
باران: حسنًا. أغلقي الباب خلفي ولاتفتحي لاي أحد، سأجلب لك شيئا من عند أمي وسأعود.
نزل باران إلى شقة والديه، واتجه مباشرة إلى غرفة والدته.
أخذ من خزانتها خمارين كبيرين، ثم صعد من جديد.
طرق باب الورشة.
كانت تنظر ديلان حولها لهذا المكان، كانت رائحة عطره تطغى على المكان، لكن كان به بعض السكينة والهدوء اللذان تسللا لقلبها، وجعلاه يهدأ قليلا، إقتربت من الكرسي وراحت تقرب سترته من انفعا وأخذت تستنشق عبيره، ثم إتسعت حدقتيها وابعدتها عن انفها وهي تنهر نفسها عن ما مانت تفعله فهو الان يكون اخ زوجها، ولن تدع أي شعور آخر يتسلل لقلبها، يكفي حماقتها وما تفوهت به أمام زوجها الذي طردها من الشقة، فأين ستذهب لا يمكنها البقاء هنا، فهذا المكان اعده لعمله، وأيضا لايمكنها البقاء بشقة حمواها إذا طلقها مراد، لكن اين ستذهب وإلى أين تلجئ.
وما إن فتحت ديلان الباب حتى أدار ظهره إليها، ومد يده بالخمارين دون أن يلتفت.
باران: خذي يا زوجة أخي... استري نفسك بهما.
مدت ديلان يدها وأخذتهما.
لفّت أحدهما حولها بإحكام، ثم غطت رأسها وجهها بالآخر.
ديلان: شكرًا لك.
بقي باران واقفًا عند الباب، ثم قال دون ان يلتفت إليها:
باران: هل يمكنني أن أعرف ما الذي حدث؟ لماذا فعل مراد بكِ ذلك؟.
صمتت طويلًا.
كانت تستطيع أن تخبره.
كان بإمكانها أن تقول له كل شيء.
أن تخبره عن شكوك مراد، وعن اتهاماته، وعن الكلمة التي خرجت منها غاضبة، وعن الطريقة التي يعاملها بها.
لكنها لم تستطع ان تكسر صورة الاخ الاكبر امامه.
ديلان: أرجوك... أعفني من ذلك الآن، أنا غاضبة من أخيك، وأخشى أن يفلت لساني بكلمة لا تليق، ويكتب عليا إثما بها، عندما أهدأ سأخبرك بالسبب... أما الآن فلا أستطيع.
توقفت للحظة، ثم أضافت:
ديلان: فقط... لا تسألنني الآن.
أومأ باران متفهما رغبتها ومتعجبا من موقفها، رغم ما فعله اخاه إلا انها أبت ان تشوه صورته امامه.
لم يضغط عليها.
وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل قلبها يلين.
نظرت إليه من خلف خمارها، ورأت أمامها للمرة الأولى منذ وقت طويل شخصًا لا يطالبها بتبرير دموعها، ولا يتهمها، ولا يهددها.
بل يحاول حمايتها فحسب.
تسارعت دموعها، فأدارت وجهها.
ديلان في نفسها: لماذا فكرت فيه بتلك الطريقة؟، كيف سمحت للغضب أن يجعلني أقول ما لا أريد ان أؤمن به؟.
استأذن باران، ثم نزل إلى شقة أخيه.
فتح مراد الباب، وما إن رأى باران حتى قال ببرود:
مراد: أنت؟.
رفع باران حاجبه.
باران: ومن كنت تتوقع؟ ديلان!!؟.
تغير وجه مراد.
مراد: وكيف عرفت أنني ظننتها هي؟
باران: لأنني رأيتها وهي تنزل الدرج عندما كنت عائدًا من الطابق الرابع.
ثم أضاف:
باران: جهزت غرفة هناك لتكون مكتبي وورشة أجهز فيها تصميماتي، وكذلك مكانًا أمارس فيه الرسم.
تنفس مراد بارتياح مصطنع.
مراد: إذن الحمد لله... لا بد أنها ذهبت إلى والدتي.
نظر إليه باران طويلًا، ثم قال:
باران: قبل أن تنزل إليها، أخبرني... ماذا حدث بينكما حتى تطرد زوجتك إلى الخارج؟.
خفض مراد عينيه.
مراد: لقد استفزتني...
باران: هذا ليس جوابًا.
تنهد مراد صمت يفكر بسبب مقنع ليتفادى اسئلة اخيه.
مراد: أخبرتني أنها أجهضت الحمل... ولم أتمالك نفسي.
تجمد باران للحظة.
ثم قال بحدة:
باران: وهل هذا مبرر لأن تمد يدك عليها وتطردها للخارج؟.
لم يجب مراد.
تابع باران:
باران: ثم من قال إنها أجهضت الحمل عمدًا؟.
رفع مراد عينيه إليه.
مراد: ماذا تقصد؟.
باران: أتذكر دنيز؟.
تغيرت ملامح مراد فورًا.
باران: منذ أسبوع تقريبًا، صعدت إلى ديلان بحجة مساعدتها في تنظيف الشقة، وبدأت تحرك الأثاث وتحره في كل مكان وترفعه عن الارض فوق بعضه، ثم تركت ديلان وحدها تعيد الأشياء وتقوم بالأعمال المجهدة، وبعد ذلك ادعت أن كاحلها التوى.
ساد الصمت.
تغير وجه مراد ورسمت نلامح الدهشة والتعجب على وجهه.
عادت صورة دنيز إلى ذهنه.
ثم تذكر كيف خرجت من الشقة وتركت روني وديلان وحدهما.
ثم تذكر الرسالة المجهولة.
ثم الصورة.
وفجأة بدأت خيوط متفرقة تتجمع أمامه.
مراد في نفسه: دنيز...
إذن ربما لم يكن ما حدث يومها مصادفة.
وربما كانت محاولة إسقاط الحمل جزءًا من شيء أكبر.
وربما خروجها من الشقة وترك روني مع ديلان لم يكن بريئًا أيضًا.
نظر باران إليه فوجده شاردًا.
باران: أخي... فيما شردت؟.
عاد مراد إلى الواقع.
مراد: لا شيء.
ثم قال بعد لحظة:
مراد: سأعرف ما حدث.
لم يقل أكثر.
لكنه في داخله كان قد اتخذ قرارًا.
دنيز... ما قصتك مع ديلان؟،
كان عليه أن يعرف.
ابتسم باران ابتسامة خفيفة حين رأى ملامح أخيه تتغير.
باران: هيا، ننزل معًا.
ثم أردف بلهجة حازمة:
باران: سأمنع أمي من أن تبدأ بمحاكمتك، لكن هذه ستكون المرة الأخيرة التي أدافع فيها عنك.
نظر مراد إليه.
تابع باران:
باران: أصلح الأمور مع زوجتك يا مراد، وإن كنت ترى أنك لا تستطيع العيش معها، فهناك ألف طريقة لإنهاء الأمر دون ظلمها.
ثم اقترب منه وقال بجدية:
باران: لكن إياك أن تمد يدك عليها مرة أخرى، لا تجعل غضبك أقوى منك.
خفض مراد رأسه.
لم يجب.
فقط خرج مع أخيه متجهين إلى الأسفل...
بينما كانت خلف باب الطابق الرابع امرأة تبكي بصمت، لا تعلم أن بعض الحقائق التي أخفتها طويلًا بدأت تقترب من الظهور، وأن اسم دنيز بدأ للمرة الأولى يأخذ مكانه الحقيقي في شكوك مراد.