رواية الاعصار الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم محمد منصور
ح(25)
فين بابا؟
دي كانت أول جملة خرجت من هاشم وهو واقف قدام مالك، وعينيه بتدور في المكان كأنه بيدوّر على حد غالي عليه.
مالك بص له بصدمة وقال:
أنا أبوك يا هاشم.
هز هاشم راسه بعناد وقال:
لا... بابا يبقى خيري الطباخ، مش إنت يا عم مالك.
الكلام نزل على مالك زي الصاعقة، السر اللي كان مخبي سنين اتكشف لكنه حاول يتمالك نفسه وقال:
هو خيري الطباخ عملك غسيل مخ في الكام يوم اللي كنت مع في
رفع هاشم راسه وبص له بتحدي وقال:
زعلان إني عرفت الحقيقة اللي كلكم مخبينها عني؟
شد مالك على أسنانه وقال:
هاشم... إنت لسه طفل صغير، وسهل أي حد يضحك عليك. لكن—
قاطعه هاشم بسرعة وهو متعصب:
أنا مش عيل ! أنا عندي 9 سنين. وبابا خيري خدني ووداني المعمل، وعملنا تحاليل أنا وهو، والدكتور بنفسه قال إنه هو بابا.
اتغيرت ملامح مالك وقال بعصبية ممزوجة بالألم:
وإنت صدقتهم؟! وبتكذبني أنا؟! أنا اللي ربيتك وكبرت قدام عيني، وعشت عمري كله علشانك!
دموع الغضب لمعت في عيون هاشم مع انه عيل وقال وهو بيصرخ
إنت دخلته السجن! وخطفتني منه وربيتني بعيد عنه! أنا دلوقتي عايز بابا... مش عايزك إنت!
حاول مالك يقرب منه ويفتح له حضنه، لكن هاشم زقه بكل قوته وهو بيعيط ويصرخ:
عايز بابا... عايز بابا خيري!
اتجمد مالك مكانه.
إيده فضلت ممدودة في الهوا، وعينيه مليانة وجع وانكسار.
لأول مرة يحس إنه واقف قدام ابنه... ومش قادر يوصل له.
أما هاشم ففضل يبكي بحرقة وهو بينادي على خيري، وكل كلمة كانت بتغرز سكين جديد في قلب مالك.
وقف مالك بعيد عنه، تايه ومكسور، ومبقاش عارف يعمل إيه...
هل يحارب علشان يرجع ابنه ليه؟
ولا يستسلم للحقيقة اللي بدأت تهدم كل حاجة بناها طول السنين؟!
الإعصار
تأليف
محمد منصور
(منص)
وقبل ما نبدأ، نوحد الله ونصلي على خير خلق الله سيدنا محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تحل بها العقد، وتفرج بها الكرب، وتقضي بها الحوائج.
بعدها بكام يوم...
ومن جوة مكتب فاروق، كان مالك قاعد قصاده، والهم باين على وشه. فاروق بص له شوية وقال بنفاد صبر
ما تخلص نفسك من الصداع ده وتسلم الواد لأي ملجأ!
مالك باستنكار:
بتقول إيه يا أستاذ فاروق؟! ده قدام الناس ابن أخويا أمير.
فاروق:
قدام الناس آه... لكن دي مش الحقيقة. ده ابن أكتر بني آدم كرهك في حياته... خيري الطباخ. هتعرف تربيه إزاي؟
مالك
أنا مش هاخد العيل بذنب ما عملوش. هاشم اتربى على إيدي، ومعزته عندي من معزة ابني اللي لسه في بطن مراتي.
فاروق وهو يهز راسه:
طيب هتستحمل صداعه لحد إمتى؟ كل ما يشوفك يسألك على خيري!
اتنهد مالك تنهيدة طويلة، وظهر وجع كبير في عينيه قبل ما يقول بصوت مكسور:
وياريته بيسألني وبس... ده رافض حتى يتعامل معايا. كل ما أقرب منه يبعد، وكل ما أكلمه يسكت وكأني عدوه.
فاروق بدهشة:
معقول؟! خيري قدر في كام يوم بس يقلب الواد عليك بالشكل ده؟
مالك بحزن:
ما هو فهمه إني خطفته... وإني دخلته السجن... وإن أنا السبب إنه اتحرم منه.
ضرب فاروق بإيده على المكتب وقال بغضب:
خيري ده مؤذي... حتى بعد موته لسه بيوجعك!
سكت مالك لحظة، وبعدين قال وهو تايه بين خوفه وحبه للولد:
طيب والعمل؟ أسيب هاشم يضيع مني؟
فاروق
لا، بس لازم تبص لنفسك كمان. هاشم واخد كل وقتك وتفكيرك، وشغلك بدأ يتأثر، والشركة مش هتستناك
مالك
وأعمل إيه يعني؟
فاروق:
سيب الأيام تعالج اللي خيري زرعه جواه. متضغطش عليه. يمكن مع الوقت يعرف الحقيقة بنفسه.
نزل الصمت على المكتب...
لكن مالك كان عارف إن الموضوع أكبر من مجرد وقت. كان حاسس إن كل يوم بيعدي، هاشم بيبعد عنه أكتر... وإنه ممكن في لحظة يخسره للأبد.،،،،،،،
ويتغير المشهد...
ونشوف مالك واقف جوه المستشفى عند أمير، اللي كان لسه تحت الملاحظة. إيديه الاتنين مربوطين في السرير علشان ما يقدرش يأذي نفسه، وعينيه ثابتة على الأرض، ساكت تمامًا، كأنه منفصل عن الدنيا اللي حواليه.
بص له مالك بحزن شديد، وبعدها التفت للدكتور المعالج وقال:
هو هيفضل على الحال ده كتير يا دكتور؟
تنهد الدكتور بحزن وقال:
للأسف... جسمه رافض يستجيب لأي علاج. ومن بعد آخر محاولة ليه إنه يقتلك، وهو بقى يحاول يأذي نفسه بشكل مستمر. وكل ما نفك قيوده نحاول نطمن عليه، نلاقيه بيعمل حاجة تأذي نفسه بيها.
سكت لحظة وكمل:
إحنا ما بقاش قدامنا غير إننا نربط إيديه الاتنين حفاظًا على حياته... لحد ما حالته النفسية تستقر شوية.
اتجمد مالك مكانه، وبص لأخوه نظرة طويلة مليانة وجع وحسرة.
كان نفسه يسمع منه كلمة...
أي كلمة...
كان نفسه أمير يبص له مرة واحدة بعين أخ، مش بعين عدو.
بلع مالك غصته وقال بصوت مخنوق من كتر الحزن:
ربنا يسترها عليه ويهون اللي هو فيه...
ثم قرب خطوة من السرير، وعينه لمعت بالدموع وهو بيكمل:
ما تعرفش يا دكتور... أنا نفسي قد إيه يحس بيا ولو لمرة واحدة... نفسي أخده في حضني وهو عارف إن أنا أخوه بجد... أخوه اللي استحمل عشانه سنين... واتأذى منه كتير... وسامحه أكتر.
نزلت دمعة من عين مالك رغمًا عنه وهو بيبص لأمير اللي ما رفعش عينه من الأرض.
مالك بصوت متكسر:
نفسي يسمعني وأنا بقوله إني عمري ما كرهته... مهما عمل فيا... ومهما حاول يقتلني.
ساد الصمت داخل الأوضة...
صمت موجع...
بين أخ بيتمنى يرجع أخوه ليه، وأخ ضايع جوه ظلامه، مش قادر يشوف الحقيقة حتى لو كانت واقفة قدامه.،،،،،،
ومن جوة المدرسة...
كان هاشم قاعد لوحده جوه الفصل، والدموع مغرقة وشه. كان بيعيط بحرقة، وبيصرخ بأعلى صوت عنده، لدرجة إن صوته سمعه المدرسين اللي كانوا قريبين من الفصل.
في ثواني، جريوا عليه وهم مرعوبين من حالته.
قعدت مدرسة اسمها علا قصاده، وحاولت تهديه وهي بتقول:
مالك يا هاشم؟ بتعيط ليه؟ إيه اللي حصل؟
لكن هاشم ما ردش.
كان ماسك الموبايل بإيده وبيترعش من الخوف والصدمة.
بصت علا على شاشة الموبايل...
وفجأة اتجمدت ملامحها.
كانت صورة لرجل مرمي وسط جنينة فيلا، وجسمه غارق في الدم.
الصورة كانت صادمة بشكل يخض.
الغريب إن الصورة ما كانتش منشورة على فيسبوك ولا على أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي...
دي كانت صورة متبعتة مباشرة لهاشم من رقم غريب.
سحبت علا الموبايل وقفلت الشاشة بسرعة علشان ما يشوفهاش باقي الطلبة، وبعدين سألت بحذر:
صورة مين دي يا هاشم؟
رفع هاشم عينه لها، وعينيه مليانين دموع وانكسار، وقال بصوت متقطع:
دي صورة بابا...
سكت لحظة وكأن الكلمة نفسها بتوجعه...
وبعدين كمل وهو بينهار من العياط:
بابا خيري الطباخ.
اتصدم المدرسون من كلامه.
واتقدم مدرس تاني كان واقف وسطهم، اسمه سعيد، وقال باستغراب:
بس إحنا كلنا عارفين شكل والدك... والصورة دي مش صورته.
هنا هاشم انتفض فجأة، ومسح دموعه بعنف وهو بيصرخ:
لأ... ده بابا الحقيقي!
وأشار بإيده على الصورة وهو بيكمل بانفعال:
أما اللي عندي في البيت ده... بابا المزيف!
المدرسون بصوا لبعضهم في ذهول.
أما هاشم فكان خارج عن السيطرة وهو يكمل كلامه:
هو اللي خطفني وأنا صغير... وبعدني عن بابا الحقيقي... ودلوقتي قتله كمان!
ساد الصمت داخل الفصل...
صمت ثقيل ومخيف.
علا وسعيد والمدرسون التانيين كانوا بيبصوا لبعض، ومش قادرين يستوعبوا اللي بيسمعوه.
هل الطفل ده بيتكلم من صدمة؟
ولا فعلًا وراه سر خطير محدش يعرفه؟
وفي الوقت اللي الكل كان تايه ومش فاهم حاجة...
كان الرقم الغريب اللي بعت الصورة لهاشم لسه بيتفرج من بعيد على الفوضى اللي بدأت تنتشر... وابتسامة انتصار مرسومة على وش صاحبه. ،،،،،،،،
مين بقي اللي بعت الصورة لو حد منكم قولو وانا مش هعرف حد انا عارف انكم مش هتقولو هروح اعرف مين اللي بعت الصورة وارجع لكم سلام
