
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل التاسع عشر19 والعشرون20 بقلم عاشقة القلم
✍️......انقضت ثلاثة أشهر كاملة منذ ذلك اليوم الذي التهمت فيه النيران أجزاءً من المنزل، ثلاثة أشهر بدت لأهل البيت وكأنها سنوات طويلة، تجرعوا خلالها مرارة الانتظار، وتنقلوا بين أعمال الترميم وإصلاح ما أفسدته النار، حتى عاد البيت ينبض بالحياة من جديد، وحين علم باران بالحريق لم يغضب، بل حمد الله على كل شيء، وان الله خفظ له عائلته من ذلك الحريق ذاك الاهم بالنسبة له، وما عدا ذلك فهو يعوض بإذن الله.
كانت آثار الحريق قد اختفت من الجدران، لكن ذكراه بقيت محفورة في القلوب.
أما غرفة باران، فقد نالت النصيب الأكبر من أعمال التجديد، إذ أُعيد تصميمها بعناية أكبر من ذي قبل، اختارت عائشة بنفسها ألوان الجدران، وحرصت على أن تكون هادئة تريح العين، وأضافت مكتبة خشبية واسعة، وستائر بيضاء تتراقص مع نسمات الهواء، ولوحات بسيطة تحمل آيات قرآنية وخطوطًا عربية أنيقة، حتى غدت الغرفة أكثر إشراقًا ودفئًا، وكأنها ولدت من جديد بعد أن نهضت من بين رمادها.
وقفت عائشة على باب الغرفة تتأملها طويلًا.
تنهدت في هدوء وقالت في سرها:
"الحمد لله... وكأن الله أراد أن يعوضنا بعد كل ما مررنا به."
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وهي تتذكر حديثها مع كريمة قبل أشهر، حين أخبرتها عن المدرسة القرآنية، وما توفره من برامج تعليمية وتربوية للأطفال.
كانت الفكرة تراودها منذ ذلك اللقاء، لكنها فضلت تأجيلها حتى تستقر أوضاع البيت، أما الآن، وقد عاد كل شيء إلى مكانه، فقد آن الأوان لتخطو ملك أولى خطواتها في رحاب كتاب الله.
في صباح يوم مشرق، أيقظت عائشة حفيدتها الصغيرة برفق.
جلست إلى جوارها على السرير، وربتت على شعرها الذهبي الناعم وهي تبتسم.
قالت بحنان:
عائشة: صباح الخير يا صغيرتي.
فتحت ملك عينيها ببطء، ثم ابتسمت وهي تمد ذراعيها نحو جدتها.
ملك: صباح الخير يا جدتي.
احتضنتها عائشة وقبلت جبينها.
عائشة: اليوم سنذهب إلى مكان جميل جدًا.
اتسعت عينا الطفلة بفضول.
ملك: إلى الحديقة؟.
ضحكت عائشة.
عائشة: لا... إلى مكان أجمل.
مالت ملك برأسها متسائلة:
ملك: أين؟.
ابتسمت عائشة وهي تعدل خصلات شعرها.
عائشة: إلى مدرسة القرآن... ستتعلمين فيها كلام الله، وتحفظين السور الجميلة، وستجدين أطفالًا يلعبون معك ويشاركونك التعلم.
صفقت ملك الصغيرة بيديها بحماس.
ملك: حقًا؟ سأحفظ مثل بابا؟
ارتسمت غصة خفيفة في قلب عائشة، لكنها أخفتها خلف ابتسامة دافئة.
عائشة: بل ستكونين أفضل بإذن الله.
بعد أن جهزتها وألبستها ثوبًا ورديًّا بسيطًا وحجابًا صغيرًا يناسب عمرها، أمسكت بيدها، وغادرتا المنزل.
كانت ملك تتلفت طوال الطريق، تراقب الأشجار والعصافير والسيارات بعينيها الواسعتين، بينما كانت عائشة تسير إلى جوارها وقلبها مفعم بالطمأنينة.
ولم تمض دقائق حتى وصلتا إلى المدرسة القرآنية.
كان المبنى متواضعًا في هندسته، لكنه يفيض بالسكينة.
تسللت إلى مسامعهما أصوات الأطفال وهم يتلون آيات القرآن في تناغم عذب، فارتجف قلب عائشة بخشوع.
همست لنفسها:
"ما أجمل أن يكبر الطفل في بيت يسمع فيه كلام الله."
دخلت إلى الإدارة، ولم تمض لحظات حتى خرجت كريمة من مكتبها.
وما إن وقع بصرها على عائشة حتى أشرقت ملامحها.
تقدمت إليها بابتسامة واسعة.
كريمة: السلام عليكم يا أستاذتي.
ابتسمت عائشة وردت السلام، ثم تعانقتا بحرارة، وقد أصبحت الأيام الماضية كفيلة بأن تعيد بينهما المودة التي لم تستطع السنون أن تمحوها.
قالت كريمة وهي تنحني نحو ملك:
كريمة: وهذه الأميرة الجميلة لا بد أنها ملك.
اختبأت الصغيرة خلف جدتها بخجل، وأخرجت نصف وجهها فقط.
ضحكت كريمة بلطف.
كريمة: يبدو أنها خجولة قليلًا.
ربتت عائشة على كتف حفيدتها.
عائشة: في البداية فقط.
ثم دخلن إلى مكتب كريمة.
جلست عائشة، بينما بقيت ملك تراقب المكان بعينيها الفضوليتين.
كانت الجدران مزينة بآيات قرآنية، ورسومات تعليمية، ولوحات كتب عليها بخط جميل: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه."
شعرت الطفلة براحة غريبة، فانفرجت أساريرها شيئًا فشيئًا.
وبينما كانت كريمة تتحدث مع عائشة عن نظام الدراسة، فتحت ملفًا صغيرًا، ثم رفعت سماعة الهاتف الداخلي.
قالت:
كريمة: أبنتي ديلان... هل يمكنك الحضور إلى مكتبي قليلًا؟.
لم تمض سوى لحظات حتى سُمع طرق خفيف على الباب.
كريمة: تفضلي.
فُتح الباب بهدوء، ودخلت ديلان.
كانت ترتدي عباءة واسعة وحجابًا بسيطًا يحيط بوجهها الوضاء، وفي يدها مجموعة من دفاتر الأطفال.
ألقت السلام بصوت هادئ، ثم وقفت تنتظر.
ابتسمت كريمة وقالت:
كريمة: ديلان... أود أن أعرفك بشخص عزيز جدًا على قلبي.
التفتت ديلان نحو عائشة، ثم ابتسمت باحترام.
ديلان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردت عائشة السلام وهي تتأمل وجهها.
كان في ملامحها شيء يبعث على الارتياح؛ هدوء، وحياء، ونظرة صافية تشبه الماء العذب.
قالت كريمة:
كريمة: هذه ناظرة المدرسة القديمة التي كنت أدرس بها... السيدة عائشة، أما هذه فهي الأخت ديلان، من خيرة معلمات المدرسة، وستكون بإذن الله معلمة ملك.
ابتسمت ديلان بمحبة، ثم اقتربت من الطفلة وانحنت حتى أصبحت في مستواها.
قالت بلطف:
ديلان: إذن أنتِ ملك؟.
أومأت الصغيرة برأسها.
ملك: نعم.
ديلان: هل تحبين القصص؟
لمعت عيناها.
ملك: كثيرًا.
ديلان: وأنا أيضًا أحب القصص... وسأحكي لك أجمل القصص، قصص الأنبياء، وسنتعلم معًا سورًا قصيرة، ونرسم، ونلعب، ونحفظ القرآن خطوة خطوة.
ابتسمت ملك أخيرًا، ثم خرجت من خلف جدتها.
مدت يدها الصغيرة نحو ديلان.
ملك: هل ستكونين معلمتي؟.
أمسكت ديلان يدها بحنان.
ديلان: نعم... وسأكون صديقتك أيضًا.
ابتسمت الطفلة ابتسامة واسعة جعلت قلب عائشة يطمئن.
أما عائشة، فقد كانت تراقب المشهد بصمت.
شيء ما في طريقة ديلان مع الأطفال لامس قلبها.
لم يكن تصنعًا، ولا واجبًا وظيفيًا...
بل كان حنانًا فطريًا يفيض من أعماقها.
قالت في نفسها:
"ما أرق هذه الفتاة... كأن الله خلقها لتكون بين الأطفال."
أنهت كريمة إجراءات التسجيل، ثم سلمت ديلان ملف الطفلة.
وقالت مبتسمة:
كريمة: أصبحت ملك أمانة عندكم.
ابتسمت ديلان بثقة ممزوجة بالمودة.
ديلان: بل هي ابنتنا جميعًا ما دامت بيننا.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت للبيت عادة جديدة.
في كل موعد، كانت عائشة تمسك بيد ملك وتتجه بها إلى المدرسة القرآنية.
كانت الصغيرة تدخل مسرعة وهي تلوح لمعلماتها، بينما تنتظرها ديلان بابتسامتها الهادئة، فتأخذها إلى قاعة الأطفال حيث تمتزج أصوات التلاوة بضحكات الصغار.
ومع مرور الأيام، بدأت ملك تتعلق بمعلمتها تعلقًا كبيرًا.
كانت ما إن ترى ديلان حتى تركض نحوها وهي تهتف بفرح:
ملك: معلمتي... معلمتي!.
فتفتح ديلان ذراعيها، وتضمها إليها بحنان أم، ثم تقبل رأسها وتقول:
ديلان: أهلاً بأميرتي الصغيرة... هل أنت مستعدة اليوم لنحفظ سورة جديدة؟.
فتهز ملك رأسها بحماس، وكأنها مقبلة على مغامرة جميلة.
وفي نهاية كل حصة، كانت عائشة تصل قبل الموعد بدقائق، فتجد حفيدتها تخرج من القاعة وهي تمسك بيد ديلان، تردد الآيات التي حفظتها بصوت طفولي عذب.
فتغمر السعادة قلبها، وهي ترى تلك البذرة الصغيرة تنمو يومًا بعد يوم في ظلال القرآن.
ولم تكن تعلم، وهي تراقب هذا المشهد المتكرر، أن القدر كان ينسج بصمت خيوط علاقة ستتجاوز حدود المعلمة وتلميذتها، وأن تلك الزيارات البسيطة إلى المدرسة ستكون بداية طريق طويل، سيجمع بين القلوب بطريقة لم يتوقعها أحد.
مرت الأسابيع تباعًا، وأصبحت المدرسة القرآنية جزءًا أصيلًا من حياة ملك الصغيرة، حتى باتت تستيقظ كل صباح قبل موعدها المعتاد، تركض نحو نافذة غرفتها، وتنظر إلى السماء بلهفة، ثم تلتفت إلى جدتها وهي تسأل للمرة العاشرة:
ملك: جدتي... هل حان وقت الذهاب إلى المدرسة؟.
فتبتسم عائشة وهي تنظر إلى عقارب الساعة.
عائشة: ما زال أمامنا وقت يا صغيرتي.
فتتنهد ملك في شيء من الضجر، ثم تعود لتجلس وهي تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها، وكأنها تخشى أن يفوتها ذلك الموعد الذي أصبح أحب أوقات يومها.
لاحظت عائشة هذا التغير منذ الأيام الأولى، لكنها كانت تراقبه بصمت.
كانت تعلم أن حفيدتها لم تعد مجرد طفلة تبحث عن اللعب، بل كانت تبحث عن حضن دافئ يعوضها شيئًا من ذلك الفراغ الذي خلفه غياب والديها، ثم سفر خالها باران الذي كان أكثر من يلاعبها ويضحك معها.
ومنذ رحيله، خفتت ضحكتها أيامًا طويلة، حتى جاءت المدرسة القرآنية لتبعث فيها حياة جديدة.
في أحد الأيام، ما إن وصلت ملك إلى المدرسة حتى لمحت ديلان في آخر الممر.
صرخت بفرح طفولي:
ملك: معلمتي...!.
تركت حقيبتها الصغيرة تركض بكل ما أوتيت قدماها الصغيرتان من سرعة، حتى ارتمت بين ذراعي ديلان.
ضحكت ديلان وهي تستقبلها بحنان.
ديلان: رويدك يا صغيرتي... ستتعثرين.
رفعت ملك رأسها، وأحاطت عنقها بذراعيها.
ملك: اشتقت إليك كثيرًا.
ابتسمت ديلان وقبلت جبينها.
ديلان: وأنا أيضًا اشتقت إلى أميرتي.
أخذتها من يدها، وسارتا معًا نحو القاعة.
كانت ملك لا تكف عن الحديث، تروي لها كل ما حدث معها منذ الأمس، كيف لعبت مع دميتها، وكيف ساعدت جدتها في ترتيب ألعابها، وكيف رسمت شجرة صغيرة، حتى إنها أخبرتها أن قط الحي تبعها قليلًا وهي في طريقها إلى المدرسة.
وكانت ديلان تستمع إليها بكل اهتمام، لا تقاطعها، ولا تشعرها أن حديثها تافه، بل كانت تبتسم لكل كلمة، وتسألها عن التفاصيل، وكأنها تستمع إلى قصة عظيمة.
وهذا وحده كان يكفي ليجعل قلب ملك يزهر فرحًا.
لم تكن الحصص الدراسية بالنسبة إلى ملك مجرد وقت لحفظ القرآن.
بل كانت رحلة مليئة بالمحبة.
كانت ديلان تبدأ كل حصة بابتسامة، ثم تقول للأطفال:
ديلان: قبل أن نحفظ كلام الله، أخبروني... من فعل اليوم عملًا جميلًا؟
ترتفع الأيدي الصغيرة في الهواء.
- أنا ساعدت أمي.
- وأنا رتبت سريري.
- وأنا شاركت أختي لعبتي.
ثم تنظر ديلان إلى ملك.
ديلان: وأنت يا ملك؟.
تفكر الصغيرة قليلًا، ثم تقول بفخر:
ملك: ساعدت جدتي في حمل سلة الخبز.
فتبتسم ديلان.
ديلان: إذن أنت فتاة بارة... بارك الله فيك.
فتشرق ملامح ملك، وتشعر وكأنها نالت أعظم جائزة.
وفي إحدى الحصص، كانت ديلان تشرح للأطفال معنى الرحمة.
وضعت عصفورًا صغيرًا مصنوعًا من القماش فوق الطاولة، وقالت:
ديلان: لو وجدتم هذا العصفور مكسور الجناح، ماذا ستفعلون؟
قال أحد الأطفال:
- سأتركه.
وقالت أخرى:
- سأعطيه الماء.
أما ملك، فرفعت يدها بسرعة.
ملك: سأحمله إلى البيت... وأطلب من جدتي أن تساعده حتى يشفى.
ابتسمت ديلان بعينين امتلأتا إعجابًا.
ديلان: ولماذا يا ملك؟.
أجابت الصغيرة بعفوية:
ملك: لأن الله يحب الراحمين... وأنت دائمًا تقولين لنا إن القلوب الطيبة يحبها الله.
اقتربت ديلان منها وربتت على رأسها.
ديلان: أحسنت يا حبيبتي... هذا أجمل جواب سمعته اليوم.
وظلت ملك طوال ذلك اليوم تطير فرحًا من شدة سعادتها.
وفي نهاية كل حصة، كانت ملك تتعمد التأخر قليلًا.
ترتب دفاتر الأطفال مع ديلان.
وتجمع الأقلام.
وتعيد المصاحف إلى أماكنها.
ثم تقول مبتسمة:
ملك: هكذا لن تتعبي وحدك.
فتضحك ديلان.
ديلان: ومن قال إنني أتعب بوجود مساعدتي الصغيرة؟.
فتنتفخ وجنتا ملك من شدة السعادة.
ومع مرور الأيام، بدأت أحاديث ديلان تتسلل إلى بيت عائشة.
فما إن تجلس الأسرة إلى مائدة الطعام، حتى تبدأ ملك بالكلام دون أن ينتظرها أحد.
ملك: هل تعلمون ماذا قالت لي معلمتي اليوم؟.
ثم لا تنتظر جوابًا.
ملك: قالت إن من يبتسم في وجه الناس له صدقة.
وفي يوم آخر...
ملك: اليوم حفظت سورة العصر... ومعلمتي قالت إنني قرأتها بطريقة جميلة.
وفي مساء يوم آخر...
ملك: معلمتي أحضرت لنا قصة سيدنا يوسف، وكانت تقلد أصوات الشخصيات... ضحكنا كثيرًا.
ثم تلتفت إلى جدتها بحماس.
ملك: هل تعلمين؟، معلمتي ترسم أيضًا... ورسمت لنا نخلة وعصفورًا.
تبتسم عائشة وهي تستمع إليها.
أما أفراد العائلة، فقد اعتادوا أن تكون ديلان حاضرة في كل حديث ترويه ملك.
حتى إن مراد قال ضاحكًا ذات مساء:
مراد: يبدو أن معلمتك هذه أصبحت أشهر منا جميعًا.
أجابت ملك بسرعة، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها:
ملك: لأنها طيبة جدًا.
ضحك الجميع، لكن عائشة لم تضحك، كانت تراقب حفيدتها بصمت، ترى البريق الذي عاد إلى عينيها، ترى الضحكة التي غابت منذ ان سافرا والديها، ثم بعد ذلك سفر باران، وأدركت أن الله قد أرسل إلى قلب تلك الصغيرة إنسانة استطاعت، دون أن تشعر، أن تملأ جزءًا من الفراغ الذي كان ينهش روحها.
وفي إحدى الليالي، وبينما كانت عائشة تهيئ ملك للنوم، سألتها الصغيرة وهي تحتضن دميتها:
ملك: جدتي...
عائشة: نعم يا حبيبتي؟.
ملك: هل معلمتي ديلان لديها أطفال؟.
ابتسمت عائشة.
عائشة: لا يا صغيرتي.
سكتت ملك قليلًا، ثم قالت بصوت خافت:
ملك: إذن... هل يمكن أن أكون أنا طفلتها في المدرسة؟.
ارتجف قلب عائشة عند سماع تلك الكلمات.
ابتسمت وهي تمسد شعرها.
عائشة: ولماذا تقولين هذا؟
أغلقت ملك عينيها وهمست:
ملك: لأنها عندما تحتضنني... أشعر أن قلبي يدفأ... مثلما كنت أشعر مع أمي.
ساد الصمت.
وغامت عينا عائشة بالدموع.
انحنت وقبلت جبين حفيدتها، ثم ضمتها إلى صدرها بقوة.
أما ملك، فقد استسلمت للنوم بعد لحظات، وهي تبتسم ابتسامة صغيرة، وكأنها ذهبت في أحلامها إلى ذلك الفصل الصغير، حيث كانت ديلان تستقبلها كل صباح بابتسامتها الحانية، دون أن تعلم أن ذلك الحنان أصبح بالنسبة لطفلة صغيرة وطنًا صغيرًا، تلجأ إليه كلما اشتاقت إلى دفء افتقدته مبكرًا.
كان العام الدراسي يلفظ أنفاسه الأخيرة.
الأيام تتساقط من التقويم واحدة تلو الأخرى، والجامعات والمدارس تغرق في أجواء الامتحانات، حتى بدا وكأن الزمن كله قد تحول إلى سباق مع الساعات، لا مكان فيه إلا للاجتهاد والصبر.
وفي مدينتين تفصل بينهما مئات الكيلومترات...
كان قلبان يخوضان المعركة نفسها، وإن اختلفت التفاصيل.
في المدينة التي احتضنت غربة باران، كانت شمس الصباح تنعكس على الواجهات الزجاجية لكلية الهندسة، بينما كان الطلبة يتنقلون بين قاعات الدراسة والمخابر، يحمل كل واحد منهم حلمًا يسابق به المستقبل.
أما باران، فقد بدا أكثر هدوءًا من الجميع.
كان يجلس في آخر قاعة التصميم، وقد انحنى فوق طاولة الرسم الكبيرة، ممسكًا قلمه بثبات، بينما كانت عيناه تتحركان بين المخططات والقياسات بدقة لافتة.
لم يكن يسمع الضجيج الذي يملأ القاعة.
كان يعيش داخل عالمه الخاص...
عالم تصنعه الخطوط، والزوايا، والأفكار التي تتحول بين يديه إلى تصاميم تنبض بالحياة.
وقف أحد الأساتذة خلفه يتأمل عمله طويلًا، ثم ابتسم وهو يلتفت إلى زميله قائلاً بصوت منخفض:
الأستاذ: هذا الشاب يملك موهبة لا تُدرَّس.
اقترب الأستاذ الآخر، وأخذ يقلب المخططات بإعجاب.
الاستاذ الثاني: ليس الرسم وحده... انظر إلى طريقة تفكيره في استغلال المساحات، وإيجاد حلول هندسية غير تقليدية.
رفع باران رأسه بعدما شعر بوجودهما.
ابتسم بأدب.
باران: صباح الخير، دكتور.
ربت الأستاذ على كتفه وقال:
الاستاذ: صباح الإبداع يا باران.
خفض باران رأسه خجلًا.
أما الأستاذ، فأردف وهو ينظر إلى اللوحات المنتشرة أمامه:
الاستاذ: أخبرني... هل تدرك حقًا حجم الموهبة التي منحك الله إياها؟.
ابتسم باران ابتسامة متواضعة.
باران: ما زلت أتعلم يا دكتور.
هز الأستاذ رأسه بإعجاب.
الاستاذ: وهذه هي أجمل صفة في المبدعين... أنهم لا يشعرون يومًا أنهم وصلوا إلى النهاية.
ثم أضاف بنبرة جادة:
الاستاذ: لا تكتف بما ندرسه لك هنا... اقرأ أكثر، سافر أكثر، شاهد المشاريع العالمية، درب يدك كل يوم، فالموهبة وحدها لا تكفي، والعمل هو الذي يصنع العظماء.
أومأ باران باحترام.
باران: سأفعل بإذن الله.
ومع مرور الأسابيع، لم يعد اسم باران مجهولًا داخل الكلية.
أصبح حديث الأساتذة، ونموذجًا يُضرب به المثل في الاجتهاد والانضباط.
وكانت مشاريعه تحصد أعلى التقييمات، حتى إن بعضها عُرض في معارض جامعية، ولاقت إعجاب عدد من المختصين الذين حضروا لمتابعة أعمال الطلبة.
وبدأت رسائل البريد الإلكتروني تتوالى عليه.
دعوات...
وعروض...
ومقترحات للعمل مع شركات هندسية كبرى، تعرض عليه أن ينضم إلى فرق التصميم لديها، وأن تمول مشاريعه البحثية، وتمنحه كل الإمكانات التي يحتاج إليها.
وفي إحدى الأمسيات، جلس باران في السكن الجامعي يتصفح إحدى تلك الرسائل.
قرأ العرض بصمت، ثم أغلق الحاسوب.
كان سليم يراقبه منذ دقائق.
قال مبتسمًا:
سليم: لا تقل لي إنك سترفض هذا أيضًا!.
رفع باران رأسه.
باران: نعم.
فتح سليم عينيه بدهشة.
سليم: يا رجل... هل تعلم كم يحلم آلاف المهندسين بمثل هذا العرض؟.
ابتسم باران بهدوء.
باران: أعلم.
سليم: إذن لماذا؟.
ساد الصمت لحظات.
ثم نهض باران واتجه نحو النافذة.
راح ينظر إلى المدينة التي احتضنته أشهر طويلة، ثم قال بصوت هادئ، لكنه كان مليئًا باليقين:
باران: لأنني لم آت إلى هنا لأبقى.
اقترب سليم منه.
سليم: وما المشكلة في أن تعمل هنا سنوات؟، ستجمع خبرة أكبر، وراتبًا أفضل، ثم تعود.
ابتسم باران وهو يهز رأسه.
باران: أخشى أن أعتاد المكان... ثم أؤجل العودة عامًا بعد عام، حتى أستيقظ يومًا فأجد أن عمري كله مضى بعيدًا عن وطني.
سكت قليلًا، ثم أردف:
باران: أنا مدين لبلدي بالكثير يا سليم... كل ما تعلمته هنا أريد أن يعود بالنفع هناك، أريد أن أبني، وأن أترك أثرًا في الأرض التي نشأت عليها.
نظر إليه سليم طويلًا.
ثم تنهد.
سليم: أما أنا... فأفكر بطريقة مختلفة.
ابتسم باران.
باران: أعلم.
جلس سليم على الأريكة وقال:
سليم: الفرص هنا أكبر، والبحث العلمي متقدم، والشركات لا تتوقف عن دعم المبدعين... لماذا أعود لأبدأ من الصفر؟.
اقترب منه باران وربت على كتفه.
باران: لكل واحد منا حلمه... والمهم ألا نتخلى عنه.
ابتسم سليم.
سليم: على الأقل لن أتخلى عن صداقتك.
ضحك باران.
باران: ولا أنا.
ثم تصافحا، وقد أدرك كل منهما أن اختلاف الطريق لا يعني اختلاف القلوب.
وفي مدينة أخرى...
كانت ديلان تعيش الأيام نفسها، ولكن بصورة مختلفة تمامًا.
جلست في مكتبة الجامعة، تحيط بها الكتب من كل جانب.
دفاترها مفتوحة، وأقلام التحديد متناثرة أمامها، بينما كانت تقلب صفحات مراجعها بعينين أنهكهما السهر.
لم تكن الدراسة سهلة.
فقد أصبحت على مشارف عامها الأخير، وكانت تعلم أن كل امتحان تخوضه يقربها خطوة من الحلم الذي طالما انتظرته.
رفعت رأسها قليلًا، وأغمضت عينيها.
تذكرت أمها...
وتذكرت السنوات التي مرت عليها، بما حملته من ألم وخوف وحرمان.
همست في نفسها:
"لن أسمح لكل ما مضى أن يهزمني... لقد تجاوزت الأصعب، ولن أعجز عن تجاوز هذه الامتحانات."
أعادت ترتيب أوراقها، ثم عادت إلى المذاكرة بعزيمة أكبر.
كانت تعود كل مساء إلى المدرسة القرآنية بعد انتهاء محاضراتها.
وما إن تدخل حتى تستقبلها أصوات الأطفال وهم يرددون الآيات.
فتشعر بأن تعب الجامعة كله قد ذاب في لحظة.
كانت ملك أول من يركض إليها.
ملك: معلمتي... لقد حفظت السورة كاملة!.
فتبتسم ديلان، وتجثو أمامها.
ديلان: حقًا؟ إذن أسمعيني.
تبدأ الطفلة بالتلاوة، فإذا أخطأت كلمة، صححتها ديلان برفق، ثم تضمها إلى صدرها قائلة:
ديلان: أحسنت يا صغيرتي... أنا فخورة بك.
فتشرق عينا ملك سعادة، وكأنها نالت كنزًا ثمينًا.
وكان ذلك المشهد يمنح ديلان قوة غريبة، فتنسى إرهاق الدراسة، وتستعيد يقينها بأن العلم، مهما اختلفت صوره، يبقى رسالة.
وهكذا...
كان باران في غربته، يشق طريقه نحو الشهادات العليا، محاطًا بتقدير أساتذته وإعجابهم، يزداد علمًا ونضجًا يومًا بعد يوم، بينما كان قلبه معلقًا بوطن ينتظر عودته.
وفي الجهة الأخرى، كانت ديلان تقترب من عامها الأخير في الجامعة، تبني مستقبلها بصبر، وتغرس في قلوب الأطفال نور القرآن، غير مدركة أن تلك الأيام الهادئة ليست إلا تمهيدًا لتحولات كبيرة ستغير مجرى حياتها.
وبينهما...
ظل القدر يمضي في صمت، يجمع لكل واحد منهما أسباب النجاح، ويهيئهما، كلٌ في طريقه، للقاء لم يحن أوانه بعد، لكنه كان يقترب مع كل يوم يمضي.
انتهى العام الدراسي أخيرًا.
انطفأت ضوضاء الممرات الجامعية، وأُغلقت القاعات التي ازدحمت طوال أشهر بأصوات الأساتذة والطلبة، وغادرت الأوراق آخر قاعات الامتحانات، بعدما حمل كل طالب بين سطورها خلاصة عام كامل من التعب والسهر والرجاء.
لكن نهاية الدراسة لم تكن نهاية الطريق...
بل كانت بداية مرحلة جديدة، تحمل في طياتها أحلامًا أكبر، وطموحاتٍ أخذت تتشكل بوضوح مع كل نجاح يُحقق،
في مدينتها الهادئة...
خرجت ديلان من مبنى الجامعة، تحمل بين يديها نتائجها، بينما كانت ابتسامة هادئة تزين وجهها.
توقفت تحت شجرة وارفة عند مدخل الكلية، وأعادت قراءة كشف النقاط مرة أخرى، وكأنها تخشى أن تكون قد أخطأت في فهمه.
ثم أغمضت عينيها، ورفعت وجهها نحو السماء.
همست بصوت لم يسمعه أحد:
ديلان: الحمد لله...
لم تكن مجرد كلمة،
بل كانت تنهيدة امتنان خرجت من أعماق قلب عرف طعم الخوف، وعرف معنى أن يقاتل الإنسان وحده حتى لا يسقط.
لقد انتقلت إلى السنة الثالثة...
وباتت أقرب من أي وقت مضى إلى الحلم الذي طالما رسمته في خيالها، حتى صديقتها مريم نجحت.
حلم التخرج...
حلم الوقوف يومًا وهي تحمل شهادتها بين يديها، لترفع رأس والدتها فخرًا، ولتثبت لنفسها قبل غيرها أن الجراح لا تمنع الإنسان من صناعة مستقبله.
ابتسمت وهي تضم أوراقها إلى صدرها.
كانت تشعر أن كل خطوة قطعتها في طريق العلم قد أعادت إليها جزءًا من نفسها، ذلك الجزء الذي حاولت الحياة يومًا أن تنتزعه منها.
وفي المساء...
جلست مع عائشة وكريمة في فناء المدرسة القرآنية بعد انتهاء إحدى الحلقات.
قالت كريمة وهي تنظر إليها بابتسامة:
كريمة: والآن... ما خطتك في العطلة؟.
ابتسمت ديلان.
ديلان: سأعود كما كنت... أقضي معظم وقتي هنا.
نظرت إليها عائشة بإعجاب.
عائشة: أما زلت مصرة على أن تحرمي نفسك من الراحة؟؛
ضحكت ديلان برقة.
ديلان: بل هذه هي راحتي؛
ثم أضافت وهي تجيل بصرها بين الأطفال الذين كانوا يركضون في الساحة:
ديلان: عندما أكون بينهم أنسى كل تعب الجامعة... أشعر أنني أتعلم منهم بقدر ما أعلمهم.
ابتسمت كريمة وقد بدا الرضا واضحًا على ملامحها.
كريمة: كنت أعلم أنك ستقولين ذلك.
ثم أردفت:
كريمة: إذن ستكون لك هذا الصيف حلقات إضافية للأطفال الجدد، وبرنامج خاص لتحفيظ الصغار.
اتسعت ابتسامة ديلان.
ديلان: بكل سرور.
ومنذ ذلك اليوم...
امتلأت أيامها بالحيوية،
كانت تصل إلى المدرسة مع ساعات الصباح الأولى، فتفتح النوافذ، وترتب المقاعد الصغيرة، وتضع المصاحف في أماكنها، ثم تستقبل الأطفال بابتسامتها التي اعتادوا أن يجدوا فيها دفئًا يشبه دفء الأمهات.
وكانت ملك أول الواصلين دائمًا،
ما إن تقع عيناها على ديلان حتى تهرول نحوها، وهي تهتف بفرح:
ملك: معلمتي... لقد اشتقت إليك كثيرًا!.
فتفتح ديلان ذراعيها، وتضمها إليها، ثم تقول وهي تضحك:
ديلان: وأنا أيضًا اشتقت إلى أميرتي الصغيرة.
فتتشبث ملك بها، وكأنها تخشى أن تغيب عنها مرة أخرى.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات...
كانت مدينة زيورخ تستقبل صيفًا جديدًا.
غير أن باران لم يكن ينظر إلى العطلة كما ينظر إليها بقية الطلبة.
بينما كان كثير منهم يخططون للسفر، أو للراحة، أو لقضاء أوقات طويلة في التنزه، كان هو يجلس في غرفته محاطًا بالدفاتر، وأقلام الرصاص، وأوراق الرسم التي ملأت الطاولة والجدران.
أمام عينيه كانت نتيجة العام الدراسي.
تفوق جديد...
وانتقال مستحق إلى السنة الثانية.
ابتسم وهو يطوي الورقة بعناية،
لم يكن يرى في النجاح نهاية، بل بداية مسؤولية أكبر.
تذكر كلمات أحد أساتذته وهو يقول له قبل أيام:
الاستاذ: يا باران... لا تجعل موهبتك تنام في العطل، فالموهبة مثل العضلة، إن أهملتها ضعفت.
وتذكر أستاذًا آخر قال له:
الاستاذ الثاني: أنت لا ترسم بعينيك فقط... بل بقلبك أيضًا، ولهذا أنصحك أن تستثمر وجودك في زيورخ، هناك معاهد صيفية ممتازة في الرسم والتصميم الداخلي، ستفتح أمامك آفاقًا جديدة.
ومنذ تلك اللحظة، لم تغادره الفكرة.
وفي إحدى الأمسيات، جلس مع صديقه سليم في مقهى قريب من السكن الجامعي.
كان يحمل بين يديه منشورات لعدد من المعاهد الصيفية.
قال سليم وهو يقلب الأوراق:
سليم: هل تنوي التسجيل فعلًا؟.
أجاب باران بثقة:
باران نعم.
سليم: لكن رسومها مرتفعة.
ابتسم باران ابتسامة هادئة.
باران: لهذا كنت أوفر جزءًا من مصروفي منذ أشهر.
نظر إليه سليم باستغراب.
سليم: كنت أعلم أنك لا تنفق كثيرًا... لكنني لم أكن أعلم أنك تخطط لهذا.
ضحك باران.
باران: أبي يرسل لي ما أحتاج إليه، وكنت أقتصد قدر الإمكان.
ثم أضاف وهو يشير إلى حقيبته الجلدية:
باران: كما أنني حصلت على دخل إضافي.
رفع سليم حاجبيه.
سليم: من أين؟.
فتح باران الحقيبة، وأخرج عدة صور لرسومات أنجزها.
كانت وجوهًا مرسومة بقلم الفحم، ولوحات مائية، وتصاميم معمارية صغيرة.
قال مبتسمًا:
باران: كنت أرسم بورتريهات لبعض الناس في أوقات فراغي... وأحيانًا أصمم رسومات يطلبها بعض الطلبة أو أصحاب المحال، وكنت أتقاضى عليها مبلغًا جيدًا.
نظر سليم إلى الرسومات بإعجاب.
سليم: لم تخبرني بهذا!،
ضحك باران.
باران: لأنني كنت أعتبرها تجربة أكثر من كونها عملًا.
ظل سليم يقلب اللوحات، ثم قال بإعجاب صادق:
سليم: كل يوم أكتشف فيك شيئًا جديدًا.
ابتسم باران بتواضع.
باران: ما زلت في بداية الطريق.
وبدأت العطلة الصيفية تمر بسرعة.
كان باران يقضي ساعات طويلة في معاهد الرسم، يتعلم تقنيات جديدة، ويدرس أسرار الضوء والظل، ويتمرن على رسم الوجوه والمناظر، ثم ينتقل إلى دروس التصميم الداخلي، حيث كان يكتشف كيف يمكن للفراغات أن تتحول إلى أماكن تنبض بالجمال والراحة.
وكان يعود كل مساء منهك الجسد...
لكن قلبه ممتلئ بالشغف،
يقف أمام نافذة غرفته المطلة على شوارع زيورخ الهادئة، ويقول في نفسه:
"كل ما أتعلمه اليوم... سأحمله معي إلى وطني غدًا."
وفي الوقت نفسه...
كانت ديلان تغادر المدرسة القرآنية بعد انتهاء الحلقات، وقد أنهكها يوم طويل بين الأطفال، لكنها لم تكن تشعر بالتعب،
بل كانت تمشي في الطريق وهي تستعيد ضحكاتهم، وأصواتهم وهم يتلون القرآن، وتساؤلاتهم البريئة التي كانت ترسم الابتسامة على وجهها.
كانت تشعر أن حياتها تمضي في الاتجاه الذي تمنته دائمًا...
علم في الجامعة...
ورسالة في المدرسة القرآنية...
وحلم يقترب منها خطوة بعد أخرى.
وهكذا...
كان القدر يواصل نسج خيوطه في صمت.
هناك، في زيورخ، كان باران يبني نفسه بالحرف والخط واللون، ويصقل موهبته بعلمٍ وعملٍ لا يعرفان الكسل.
وهنا، كانت ديلان تبني روحها قبل مستقبلها، تغرس في قلوب الأطفال نور القرآن، وتقترب عامًا بعد عام من اليوم الذي سترتدي فيه ثوب التخرج.
ورغم أن المسافات كانت تفصل بينهما، فإن كليهما كان يسير في الطريق ذاته...
طريق الاجتهاد، والإيمان بالحلم، والاستعداد للمستقبل الذي خبأ لهما القدر ما لم يكن في حسبانهما.
الفصل العشرون من رواية
حبيبتي زوجة أخي💔🥺
✍️...... إبتدا عام دراسي جديد، وفي يوم من أيام الخريف،كان صباحًا هادئًا على غير عادته.
استيقظت ديلان وهي تشعر بثقل في جسدها، فقد أنهكتها الحمى منذ الليلة الماضية، وبقيت طوال الليل تتقلب في فراشها، تحاول أن تقنع نفسها بأنها ستتحسن مع ساعات الصباح.
لكن التعب كان أقوى منها، وضعت يدها على جبينها، ثم أغمضت عينيها للحظات وهي تستجمع قوتها.
دخلت أمينة الغرفة بعدما انتهت من تجهيز نفسها واولادها للذهاب إلى عملها في المدرسة القرآنية،
كانت تحمل حقيبة صغيرة بداخلها بعض الأغراض التي تحتاجها لعملها في المطبخ، حيث كانت تعمل بالمطخ، حيث تقضي معظم يومها في إعداد وجبات الأطفال والعاملين الذين لا يستطيعون العودة إلى منازلهم خلال فترة الظهر.
اقتربت من ابنتها وجلست إلى جوارها.
قالت بقلق:
أمينة: ما زلت متعبة يا ابنتي؟.
ابتسمت ديلان ابتسامة ضعيفة.
ديلان: قليلًا فقط يا أمي... سأرتاح اليوم وسأكون بخير.
وضعت أمينة يدها على شعرها.
أمينة: لا تجهدي نفسك، ابقي في السرير، سأعود بعد انتهاء عملي.
ثم التفتت نحو الباب قبل أن تضيف:
أمينة: أحمد وعمر سيبقيان مع في المدرسة إلى أن أنتهي، فمدرستهما قريبة من مكان عملي، إذا احتجتِ شيئًا فاتصلي بي.
أومأت ديلان.
ديلان: لا تقلقي يا أمي.
خرجت أمينة، وأغلق الباب خلفها.
عاد الهدوء إلى المنزل.
كانت ديلان تحب ذلك الهدوء في الأيام العادية، لكنه في ذلك الصباح بدا مختلفًا... ثقيلًا، وكأنه يخفي وراءه شيئًا لا تعرفه.
مرّت ساعات قليلة.
حاولت ديلان أن تنام، لكنها استيقظت على صوت حركات طفيفة امام الباب.
في البداية ظنت أنهم أطفال او الجارة التي تسكن في الشقة المقابلة لهم عادت مبكرًا.
نهضت بصعوبة، وسارت نحو الباب بخطوات بطيئة، نظرت إلى من امام الباب الغرفة نحو باب الشقة، لكنها لم ترى شيء فعادت لتنام على سريرها.
لكن من فتح الباب كان كاظم، قد عاد بعد ان قضى ليلته في الخارج بإحدى الأماكن، التي يمارس بها القمار حتى تطلع الشمس، كان يظن ان البيت لايوجد به أحد، لكنه خين سمع حركة تأتي من غرفة ديلان، دخل بسرعة ولم يغلق باب الشقة جيدا، ثم إختبئ بسرعة حتى لايلفت الانتباه، بصوت إغلاق الباب او حركته الخاطفة حين إختبئ بالزاوية المظلمة عند المطبخ، وما إن عادت ديلان لغرفتها إبتسم إبتسامة خبيثة، وقد إرتسمت في عقله الخبيث خطته الشيطانية.
وصل طريقه نحو غرفة ديلان وهو يمشي بدون ان يحدث اي ضجة او حتى همسة، حتى وصل لباب غرفتها، فتحه ببطئ ودخل ليقف فوق رأسها.
ما ان رأته ديلان حتى تغيرت ملامحها.
كان كاظم يقف أمامها.
ابتسم ابتسامة هادئة مصطنعة.
كاظم: السلام عليكم.
تراجعت ديلان قليلًا نحو ظعامة سريرها بسرعة.
ديلان: وعليكم السلام... ماذا تريد؟.
حافظ على هدوئه وقال:
كاظم: علمت أنك مريضة، فجئت لأطمئن عليك،
لم تجبه،
كانت تعرفه جيدًا،
تعرف ذلك الأسلوب الذي يتحدث به أمام الآخرين، وكأنه الرجل الحريص والطيب، بينما كانت تشعر دائمًا أن وراء هدوئه شيئًا آخر.
قالت باقتضاب:
ديلان: شكرًا، أنا بخير. يمكنك الذهاب لغرفتك.
لكنه لم يتحرك.
كاظم: لماذا تعاملينني دائمًا بهذه الطريقة يا ديلان؟.
نظرت إليه باستغراب.
ديلان بأي طريقة؟.
تنهد وكأنه مظلوم.
كاظم: وكأنني شخص غريب عن هذا البيت... وكأنني أحاول أخذ مكان والدك.
تغيرت ملامحها،
كانت هذه الجملة بالذات أكثر ما يزعجها، لأنه كان يستخدمها دائمًا ليجعلها تبدو مخطئة.
قالت بهدوء:
ديلان: أنا لم أقل ذلك، لكنك لست والدي، ولن يكون أحد مكانه، هذا لا يعني أنني أكرهك، بل يعني فقط أن لكل إنسان مكانته.
تغيرت نظراته للحظة، ثم عاد إلى ابتسامته.
كاظم: دائمًا ترفضينني... حتى عندما أحاول مساعدتك.
شعرت ديلان بعدم الارتياح.
تراجعت خطوة.
ديلان: كاظم، أنا متعبة وأريد أن أرتاح، من فضلك اذهب.
لكنه لم يبدُ راغبًا في المغادرة.
وهنا بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها.
ليس لأنها لا تعرفه فقط...
بل لأنها شعرت للمرة الأولى أن شيئًا في تصرفاته اليوم مختلف،
قالت بصوت أكثر حزمًا:
ديلان: قلت لك اذهب.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بنبرة تحمل تهديدًا مبطنًا:
كاظم: يبدو أنك لا تفهمين أنني أحاول حمايتك من نفسك.
ازدادت دقات قلبها.
ديلان: ماذا تقصد؟.
ابتسم ابتسامة باردة.
كاظم: ستعرفين لاحقًا.
شعرت ديلان بالخطر.
حاولت الابتعاد عنه والذهاب نحو الهاتف.
لكنها كانت ضعيفة بسبب المرض، والخوف لم تستطع ان تتماسك لتقف. خطواتها أثقل.
بدأ صوتها يرتجف:
ديلان: اخرج من المنزل يا كاظم... الآن.
للمرة الأولى لم تستطع إخفاء خوفها.
وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا واحدًا...
أنها يجب أن تجد أي طريقة ليصل صوتها إلى الخارج، لكن كاظم لم يمهلها، فإنقض عليها مثلما ينقض الذئب الجائع على فريسته، تحت صرخات ديلان الهستيرية، وهي ترى نفسها بين يدي كاظم وهو يثبتها فوق السرير.
في المدرسة القرآنية...
كانت كريمة تراجع جدول الحلقات عندما لاحظت غياب ديلان.
سألت إحدى المعلمات:
كريمة: هل رأيتِ ديلان اليوم؟.
أجابت:
المعلمة: لا، لم تأتِ.
شعرت كريمة بالقلق.
لم تكن ديلان ممن يتغيبون دون أن يخبروا أحدًا.
سألت عنها، فعلمت من أمينة أنها مريضة وبقيت في المنزل،
لكن قلب كريمة لم يطمئن،
في تلك الاثناء دهل ممتبها عبد الله زوجها..
عبد الله: كنت قريبا من هنا فإشتقت لك وجئت لأراكي.
إبتسمت له زوجته وقالت..
كريمة : مرحبا بك في اي وقت يا زوجي الحبيب.
نظر لها زوجها وقال..
عبد الله: مابك يا كريمة؟ ، ارى القلق ظاهرا في عينيك، ام ان زيارتي المفاجأة هي من وترتك.
قالت لزوجها عبد الله عندما سألها:
كريمة: لا أعلم لماذا أشعر بالقلق علي ديلان.
ابتسم عبد الله محاولًا طمأنتها:
عبد الله: ربما لأنها عزيزة عليك، وهذا طبيعي.
لكنها أجابت:
كريمة: اخبرتني امها انها مريضة وهي الآن وحيدة بالبيت، ولا اثق بكاظم ذاك، ثم وقفت وقالت.
كريمة: من الجيد انك اتيت، سأذهب لأطمئن عليها هيا.
وافقها عبد الله دون تردد.
عبد الله: حسنا لنذهب ونطمئن عليها معا.
خرجت كريمة مع زوجها؛ وأخذا معهما بعض الطعام والدواء، واتجها نحو منزل ديلان.
عندما اقتربا من المنزل، كان هناك شيء غير طبيعي.
كان الباب مواربا بعض الشيء، لكن صوتًا مرتفعًا وصل إلى مسامعهما.
تغير وجه كريمة.
قالت بقلق:
كريمة: هذا صوت ديلان.
أسرعا نحو الباب.
نادتها كريمة:
كريمة: ديلان!.
لم يجبها أحد.
ازداد قلق عبد الله.
فتح الباب ودخلا بسرعة.
وفي اللحظة التي رأيا فيها ذلك المنظر، إنقض عبد الله على كاظم يرفعه من فوق ديلان، التي كانت تصرخ وتضربه بيديها بهستيرية، كانت تقاوم بكل قوتها، لكن مرضها وضعفها جعل كاظم، يقيد حركتها.
اندفع عبد الله نحو كاظم وأبعده عنها، بينما أسرعت كريمة إلى ديلان.
احتضنتها فورًا.
كانت ديلان ترتجف، ودموعها تنزل دون توقف.
همست كريمة:
كريمة: أنا هنا يا ابنتي... لا تخافي.
أما عبد الله، فكان يوجه عظة لكمات إلى كاظم والغضب يملأ عينيه، الذي لم يستطع هذا الاخير صدها لانه مان مخمورا بعض الشيء.
قال بصوت غاضب:
عبدالله: ماذا كنت تفعل أيها الحقير؟.
حاول كاظم استعادة هدوئه.
لا تفهم الأمر كما تظن.
لكن عبد الله لم يترك له فرصة.
عبد الله: بل أفهم جيدًا يا خسيس.
وفي تلك اللحظة بدأ صوت الشجار يرتفع، فخرج الجيران من بيوتهم، وبدأوا يتجمعون حول المكان، خين دفع عبد الله كاظم ليطرده خارج البيت.
وكان كاظم، وهو يرى الناس يقتربون، يدرك أن عليه أن يلعب ورقته الأخيرة...
ورقة الكذب.
فبدل أن يواجه ما فعله، بدأ ينسج الرواية التي ستقلب الموقف كله...
رواية ستجرح ديلان مرة أخرى، ولكن هذه المرة أمام الجميع.
تجمّع الجيران أمام المنزل بعد أن ارتفعت الأصوات، وكل واحد منهم يحاول أن يفهم ما الذي حدث.
كانت الوجوه مليئة بالدهشة، والأسئلة تتطاير بينهم.
ماذا حدث؟ لماذا كان كاظم وهذا الرجل يتشاجران؟، ولماذا كانت ديلان تبكي بهذه الصورة حيث كان يسمع صوتها من الخارج وكريمة تحاول تهدئتها؟،
حيث كانت ديلان تقف خلف كريمة، ممسكة بطرف عباءتها وكأنها تستمد منها القوة.
لم تكن تسمع سوى دقات قلبها،
كل شيء حولها بدا بعيدًا...
أصوات الناس، حركاتهم، نظراتهم.
كانت لا تزال عالقة في اللحظات القليلة الماضية، تحاول أن تستوعب كيف تحولت غرفتها الآمنة إلى مكان شعرت فيه بالخوف والرعب.
تقدم أحد الجيران وقال:
الجار: ما الأمر يا رجل؟ ماذا حدث؟، وهو يوجه الكلام لعبد الله.
فتح عبد الله فمه ليتكلم، لكن كاظم كان أسرع، فقد أدرك أن اللحظة التي يخشاها قد جاءت،
إذا تكلم عبد الله أولًا، ربما انتهى كل شيء، لذلك رفع صوته أمام الجميع، متصنعًا الحزن والغضب في آن واحد، وقال:
كاظم: قبل أن يحكم أحد عليّ، فليسمع الحقيقة كاملة مني اولا.
نظر إليه الجميع،
أما كريمة، فشعرت بانقباض في قلبها، كانت تعرف هذا النوع من الرجال...
الرجل الذي لا يكتفي بالخطأ، بل يحاول أن يجعل نفسه ضحية أيضا.
تابع كاظم:
كاظم: أنا لم آتِ إلى هنا إلا لأنني علمت أنها مريضة وحدها في المنزل.
وأشار نحو ديلان.
كاظم: منذ فترة وأنا أحاول أن أنصحها، لأنها بدأت تتصرف بطريقة لا تليق بها.
اتسعت عينا ديلان بصدمة،
لم تصدق ما تسمعه،
هو...
هو الذي حاول إيذاءها، يقف الآن أمام الناس ليتهمها؟.
أكمل كاظم بصوت مليء بالادعاء:
كاظم: رأيتها أكثر من مرة تتحدث مع شباب، وتحاول إقامة علاقات معهم، وكنت أخشى عليها وعلى سمعتها، منذ ان دخلت الجامعة تغيرت طباعها واخلاقها.
بدأ الهمس يتسلل بين الجيران كريحٍ خافتة، وتبادلت العيون نظراتٍ مضطربة؛ فمنهم من استنكر ما يتفوه به كاظم، ومنهم من آثر الصمت وأرهف سمعه بدافع الفضول، مترقبًا ما ستؤول إليه تلك المواجهة المحتدمة.
وقف كاظم في منتصف الجمع، متقمصًا دور الرجل المظلوم، وأطلق زفرةً طويلة قبل أن يقول بصوتٍ متباكٍ:
كاظم: جئت اليوم لأتحدث معها وأعيدها إلى الطريق الصحيح، لكنها ثارت في وجهي، وعندما حاولت أن أمنعها من التصرف بطيش، راحت تصرخ وتتهمني بأمورٍ لم أفعلها قط، وهذا الرجل وزوجته يشجعانها على التمرد، مع أنها بمثابة ابنتي، نا زالت صغيرة لا تدرك أين تكمن مصلحتها، وفي كل مرة أحاول أن أربيها أو أقوّمها، يتدخل هذا الرجل وزوجته ليحول بيني وبينها.
ساد صمتٌ ثقيل...
صمتٌ بدا وكأنه سقط فوق صدر ديلان كصخرةٍ هائلة، حتى خُيل إليها أن الأرض تميد تحت قدميها، وأن الهواء صار أثقل من أن يدخل رئتيها.
تحركت شفتاها المرتجفتان وهمست بصوتٍ بالكاد سُمع:
ديلان: كاذب...
لكن صوتها كان واهنًا، تائهًا وسط ضجيج الأنفاس والنظرات.
اقتربت كريمة منها في هدوء، وأمسكت بيدها المرتجفة، وضغطت عليها برفق وكأنها تخبرها بصمتٍ أنها ليست وحدها.
كريمة: لا ترهقي نفسك بالكلام الآن.
أما عبد الله، فقد كان الغضب يغلي في صدره حتى كاد يحرقه، تقدم بخطواتٍ ثابتة، ووقف في مواجهة كاظم، ثم قال بنبرةٍ امتزج فيها الاحتقار بالحزم:
عبد الله: هل انتهيت من نسج أكاذيبك؟.
ارتسمت على شفتي كاظم ابتسامة ساخرة.
كاظم: وهل كنت اتوقع غير أن تصدقها؟ أنت لم تعش معنا، ولم ترَ ما رأيته أنا، إنها بارعة في الكذب، وقد استطاعت أن تخدعكما بدموعها وتمثيلها.
اشتعلت عينا عبد الله غضبًا، لكنه تمالك نفسه وقال بصوتٍ قاطع:
عبد الله: بل رأيت بعيني ما يكفي لأعرف حقيقتك، رأيتها وهي ترتجف من الرعب، ورأيتك وأنت تحاول انتهاك شرفها، رأيت الخوف الذي كان يملأ عينيها... خوف فتاةٍ تحاول النجاة من رجلٍ يفترض أنه موضع أمانها، فإذا به يتحول إلى كابوسها.
هز كاظم رأسه في استخفاف، وقال بثباتٍ زائف:
كاظم: هذا مجرد تفسيرك أنت، تريد أن تتستر على أخطائها، وإلا فهل يعقل أن أفعل مثل هذا بفتاةٍ ربيتها منذ كانت طفلة حتى أصبحت شابة؟.
وفي تلك اللحظة، شقَّ الجمع صوت خطواتٍ متعجلة.
كانت أمينة قد عادت تَوِّها من المدرسة القرآنية بعدما بلغتها إحدى الجارات بأن شجارًا كبيرًا يدور أمام منزلها.
تقدمت وسط الحشود وقلبها يخفق بعنف، وقد ارتسم القلق على ملامحها.
أمينة: ماذا يحدث هنا؟.
ما إن وقعت عينا كاظم عليها حتى تبدلت ملامحه في لحظة، وارتدى قناع الرجل المكلوم. أسرع نحوها وهو يتنهد بمرارة مصطنعة.
كاظم: أمينة...
رفعت إليه بصرها في اضطراب.
أمينة: ماذا يحدث؟.
خفض رأسه، وكأن الدنيا أثقلت كاهليه.
كاظم: حاولت فقط أن أساعد ابنتك...
تجمدت ديلان في مكانها.
تعلقت عيناها بوجه أمها، تحملان رجاءً صامتًا، وكأنهما تصرخان دون صوت:
"أمي... لا تصدقيه."
لكن أمينة لم تلتقط ذلك النداء.
كل ما رأته أمامها هو زوجٌ طالما شكا إليها عناد ديلان ونفورها منه، حتى ملأ قلبها ببطءٍ بأوهامٍ وشكوك لم تنتبه يومًا كيف نبتت في داخلها.
أكمل كاظم حديثه بنبرةٍ حزينة:
كاظم: وجدتها مريضة، مستلقية على فراشها، فأردت أن أطمئن عليها وأساعدها... لكنها اتهمتني بأمرٍ شنيع، أمرٍ لا يمكن لرجلٍ مثلي أن يرتكبه، وهذان صدقاها ويريدون تشويه صوراي وسمعتي امام الجميع.
تبدلت ملامح أمينة، ثم التفتت نحو ابنتها.
أمينة: ديلان...
اقتربت منها خطوة.
ظنت ديلان أن ذراعي أمها ستحتضنانها...
لكن الكلمات التي خرجت منها كانت أشد قسوة من أي صفعة.
أمينة: هل ما يقوله صحيح!؟.
شعرت ديلان وكأن الزمن توقف،
كانت مستعدة أن تواجه العالم بأسره...
إلا أن تواجه شك أمها،
خرج صوتها مكسورًا، يختنق بين شهقاتها:
ديلان: أمي...
لكن أمينة قاطعتها وهي تقول بصوتٍ متردد:
أمينة: أريد أن أفهم، لماذا تفعلين ذلك؟.
انحدرت دمعة ساخنة على خد ديلان، ثم قالت وهي تحدق في عيني والدتها:
ديلان: أتريدين أن تفهمي حقًا... أم أنك تريدين فقط أن تصدقيه؟.
ارتبكت أمينة، واهتزت نظراتها،
لكن كاظم لم يترك لها فرصة للتفكير.
قال بسرعة وهو يشير إلى ديلان:
كاظم: أرأيتِ؟ حتى الآن تهاجمني بدل أن تعترف بخطئها.
عندها لم تعد كريمة قادرة على الصمت.
تقدمت بخطواتٍ واثقة، ووقفت إلى جانب ديلان كالجدار الحامي.
كريمة: كفى!!.
ثم نظرت إلى أمينة بعينين يملؤهما الأسى وقالت:
كريمة: قبل أن تحكمي على ابنتك، تذكري أنك أنتِ من ربيتها، وأنتِ أدرى الناس بأخلاقها.
وسكتت لحظة قبل أن تضيف بثقة:
كريمة: أعرف ديلان منذ سنوات، ولم أرَ منها إلا الخلق والعفة وحسن التربية، أما من يحاول اليوم تلطيخ سمعتها... فهو أولى بأن يُسأل عن أخلاقه.
خفضت أمينة رأسها.
كانت كلمات كريمة صادقة...
لكن الأكاذيب التي ظل كاظم يغرسها في قلبها على مدى سنوات طويلة كانت قد تركت ندوبًا عميقة، حتى غدت الحقيقة نفسها تبدو لها غريبة.
وفي تلك اللحظة...
شعرت ديلان بأن شيئًا انكسر داخلها إلى الأبد.
لم يكن انكسارها بسبب افتراءات كاظم...
فقد كانت تتوقع منه كل سوء.
أما أن ترى أمها تقف حائرة بين الحقيقة والكذب...
فذلك كان الجرح الذي لم تعرف كيف تداويه.
قالت بصوتٍ خافت، يكاد يختفي بين دموعها:
ديلان: كنت أظن... أن أول من سيقف إلى جانبي هو أنتِ.
ثم رفعت يدها سريعًا تمسح دموعها، وكأنها تأبى أن تمنح كاظم لذة رؤيتها منهارة.
اقتربت كريمة منها دون كلمة، واحتضنتها بقوة، ثم قالت بحزمٍ يشبه حنان الأمهات:
كريمة: ستأتين معنا.
رفعت ديلان رأسها، وهمست بتردد:
ديلان: لكن...
ابتسمت كريمة ابتسامةً باهتة، وربتت على كتفها.
كريمة: لا يوجد "لكن"، دعي النفوس تهدأ أولًا، ثم نتحدث في كل شيء، ألا ترين إلى أي مدى يريد هذا الخبيث أن يجر الأمور؟، حسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم التفتت إلى عبد الله.
لم تحتج إلى شرح.
فقد فهم مقصدها من نظرةٍ واحدة.
قال بحزم:
عبد الله: ستبقى معنا حتى تهدأ هذه الفتنة، ولن نتركها تعيش في مكانٍ فقدت فيه شعورها بالأمان.
حاولت أمينة أن تعترض، وقد امتزج صوتها بالحيرة:
أمينة: لكنها... ابنتي.
نظرت إليها كريمة بعينين امتلأتا بالألم.
كريمة: ولهذا السبب تحديدًا... كان ينبغي أن تكوني أول من يحميها.
ثم أضافت بهدوءٍ عميق:
كريمة: إنها الآن لا تحتاج إلا إلى مكانٍ تشعر فيه بالأمان... حتى تستعيد أنفاسها.
لم تجد أمينة جوابًا.
أما كاظم، فقد استشاط غضبًا وصاح بصوتٍ مرتفع:
كاظم: أرأيتم!!؟، هؤلاء يفرقون بين الأم وابنتها!، بدل أن يتركوها مع أمها لتربيها وتؤدبها، يأخذونها منها ويعصونها عليها، حتى تفعل ما تشاء دون رقيب، فمن سيقومها بعد اليوم؟، ومن سيردعها إن تمادت؟.
لكن أحدًا لم يلتفت إليه، كانت ديلان قد خرجت مع كريمة وعبد الله.
كانت خطواتها مثقلة بالأوجاع، وكل خطوةٍ منها تحمل فوق كتفيها عمرًا من الخيبات.
ومع ذلك...
ولأول مرة منذ بدأ ذلك الكابوس...
شعرت أن هناك من يمسك بيدها، لا ليقودها إلى الخوف... بل ليخرجها منه.
وما إن أُغلق الباب خلفهم، حتى بقيت أمينة واقفة في مكانها، تحدق في الفراغ، وقد بدأت الشكوك تنهش قلبها بصمت، وسقطت في بئر الحيرة، ولم تعد تعرف من تصدق ومن تكذب.
أما كاظم...
فقد ارتسمت على وجهه ابتسامة المنتصر، وظن أنه نجح في خداع الجميع.
لكنه لم يكن يدرك أن للكذب عمرًا مهما طال، وأن الحقيقة قد تتأخر...
لكنها حين تأتي، تقتلع كل الأقنعة، وتترك أصحابها عراةً أمام ضمائرهم وأمام الناس.
في الجهة الأخرى من الحي...
كانت حياة أخرى تُنسج بصمت داخل البناية التي جمعت عائلة باران ومراد ودنيز تحت سقف واحد.
في الطابق العلوي كان منزل عائلة باران، حيث اعتادت دنيز منذ طفولتها أن ترى أبناء عمها يتحركون أمامها، لكن قلبها مع مرور السنوات لم يعد يرى الجميع بالطريقة نفسها.
فبينما كان باران بالنسبة إليها أخًا وصديقًا ثقيلا، كان مراد شيئًا مختلفًا...
كان الرجل الذي علقت به عيناها منذ أن بدأت تفهم معنى الإعجاب.
لم يكن مراد يشبه باران.
باران كان أكثر هدوءًا، مبتسمًا، يترك أثرًا طيبًا أينما ذهب، لكنه مان متيقضا لكل الاعيبها.
أما مراد فكان مختلفًا...
شخصية أكثر صرامة، أقل كلامًا، لا يعطي اهتمامه بسهولة، ولا يسمح لأحد باقتحام عالمه الخاص.
وربما كان ذلك بالذات ما جعل دنيز تتعلق به أكثر.
كانت تشعر أن الحصول على ابتسامة واحدة منه يساوي لديها الكثير.
منذ ان انهت دراستها ومكثت بالبيت، بدأت دنيز تبحث عن أي فرصة تجعله يلاحظ وجودها،
كانت تسكن في الطابق السفلي، لذلك لم تكن بحاجة إلى اختلاق أسباب كثيرة لرؤيته، فمجرد صعودها الدرج أو نزولها كان يمنحها فرصة للمرور أمامه.
في أحد الصباحات، سمعت صوت باب المنزل يُفتح،
عرفت خطواته،
توقفت أمام المرآة بسرعة، رتبت شعرها، وعدلت ملابسها، ثم خرجت وكأن الأمر مجرد صدفة،
كان مراد ينزل الدرج وهو يحمل مفاتيحه.
ابتسمت.
دنيز: صباح الخير يا مراد.
نظر إليها باحترام،
مراد: صباح الخير يا دنيز،
ثم أكمل طريقه،
توقفت للحظة،
كانت تنتظر أكثر من ذلك،
سؤالًا...
كلمة...
أي شيء يدل على أنه رآها.د،
لكن مراد لم يلتفت،
تنهدت بصمت،
"حتى صباح الخير قالها وكأنه يقولها لأي شخص..."
لم تستسلم.د،
في يوم آخر، علمت أن مراد سيعود متأخرًا من عمله، فأعدت بعض الطعام بحجة أنها صنعت كمية زائدة.
طرقت باب منزل عائشة،
فتحت لها،
ابتسمت دنيز،
دنيز: أعددت بعض الطعام، وفكرت أن أشارككم به،
شكرتها عائشة بلطف،
عائشة: بارك الله فيك يا ابنتي.
دخلت دنيز، وكانت عيناها تبحثان عنه دون أن تبدو واضحة.
وجدته جالسًا في الصالة يراجع بعض الأوراق؛
اقتربت؛
دنيز:مراد، هل أحظرت لكم بعض الطعام؟.
رفع رأسه.
مراد: نعم، شكرًا لك؛
ثم عاد إلى أوراقه؛
مرة أخرى...
كلمة واحدة؛
لا أكثر؛
شعرت بالضيق، لكنها أخفت ذلك بابتسامة،
كانت تحاول أن تجد مدخلًا إلى اهتمامه،
تسأله عن عمله،
دنيز: كيف كان يومك؟.
فيجيب:
مراد: جيدًا.
تسأله:
دنيز: هل تحتاج مساعدة في شيء؟ فانا أيضا درست تجارة.
فيقول:
مراد: لا، شكرًا.
تحاول فتح حديث عن ذكريات الطفولة.
دنيز: أتذكر عندما كنا صغارًا وكنت دائمًا تفوز علينا في اللعب؟.
فيبتسم قليلًا.
مراد: نعم، كانت أيامًا جميلة،
ثم ينتهي الحديث.
كانت تشعر أنها تقف أمام باب مغلق...
وكلما طرقت عليه، عاد الصمت إليها.
في إحدى الليالي، جلست دنيز مع والدتها،
لاحظت الأم شرود ابنتها.
قالت:
صفية: ما بك يا دنيز؟ أصبحتِ كثيرة التفكير.
ارتبكت.
دنيز: لا شيء.
ابتسمت والدتها.
صفية: أعرفك يا ابنتي... هناك شيء يشغل بالك.
سكتت دنيز قليلًا، ثم قالت:
دنيز: هل تعتقدين أن الإنسان يمكن أن يجعل شخصًا يحبه ويراه؟.
نظرت إليها والدتها بحنان.
صفية: الحب لا يُجبر يا ابنتي، لكن يمكنك ان تجعلينه يحبك
خفضت دنيز عينيها.
دنيز: لكن أحيانًا يحتاج الشخص فقط إلى فرصة.
تنهدت الأم.
صفية: ربما... لكن يجب تحاولي أن لتلفتي نظره لك حتى يحبك أحد، وعندما يحبك سيفعل اي شيء من اجلك.
لم تجب دنيز.
ففي قلبها كانت مقتنعة أن مراد فقط لم يكتشفها بعد.
أما مراد...
فلم يكن قاسيًا معها،
ولم يكن يكرهها،
لكنه ببساطة لم ينظر إليها بالطريقة التي تنظر بها إليه،
كان يراها ابنة عمه الصغيرة التي كبرت، لا أكثر،
كان يحترمها، ويعاملها بلطف، لكنه لم يشعر بذلك الشعور الذي كانت تنتظره.
وفي كل مرة كانت دنيز تحاول الاقتراب خطوة...
كان مراد، دون قصد، يضع حدودًا جديدة.
وهكذا بقيت هي تطارد لحظة اهتمام...
بينما كان هو يعيش حياته دون أن يدرك أن هناك قلبًا يقف بعيدًا، ينتظر منه نظرة واحدة فقط.
كانت الأيام تمضي في زيورخ بخطوات ثابتة...
يوماً بعد يوم، كان باران يقترب أكثر من الحلم الذي حمله معه عندما غادر وطنه.
لم تكن الغربة سهلة...
ففي البداية كانت المدينة تبدو له باردة، شوارعها واسعة أكثر مما ينبغي، ووجوه الناس حين تمر بجانبه دون أن يعرف أحد منهم قصته أو يعرف حجم الأحلام التي يحملها في قلبه.
لكن مع مرور الوقت، بدأ يصنع لنفسه مكانًا فيها.
لم يعد ذلك الشاب الغريب الذي يبحث عن طريقه بين القاعات والممرات...
بل أصبح طالبًا يعرفه أساتذته، ويقدّرون اجتهاده، ويلاحظون تطوره يومًا بعد يوم.
كان يستيقظ كل صباح قبل الجميع.
يرتب كتبه، يراجع محاضراته، ثم ينطلق إلى الجامعة حاملاً حقيبته وأحلامه.
كان يعلم أن كل ساعة يقضيها في التعلم تقربه خطوة من اليوم الذي سيعود فيه إلى وطنه.
اليوم الذي سيحمل شهاداته بيده، ويقف أمام عائلته فخورًا بأنه لم يخذل ثقتهم.
لكنه رغم كل ذلك...
كان هناك شيء واحد لم يستطع الزمن أن يأخذه منه.
هي...
تلك الفتاة التي لم يعرف اسمها.
تلك النظرة التي بقيت عالقة في ذاكرته رغم مرور الأيام.
في كل مساء، وبعد أن ينتهي من دراسته وتدريباته، كان يعود إلى غرفته الصغيرة.
يضع حقيبته جانبًا، يخلع معطفه، ثم يتجه إلى ذلك المكان الذي أصبح أقرب إليه من أي شيء آخر...
درج مكتبه،
كان يفتحه بهدوء، ويخرج منه كراسًا قديمًا،
ذلك الكراس الذي حمل سرًا لم يخبر به أحدًا،
جلس على طرف السرير، وفتحه ببطء.
ظهرت أمامه الرسومات واحدة تلو الأخرى.
وجهها...
ملامحها...
نظرة عينيها...
لم يكن يرسمها كما رآها فقط، بل كما تخيلها،
مرة يضعها جالسة وسط حديقة هادئة.
ومرة يراها تبتسم،
ومرة يرسمها وهي تنظر إلى السماء وكأنها تحمل داخلها حكاية لا يعرفها أحد،
ابتسم بحزن،
مرر أصابعه فوق إحدى الصفحات،
وقال وكأنه يحدث شخصًا يجلس أمامه:
باران: هل تعلمين أنني ما زلت أبحث عنك؟.
سكت قليلًا،
ثم ابتسم لنفسه،
باران: ربما ستضحكين لو عرفتِ أنني لا أعرف حتى اسمك... ومع ذلك ملأتِ كل هذه الصفحات بصور لك.
أغلق الكراس للحظة، ثم أعاد فتحه،
كان هذا الكراس بالنسبة إليه أكثر من مجرد رسومات،
كان دليلًا على أن ذلك اللقاء لم يكن وهمًا،
أن تلك اللحظة التي جمعت عينيه بعينيها كانت حقيقية،
في بعض الليالي، كان يجلس قرب النافذة، والكراس بين يديه، ينظر إلى أضواء زيورخ البعيدة.
كانت المدينة جميلة...
لكن جمالها لم يكن يشبه جمال وطنه،
كان يشتاق إلى شوارع بلده، إلى أصوات أهله، إلى دفء البيت، إلى تلك اللحظة التي سيعود فيها ويبدأ البحث عنها،
قال في نفسه:
"لم يبقَ الكثير..."
كان يحسب الأيام،
كل فصل دراسي ينتهي كان يعني اقتراب العودة،
كل شهادة يحصل عليها كانت خطوة نحو اللقاء،
كان يتخيل ذلك اليوم كثيرًا،
يدخل مدينته من جديد،
يحمل إنجازاته،
ثم يبدأ البحث عنها،
يسأل...
يتتبع أي خيط يقوده إليها،
كان يؤمن أن من جمع القدر بينهما مرة لن يعجز عن جمعهما مرة أخرى،
وفي الوقت نفسه، لم يكن باران يكتفي بالدراسة فقط،
كان يستغل كل فرصة لتطوير نفسه،
يحضر دورات الرسم، يتعلم تقنيات جديدة، يدرس التصميم الداخلي، ويعمل على مشاريع صغيرة تثبت له أنه يسير في الطريق الصحيح،
كان يعود متعبًا في نهاية اليوم، لكن التعب كان يمنحه شعورًا جميلًا،
شعور الإنسان الذي يعرف أنه يبني مستقبله بيديه،
وفي إحدى الليالي، جلس أمام لوحة جديدة،
ظل ممسكًا بالقلم فترة طويلة،
ثم بدأ يرسم،
كانت هي،
كالعادة...
لكن هذه المرة رسمها واقفة بجانبه،
توقف للحظة، وتأمل الصورة،
ثم ضحك بخفة،
باران: يبدو أنني حتى في خيالي لا أستطيع أن أنساك،
أعاد القلم إلى مكانه،
ثم قال بهدوء:
باران: انتظريني فقط... عندما أعود سأجدك،
لم يكن أحد يعلم عن ذلك الجانب من حياة باران،
الجميع يرونه شابًا ناجحًا، طموحًا، يسير بثقة نحو مستقبله.
لكن خلف ذلك النجاح كان هناك قلب يحمل حكاية لم تبدأ بعد،
حكاية فتاة مجهولة الاسم...
لكنها تركت أثرًا لا يمحى،
وكان باران كلما اقترب من تحقيق حلمه العلمي، شعر أنه يقترب أيضًا من حلم آخر...
أن يعود إلى وطنه...
وأن يجد صاحبة الوجه الذي حفظه قلبه قبل أن يعرف اسمها.