رواية حكاوي ستات الفصل الثالث عشر 13 والرابع عشر 14 بقلم الهام عبدالرحمن
الفصل13🌹
صلوا على الحبيب المصطفى 🌺
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
مرت الأيام بهدوء… كأن البيت أخيرًا بدأ يتنفّس والحزن قرر يسيبهم يتهنوا شوية .
سعاد بقت تدخل وتخرج من غير كلمة زيادة، تتعامل على قد الطلب، لا بتهاجم ولا بتتودّد.
حتى ميادة بدأت تفتكر إن اللي بينها وبين سعاد، اتحل خلاص.
صلاح نفسه كان هادي، بيحاول يستغل كل لحظة من أجازته قبل ما يرجع الكويت.
البيت بقى شبه طبيعي…
صوت التلفزيون من شقة سعاد، ريحة الأكل طالعة من شقة ميادة، وضحك بسيط بيطلع من وقت للتاني من شقة عماد.
لكن جوا قلب سعاد، الغليان شغال… نار ساكتة، مستنية أول شرارة.
كانت دايمًا تقول لنفسها وهي قاعدة لوحدها :
"الهدوء ده اللى انتى عيشاه يابنت سميحة عمره ماهيدوم اصبرى بس عليا لما بسلامته يمشى ويسافر لشغله والله لاوريكى النجوم فى عز الضهر."
في ليلة من الليالي، الجو كان دافي، ونسمة خفيفة داخلة من البلكونة.
رحمة قررت تكسر الروتين وقالت لعماد وهي واقفة في المطبخ:
رحمة: "ايه رايك ياعمدة أعمل شوية فيشار ونطلع نقعد مع صلاح وميادة شوية،اهو نتفرج على فيلم من بتوع زمان اللى بيشرحوا القلب واقولك انا هعمل كمان شوية چيلى يرطبوا على قلوبنا ."
ضحك عماد وقال وهو بيغسل إيده:
"ماشي يا ست رحمة ، بس هاتي كمان المكسرات اللى كنت جايبها امبارح."
رحمة بضحك: "هشششش وطى صوتك لحماتى المصونة تسمعك وتعرف انك خنصرت من فلوس شغلك وساعتها هتندم ياجميل عشان هتحرمك من اكل الفراخ واللحمة لشهر قدام. "
عماد اتلفت حوالين نفسه وقرب منها وهو بيحط ايده على بقها وبيقول....
عماد: "اشتاتا شلوت ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها الواحد كدا هيجيله نقص فى كل الفيتامينات من كتر العقاب اللى بتعاقبهولنا يلا ياختى قومى جهزى الحاجة خلينا نطلع نقعد مع صلاح الواد خلاص كلها كام يوم وماشى عاوز اشبع منه قبل مايسافر . "
قامت رحمة وجهزت صينية صغيرة عليها طبق فشار سخن وعليه توابل جبنة مخلية ريحته فايحة فى المكان كله، جيلي أحمر بيتهزّ من خفته، شوية مكسرات، وزجاجتين عصير ساقعين.
طلعت بيهم هى وعماد على شقة صلاح، خبطت بخفة، وفتحت لها ميادة اللى اول ماشافتها ابتسمت وقالتلها: "رحمة حبيبة قلبى ! ازيك ياروحى نورتينا والله ازيك ياعماد يادى النور اتفضلوا ."
ضحكت رحمة وقالت:
" اما انا بقا جايبالكوا شوية حاجات لزوم السهره الحلوة ، عاوزين نتفرج على فيلم قديم أبيض وأسود، خلينا نضحك للصبح كفايانا غم وحزن!"
صلاح كان قاعد بتيشيرت بسيط وشورت، وعماد دخل وراه وهو بيضحك ويقوله....
عماد:"ماتخش ياعم ولم فخادك دى فى حريم قاعد معانا يامعلم. "
دخل صلاح وغير هدومه وخرج قعد معاهم وشغلوا فيلم قديم .
صلاح: "ياااه ياعمدة فاكر الفيلم ده؟ دا بتاع فريد الاطرش لما كان بيهرب من العروسة وهند رستم كانت عاوزة تتجوزه عشان فلوسه وفى الاخر سابته وراحت لعبدالسلام النابلسى عشان فكرت انه غنى.!"
عماد: "هو فيلم جميل اوى وشادية كانت عسل اوى فيه ولا زينات صدقى بخفة دمها. "
ضحكوا كلهم، والجو كان مليان دفا وحب .
ميادة كانت قاعدة بين صلاح ورحمه، تاكل فشار وتضحك لدرجة إن دموعها نزلت من كتر الضحك، وصلاح كل شوية يبصلها بابتسامة دافية كأنه بيحاول يحفظ ملامحها قبل السفر.
عماد كان بيهزر مع صلاح، والضحك مالي المكان.
وسعاد تحت في شقتها… قاعدة لوحدها في الصالة، صوت الفيلم واصل لحد عندها.
كتمت غيظها، وبرطمت وهي بتبص للسقف:
"اللي بيضحكوا النهارده… بكرة هيعيطوا، اااه ياناااارى بقا سهرانين وتضحوا وانا هنا اعصابى تتهرى ."
وفتحت التلفزيون بصوت عالي كأنها بتحاول تطرد ضحكتهم من ودانها، لكن الغيرة والغل كانوا قاعدين جوّاها، يبرموا في صدرها زي النار اللي لسه محدش شاف لهيبها.
بعد السهرة الجميلة بيومين، الجو كان هادي في البيت…
ميادة كانت بتنشر الغسيل في البلكونة، وريحة النضافة ماليه المكان.
صلاح كان برا بيخلّص ورق السفر، وسعاد كالعادة في حالها، لا بتسلم ولا بتتكلم.
حوالي الضهر، خبطت رباب على باب الشقة بخفة وهي شايلة كيس فيه حاجات بسيطة.
وقفت ميادة قدام الباب وقالت: "مين بيخبط؟! "
رباب: "ميادة يا حبيبتي، أنا رباب!"
فتحت لها ميادة بوش منور وقالت وهي بتبتسم:
"أهلاً وسهلاً يا رباب، نورتيني ياحبيبتي! ادخلي."
رباب: "قولت أعدّي أطمن عليكي، واسلم على صلاح قبل ما يسافر ، اومال هو فين؟!."
ميادة: "بيخلص ورق السفر وزمانه جاى، يدوبك الحق اجهز الغدا "
دخلت رباب، وساعدت ميادة في ترتيب السفرة ، وقعدوا يتكلموا شوية، ويضحكوا وهم بيفتكروا مواقف ليهم وهم صغيرين واول مرة ليهم لما وقفوا فى المطبخ وازاى مامتهم كانت بتصبر عليهم لما يبوظوا اكلة لحد ما اتعلموا وبقوا اجدع من اى شيف.
رباب: "شكل صلاح هيتأخر هبقى آجيله بكرا خلينى بقا اقوم امشى اصل انا شكلى داخلة على دور برد وعاوزة الحق نفسى قبل ما يتمكن منى. "
بعد شوية، قامت عشان تمشي، وهى نازلة على السلم قابلت ايمن كان لابس تريننج بسيط، وماسك موبايله بيبص فيه باهتمام ، أول ما شافها ساب وموبايله وقال بابتسامة مهذبة:
ايمن: "إزيك يا آنسة رباب؟ اخبارك ايه من زمان ما شوفنكيش."
ابتسمت بخجل وقالت:
"إزيك يا استاذ أيمن؟ انا تمام الحمد لله، كنت عند ميادة عشان اسلم على صلاح بس يظهر ان ربنا مش قاسملى اشوفه النهارده."
ايمن: " نورتى البيت والله. "
إنتى بقا لسه في بتدرسى؟ ولا خلصتى؟"
ضحكت بخفة وقالت:
"لا انا الحمد لله خلصت كلية تربية رياض اطفال وادينى بدور على وظيفة يمكن ربنا يكرمنى إن شاء الله."
ايمن "ربنا يوفقك، وان شاء الله ربنا يكرمك وتلاقى احلى وظيفة".
ابقى سلمّيلي على بابا وماما جدًا، الناس الطيبين، أنا جد ماشوفتش ناس محترمين ولا طيبين زى اهلك ."
رباب:"ان شاء الله هوصلهم سلامك. ".
ايمن:" انا عاوزك تقوليلهم ان هم بجد هادونا اجمل هدية ، ميادة منورة الشقة بوجودها، دي بنت بألف راجل، واخلاقها جميلة وهادية وبنت حلال مصفى وقلبها ابيض من اللبن الحليب، والله صلاح محظوظ انها طلعت من نصيبه."
رباب حسّت بالحياء والامتنان وقالت بخفة:
"هي فعلاً طيبة أوي، وتستاهل كل خير."
سكتوا لحظة، وكان فى بينهم نظرات بسيطة فيها احترام وبراءة، وبعدين رباب نزلت على مهلها، ولسه ابتسامتها على وشها.
أما أيمن، ففضل واقف شوية على السلم، عينيه متعلقة بالفراغ، وكأنه بيفكر في كلامها، قبل ما يرجع يدخل شقته وهو بيبتسم بخفة.
كانت سعاد واقفة في المطبخ بتبص علييهم من الشباك اللى بيطل على المنور وكاشف السلم، واول ماشافت رباب وهي نازلة على السلم، وضحكتها لسه على وشها، وأيمن واقف فوق بيودّعها بابتسامة عريضة.
ساعتها قلب سعاد اتقلب، وحسّت الدم بيغلي في عروقها.
قربت أكتر من الشباك، تفتح الستارة بإيدها بهدوء، وعينيها مش سايباهم لحظة.
لما شافت أيمن بيطوّل الكلام معاها، وشهها اتغيّر، وبقت تهمس لنفسها وهي بتعضّ شفايفها:
سعاد: "آه يا عقربة يا بنت سميحة… ناوية تلعبى على الواد انتى كمان؟
شايفة نفسك حلوة وشاطرة زي أختك؟ لا لا، دا أنا مش هسكتلك."
سكتت لحظة، والغلّ بيزيد جواها، وبعدين قالت بصوت واطى كله حقد:
"أختك خطفت صلاح مني، وخلّته يسمع كلامها وينسى أمه، وانتي ناوية تلعبي نفس اللعبة مع أيمن؟
لا يا حبيبتي، دا أنا لازم أحطّ للموضوع دا حدّ قبل ما يكبر، وألاقي نفسي لابسة في حيّة تانية…
كفاية عليّا واحدة بس."
رجعت تمشي جوّا أوضتها وهي بتتنفس بعصبية، تمسك طرف طرحتها وتشدّها بعنف كأنها بتكتم بيها غضبها.
صوتها وهي بتكلم نفسها كان فيه مرارة السنين:
"كلهم فاكرين إن سعاد خلاص اتكسرت… لا يا حبايبي، أنا لسه واقفة، ولسه في قلبي نار هتحرق اللي يحاول يقرب من بيتي تاني."
وقفت قدام المراية، تبصّ على نفسها، تشوف الغضب في عينيها وتبتسم ابتسامة باهتة وقالت:
"اللي هيقرب من عيالي، والله لأوريه دا أنا سعاد بنت عامر يعني محدش يقدر ليا واللى ييجي عليا احطه تحت رجليه وادوس عبيه ولا يهمنى."
النهار كان بيودّع آخر ضوء له، والهدوء مالي الشقة كأنها بتتنفّس معاهم نفس النفس الأخير قبل الفراق.
ميادة قاعدة على السرير، بتلمّ هدوم صلاح وتحطها في الشنطة بهدوء، كل قطعة بتمسكها كأنها بتلمس قلبها.
ريحة عطره لسه في التيشيرت، صوت ضحكته لسه في ودانها، وكل ما تطبق حاجة، عينيها تدمّع من غير ما تحس.
صلاح كان واقف عند الشباك، ساكت، بيبص على الشارع من غير ما يشوف حاجة.
سحب نفس طويل وقال بصوت خافت:
"انا مش مصدق إن الاجازة خلصت كده بسرعة يا ميادة…
كأنها كانت يوم واحد، وأدينى اهو راجع الكويت بعد ما قلبي اتعلّق بيكي أكتر واكتر مش عارف ازاى هقدر اعيش من غيرك فى الغربة ."
رفعت راسها له بعينين فيها حزن وشوق وقالت:
ميادة: "وأنا كان نفسى ان الاجازة دى متخلصش يا صلاح…
اتعودت أصحى ألاقيك جنبي، وأسمع صوتك في الشقة…
كل حاجة هنا مش هيبقالها معنى من غيرك ."
قرب منها، وقعد جنبها على السرير، مسك إيديها وقال وهو بيحاول يضحك:
صلاح: "هتوحشيني اوى ياحبيبتي هتوحشنى ايامنا وليالينا الحلوة مع بعض انا ملحقتش اشبع منك ملحقتش اتمتع بيكى .
أنا حتى قبل ما أسافر، حاسس بالوحشة من دلوقتي حاسس انك وحشانى اوى ."
ضحكت بخفة والدمعة بتلمع في عينها:
"خلاص يا صلاح، ما تقولش كده…
انت عارف إني بتأثر بسرعة."
قرب منها أكتر، حط إيده على خدّها وقال بحنية:
"هتتأثري لما أسافر؟
طب وأنا؟ أنا هعيش إزاي من غير لياليكي دي؟
الضحك، الحكاوي، لمسة إيدك، صوتك قبل ما أنام…
كل حاجة فيكي بقت جزء مني يا ميادة."
الدموع نزلت غصب عنها، حاولت تضحك علشان تخفف الجو، وقالت وهي بتمسح عينيها بايديها:
"ما تبقاش رخم كده… هتخليني أعيط أكتر."
ضحك وهو بيضمها لحضنه، يحس بدفاها، ويشم ريحتها اللي بقت بالنسباله وطن:
"يا رب الأيام تعدّي بسرعة، وأرجع ألاقيكى زي ما أنا سايبك… نفس الضحكة، نفس الطيبة، نفس الحنية والابتسامة الصافية."
فضلوا كده لحظة… ساكتين، بس القلوب بتتكلم، والعينين بتوعد بعضها من غير كلام.
برا الشباك، نسمة خفيفة دخلت كأنها بتهوّن عليهم، لكن جواهم كان الوداع بيكتم النفس، بيوجع من بدري.
صلوا على الحبيب المصطفى 🌺
الفصل14🌹
كانت الليلة ساكنة، والهدوء مغطّي الشقة كأنه حضن دافي بعد أيام من العاصفة. ميادة كانت بين إيدين صلاح، حاسة لأول مرة من زمن إنها متطمنة… كل همّها اتبخر، وكل خوفها اختفى قدام نظرته.
كلامه الناعم ولمساته الحنونة خلتها تنسى قسوة الأيام اللي فاتت، الليلة دي كانت مختلفة، كلها مشاعر صافية ووجع بيتلملم من غير كلام.
هو كمان كان حاسس إنه لازم يشبع منها قبل ما يسافر، عارف إن السفر هيبعده عنها فترة، وكان عايز يخزن في قلبه من حبها اللي يكفيه لحد ما يرجع.
وبعد ما هدأت اللحظة، وهدأت أنفاسهم، بصّت له بخجل وقالت:
ميادة: "صلاح… أنا كنت بفكر أقعد عند بابا وماما طول ما انت مسافر، يعنى مش عايزة أقعد لوحدى، وكمان علشان متحصلش مشاكل مع مامتك…ايه رايك؟! واطمن والله انا أكيد هاجى ازورها كل فترة واقعد معاها… وبالمرة أشوف الشقة وأنضفها عشان متتهجرش."
بصلها صلاح وهو لسه بيطبطب على شعرها، وصوته كان هادي لكن فيه نغمة رفض واضحة:
صلاح: "ميادة ياروحى انا مش ضد انك تقعدى عند اهلك بس انا محبش مراتى تسيب بيتها وتبات بعيد عنه؛لان دا بالنسبالى فال وحش. وعندك رحمة اهى عمرها ما راحت بيت أهلها ولا باتت هناك يدوب مجرد زيارة كل فترة تقعد ساعتين وتيجى، وبعدين وجودك هنا مهم لانك روح البيت هو ينفع يعنى جسد يتفرق عن روحه؟ … انا عارف انك نفسك تبعدى عن ماما هى ماما يمكن صعبة شوية، بس والله طيبة، وبتمنى تعامليها كأنها أمك، وتتحمليها شوية عشان خاطري."
سكت شوية وبصّ لها بنظرة فيها رجاء:
"أنا مش عاوز الشقة من غير نفسك فيها. وجودك هنا هو اللي مخليني مطمن. وصدقيني، كل حاجة هتتظبط لما تاخدوا على بعض."
ميادة نزلت عينيها وهي بتحاول تخفي قلقها، كان قلبها مش مطمن، لكن ماقدرتش ترد عليه، خصوصًا وهو بيبصلها بالحنية دي.
هزّت راسها بخفوت وقالت:
ميادة: "زي ما تحب يا صلاح… طالما ده هيريحك."
ابتسم صلاح، وقرب منها تاني بحنان، حضنها وقال بخفوت كأنه بيوعدها:
"وعد، مش هسيبك لوحدك ولا لحظة بعد ما أرجع… بس استحملي شوية عشانخاطري."
وسكتوا…
الدنيا كانت هادية، بس في قلب ميادة كان في وجع متدارى ، وجع مش عارفة له اسم… بس حست إنه الليلة دي، رغم جمالها، فيها بداية لشيء غامض، شيء هيخلي كل حاجة تتغيّر بعد سفر صلاح.
الفجر كان بيزحف بهدوء، والبرد الخفيف مالي المكان، والضلمة لسه ماسكة أطراف الشارع.
صلاح كان واقف عند الباب، لابس جاكت السفر، وشنطته جاهزة، وميادة واقفة قدامه بعينين كلها دموع.
الدنيا ساكتة، مفيش غير صوت دقات قلبها وهي بتودّعه، كأنها بتحاول تحفظ صوته وصورته في ذاكرتها قبل ما يغيب عنها ويسافر.
قال لها وهو بيحاول يخفف الموقف بابتسامة باهتة:
صلاح: "خلاص بقى يا ميادة، ما تعيطيش… كلها سنة وتعدى بسرعة وأرجعلك إن شاء الله."
لكنها ماقدرتش تمسك دموعها، قربت منه، وحضنته بكل قوتها، كأنها بتحاول تمنعه يسافر، زى ماتكون حاسة إن الفراق مش هيبقى سهل.
همست بصوت مبحوح وهي ماسكة فيه:
"هتوحشني يا صلاح… أوعى تنسى تكلمنى كل يوم لازم تطمنى عليك دايما وحياتى تخلى بالك من نفسك واوعى عينك تزوغ كدا ولا كدا انت فاهم!!."
رد عليها وهو بيضمها أكتر، وصوته كان مليان شجن وحزن:
"وانتى أكتر يا حبيبتى هتوحشينى اوى اوى … خلي بالك من نفسك ومن ماما، واستحمليها شوية زى ما اتفقنا… أنا مش عاوز أرجع ألاقي بينكم حاجة تزعلنى وبعدينعمر عينى ماهتشوف غيرك دا انتى اللى ساكنة القلب."
سكت لحظة، وبصّ في وشها كأنه بيحاول يطبع ملامحها في قلبه، بعدين لمس خدها بإيده ومسح دموعها بحنان.
لكن قبل ما يقول أي حاجة تانية، سمع صوت أمه من تحت، صوتها جه جامد وهي بتندهله:
سعاد: "ياصلاح! يلا يا ابني، اتأخرت… إخواتك مستنيينك عشان تلحق الطيارة!"
بصّ ناحية السلم، وبعدين رجع يبصلها تاني بنظرة وجع، وقال بهدوء وهو بيضحك ضحكة خفيفة فيها مرارة الفراق:
"أهو النداء الاخير وصل… الست سعاد عاملة زى امن المطار اخر نداء لطيارة الدوحة يلا ياحبيبتى ادعيلي السنة دى تخلص بسرعة وارجعلك قوام، و ان شاء الله كل حاجة هتبقى تمام."
نزل شنطته، وهي واقفة مكانها بتتابعه بعينيها، كل خطوة بيبعد بيها كانت بتوجعها أكتر.
وقف لحظة على أول السلم، بصّ لها وعلى وشه ابتسامة صغيرة، وبعدين اختفى.
في اللحظة دي،كانت سعاد واقفة على طرف السلم بوش متجهم بتبص على ميادة ، عينها باردة وهي بتبص عليها من فوق لتحت، وبعدها من غير كلمة…
رزعت الباب بقووة.
الصوت دوّى في السلم كأنه صفعة.
ميادة شهقت بخفوت، ودمعة جديدة نزلت، بصّت ناحية الباب وبعدين نزلت عينيها، كأنها استسلمت للقدر،كانها عارفة اللى هتعيشه فى غياب صلاح.
صلاح كان نسى محفظته ورجع ياخدها ،و سمع صوت الباب وهو بيترزع، رفع عينه لفوق فشافها واقفة حزينة، اتبادلوا نظرة قصيرة كلها قلة حيلة ووجع.
بعدها نزل ومشي مع إخواته.
رجعت ميادة للشقة، الجو كان بارد ووحيد، ريحته لسه مالية المكان…
قعدت على السرير، حضنت المخدة اللى كان نايم عليها، وعيونها سابت العنان للدموع حضنت المخدة كأنها حضنه اللي لسه سايب ريحته فيها، وما كانتش عارفة إن الريحة دي آخر أمان حقيقي هيعرفه قلبها.".
كانت عارفة إن الأيام الجاية مش سهلة، بس ما كانتش تتخيل إنها هتبدأ بالسرعة دى وتحس بالوحدة وهو لسة مكملش دقايق سايب البيت.
مرّ يومين على سفر صلاح، والبيت كان ساكت على غير عادته…
ميادة كانت قاعدة فى شقتها، ساكتة، لا صوت ولا حركة، بس ريحة غيابه ماليه المكان ومأثرة فى نفسيتها.
كل ركن بيفكرها بيه، بالضحكة، بالكلمة، حتى بالكوباية اللى كان بيشرب فيها الشاى كل يوم الصبح فى البلكونة.
لكن الهدوء دا ما طولش.
لانها سمعت صوت رجلين سعاد وهي طالعة على السلم كان زى طَرقات بتعلن عن نهاية الراحة.
خطواتها تقيلة ومليانة غضب مكتوم.
خبطت على الباب بعنف، ولما ميادة فتحت، كانت سعاد واقفة قدامها بوش مكشر ونظرة حادة.
سعاد وهي داخلها من غير استئذان:
"هو انتى خدتى على الرحرحة خلاص يابنت سميحة ؟!
جوزك سافر ومفيش وراكى مسئولية دلوقتى يعنى؟
ولا ناوية تقعدى تتستتى فوق كدا زى الهوانم يابرنسيسة؟!"
ميادة اتفاجئت بنبرتها، حاولت ترد بهدوء:
"لا والله يا طنط، أنا بس كنت تعبانة شوية… ولسه مرتبّة الشقة بعد ما صلاح سافر."
سعاد رفعت حواجبها بسخرية وقالت:
"تعبانة! ياختى عليكى تعبانهمن ايه ان شاءالله دا إنتى شكلك مرتاحة وصحتك بمب دا انتى من ساعة ماصلاح ابنى مشى وانا ماشوفتش سحنتك صحيح قضتيها نوم ودلع بس لا خلاص!
انتى من النهارده تنزلى تحت تشتغلى فى البيت مع سلفتك،
هى يعنى أقل منك فى إيه؟
ولا انتى فاكرة نفسك أحسن منها عشان صلاح دلّعك شوية؟!"
سكتت ميادة لحظة، صوتها كان واطى ومتحشرج:
"أنا ماقولتش كده يا طنط… بس كنت فاكرة إن صلاح قال حضرتك ان انا هقعد فى شقتى واتقسم لوحدى وابقى انزل بس اتطمن على حضرتك واساعدك فى اى حاجه تحتاجيها."
سعاد بصت لها بحدة، وضربت كف على كف وقالت:
"صلاح مش هنا دلوقتى! وأنا اللى موجودة، والبيت بيتى وأنا حرة أقول مين ينزل ومين يطلع!
انزلى دلوقتى، الشغل مستني،
ولا ياختى جوزك سافر وانتى قولتى بقا هتعملى اللى على كيفك؟!"
كأن كل كلمة كانت بتخبط فى صدر ميادة، وجواها نار صغيرة بدأت تولّع.
بس كتمت وجعها، زى ما وعدت صلاح.
نزلت عينيها وقالت بخضوع:
"حاضر يا طنط… هنزل."
سعاد بصتلها من فوق لتحت، وطلعت منها ضحكة خفيفة كلها استهزاء:
"أهو كده خليكى بنت الناس المحترمين… مش اللى تتعالى على أهل جوزها."
وبمجرد ما نزلت، كانت سعاد ماشية وراها بخطوات باردة،
وعينيها بتلمع برضا خفى، كأنها كسبت أول جولة فى حربها الصغيرة.
أما ميادة، فكل خطوة على السلم كانت تقيلة…
حاسّة إنها مش نازلة تساعد حماتها، لأ… دى
نازلة لأيام أصعب، ووجع أعمق،
أيام من غير صلاح، ومن غير أمان.
نزلت ميادة بهدوء، لابسة طرحه بسيطة ووشها باين عليه الإرهاق، بس بتحاول تثبّت ابتسامة صغيرة على شفايفها مكانتش عاوزة تضايق حد من اهل جوزها ولا تتسبب فى مشاكل.
المطبخ كان مليان ريحة أكل، وحركة خفيفة طالعة من ناحية رحمة، اللى كانت شغالة بحماس.
رحمة أول ما شافتها، قالت بحنية:
"صباح الفل يا اجمل ميوش… تعالى يا أختى، أنا قلت أبدأ شوية فى الطبيخ قبل ما حماتك تتنرفز."
ابتسمت ميادة بخجل:
"صباح النور يا رحمة… معلش والله، كنت ناوية أنزل بدري بس نمت من التعب."
رحمة هزّت راسها وقالت بصوت واطي وهي بتقطع الخضار:
"ولا يهمك يا حبيبتى، حماتك صعبة شوية بس قلبها أبيض، وانا متعودة على طريقتها، انتى بس متخديش على خاطرك منها."
ضحكت ميادة ضحكة صغيرة وهي بتساعدها:
"انا ياحبيبتى بحاول اعيش ومش عاوزة اعمل مشاكل بس نفسى انها تهدى شوية وتبطل عصبية تعرفى يارحمة… والله وجودك هو اللى مهون عليا شوية."
ردت رحمة بخفة دم:
"ياختى روقى روقى وسيبك من اللى يزعلك وطنشى يالهوى بقولك ايه انتى كدا هتودينا فى داهية اشتغلى واسكتى اصل تيجى على السيرة و تولّع فينا!"
ضحكوا هما الاتنين بخفوت، ومسكوا نفسهم لما سمعوا صوت خطوات سعاد فى الصالة.
ميادة بسرعة غيرت الموضوع وبدأت تقلب فى الأكل،
ورحمة وشها لسه فيه أثر الضحكة المكبوتة.
بعد شوية، دخل فاروق ومعاه ولاده أيمن وعماد، جوز رحمة.
صوتهم ملا البيت بهزارهم وضحكهم.
أيمن قال وهو بيقرب من السفرة:
"يا سلام على ريحة الأكل! شكل النهارده في عزومة جامدة."
ضحكت رحمة وقالت وهي بتحط الأطباق:
"أهو كل الاكل الحلو دا عمايل عروستنا الحلوة ميادة، وأنا يدوبك كنت بقدم مجرد مساعدة بسيطة."
سعاد من بعيد قالت بنبرة سخرية مفيهاش ودّ:
"ما هو لازم المدام تتعلم، بدل ما تقعد فوق وتتستت وبعدينياست رحمة متمرعيهاش اوى كدا مكانوش شوية اكل يعنى."
سكت المكان لحظة، وميادة عضت شفايفها علشان متردش.
رحمة بسرعة حاولت تغير جو التوتر وقالت:
"المهم ناكل قبل الأكل ما يبرد يا جماعة."
بدأوا الغدا، فىجو عائلي ظاهريًا،
ضحكاتهم ومواضيع خفيفة، لكن ميادة كانت بتحاول تبان طبيعية وسطهم رغم الوجع اللى جواها.
بعد الغدا، قامت ميادة ورحمة ينضفوا المطبخ،
رحمة بصت لها وقالت بابتسامة:
"ما شاء الله عليكى يا ميادة، شاطرة وبتخلصى بسرعة."
ميادة ردت وهي بتمسح الترابيزة:
"لو كل الأيام تبقى كده وأنا جنبك، يمكن أقدر أعدّي."
رحمة ربتت على إيدها بحنية وقالت:
"هتعدى يا بنتى… كل حاجة فى الأول بتبقى صعبة، بس ربنا بيهونها مع الطيبين."
خلصوا الشغل، وسعاد كانت قاعدة قدام التلفزيون، بصتلهم بنظرة فاحصة من فوق لتحت،
وقالت بجفاف:
"نضفتوا؟ طيب كل واحدة تروح شقتها بقى، طالما كل حاجة خلصت."
رحمة ردت بهدوء:
"تمام يا حماتى، كله تمام."
طلعوا على السلم سوا،
ولما وصلوا عند باب شقة ميادة، وقفت رحمة وقالت وهي بتبتسم:
"ها؟ نشرب شاي قبل ما ندخل ننام؟"
ضحكت ميادة بخفوت وقالت:
"خليها بكرة يا رحمة، النهارده عايزة أرتاح شوية."
رحمة:
"زى ما تحبى يا حبيبتى… بس أنا فوق لو احتجتى أى حاجة."
ميادة ابتسمت لها، ودخلت شقتها بخطوات بطيئة.
قعدت على الكنبة، وبصّت حواليها…
المكان فاضى، بس ريحة الغدا ولسه صوت ضحك رحمة بيرن فى ودانها،
فابتسمت غصب عنها، وقالت فى نفسها:
"يمكن لسه فى خير بسيط فى البيت دا… يمكن."
بعد أسبوع،
كانت سميحة قاعدة فى الصالة مع بنتها رباب ومحمد،
الهدوء مالي المكان غير صوت المسلسل فى التليفزيون وريحة الأكل اللى الطالع من المطبخ.
سميحة قالت وهى بتتنهد:
"والله يا ولاد، ميادة وحشتنى أوى… كل يوم أقول نفسى اروحلها وبعدين أقول لأ، يمكن تكون مشغولة مع حماتها وتقطم فيها."
محمد رفع عينه من على الموبايل وقال بحنية:
"اتصلى بيها يا ستى، هى أكيد بتستنى منك مكالمة، خصوصًا بعد سفر صلاح."
ابتسمت سميحة وقالت وهى تمسح دمعة صغيرة خافتة من على خدها:
"هى عمرها ما كانت بتغيب عنى كده… كنت كل يوم أشوفها ونقعد سوا وتساعدنى فى شغل البيت.
النهارده وأنا فى السوق شُفت كرنب وورق عنب طازة، قولت لنفسى يابت يا سميحة اعملى أكلة محشى حلوة لميادة لانها بتحبه اوى ."
رباب ضحكت وقالت بخفة دمها المعتادة:
"يا سلام! أهو المحشى اللى بيدخل القلب من غير استئذان.
طب يلا يا ماما، نبدأ نجهزه مع بعض بدل ما الكرنب يدبل."
سميحة قامت بحماس، لفت طرحتها وقالت:
"اهو هو دا الكلام اللى يفرّح القلب.
تعالى يا رباب نغسل الورق ونقطع الكرنب، وأنا هحشى ونعمل حلة مشكلة لاختك."
رباب وهى بتغسل الورق: "طول عمرك ياماما بتفكرى فينا وبتدورى على ايه اللى بنحبه وتعمليه عمرك مافكرتى فى نفسك ."
سميحة ضحكت وقالت:
"وهو انا ليا مين غيركم ياقلب امك عشان افكر فيه دا انتم ضى عيونى انتم حياتى والنفس اللى بتنفسه ."
محمد من بعيد قال وهو بيضحك:
"أنا شايف إن الكلام ده كله عشان أنا اللى هاكل نص الحلة قبل ما توصل لميادة."
سميحة بصت له بصرامة خفيفة وقالت:
"ولا لقمة يا محمد! دى مخصوص لبنتك، دى بتحب المحشى بالذات لما يكون فيه ورق عنب.
وانتى يا رباب بعد ما تخلصى، خدى الحلة وروّحي بيها لمَيادة، قوليلها أمك بتسلم عليكى وبتقولك تعالى زورينا."
رباب ابتسمت وقالت بحنية:
"حاضر يا ماما، بس إن شاء الله ميادة تبقى فاضية لما أروح، وما تكونش الحيزبونة سعاد عاملة عمايلها."
سميحة اتنهدت وقالت بصوت فيه شوق وقلق:
"يا بنتى والله قلبى مش مطمن،
حاسّة إن بنتى هناك مش مرتاحة،
بس يا رب أكون غلطانة وتكون الولية دى اتهدت عنها."
سكتوا كلهم لحظة،
وبعدين رباب قالت تحاول تهوّن الموقف:
"ماتخافيش يا ماما، ميادة قوية، ودى بنتك، مش هتسيب نفسها."
سميحة ابتسمت بخفة،
"أيوه، بنتى قوية… بس قلبها طيب زيادة، ودى مصيبتها."
ومدت ايديها مسكت الكرنب وهى بتقول:
"يلا بينا يا بنتى نخلص الحلة دى بسرعة قبل ما الوقت يتأخر."
وريحة المحشى بدأت تملأ البيت،
ريحة دفء وشوق وحنين،
كأنها رسالة طيبة ماشية فى طريقها من أم لقلب بنتها الغايبة.
