رواية حكاوي ستات الفصل الحادي عشر 11 والثاني عشر 12 بقلم الهام عبدالرحمن

       

رواية حكاوي ستات الفصل الحادي عشر 11 والثاني عشر 12 بقلم الهام عبدالرحمن

الفصل 11🌹

صلوا على الحبيب المصطفى 🌺

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹


كانت ميادة ممددة جنب صلاح على السرير، الضوء الخافت من الاباجورة بيرسم خطوط دافية على الحيطان. قلبها كان لسه بيدق بسرعة، مش من الخوف زي الأيام اللي فاتت.. المرة دي من رهبة مختلفة، رهبة عروسة بتحاول تصدق إن جوزها أخيرًا بقى سندها.


بصت له من طرف عينها، لقت ابتسامة هادية على وشه وهو نايم جنبها. اتفاجئت من نفسها إنها مش عايزة تبعد وشها الناحية التانية ولا تهرب. بالعكس، لقت جواها رغبة إنها تفضل قريبة منه.


أول مرة من يوم الصباحية تحس إن فى أمان بيغلفها ومالى قلبها ومسيطر على مشاعرها. حست كأنها مش لوحدها في معركة الحياة اللى اتفرضت عليها.


مدّت إيدها بهدوء ولمست صوابعه بخجل، هو كان بدأ يفوق من النوم بس لما حس بيها استنى يشوف هى هتعمل ايه ، فتح عينه نص فتحة، ولما حس بلمستها ابتسم وقال بصوت واطي:

"معقولة ميادة هانم بذات نفسها هى اللى بتقرب انا مش مصدق نفسى اهو هو دا الاحساس اللى كنت بستناه من اول ما اتجوزنا انك تبقى متطمنة وانتى جنبى ."


دموع صغيرة غرقت عينيها، بس المرة دي مش دموع قهر.. كانت دموع راحة. قفلت عينيها عشان تستمتع بنبرة صوته، وقالت جواها: يمكن يكون لسه قدامنا مشوار طويل.. بس الليلة دي، أنا حاسة انى مش وحيدة.


ونامت على أول ليلة دافية في حضنه، لأول مرة قلبها يصدق إنها عروسة بجد.

صحيت ميادة على صوت العصافير اللي داخلة من شباك الأوضة. عينها اتفتحت بهدوء، أول حاجة وقعت عليها كانت وش صلاح، نايم جنبها مطمن، نفسه رايح جاي من غير قلق. منظر ما شافتهوش من يوم الصباحية.


قلبها ارتبك للحظة، بس بسرعة افتكرت اللي حصل بالليل، الضحكة على الكورنيش، كلامه الدافي، وازاي لأول مرة حست إنها مش غريبة في حضنه. ابتسمت من غير ما تاخد بالها، وغطته بالكوفرتة أكتر عشان ما يصحاش من البرد.


قامت بهدوء ودخلت المطبخ، حطت كباية شاي، وقررت لأول مرة من نفسها إنها تجهز فطار ملوكى يليق بالفرحة اللى حساها، كانت رغبة صافية إنها تبادله اللمسة الحلوة اللي اداها ليها وشعور الامان اللى بدأت تحسه.


بعد شوية صلاح دخل المطبخ، شعره لسه منكوش من النوم، وابتسامة باينة على وشه.

قال وهو بيدعك فى عينه:

"هو أنا نايم وحلمت إن مراتي بتحضرلي فطار، ولا بجد؟"


ضحكت بخجل وقالت:

"لا بجد.. قولت أجرب أبقى عروسة واتدلعلى  كده يومين بدل الايام اللى عدت ."


قرب منها، وبص في عينيها وهو بيقول:

"هو دا اللي نفسي فيه يا ميادة.. إننا نبقى مبسوطين ونتهنا مع بعض قبل الاجازة ماتخلص ونضطر نبعد."


اتكلمت بصوت واطي بس مليان صدق:

"أهو لما تبقى هادي وتدور على راحتي زي امبارح، هتلاقيني جنبك من غير ما تطلب وهحاول اسعدك بكل طريقة ."


الكلام نزل على قلبه زي البلسم، حس إن الليلة اللي فاتت كانت بداية جديدة. مد إيده لمست إيدها، المرة دي هي ما سحبتهاش.. بالعكس، ضمتها بخفة.


بعد الفطار، ميادة قعدت في الأوضة ترتب هدومها. الموبايل رن، كان اسم "رباب" منوّر على الشاشة. ابتسمت تلقائيًا، وردّت بسرعة:

"ألو..  ازيك يا رباب!"


صوت رباب كان قلقان:

"إزيك يا حبيبتي؟ طمّنيني عليكي، عاملة إيه مع الحرباية حماتك والله ياقلبى انا هموت من القلق عليكى ببقا نفسى اجى واقعد معاكى واجيبلك حقك منها الحيزبونة دى ؟"


ميادة اتنهدت براحة:

"الحمد لله يا رباب.. الدنيا اتحسنت. من يومين بقت سايباني في حالي، وصلاح واقف جنبي شوية.. يعني الحمد لله أحسن من الأول كفاية دلوقتيانى مش بصحا من النجمة عشان انزل اخدمها."


رباب سكتت ثواني وقالت بنبرة مش مقتنعة:

"سايباكي في حالك كده لوحدها؟! دي سعاد؟! لا يا ميادة، دي متعملهاش غير لو مخبية حاجة في نفسها. أو بتستنى اللحظة اللي تمسكك فيها غلطة وتولّع الدنيا."


ضحكت ميادة بخفة وقالت:

"يمكن اتغيرت يا رباب.. أو يمكن صلاح كلمها. المهم إننا عايشين في هدوء دلوقتي، وأنا لسه مش مصدقة إن في ليلة عدّت عليا من غير ما أعيط."


رباب شددت بصوتها:

"أنا مش مطمّنة، يا ميادة. سعاد ما تعرفش الهدوء ولا الاصول، دي لما تسكت تبقى بتحضّر لمصيبة. خدي بالك من نفسك، وما تنسيش إن صلاح مهما حاول، عمره ما هيقدر يقف قصادها صح."


الكلام دخل قلب ميادة زي مسمار صغير. ابتسامتها بهتت، وبقت مترددة:

"يعني أعمل إيه؟ أعيش خايفة على طول؟"


رباب ردت بحزم:

"لا، عيشي وفرّحي قلبك، بس خدي بالك. خلي عينك مفتّحة فى وسط راسك، وما تديهاش فرصة تكسرك تاني."


قلب ميادة اتقبض، حتى مع السعادة اللي ابتدت تتسلل ليها من صلاح، فضلت كلام رباب يرن في ودنها. كانت عارفة إن رباب مش بتتكلم من فراغ، وإن سعاد عمرها ما هتسيبها تتهنّى بسهولة.


بعد كام يوم فى شقة سعاد كانت قاعدة في أوضتها، إيدها محطوطة تحت خدها، عينيها متسمرة على السقف والشر بيلمع فيها. كل صوت ضحكة ميادة مع صلاح بيرن فى ودنها وحاسة ان فى سكاكين بتقطع فى قلبها.


سعاد وهى بتبرطم بغيظ:

"شايفة نفسها عروسة متدلعة…وتقول يا أرض اتهدي ما عليكي قدي. فاكرة إن صلاح هيخليها ملكة؟ فاكرة إن الدلع ده هيدوم؟"


وفجأة بتشد طرحتها بعصبية، وتقوم تلف في الأوضة رايحة جاية:

"لاااا دا أنا سعاد… محدش ييجي عليا ويتهنى. وانتى ياست ميادة لو افتكرتى إنك كسبتى، تبقى غلطانة. استني بس يا ضنايا… استني لما يسافر صلاح وأبقى أنا وانتي في البيت وش… لوش. ساعتها هتعرفى أنا مين والله لاخلى الدلع اللى عشتيه اليومين دول ووقفة ابنى قصادى عشانك لتشوفيه عذاب اشكال والوان."


بتقف قدام المراية، وتبص على نفسها بضحكة ساخرة:

"ضحكتك يا ميادة مش هتطول… والله لأخليكي تترجّي الراحة وما تلاقيهاش.  والله لأذلّ أنفاسك، وأعيّشك المرار الصح… المرار اللي يخليكي تتمني الموت ولا تطوليه ماهو مش انا اللى كلمتى تتكسر ابدا انا يتقالى حاضر وطيب ونعم وبس،انا أأمر والكل يطيع."


وبتروح تقعد على الكرسي، تعض فى صوابعها بغيظ، وبعدين بتضحك ضحكة عالية مليانة غلّ:

"اضحكي دلوقتي يا عروسة… الأيام الجاية ليّا أنا… وكل ثانية هتعيشيها هتبقى نار تحت رجلك."


عدّى شهر على جواز ميادة وصلاح. الأيام بقت فيها لحظات هدوء وأوقات شدّ، بس ميادة كانت بتحاول على قد ما تقدر تكمّل وتعدّي. في يوم الصبح، كانت قاعدة قدام المراية بتسرح شعرها ولمحت ان فى حاجات من حاجاتها الشخصية خلصت ومحتاجة تجيب غيرها. 


بصت لصلاح وهي بتقول بنبرة هادية:

"صلاح… أنا محتاجة شوية حاجات شخصية ليا. لو تسمح تجيبلي فلوس عشان أشتريها."


صلاح كان لسه بيغير هدومه عشان ينزل:

"ماشي يا ميادة، بس استني شوية كده لغاية ما أشوف."


اتخضّت شوية من رده البارد بس سكتت، وقالت في سرّها ايه دا يمكن فلوسه خلصت ايه الاحراج دا ياربى  . صلاح خرج من الأوضة ونزل على شقة أمه. كانت قاعدة على الكنبة بتعدّ في شوية فلوس وبتحسب مصاريف البيت.


قال لها بصوت شبه متردد:

"ماما…معلش أنا عاوز فلوس لميادة، هي محتاجة تشتري حاجات شخصية بس مش عارف هي إيه."


رفعت راسها وبصتله، وهو واقف قدامها، عينيها ضاقت بشك:

"حاجات شخصية؟! حاجات إيه اللي عاوزة تشتريها؟"


صلاح ردّ بخجل:

"معرفش بالظبط يا ماما. هي قالتلي بس كده. ممكن بقا تدينى فلوس عشان اطلع اديهالها."


ما ردتش عليه. وقامت من مكانها وهي متحفزة، طرحتها نزلت على كتفها، وراحت على شقة ميادة. فتحت الباب من غير ما تخبط، وصوتها عالي فيه استغراب ممزوج بعصبية:

"تعالي هنا يا ميادة، حاجات إيه اللي انتي عاوزاها بقى؟!"


ميادة كانت قاعدة بترتب شقتها، اتفاجئت من دخولها كده فجأة. حاولت ترد بهدوء:

"ولا حاجة يا طنط… أنا بس محتاجة أجيب مزيل عرق، وبادي لوشن، وشوية حاجات سكين كير، وشامبو."


حماتها لمّا سمعت الكلام رفعت حواجبها بدهشة مصطنعة، وبعدين انفجرت فيها:

"إيه دا كله إن شاء الله؟! هتعملي بيه إيه كل ده؟ مزيل عرق إيه يا أختي اللي تجيبيه؟! استحمي بالمايه وافركي نص لمونة هتبقي ريحتك فلّة!"


وقفت قدامها بإيدها في وسطها، صوتها عالي أكتر:

"وتعالَي هنا… هى الصابونة الوش قصّرت معاكي؟ ولا هو إسراف وخلاص؟! شامبو إيه وكريمات إيه؟! صحيح ماهو انتي مش حاسّة بقيمة القرش ولا تعبانه فيه! إحنا بنجيب الصابون الوش للعيلة كلها الشامبو دا مالوش لازمة هو بيرغى زى الصابونة، وانتي جاية عايزة مزيلات وكريمات وترفهى نفسك!"


ميادة حسّت وشها ولع، وقلبها كان بيخبط جوا ضلوعها، عايزة ترد لكن مش قادرة. وقفت ساكتة، عينيها بدأت تدمع من القهر، وبتبص للأرض وهي بتحسّ قد إيه هي غريبة في البيت ده.


حماتها كملت وهي بتلوّح بإيدها:

"إحنا مش ناقصين بقى دلع البنات ده! مش كفاية الرحرحة والدلع اللي أنتي عايشة فيها. صلاح راجل بيلمّ القرش بالعافية وانتي عايزة تضيعيه على حاجات فاضية!"


كانت كل كلمة زي سهم في قلب ميادة. كل اللي كانت عايزاه شوية حاجات بسيطة تخلّيها تحس إنها ست زي أي ست. بس في البيت ده حتى أبسط رغباتها بقت جريمة.


كملت سعاد وقالت بغل: "بقولك ايه يابنت سميحة فوقى كدا وعيشى عيشة اهلك واوعى تكونى فاكرة انك عشان سيبتى الفقر اللى كنتى عايشة فيه وجيتى هنا يبقا كانك لاقيتى مصباح علاء الدين اللى هيحققلك امانيكى. "


ميادة قربت منها وبصتلها بحزن وقهر وقالتلها بتساؤل: "انا نفسى اعرف انتى بتتعاملى معايا كدا ليه انا عملتلك ايه عشان تكرهينى كدا ومين اللى فهمك انى كنت عايشة فى بيت اهلى بكمل عشايا نوم انا الحمدلله اهلى عمرهم ماحرمونى من حاجه كل اللى طلبته من جوزى يجيبهولى اهلى كانوا دايما بيجيبوه واكتر كمان انا عشت ملكة فى بيت اهلى لكن اتذليت لما جيت هنا انا عاوزة اقولك ياحماتى ان الغنى غنا النفس مش الفلوس، الفلوس ملهاش قيمة طالما صاحبها مش بيتمتع بيها ولا بيعيش حياته لو مفكرة نفسكم اغنيا فانتى غلطانة انتم محرومين وعمركم ماحتسوا بالفرحة وبيتك كله مليان خوف انتم بخلا ياحماتى بخلا فى مشاعركم وفلوسكم اللى انتى فرحانه بيها دى وكل شوية تعايرينى بيها هتزول منكم لانك بتسيئى استخدامها. "  

سعاد برقت عنيها بغل ورفعت ايديها ونزلت بالقلم على وش ميادة فى اللحظة دى كان صلاح داخل الشقة واتصدم وفضل واقف مكانه متحركش. 


سعاد: "بقا بتدعى عليا يابنت المركوب ان النعمة تزول من وشى انا هربيكى طالما اهلك معرفوش يربوكى. " 


كانت ميادة مصدومة ودموعها غرقت وشها ولسة سعاد هتكمل ضر ب فيها لكن صلاح جرى عليها بسرعة وشد ميادة وخباها ورا ضهره وقال لامه.... 


صلاح: "ايه اللى بتعمليه دا يا ماما ازاى تضربى مراتى هى عملت ايه لدا كله ياريتنى مانزلت ولا طلبت منك حاجه. " 


سعاد بصوت عالى: انت بتحاميلها ياروح امك ابعد من قدامى خلينى اربيها ام لسان طويل قليلة التربية دى. 


ميادة حست بدوخه ومسكت فى هدوم صلاح وهى بتقولها بصوت واطى: "انا متربية احسن من اى حد والقلم دا مش هعديه بالساهل. " 


مدت سعاد ايدها بغل عشان تشد ميادة من ورا صلاح لكن فجأة وقعت واغمى عليها ونزل صلاح على ركبه وهو مخضوض عليها وبيصرخ باسمها وسعاد وقفت بتبص عليها بغل. 


صلاح: "ميادة! قومي يا ميادة! حبيبتي افتحي عينيكي…»


صوته كان متكسر بين خوف وذنب، وهو يبص على وشها اللي عليه آثار القلم، خدها محمّر وإيديها باردة.

رفع راسه وبص لأمه، وعينه فيها غضب أول مرة يبان بالشكل ده:

« عاجبك كدا انتي إزاي تضربيها كده يا ماما؟! دي مراتي… مراتي يا ماما! هاتى بسرعة ازازة برفان عشان افوقها»


سعاد وقفت على بعد خطوتين، بتتنفس بعصبية ولسه الغلّ مالي وشها، لكنها لأول مرة حست إنها قدام واخد تانى مش ابنها اللي بيقول حاضر.


صلاح لما لقا امه مبتتحركش ومش مهتمة تلحقها  حضن ميادة وهو بيحاول يقومها، وبص على أمه وهو بيقول بنبرة تهديد لأول مرة:

«من النهارده… محدش يمد إيده على مراتي. محدش نهائى.»


كان بيقولها وهو حاسس إن في خط فاصل اتكسر جواه، وإن اللي حصل النهارده مش هيتعدّي بالساهل.


وفجاة سمع امه بتقول يلا الداهية اللى تودى وسابتهم ونزلت على شقتها. 


صلوا على الحبيب المصطفى 🌺

الفصل 12🌹

بقلمى الهام عبدالرحمن 🌺

صلوا على الحبيب المصطفى 🌺

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹


بعد ما سعاد نزلت شقتها وهي بتغلي من جوه، فضل صلاح واقف قصاد ميادة، يحاول يفوقها من الصدمة. وشها شاحب، إيدها بتترعش، وعينيها تايهة كأنها مش موجودة.


قرب منها، صوته واطي:


"ميادة… فوقى يا حبيبتي، أنا هنا… سامعاني؟"


بدأ يهزها بخفة، يرش شوية ميه على وشها لحد ما رجعت لها أنفاسها، أول ما استوعبت الموقف انفجرت في عياط هستيري، كأن كل القهر اللي جواها خرج مرة واحدة.


حاول يقرب منها، وهي بتضرب على صدره بضعف:


"ليه دلوقتي يا صلاح؟! ليه دلوقتي بس؟! كنت فين قبل كده؟! عاجبك اللى حصل فيا؟!  عاجبك اهانتى وكرامتى اللى بقت فى الارض واتداست بالرجلين؟! "


مسك إيديها وحطها على صدره، و قالها بصوت مكسور مليان ندم :


"كنت أعمى يا ميادة… ماكنتش عايز اخسر رضاها. بس خلاص، من النهاردة مش هسيبك تتوجعي تاني لازم احط حدود لحياتنا مفيش حد هيتحكم فينا تانى ."


ميادة فضلت تعيط لحد ما صوتها بقا مبحوح، ومع الوقت هديت شوية شوية… رفعت راسها تبص له باستغراب، كأنها مش قادرة تستوعب اللي حصل:


"إنت…هو انت وقفت قصاد مامتك عشاني؟"


عينيها كانت مليانة دموع وحيرة، وقبل ما تسمع منه أي رد، فجأة اتسندت عليه واترمت في حضنه.


صلاح شدها بقوة وكأنه عايز يحميها من الدنيا كلها، وهي لأول مرة حسّت إنها في أمان بجد…أخيراً حست بالاحساس اللى كانت مفتقداه من يوم ما اتجوزت.

تاني يوم اتصل محمد على صلاح وعزمه على الغدا،فى الاول كان صلاح رافض يروح عشان خايف ميادة تتكلم مع مامتها وتحكيلهم عن اللى حصل وخصوصا انها لسة مهديتش اوى لكن بردو محبش يكسر بخاطرها وقال انها يمكن لما تزور اهلها نفسيتها تتحسن وتبقى دى حركة حلوة منه يكسب بيها قلبها ،ولما وصلوا الجو كان هادي في بيت أهل ميادة وريحة الطبيخ مالية المكان، وضحك صلاح مع حماه في الصالة بيكسر أي توتر باقي من الليلة اللي فاتت. ميادة كانت قاعدة جنبه على السفرة، بتحاول تبين انها طبيعية رغم إن قلبها لسه بيتوجع كل ما تفتكر اللي حصل من سعاد.


بعد الغدا، أبوها قال وهو بيضحك:

"ها يا صلاح، المرة الجاية عايزكم تيجوا بدرى شوية احنا كدا مش هنلحق نشبع من قعدتكم ."

ضحك صلاح وقال بود:

"من عنيا يا حاج، انتم والله قعدتكم ميتشبعش منها كفاية الدفا والحب والمودة اللى بينكم وكفاية انك هديتنى باجمل زهرة فى حياتى ."


ابتسمت ميادة بخفة، وبعدين قامت رباب اللى شديتها من ايديها هى وأمها وهى بتقول 


رباب: "معلش بقا ياصلاح انا هاخد ميادة هاوزة استفرد بيها شوية من زمان ما قعدتش ارغى مع حد. " 


ضحك صلاح وقالها: "معنديش مانع ياستى بس تسلميهالى زى مااخدتيها متنقصش حتة. "


ضحك الكل ودخلت رباب وميادة وامهم على الأوضة، وسابوا الرجالة في الصالة. أول ما دخلوا، فضلوا يتكلموا ويرغوا فى كل حاجة و يفتكروا ذكرياتهم مع بعض بس رباب ما قدرتش تسكت اكتر من كدا وبصت لميادة واتكلمت بنبرة جد شوية:

"ها احكيلي بقى يا ميادة، أخبار ست سعاد إيه؟اصل بصراحهانا مش مطمنة ليها ."


ميادة وشها اتبدّل، والابتسامة اختفت، وعينيها لمعت بالدموع وهي بتحاول تتهرب:

"سيبك منها يا رباب، خلاص أنا مش عايزة أتكلم عنها هى فى حالها وانا فى حالى وكفاية ان صلاح كويس معايا."


لكن رباب صممت تعرف الحقيقة، وقربت منها وقالت بإصرار:

"إيه يا بنتي؟ في حاجة حصلت؟ وشك باين عليه انا حفظاكى كويس انتى مش كويسة بتضحكي صحيح قدامنا لكن قلبك شكله موجوع،ومتأكدة إن ورا الدموع اللى بتلمع فى عنيكى دى حاجة كبيرة حصلت ."


سميحة: سيبى اختك يارباب هى هتعرف تدير سئون حياتها بمعرفتها ولو سمحنا لنفسنا نتدخل فى حياتها لمجرد اننا خايفين عليها كدا حياتها هتتخرب. 


رباب بصت لامها باستنكار وقالتلها: "تفكيرك غلط يا ماما المفروض نكون سند ليها وننصحها لانها لسة صغيرة ومش واخدة على عيشة زى دى، ها با ميادة قوليلى ياقلب اختك فى ايه مكسورة ليه كدا؟! " 


ميادة بصت في الأرض، وإيديها بتلعب في طرحتها، وكأنها بتحارب نفسها بين إنها تسكت أو تطلع اللي في قلبها. في الآخر، غصب عنها، اتكلمت وقالت بصوت كله وجع:

"هي… هي أهانتني، قدامه وضربتنى بالقلم."


الدموع نزلت من عينيها من غير استئذان. أمها قربت منها بسرعة، مسكت وشها بين إيديها:

"يا حبيبتي، ليه ما قولتيش من بدري؟ قلبي كان حاسس إنك موجوعة بس كنت بكدب نفسى ."


رباب، اللي كانت قاعدة على طرف السرير، فجأة قامت بغضب:

"إيه؟! انتى بتثولى ايه مدت ايديها  عليكي ازاى ؟! هى مفكرة نفسها مين عشان تسمح لنفسها تعمل كدا؟ والله ما أنا ساكتة، أنا هقوم أقول لصلاح دلوقتي يخليها تعرف مقامها!"


ميادة بسرعة قامت تمسكها من دراعها:

"لا يا رباب، بالله عليكي  كفاية  انا مش عاوزة مشاكل… هو مسكتلهاش وجابلى حقى، وأنا مش عايزة أكبر الموضوع اكتر من كدا."


رباب بصت لها بعصبية،  واتكلمت بصوت عالي:

"بس يا ميادة انتى مراته يعني!لازم تبقى ليكى حياتك الخاصة محدش يتدخل فيها وكمان ست سعاد دى لازم تعرف حدودها، دي مش هتتربى غير لما تتقال لها كلمتين في وشها!"


أمهم اتدخلت بحزم، لكنها كانت بتحاول تهدي الموقف:

"رباب، اقعدي يا بنتي، بلاش نولع النار تاني. أهم حاجة إن صلاح وقف جنب أختك، واه كفاية."


ميادة كانت بتبص في الأرض، بس حاسة ان جواها نار  بتتحرك. لكن اللى برد على قلبها لأول مرة من زمان، حسّت إن فيه حد دافع عنها… وإن كرامتها رجعت لها حتى لو للحظة.


سكتت، وبصت لرباب بابتسامة خفيفة:

"خلاص يا حبيبتي، المرة دي عدّت… المهم إن ربنا ستر ولو فكرت تعمل حاجة تانى انا مش هسكتلها ."


رباب قعدت وهي لسه مش راضية، لكن ميادة حطت إيدها على إيدها تطمنها:

"أنا تمام… بجد والله تمام."


وساعتها أمهم قالت وهي بتمسح على شعر ميادة:

"يا بنتي، طول ما جوزك واقف في ضهرك، محدش يقدر يوجعك وعلى راى المثل اللى يقول لمراته ياعورة اهله يلعبوا بيها الكورة واللى يقول لمراته ياهانم يقابلوها على السلالم.."


ميادة اكتفت بابتسامة صغيرة ورباب حبت تكسر جو العصبية اللى كانوا فيه وقالت لامها بهزار....


رباب: ايه ياست سميحة الامثال والحكم دى لا احنا مش قدك ياجميل. 


لما وصلوا البيت ، كانت سعاد واقفة على باب شقتها خارجة ترمى الزبالة واول ماشافتهم وقفت وربعت متشابكة على صدرها ووشها كان مكشر كأنها مستنية اللحظة دي عشان تفش غلها فيهم. أول ما شافتهم طالعين السلم، عينيها مسحت ميادة من فوقها لتحتها بنظرة كلها استعلاء وغل، وبعدين اتنقلت لصلاح بنظرة فيها عتاب مكتوم وغضب مدفون جوا قلبها.

ما قالتش ولا كلمة… بس الصوت اللي خرج بعدها كان أقوى من الكلام، صوت بابها وهي بترزعه بعنف،  في وشهم هما الاتنين.


ميادة وقفت في مكانها للحظة، قلبها اتقبض، وصلاح بصّ لها بنظرة فيها قلة حيلة وتعب، وقال بنبرة هادية:


"اطلعي يا ميادة، متزعليش… سيبيها دلوقتي، أنا هتصرف."


طلعت قبله بخطوات بطيئة، ووشها كله كآبة، وبعد ما دخلوا شقتهم، ساد بينهم صمت تقيل. صلاح قعد على الكنبة ماسك راسه بإيده، وهو بيفكر في اللي بيحصل بين أمه ومراته، وميادة دخلت الأوضة تقفل على نفسها في محاولة تهدي أعصابها وفى نفس الوقت مكانتش عاوزة تبين زعلها لصلاح عشان متشيلوش حمل فوق طاقته.


بعد شوية، قام صلاح وهو متردد، نزل لشقة أمه. وقف قدام الباب ثواني قبل ما يخبط، ولما فتحتله سعاد، وشها كان لسه مشحون بالغضب.


قالها بهدوء وهو بيحاول يسيطر على نبرته:

"ايه ياست الكل  ايه الوش الخشب دا انا مش متعود منك على كدا؟ دا انا صلاح حبيبك الحتة اللى فى القلب. "


سعاد بضيق وعصبية:" الكلام دا ياضنايا قبل ماتتجوز وتبقى دلدول الست وكل كلامها اوامر عندك. "


صلاح بصلها وهو بيحاول يهدى نفسه ويسيطر على اعصابه:"طيب يا ماما، احنا لازم نتكلم عشان نحط النقط على الحروف لان العيشة دى كدا مش هتنفع."


سعاد بصت له بحدة:

"عايز تقول إيه تاني يا صلاح؟ مش كفاية اللي عملته فيا؟ مش كفاية نصفت بنت سميحة عليا؟!"


صلاح حاول يمسك أعصابه وقالها بصوت فيه رجاء:

"ماما، أنا مش جاى أزعلك… بس اللى حصل دا مكانش يصح. انتى غلطتى لما مديتى إيدك على مراتى ، وأنا كمان غلطت لما سكت في الأول. بس خلاص بقى، كفاية كده، هي مراتي ولازم احافظ على بيتنا بدل ما يتخرب."


سعاد رفعت حواجبها باستنكار:

"تحافظ على بيتك؟! وأنا مالي؟ هو أنا اللى هخربه؟ دي هى اللى دخلت بيني وبينك!"


صلاح قرب منها خطوة وقال بهدوء فيه تعب وصدق:

"ماما، لو استمرينا كدا… البيت فعلاً هيتخرب، وأنا هخسر كل حاجة تعبت فيها سنين، هخسر شقا عمري. عشان خاطري استحملي شوية، سيبي كل حاجة تمشى بهدوء خلى حياتنا سهلة ابوس ايدك  ولما أسافر، ابقى  اعملي اللي يريحك بس من غير ما تظلميها انا عمرى ماشوفتك قاسية بالشكل دا ليه ياحبيبتى كارهة تشوفينى سعيد ومتهنى ."


سعاد اتنفسِت بقهر، وشالت عينها عنه، بس صوتها كان أهدى شوية:

"أنا ما بحبهاش يا صلاح… البت دي مش مرتاحلها، حاسة إنها خدتك مني."


صلاح مد إيده بحنان على كتفها وقال:

"ولا حد هيقدر ياخدني منك يا ماما، انتي أمي وست الكل وعلى دماغى، بس هي كمان مراتي، وحقها عليّا إني أحميها واحبها، زي ما بحبك بالظبط وبعدين حبي ليها حاجة وحبى ليكى حاجة تانية خالص."


فضلت ساكتة لحظة، وبعدين قالت بنبرة متناقضة بين الغضب والضعف:

"ماشي يا صلاح، أنا هسكت… بس ما تضمنش إن سكوتي دا هيطول يعنى تعرفها كدا بصريح العبارة انها تسمع كلامى وتقول حاضر وطيب ونعم وشغل اللوع دا ميتعملش تانى وباكد عليك اهو مفيش بعد سفرك مرواح عند اهلها تقعد فى بيتى هنا تحت عينى وانا اللى هبقا ماسكة مصروف البيت مفيش جنيه يتحط فى ايديها يا كدا يا قلبى وربى هيبقوا غضبانين عليك ليوم الدين ."


ابتسم ابتسامة متعبة وقال:

"خاضر ياماما كل اللى تؤمرى بيه هيتنفذ ، وشكراً إنك حاولتي تهدي، وده اللي كنت عايزه منك انا عارف ان قلبك ابيض وهتعامليها زى بنتك تمام وانا كمان هوصيها عليكى وهخليها تسمع كلامك وتعاملاك زى امها.."


وبعد ما خرج من عندها، وقف قدام باب شقته ثواني يتنفس بعمق، كأنه بيستجمع قواه عشان يكمل الطريق اللي ما بقاش عارف آخره فين — بين حبّه لمراته وواجبه تجاه أمه.


لما طلع صلاح شقته، كانت ميادة قاعدة على كنبة الركنة بعد ماغيرت هدومها ولبست بيچاما رقيقة ، كانت بتبص في الأرض وهى متوترة وقلقانة وبتسال نفسها ياترى صلاح نزل عند امه؟طيب ياترى بتقوله ايه؟كانت خايفة اوى تقلبه عليها . كانت سامعة صوت خطواته علي السلم وهو طالع، وقلبها بيدق بسرعة.

أول ما دخل، رفعت عينيها عليه بسرعة، ووشها مليان قلق وسالته بتردد وخوف:

"كنت فين يا صلاح؟ انت نزلت لمامتك؟"


صلاح قفل الباب وراح قعد على الكرسي اللي قدامها، واتنفَس بعمق وقال بصوت هادي ومتعب:

"أه يا ميادة… نزلتلها. مينفعش أسيبها زعلانة كده، ولازم أشرح لها إن اللي حصل مينفعش يتكرر وطلبت منها تتعامل معاكى زى بنتها وقولتلها انك كمان هتعامليها زى والدتك."


ميادة بصت له بحذر، وصوتها كان واطي ومكسور شوية:

"وقالتلك إيه؟ "


ابتسم ابتسامة حزينة وهو بيهز راسه:

"كانت زعلانه فى الاول  ، بس لما اتكلمت معاها بدات تهدى. قلتلها تصبر شوية… لحد ما تتعودوا على بعض والخلافات دى هتختفى لوحدها، بس دلوقتي لازم نعيش في هدوء، عشاننا كلنا."


سكت لحظة، وبعدين مد إيده ومسح على شعرها بلُطف، وقال:

"أنا مش عايزك تخافي تاني يا ميادة، ولا تحسي إنك لوحدك. اللي حصل خلاص، أنا اتعلمت منه، ووعد مني مش هخلي حد يهينك تاني، ولا حتى أمي."


ميادة دموعها لمعت، بس كانت بتحاول تمسك نفسها.

قالت بصوت بيرتعش:

"أنا مش زعلانة منها بس يا صلاح… أنا كنت مكسورة، كنت حاسة إنك سبتني فـ وش القسوة لوحدي، بس لما وقفت قصادها… حسّيت إن فيا حاجة اتداوت. كنت محتاجة اللحظة دي من زمان."


هو قرب منها أكتر، وبص في عينيها بصدق:

"أنا آسف يا ميادة… آسف إني اتأخرت أكون في ضهرك، بس صدقيني… من النهاردة، كل اللي فات مش هيتكرر."


مدت إيدها بخجل ولمست إيده اللي كانت على ركبتها، وقالت بصوت خافت:

"كفاية إنك قلتها، وكفاية إنك نزلت راضيتيها… أنا مش عايزة مشاكل بينكم، هي أمك، وأنا عمرى ما هقدر أكون سبب تعبك بس ياريت متمدش ايديها تانى عليا لانى ساعتها مش هبقا على ذمتك للحظة ."


ضحك بخفة وهو ماسك إيديها:

"وانتى  بردو هتقدرى تبعدى عنى ياميوش، دا انتى انتى بقيتي سبب راحتي و سعادتى وعمرى ما اقدر استغنى عنك ."


اتبادلت النظرات بينهم لحظة طويلة، مليانة دفء وهدوء بعد العاصفة.

وبعدين قال بنبرة خفيفة:

"يلا بقى غيري هدومك وتعالي نعمل شوية فيشار حلوين … اصل فى فيلم حلو اوى عاوز نتفرج عليه سوا. "


ضحكت  برقة وقالت:

"اهو دا صلاح اللى أنا عارفاه… قلبه طيب حتى وهو متعكنن ثوانى وهعملك احلى فيشار."


صلاح ضحك وقال بلُطف:

"يعني خلاص، رضيتي؟"


ردّت بابتسامة هادية:

"المرة دي… أهو هحاول."


ضحك، وقام يمد إيده ليها:

"وأنا أوعدك المرة الجاية ما نخليش زعل بينا أبداً."


قامت معاه بخطوة صغيرة، بس كانت كفاية تفتح بينهم باب جديد باب راحة بعد تعب طويل.

              الفصل الثالث عشر من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>