
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثالث والعشرون23 بقلم عاشقة القلم
جاء صباح يوم المناقشة...
استيقظت ديلان قبل بزوغ الفجر، لكنها لم تكن قد نامت إلا قليلًا، ظلت طوال الليل تتقلب بين أوراق الرسالة، وبين الذكريات التي كانت تطرق قلبها كلما أغمضت عينيها.
نهضت بهدوء، توضأت، ثم وقفت تصلي ركعتين، أطالتهما حتى ابتلت سجادة الصلاة بدموعها.
وحين انتهت، رفعت كفيها إلى السماء وهمست:
"يا رب... لا تجعل هذا اليوم يوم نجاحي وحدي... اجعله صدقة جارية في صحيفة مريم، فقد تعبت كما تعبت، وحلمت كما حلمت، لكنها لم تُمهل لتصل."
أغلقت عينيها لحظة، وشعرت بشيء من السكينة يتسلل إلى قلبها.
ارتدت ثيابها بعناية، ثم وقفت أمام المرآة، لم تكن تنظر إلى انعكاس صورتها، بل كانت تتخيل مريم تقف إلى جوارها، تضحك كعادتها وتقول:
" أسرعي يا ديلان... لا أريد أن نتأخر في أول يوم سنحقق فيه حلمنا."
ارتجفت شفتاها، وابتسمت ابتسامة امتزجت بالوجع.
فتحت درج مكتبها، وأخرجت الصورة صغيرة كانت قد جمعتهما معًا.
مررت أصابعها عليها برفق، ثم قبلتها وهمست:
ديلان: هيا... لنذهب معًا،
وضعت الصورة داخل ملف الرسالة، في جيب داخلي صغير، قريبًا من قلبها، ثم خرجت من الغرفة.
في الخارج، كانت كريمة تنتظرها ومعها كل من والدتها وعائشة معها مراد الذي حظر ليساندها في هذا اليوم الذي حلمت به ديلان كثيرا.
ما إن رأتها حتى اتسعت عيناها إعجابًا، ثم اقتربت وعدلت طرف حجابها بحنان، وقالت:
كريمة: لو رأتك مريم الآن... لابتسمت بكل فخر.
لم تتمالك ديلان نفسها، فألقت برأسها على كتف كريمة وبكت.
احتضنتها كريمة طويلًا، ثم قالت وهي تمسح دموعها:
كريمة: اليوم لا مكان للانكسار...
اليوم هو يوم الوفاء، وإقتربت منها عائشة هي الأهرى تحتضنها، اما مراد فاومأ لها برأسه وقال:
مراد: لاتقلقي يا ديلان كلنا إلى جانبك يا ديلان فلا تقلقي، وانا أثق بك وبقدراتك واعلم انك ستفعلينها اليوم وستحققين حلمك وحلم مريم.
خرجتا معًا إلى الجامعة،
كانت ساحة الكلية تضج بالطلبة وأسرهم، والوجوه يملؤها التوتر والفرح في آنٍ واحد.
كلما وقعت عينا ديلان على طالبتين تمشيان جنبًا إلى جنب، شعرت بوخزة حادة في قلبها.
كان ينبغي أن تكون مريم هنا...
أن تتذمرا معًا من رهبة المناقشة...
أن تتبادلا الضحكات قبل الدخول...
أن تتعاهدا على الاحتفال بعد انتهائها،
لكن القدر اختار طريقًا آخر.
نادت السكرتيرة اسمها،
تجمدت للحظة،
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وضغطت بيدها على الملف، كأنها تتحسس وجود مريم داخله، قبل أن تتقدم بخطوات ثابتة نحو قاعة المناقشة.
ألقت السلام على أعضاء اللجنة، وجلست في مكانها.
بدأ العرض.
في البداية ارتجف صوتها قليلًا، ألقت نظرة خاطفة على الحظور فرأت عائلتها واولهم مراد يبعثون لها بعبارات الدعم، وكان ينظر لها بنظرة فخر، لكنها ما إن انتقلت إلى شرح الفكرة الرئيسة حتى استعادت ثقتها.
كانت تتحدث، وفي داخلها صوت آخر يهمس:
"أكملي... أنا معك."
كلما انتقلت إلى صفحة جديدة، كانت تتذكر النقاشات الطويلة التي كانت تدور بينها وبين مريم حولها.
وهناك، عند إحدى الشرائح، توقفت لثوانٍ.
ظهر أمامها تعليق صغير بخط مريم كانت قد نسيته في إحدى النسخ الأولى من المشروع:
"لا تنسي أن تشرحي هذه النقطة... لأنك أفضل مني في شرحها."
غامت عيناها بالدموع،
ساد الصمت في القاعة،
سألها رئيس اللجنة بلطف:
ديلان: هل أنت بخير يا ابنتي؟.
ابتسمت رغم دموعها، وقالت بصوت اختنق بالعبرة:
ديلان: نعم...
فقط...
تذكرت شريكتي في هذا المشروع.
ساد الصمت مرة أخرى.
كان الأستاذ المشرف ينظر إليها بعينين امتلأتا تأثرًا، فقد كان يعرف قصة مريم كاملة.
قال مخاطبًا اللجنة:
الاستاذ المشرف:" هذه الرسالة لم تكتبها ديلان وحدها...
كانت تعمل عليها مع زميلتها مريم، التي وافتها المنية قبل أسابيع من موعد المناقشة.
وما ترونه اليوم... هو ثمرة جهد اثنتين، تقف إحداهما بيننا بجسدها... وتحضر الأخرى بدعواتها وذكراها."
ساد القاعة صمت مهيب.
ثم أومأ رئيس اللجنة برأسه وقال:
رئيس اللجنة:" إذًا... فلنعتبر أن هذا الإنجاز يحمل اسمين، حتى وإن حالت الأقدار دون حضور أحدهما."
شعرت ديلان أن قلبها امتلأ دفئًا.
أكملت عرضها حتى النهاية بثبات، وأجابت عن جميع الأسئلة بثقة وإتقان.
وبعد مداولات قصيرة، عادت اللجنة إلى القاعة.
وقف الجميع.
ابتسم رئيس اللجنة، ثم قال:
" بعد الاطلاع على الرسالة والاستماع إلى المناقشة...
قررت اللجنة منح الطالبة ديلان درجة الامتياز مع التوصية بالإشادة بالمشروع."
دوّى التصفيق في القاعة،
لكن ديلان لم تسمع شيئًا،
كانت تحدق في المقعد الفارغ الذي تخيلت، للحظة، أن مريم تجلس عليه، تبتسم لها بعينيها اللامعتين، وتصفق بكل حماس كما كانت تفعل دائمًا.
احتضنت رسالتها بقوة، وأغمضت عينيها.
وفي أعماق قلبها، همست:
ديلان: لقد فعلناها يا مريم...
كما وعدتك.
ثم رفعت شهادتها إلى صدرها، وقالت بصوت لم يسمعه أحد غير روحها:
ديلان: هذه ليست شهادتي وحدي...
إنها شهادتنا نحن الاثنتين.
خرجت ديلان من قاعة المناقشة، وما إن وطئت قدماها الممر حتى دوّى تصفيق الحاضرين من حولها.
كانت تحمل شهادتها بين يديها، لكن عينيها ظلتا تبحثان عن وجهٍ واحد لم يكن هناك.
اقتربت منها كريمة، واحتضنتها بقوة وهي تقول والدموع تملأ عينيها:
كريمة: مبارك يا ابنتي... لقد أوفيتِ بوعدك.
ثم صافحها الأستاذ المشرف مبتسمًا بفخر:
الأستاذ المشرف: كنتِ على قدر المسؤولية يا ديلان، وأنا واثق أن مريم لو كانت هنا، لكانت أول من يقف ويصفق لك.
ابتسمت ديلان ابتسامة باهتة، ثم ضمت الشهادة إلى صدرها وهمست:
ديلان: بل كنا سنقف معًا... كتفًا إلى كتف.
وفي طريق عودتها للبيت، طلبت من مراد أن يتوقف قليلًا عند المقبرة.
سارت بخطوات هادئة حتى وقفت أمام قبر مريم، ثم جلست على ركبتيها، وأخرجت الشهادة من حقيبتها، ووضعتها برفق فوق شاهد القبر.
ابتسمت وسط دموعها، وقالت بصوت مرتجف:
ديلان: أتذكرين يا مريم... كم مرة تخيلنا هذا اليوم؟.
كنتِ تقولين إننا سنلتقط عشرات الصور، وسنضحك حتى نتعب...
ها أنا جئت يا صديقتي...
لكنني أحمل شهادتنا وحدي.
مررت أصابعها على اسم مريم المنقوش على شاهد القبر، ثم تابعت:
ديلان: لقد أوفيت بوعدي...
وقفت أمام اللجنة، ونطقت بكل كلمة كتبناها معًا.
هذه الشهادة... نصفها لي، ونصفها لك.
أغمضت عينيها، وقرأت الفاتحة، ثم نهضت وهي تمسح دموعها.
وقبل أن تغادر، التفتت إلى القبر مرة أخيرة وهمست:
ديلان: نامّي بسلام يا مريم...
أما أنا... فسأعيش بقية الحلم الذي بدأناه معًا، وسأحمل اسمك في كل نجاحٍ سأحققه ما حييت.
لم يبقَ على الزفاف سوى يوم واحد...
وكانت المدينة كلها تستعد لعرسٍ انتظرته العائلتان طويلًا.
أما مراد...
فكان يقف في شرفة غرفته، يراقب الغروب وهو يفكر في الغد.
بعد ساعات قليلة فقط...
ستصبح ديلان زوجته.
ابتسم ابتسامة خافتة، وهو يستعيد ملامحها الهادئة، وكلماتها الرزينة، وحياءها الذي ازداد إعجابه به يومًا بعد يوم، تذكر يوم مناقشة رسالتها ووقفتها الشامخة تلك، وعزيمتها لتحقق حلمها وحلم صديقتها، بالرغم بكل ما مرت بها، لكن إصرارها على تحقيق حلمها مان يدفعها للأمام.
وفي تلك اللحظة...
اهتز هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
فتح الرسالة باستغراب.
"إذا كنت تريد معرفة الحقيقة كاملة عن زوجتك المستقبلية قبل الندم... فاتصل بهذا الرقم قبل أن يفوت الأوان."
وتحت العبارة...
اسم ورقم هاتف.
ظل مراد يحدق في الرسالة طويلًا، كان أول ما خطر بباله أن يحذفها.
لكن شيئًا غامضًا استوقفه،
ظل مترددًا دقائق...
ثم دفعه الفضول الذي إجتاحه، ضغط على الرقم الذي وصله في الرسالة.
جاءه صوت شاب هادئ:
الشاب: السلام عليكم.
مراد: وعليكم السلام... أنت فلان؟.
الشاب: نعم.
ساد صمت قصير.
ثم قال الشاب:
الشاب: توقعت أنك ستتصل.
تجهم وجه مراد.
مراد: من أنت؟ ولماذا أُرسل إليّ رقمك؟.
تنهد الشاب طويلًا، ثم قال:
الشاب: لا أستطيع أن أشرح كل شيء عبر الهاتف... إن أردت الحقيقة، فلنلتقِ بعد قليل من الآن، ولن آخذ من وقتك كثيرا نصف ساعة فقط، اعلم انك عريس وغدا زفافك لكن إن كنت تريد الحقيقة كاملة، واظنه هذا ماتريده بسبب إتصالك هذا.
ثم حدد له اسم مقهى قريب من الحي الذي يقطن به.
وأغلق الخط.
وصل مراد قبل الموعد بدقائق.
جلس في زاوية بعيدة، وقلبه يضطرب دون أن يعرف السبب.
وبعد قليل...
دخل شاب في أواخر العشرينيات، واتجه نحوه.
ابتسم ابتسامة باهتة.
الشاب: مراد؟.
أومأ برأسه.
جلس الشاب أمامه، ثم قال:
الشاب: أشكرك لأنك جئتوتأكد لن تندم.
قال مراد بجدية:
مراد: تكلم.
خفض الشاب رأسه قليلًا.
وكأنه يجاهد نفسه قبل أن ينطق.
ثم قال:
الشاب: والله... لو لم يكن ضميري يؤنبني، لما تدخلت.
عقد مراد حاجبيه.
مراد: في ماذا؟.
رفع الشاب عينيه إليه.
الشاب: في زواجك من ديلان.
ساد الصمت.
ثم قال مراد بحدة:
مراد: ماذا تقصد؟.
تنهد الشاب.
الشاب: أعرف ديلان منذ سنوات،
بل... تقدمت لخطبتها قبلك،
لكنها رفضتني،
لم يكن رفضها هو ما آلمني...
بل السبب.
سأله مراد:
مراد: وما السبب؟.
قال وهو يبتسم بسخرية مرة:
الشاب: قالت إنها تريد رجلًا يستطيع أن يوفر لها حياة مترفة... شقة فاخرة... سيارة... و تكون له وظيفة مرموقة.
لم يعلق مراد.
واكتفى بالنظر إليه.
أخرج الشاب هاتفه، ثم فتح معرض الصور.
قال:
الشاب: قبل أن تحكم علي بالكذب...
انظر بنفسك.
ناول الهاتف لمراد؛
بدأ يقلب الصور؛
الصورة الأولى...
ديلان تقف أمام بوابة الجامعة مع شاب في مثل عمره تقريبًا،
كان يبتسم لها وهو يناولها ملفًا،
لكن زاوية التصوير جعلت المسافة بينهما تبدو أقرب مما هي عليه.
انتقل إلى الصورة الثانية.
كان الشاب نفسه يفتح باب سيارته، وديلان تستعد للنزول من سيارته، ثم صورة اخرى وهو يقف امام بيتها، لكن زاوية التصوير توحي ان هناك شيئا يحدث بينهما، وكأن الحديث يبدو اكثر حميمية بينهما.
أما الصورة الثالثة...
فقد التقطت لهما داخل مقهى بالجامعة، كانا يجلسان متقابلين، ينظر كل منهما إلى الآخر، بينما تعمد المصور إخفاء الأوراق والكتب التي كانت تملأ الطاولة، وكأن جلستهما بها شيء مريب.
ارتجفت يد مراد قليلًا.
رفع رأسه ببطء.
مراد: من هذا؟.
قال الشاب:
الشاب: لا أعرف اسمه.
لكن الجميع في الجامعة يعرف أنه لا يفارقها، بل إنه يخرج معها باستمرار.
ظل مراد صامتًا.
فأخرج الشاب ملفًا صغيرًا.
ومن داخله أخرج صورة أخرى.
كانت ديلان تبكي، بينما يحتضنها رجل، كانت الصورة مأخوذة من صورة حقيقية لكن تم التلاعب بها بكل إحترافية حتى بدت كأنها حقيقية.
قال:
الشاب: وهذا أيضًا...
نظر مراد إلى الصورة.
لم يكن يعلم أن الرجل هو عبد الله، لان الصورة ألتقطت لتظهر وحه ديلان بكل وضوح، بينما ملامح عبد الله لم تكن واضحة بيحث تم التلاعب بها ليتظهر وجه رجل آخر، حيث كان عبد الله يعامل ديلان كابنته، وألتقطت تلك الصور بتلك الايام التي كانت ديلان منهارة بالمقبرة، لكن زاوية التصوير تظهر كانه مكان بالطبيعة.
فبدت له الصورة وكأنها تؤكد ما بدأ يتشكل في ذهنه.
ثم قال الشاب بصوت منخفض:
الشاب: وهناك أمر آخر.
فتح هاتفه مرة أخرى.
وشغّل تسجيلًا صوتيًا.
وانطلق صوت كاظم غاضبًا:
"أنا كنت أريد أن أمنعها من الطريق الذي تسير فيه... لكنها لفقت لي تهمة التحرش حتى أدخلتني السجن، ويخلو لها الجو لتفعل ما يحلو لها، دون ان تجد من يردعها عن ذلك."
انتهى التسجيل،
ساد صمت ثقيل،
كان مراد يشعر وكأن الكلمات تضرب رأسه من كل اتجاه،
رفع عينيه نحو الشاب.
مراد: ولماذا تخبرني بكل هذا؟.
ابتسم ابتسامة حزينة.
الشاب: لأنني لا أريد أن أرى رجلًا آخر يقع فيما كدت أن أقع فيه، انا ظننتها شريفة عفيفة واحببتها وتقدمت لخطبتها، لكن صدمت من ردها لاني شاب بسيط اكافح لبناء مستقبلي، لكن من يوم حادث زوج أمها بدأت الحقيقة تتكشف امامي، ونزعت القناع التي ترتدي قناع العفة والحياء، وتتقن دورها جيدا، أنا لا أطلب منك أن تصدقني...
ولا أن تكذبني،
لكن ابحث...
واسأل.
ثم وقف من مكانه،
وقبل أن يغادر، التفت إليه وقال:
الشاب:لكن غدًا سيكون الأوان قد فات.
أما اليوم...
فما زال القرار بيدك.
وغادر المقهى،
بقي مراد وحده.
والهاتف بين يديه.
كانت عيناه معلقتين بالصور.
مرة...
ومرتين...
وعشر مرات،
التي بعث بها الشاب لمراد ليتحقق من صحتها وانها غير مزيفة.
وفي كل مرة، كان يحاول أن يجد تفسيرًا آخر.
لكن الشك...
حين يجد أول منفذ إلى القلب...
يصعب إغلاقه.
خرج من المقهى وهو يشعر أن الأرض تميد تحت قدميه.
كان قبل ساعة فقط يعد الدقائق التي تفصله عن زفافه،
أما الآن...
فكان يشعر أن الغد كله أصبح سؤالًا كبيرًا، وأن المرأة التي وثق بها واطمأن إليها ربما تخفي وجهًا آخر لم يره أحد... أو هكذا أوهمته المؤامرة التي حيكت في الظلام، بينما كانت ديلان، في تلك اللحظة، لا تعلم أن حياتها كلها توشك أن تتغير بسبب صور التُقطت بخبث، وكلمات نُسجت من الكذب والحقد.
كانت الشمس تلفظ أنفاسها الأخيرة خلف الأفق، حين توقفت سيارة مراد أمام المنزل.
ترجل منها ببطء.
لم يكن ذلك الشاب الذي غادر منذ قليل، يعد الدقائق انتظارًا ليوم زفافه، كان يعود الآن بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تحمل فوق كتفيه جبلًا من الشكوك.
دخل إلى البيت دون أن يلقي التحية المعتادة.
كانت رائحة القهوة تعبق في المكان، وأصوات هازان التي اتت لتحظر زفافه، ووالدتها تتعالى من غرفة الجلوس وهما تراجعان آخر تفاصيل الغد.
أما عزت، فكان يتفقد قائمة المدعوين، بينما كانت ملك تدور حوله وهي تضحك، غير مدركة أن السعادة التي تملأ البيت توشك أن تهتز.
ما إن لمحته عائشة حتى ابتسمت.
عائشة: الحمد لله... كنت على وشك الاتصال بك، أين كنت يا مراد؟ الجميع يبحث عنك.
رفع رأسه بصعوبة.
كانت ملامحه شاحبة، وعيناه غارقتين في شرود غريب.
قال بصوت خافت:
مراد: أبي... أمي... أريد أن أحدثكما على انفراد.
تبادلت عائشة وعزت نظرة قلقة،
كان في نبرته شيء لم يألفاه،
نهض عزت وهو يقول:
عزت: هيا إلى المكتب.
دخل الثلاثة إلى غرفة المكتب، وأغلق عزت الباب خلفه،
ساد صمت ثقيل.
ثم قال مراد فجأة، دون مقدمات:
مراد: أريد إلغاء الزواج.
كأن الكلمات سقطت كالصاعقة.
اتسعت عينا عائشة، وشحب وجهها.
أما عزت فحدق فيه غير مصدق.
عزت: ماذا قلت؟.
أعادها مراد بصوت أكثر ثباتًا.
مراد: أريد إلغاء الزفاف.
نهضت عائشة من مكانها وقد ارتجفت يداها.
عائشة: هل فقدت عقلك يا مراد؟،
غدًا الزفاف!.
الناس دُعيت...
والقاعة حُجزت...
والطعام جُهز...
وبيتك اكتمل...
وكل شيء أصبح جاهزًا!
ظل مراد صامتًا.
اقترب منه عزت خطوة.
عزت: ما الذي حدث؟.
رفع مراد عينيه إليه، ثم أشاح بنظره.
مراد: لا تسألني.
قطبت عائشة حاجبيها.
عائشة: كيف لا نسألك؟.
أتريد أن تدمر سمعة فتاة لا ذنب لها؟،
ماذا سنقول للناس؟،
وماذا سنقول لأمها؟،
ولكريمة وعبد الله؟،
والفتاة تجاوزت محنة وفاة صديقتها بصعوبة، اتريد ان تحطمها وتقضي عليها.
أطرق مراد رأسه.
كان يسمع كلماتها، لكنها لم تستطع أن تطرد الصور التي رآها، ولا التسجيل الذي ما زال صداه يدوي في أذنيه.
قال عزت بلهجة حازمة:
عزت: لا بد أن هناك سببًا،
إن كان عندك ما يعيب الفتاة فقل.
وإن كان الأمر مجرد تردد، فقد فات وقت التراجع، وهذا شيء عادي يحدث لكل شخص مقبل على الزواج، مجرد هواجس توضأ وصلي ركعتين وادعوا سيزول كل شيء، فالشيطان من يزرع هذه الوساس قبل ساعات من الزفاف وستزول بالصلاة والدعاء،
ظل مراد صامتًا.
سألته عائشة والدموع تلمع في عينيها:
مراد: تحدث يا بني، هل أساءت إليك ديلان؟
هز رأسه.
مراد: لا.
عائشة بنفاض صبر
عائشة: إذًا لماذا؟.
أغمض عينيه للحظة.
كان يريد أن يتكلم...
لكن شيئًا في داخله منعه.
ماذا لو كانت تلك الاتهامات كاذبة؟.
هل يهدم سمعة فتاة بكلمات لم يتأكد منها؟
قال بصوت متعب:
عزت: لا تطلبا مني تفسيرًا...
أرجوكما.
ضرب عزت بكفه على المكتب.
عزت: هذا ليس جوابًا!
أنت رجل، وغدًا زفافك.
إما أن تقول السبب، وإما أن تنهي هذا الحديث.
ساد صمت طويل.
لم يُسمع خلاله سوى صوت عقارب الساعة.
ثم قال عزت بهدوء هذه المرة:
عزت: اسمعني يا بني...
لو كان الأمر قبل شهر، أو حتى قبل أسبوع، لجلست معك حتى نجد حلًا.
أما اليوم...
فقد أصبحت القضية تمس سمعة عائلتين.
والفتاة لم يصدر منها ما يبرر أن تُترك ليلة زفافها.
إن كنت تملك دليلًا قاطعًا، فأظهره.
وإن كنت لا تملك، فلا يجوز أن تهدم حياة إنسانة بالظنون لا أساس لها من الصحة، سوى مخاوف إجتاحتك بسبب التوتر.
أطرق مراد رأسه.
كانت كلمات والده تصيب ضميره.
لكنه في المقابل كان يشعر أنه هو الآخر ضحية خداع كبير.
اقتربت منه عائشة، وأمسكت يده.
وقالت بصوت أم اختبرت الحياة طويلًا:
عائشة: يا بني...
لقد رأيت ديلان بعيني؛
خالطتها؛
وعرفت أخلاقها؛
وأثق أن الله لا يخذل صاحب الخلق؛
لا تجعل هواجس وتخيلات تهدم كل ما رأيته بنفسك.
ارتجف قلب مراد.
لكنه لم يستطع أن يخبرهما بما حدث.
وبعد نقاش طال، واستمر حتى أوشكت الشمس على الغياب تمامًا...
تنهد مراد طويلًا.
وقال بصوت خافت:
مراد: حسنًا...
سيتم الزفاف.
تنفست عائشة الصعداء، وأغمضت عينيها شاكرة الله.
أما عزت، فربت على كتف ابنه.
عزت: أحسنت.
غدًا سيكون يومًا جميلًا بإذن الله.
خرج الجميع من المكتب.
وبقي مراد وحده.
وقف أمام النافذة، ينظر إلى السماء التي بدأت تكتسي بسواد الليل.
ثم أخرج هاتفه.
فتح الصور مرة أخرى.
حدق فيها طويلًا.
واشتدت قبضته حتى كادت تحطم الهاتف.
همس لنفسه بصوت اختلط فيه الألم بالغضب:
مراد: إن كان ما رأيته كذبًا...
فسأكون أول من يعتذر إليك.
أما إن كان صحيحًا...
فلن أمنحك يومًا واحدًا من قلبي.
سأؤدي ما عليّ أمام الناس...
لكنني لن أسمح لك أن تخدعيني.
وسأنتظر...
حتى أجد الوقت المناسب؛
وحينها...
سينتهي كل شيء؛
أغلق الهاتف بعنف؛
ولم يكن يعلم...
أن المرأة التي يحاكمها في قلبه، كانت في تلك اللحظة منشغلة بتجهيز ثوب زفافها، وهي تدعو الله أن يجعل زوجها سكنًا لها، وأن يرزقها بداية جديدة تمحو كل ما ذاقته من ألم.
أما القدر...
فكان يبتسم في صمت.
لأنه كان يعلم أن ليلة الغد لن تكون بداية السعادة التي حلم بها الجميع...
بل بداية امتحانٍ قاسٍ، سيدفع ثمنه بريئان، بينما يختبئ المذنب الحقيقي خلف قناعٍ من البراءة.
.جاء صباح يوم المناقشة...
استيقظت ديلان قبل بزوغ الفجر، لكنها لم تكن قد نامت إلا قليلًا، ظلت طوال الليل تتقلب بين أوراق الرسالة، وبين الذكريات التي كانت تطرق قلبها كلما أغمضت عينيها.
نهضت بهدوء، توضأت، ثم وقفت تصلي ركعتين، أطالتهما حتى ابتلت سجادة الصلاة بدموعها.
وحين انتهت، رفعت كفيها إلى السماء وهمست:
"يا رب... لا تجعل هذا اليوم يوم نجاحي وحدي... اجعله صدقة جارية في صحيفة مريم، فقد تعبت كما تعبت، وحلمت كما حلمت، لكنها لم تُمهل لتصل."
أغلقت عينيها لحظة، وشعرت بشيء من السكينة يتسلل إلى قلبها.
ارتدت ثيابها بعناية، ثم وقفت أمام المرآة، لم تكن تنظر إلى انعكاس صورتها، بل كانت تتخيل مريم تقف إلى جوارها، تضحك كعادتها وتقول:
" أسرعي يا ديلان... لا أريد أن نتأخر في أول يوم سنحقق فيه حلمنا."
ارتجفت شفتاها، وابتسمت ابتسامة امتزجت بالوجع.
فتحت درج مكتبها، وأخرجت الصورة صغيرة كانت قد جمعتهما معًا.
مررت أصابعها عليها برفق، ثم قبلتها وهمست:
ديلان: هيا... لنذهب معًا،
وضعت الصورة داخل ملف الرسالة، في جيب داخلي صغير، قريبًا من قلبها، ثم خرجت من الغرفة.
في الخارج، كانت كريمة تنتظرها ومعها كل من والدتها وعائشة معها مراد الذي حظر ليساندها في هذا اليوم الذي حلمت به ديلان كثيرا.
ما إن رأتها حتى اتسعت عيناها إعجابًا، ثم اقتربت وعدلت طرف حجابها بحنان، وقالت:
كريمة: لو رأتك مريم الآن... لابتسمت بكل فخر.
لم تتمالك ديلان نفسها، فألقت برأسها على كتف كريمة وبكت.
احتضنتها كريمة طويلًا، ثم قالت وهي تمسح دموعها:
كريمة: اليوم لا مكان للانكسار...
اليوم هو يوم الوفاء، وإقتربت منها عائشة هي الأهرى تحتضنها، اما مراد فاومأ لها برأسه وقال:
مراد: لاتقلقي يا ديلان كلنا إلى جانبك يا ديلان فلا تقلقي، وانا أثق بك وبقدراتك واعلم انك ستفعلينها اليوم وستحققين حلمك وحلم مريم.
خرجتا معًا إلى الجامعة،
كانت ساحة الكلية تضج بالطلبة وأسرهم، والوجوه يملؤها التوتر والفرح في آنٍ واحد.
كلما وقعت عينا ديلان على طالبتين تمشيان جنبًا إلى جنب، شعرت بوخزة حادة في قلبها.
كان ينبغي أن تكون مريم هنا...
أن تتذمرا معًا من رهبة المناقشة...
أن تتبادلا الضحكات قبل الدخول...
أن تتعاهدا على الاحتفال بعد انتهائها،
لكن القدر اختار طريقًا آخر.
نادت السكرتيرة اسمها،
تجمدت للحظة،
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وضغطت بيدها على الملف، كأنها تتحسس وجود مريم داخله، قبل أن تتقدم بخطوات ثابتة نحو قاعة المناقشة.
ألقت السلام على أعضاء اللجنة، وجلست في مكانها.
بدأ العرض.
في البداية ارتجف صوتها قليلًا، ألقت نظرة خاطفة على الحظور فرأت عائلتها واولهم مراد يبعثون لها بعبارات الدعم، وكان ينظر لها بنظرة فخر، لكنها ما إن انتقلت إلى شرح الفكرة الرئيسة حتى استعادت ثقتها.
كانت تتحدث، وفي داخلها صوت آخر يهمس:
"أكملي... أنا معك."
كلما انتقلت إلى صفحة جديدة، كانت تتذكر النقاشات الطويلة التي كانت تدور بينها وبين مريم حولها.
وهناك، عند إحدى الشرائح، توقفت لثوانٍ.
ظهر أمامها تعليق صغير بخط مريم كانت قد نسيته في إحدى النسخ الأولى من المشروع:
"لا تنسي أن تشرحي هذه النقطة... لأنك أفضل مني في شرحها."
غامت عيناها بالدموع،
ساد الصمت في القاعة،
سألها رئيس اللجنة بلطف:
ديلان: هل أنت بخير يا ابنتي؟.
ابتسمت رغم دموعها، وقالت بصوت اختنق بالعبرة:
ديلان: نعم...
فقط...
تذكرت شريكتي في هذا المشروع.
ساد الصمت مرة أخرى.
كان الأستاذ المشرف ينظر إليها بعينين امتلأتا تأثرًا، فقد كان يعرف قصة مريم كاملة.
قال مخاطبًا اللجنة:
الاستاذ المشرف:" هذه الرسالة لم تكتبها ديلان وحدها...
كانت تعمل عليها مع زميلتها مريم، التي وافتها المنية قبل أسابيع من موعد المناقشة.
وما ترونه اليوم... هو ثمرة جهد اثنتين، تقف إحداهما بيننا بجسدها... وتحضر الأخرى بدعواتها وذكراها."
ساد القاعة صمت مهيب.
ثم أومأ رئيس اللجنة برأسه وقال:
رئيس اللجنة:" إذًا... فلنعتبر أن هذا الإنجاز يحمل اسمين، حتى وإن حالت الأقدار دون حضور أحدهما."
شعرت ديلان أن قلبها امتلأ دفئًا.
أكملت عرضها حتى النهاية بثبات، وأجابت عن جميع الأسئلة بثقة وإتقان.
وبعد مداولات قصيرة، عادت اللجنة إلى القاعة.
وقف الجميع.
ابتسم رئيس اللجنة، ثم قال:
" بعد الاطلاع على الرسالة والاستماع إلى المناقشة...
قررت اللجنة منح الطالبة ديلان درجة الامتياز مع التوصية بالإشادة بالمشروع."
دوّى التصفيق في القاعة،
لكن ديلان لم تسمع شيئًا،
كانت تحدق في المقعد الفارغ الذي تخيلت، للحظة، أن مريم تجلس عليه، تبتسم لها بعينيها اللامعتين، وتصفق بكل حماس كما كانت تفعل دائمًا.
احتضنت رسالتها بقوة، وأغمضت عينيها.
وفي أعماق قلبها، همست:
ديلان: لقد فعلناها يا مريم...
كما وعدتك.
ثم رفعت شهادتها إلى صدرها، وقالت بصوت لم يسمعه أحد غير روحها:
ديلان: هذه ليست شهادتي وحدي...
إنها شهادتنا نحن الاثنتين.
خرجت ديلان من قاعة المناقشة، وما إن وطئت قدماها الممر حتى دوّى تصفيق الحاضرين من حولها.
كانت تحمل شهادتها بين يديها، لكن عينيها ظلتا تبحثان عن وجهٍ واحد لم يكن هناك.
اقتربت منها كريمة، واحتضنتها بقوة وهي تقول والدموع تملأ عينيها:
كريمة: مبارك يا ابنتي... لقد أوفيتِ بوعدك.
ثم صافحها الأستاذ المشرف مبتسمًا بفخر:
الأستاذ المشرف: كنتِ على قدر المسؤولية يا ديلان، وأنا واثق أن مريم لو كانت هنا، لكانت أول من يقف ويصفق لك.
ابتسمت ديلان ابتسامة باهتة، ثم ضمت الشهادة إلى صدرها وهمست:
ديلان: بل كنا سنقف معًا... كتفًا إلى كتف.
وفي طريق عودتها للبيت، طلبت من مراد أن يتوقف قليلًا عند المقبرة.
سارت بخطوات هادئة حتى وقفت أمام قبر مريم، ثم جلست على ركبتيها، وأخرجت الشهادة من حقيبتها، ووضعتها برفق فوق شاهد القبر.
ابتسمت وسط دموعها، وقالت بصوت مرتجف:
ديلان: أتذكرين يا مريم... كم مرة تخيلنا هذا اليوم؟.
كنتِ تقولين إننا سنلتقط عشرات الصور، وسنضحك حتى نتعب...
ها أنا جئت يا صديقتي...
لكنني أحمل شهادتنا وحدي.
مررت أصابعها على اسم مريم المنقوش على شاهد القبر، ثم تابعت:
ديلان: لقد أوفيت بوعدي...
وقفت أمام اللجنة، ونطقت بكل كلمة كتبناها معًا.
هذه الشهادة... نصفها لي، ونصفها لك.
أغمضت عينيها، وقرأت الفاتحة، ثم نهضت وهي تمسح دموعها.
وقبل أن تغادر، التفتت إلى القبر مرة أخيرة وهمست:
ديلان: نامّي بسلام يا مريم...
أما أنا... فسأعيش بقية الحلم الذي بدأناه معًا، وسأحمل اسمك في كل نجاحٍ سأحققه ما حييت.
لم يبقَ على الزفاف سوى يوم واحد...
وكانت المدينة كلها تستعد لعرسٍ انتظرته العائلتان طويلًا.
أما مراد...
فكان يقف في شرفة غرفته، يراقب الغروب وهو يفكر في الغد.
بعد ساعات قليلة فقط...
ستصبح ديلان زوجته.
ابتسم ابتسامة خافتة، وهو يستعيد ملامحها الهادئة، وكلماتها الرزينة، وحياءها الذي ازداد إعجابه به يومًا بعد يوم، تذكر يوم مناقشة رسالتها ووقفتها الشامخة تلك، وعزيمتها لتحقق حلمها وحلم صديقتها، بالرغم بكل ما مرت بها، لكن إصرارها على تحقيق حلمها مان يدفعها للأمام.
وفي تلك اللحظة...
اهتز هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
فتح الرسالة باستغراب.
"إذا كنت تريد معرفة الحقيقة كاملة عن زوجتك المستقبلية قبل الندم... فاتصل بهذا الرقم قبل أن يفوت الأوان."
وتحت العبارة...
اسم ورقم هاتف.
ظل مراد يحدق في الرسالة طويلًا، كان أول ما خطر بباله أن يحذفها.
لكن شيئًا غامضًا استوقفه،
ظل مترددًا دقائق...
ثم دفعه الفضول الذي إجتاحه، ضغط على الرقم الذي وصله في الرسالة.
جاءه صوت شاب هادئ:
الشاب: السلام عليكم.
مراد: وعليكم السلام... أنت فلان؟.
الشاب: نعم.
ساد صمت قصير.
ثم قال الشاب:
الشاب: توقعت أنك ستتصل.
تجهم وجه مراد.
مراد: من أنت؟ ولماذا أُرسل إليّ رقمك؟.
تنهد الشاب طويلًا، ثم قال:
الشاب: لا أستطيع أن أشرح كل شيء عبر الهاتف... إن أردت الحقيقة، فلنلتقِ بعد قليل من الآن، ولن آخذ من وقتك كثيرا نصف ساعة فقط، اعلم انك عريس وغدا زفافك لكن إن كنت تريد الحقيقة كاملة، واظنه هذا ماتريده بسبب إتصالك هذا.
ثم حدد له اسم مقهى قريب من الحي الذي يقطن به.
وأغلق الخط.
وصل مراد قبل الموعد بدقائق.
جلس في زاوية بعيدة، وقلبه يضطرب دون أن يعرف السبب.
وبعد قليل...
دخل شاب في أواخر العشرينيات، واتجه نحوه.
ابتسم ابتسامة باهتة.
الشاب: مراد؟.
أومأ برأسه.
جلس الشاب أمامه، ثم قال:
الشاب: أشكرك لأنك جئتوتأكد لن تندم.
قال مراد بجدية:
مراد: تكلم.
خفض الشاب رأسه قليلًا.
وكأنه يجاهد نفسه قبل أن ينطق.
ثم قال:
الشاب: والله... لو لم يكن ضميري يؤنبني، لما تدخلت.
عقد مراد حاجبيه.
مراد: في ماذا؟.
رفع الشاب عينيه إليه.
الشاب: في زواجك من ديلان.
ساد الصمت.
ثم قال مراد بحدة:
مراد: ماذا تقصد؟.
تنهد الشاب.
الشاب: أعرف ديلان منذ سنوات،
بل... تقدمت لخطبتها قبلك،
لكنها رفضتني،
لم يكن رفضها هو ما آلمني...
بل السبب.
سأله مراد:
مراد: وما السبب؟.
قال وهو يبتسم بسخرية مرة:
الشاب: قالت إنها تريد رجلًا يستطيع أن يوفر لها حياة مترفة... شقة فاخرة... سيارة... و تكون له وظيفة مرموقة.
لم يعلق مراد.
واكتفى بالنظر إليه.
أخرج الشاب هاتفه، ثم فتح معرض الصور.
قال:
الشاب: قبل أن تحكم علي بالكذب...
انظر بنفسك.
ناول الهاتف لمراد؛
بدأ يقلب الصور؛
الصورة الأولى...
ديلان تقف أمام بوابة الجامعة مع شاب في مثل عمره تقريبًا،
كان يبتسم لها وهو يناولها ملفًا،
لكن زاوية التصوير جعلت المسافة بينهما تبدو أقرب مما هي عليه.
انتقل إلى الصورة الثانية.
كان الشاب نفسه يفتح باب سيارته، وديلان تستعد للنزول من سيارته، ثم صورة اخرى وهو يقف امام بيتها، لكن زاوية التصوير توحي ان هناك شيئا يحدث بينهما، وكأن الحديث يبدو اكثر حميمية بينهما.
أما الصورة الثالثة...
فقد التقطت لهما داخل مقهى بالجامعة، كانا يجلسان متقابلين، ينظر كل منهما إلى الآخر، بينما تعمد المصور إخفاء الأوراق والكتب التي كانت تملأ الطاولة، وكأن جلستهما بها شيء مريب.
ارتجفت يد مراد قليلًا.
رفع رأسه ببطء.
مراد: من هذا؟.
قال الشاب:
الشاب: لا أعرف اسمه.
لكن الجميع في الجامعة يعرف أنه لا يفارقها، بل إنه يخرج معها باستمرار.
ظل مراد صامتًا.
فأخرج الشاب ملفًا صغيرًا.
ومن داخله أخرج صورة أخرى.
كانت ديلان تبكي، بينما يحتضنها رجل، كانت الصورة مأخوذة من صورة حقيقية لكن تم التلاعب بها بكل إحترافية حتى بدت كأنها حقيقية.
قال:
الشاب: وهذا أيضًا...
نظر مراد إلى الصورة.
لم يكن يعلم أن الرجل هو عبد الله، لان الصورة ألتقطت لتظهر وحه ديلان بكل وضوح، بينما ملامح عبد الله لم تكن واضحة بيحث تم التلاعب بها ليتظهر وجه رجل آخر، حيث كان عبد الله يعامل ديلان كابنته، وألتقطت تلك الصور بتلك الايام التي كانت ديلان منهارة بالمقبرة، لكن زاوية التصوير تظهر كانه مكان بالطبيعة.
فبدت له الصورة وكأنها تؤكد ما بدأ يتشكل في ذهنه.
ثم قال الشاب بصوت منخفض:
الشاب: وهناك أمر آخر.
فتح هاتفه مرة أخرى.
وشغّل تسجيلًا صوتيًا.
وانطلق صوت كاظم غاضبًا:
"أنا كنت أريد أن أمنعها من الطريق الذي تسير فيه... لكنها لفقت لي تهمة التحرش حتى أدخلتني السجن، ويخلو لها الجو لتفعل ما يحلو لها، دون ان تجد من يردعها عن ذلك."
انتهى التسجيل،
ساد صمت ثقيل،
كان مراد يشعر وكأن الكلمات تضرب رأسه من كل اتجاه،
رفع عينيه نحو الشاب.
مراد: ولماذا تخبرني بكل هذا؟.
ابتسم ابتسامة حزينة.
الشاب: لأنني لا أريد أن أرى رجلًا آخر يقع فيما كدت أن أقع فيه، انا ظننتها شريفة عفيفة واحببتها وتقدمت لخطبتها، لكن صدمت من ردها لاني شاب بسيط اكافح لبناء مستقبلي، لكن من يوم حادث زوج أمها بدأت الحقيقة تتكشف امامي، ونزعت القناع التي ترتدي قناع العفة والحياء، وتتقن دورها جيدا، أنا لا أطلب منك أن تصدقني...
ولا أن تكذبني،
لكن ابحث...
واسأل.
ثم وقف من مكانه،
وقبل أن يغادر، التفت إليه وقال:
الشاب:لكن غدًا سيكون الأوان قد فات.
أما اليوم...
فما زال القرار بيدك.
وغادر المقهى،
بقي مراد وحده.
والهاتف بين يديه.
كانت عيناه معلقتين بالصور.
مرة...
ومرتين...
وعشر مرات،
التي بعث بها الشاب لمراد ليتحقق من صحتها وانها غير مزيفة.
وفي كل مرة، كان يحاول أن يجد تفسيرًا آخر.
لكن الشك...
حين يجد أول منفذ إلى القلب...
يصعب إغلاقه.
خرج من المقهى وهو يشعر أن الأرض تميد تحت قدميه.
كان قبل ساعة فقط يعد الدقائق التي تفصله عن زفافه،
أما الآن...
فكان يشعر أن الغد كله أصبح سؤالًا كبيرًا، وأن المرأة التي وثق بها واطمأن إليها ربما تخفي وجهًا آخر لم يره أحد... أو هكذا أوهمته المؤامرة التي حيكت في الظلام، بينما كانت ديلان، في تلك اللحظة، لا تعلم أن حياتها كلها توشك أن تتغير بسبب صور التُقطت بخبث، وكلمات نُسجت من الكذب والحقد.
كانت الشمس تلفظ أنفاسها الأخيرة خلف الأفق، حين توقفت سيارة مراد أمام المنزل.
ترجل منها ببطء.
لم يكن ذلك الشاب الذي غادر منذ قليل، يعد الدقائق انتظارًا ليوم زفافه، كان يعود الآن بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تحمل فوق كتفيه جبلًا من الشكوك.
دخل إلى البيت دون أن يلقي التحية المعتادة.
كانت رائحة القهوة تعبق في المكان، وأصوات هازان التي اتت لتحظر زفافه، ووالدتها تتعالى من غرفة الجلوس وهما تراجعان آخر تفاصيل الغد.
أما عزت، فكان يتفقد قائمة المدعوين، بينما كانت ملك تدور حوله وهي تضحك، غير مدركة أن السعادة التي تملأ البيت توشك أن تهتز.
ما إن لمحته عائشة حتى ابتسمت.
عائشة: الحمد لله... كنت على وشك الاتصال بك، أين كنت يا مراد؟ الجميع يبحث عنك.
رفع رأسه بصعوبة.
كانت ملامحه شاحبة، وعيناه غارقتين في شرود غريب.
قال بصوت خافت:
مراد: أبي... أمي... أريد أن أحدثكما على انفراد.
تبادلت عائشة وعزت نظرة قلقة،
كان في نبرته شيء لم يألفاه،
نهض عزت وهو يقول:
عزت: هيا إلى المكتب.
دخل الثلاثة إلى غرفة المكتب، وأغلق عزت الباب خلفه،
ساد صمت ثقيل.
ثم قال مراد فجأة، دون مقدمات:
مراد: أريد إلغاء الزواج.
كأن الكلمات سقطت كالصاعقة.
اتسعت عينا عائشة، وشحب وجهها.
أما عزت فحدق فيه غير مصدق.
عزت: ماذا قلت؟.
أعادها مراد بصوت أكثر ثباتًا.
مراد: أريد إلغاء الزفاف.
نهضت عائشة من مكانها وقد ارتجفت يداها.
عائشة: هل فقدت عقلك يا مراد؟،
غدًا الزفاف!.
الناس دُعيت...
والقاعة حُجزت...
والطعام جُهز...
وبيتك اكتمل...
وكل شيء أصبح جاهزًا!
ظل مراد صامتًا.
اقترب منه عزت خطوة.
عزت: ما الذي حدث؟.
رفع مراد عينيه إليه، ثم أشاح بنظره.
مراد: لا تسألني.
قطبت عائشة حاجبيها.
عائشة: كيف لا نسألك؟.
أتريد أن تدمر سمعة فتاة لا ذنب لها؟،
ماذا سنقول للناس؟،
وماذا سنقول لأمها؟،
ولكريمة وعبد الله؟،
والفتاة تجاوزت محنة وفاة صديقتها بصعوبة، اتريد ان تحطمها وتقضي عليها.
أطرق مراد رأسه.
كان يسمع كلماتها، لكنها لم تستطع أن تطرد الصور التي رآها، ولا التسجيل الذي ما زال صداه يدوي في أذنيه.
قال عزت بلهجة حازمة:
عزت: لا بد أن هناك سببًا،
إن كان عندك ما يعيب الفتاة فقل.
وإن كان الأمر مجرد تردد، فقد فات وقت التراجع، وهذا شيء عادي يحدث لكل شخص مقبل على الزواج، مجرد هواجس توضأ وصلي ركعتين وادعوا سيزول كل شيء، فالشيطان من يزرع هذه الوساس قبل ساعات من الزفاف وستزول بالصلاة والدعاء،
ظل مراد صامتًا.
سألته عائشة والدموع تلمع في عينيها:
مراد: تحدث يا بني، هل أساءت إليك ديلان؟
هز رأسه.
مراد: لا.
عائشة بنفاض صبر
عائشة: إذًا لماذا؟.
أغمض عينيه للحظة.
كان يريد أن يتكلم...
لكن شيئًا في داخله منعه.
ماذا لو كانت تلك الاتهامات كاذبة؟.
هل يهدم سمعة فتاة بكلمات لم يتأكد منها؟
قال بصوت متعب:
عزت: لا تطلبا مني تفسيرًا...
أرجوكما.
ضرب عزت بكفه على المكتب.
عزت: هذا ليس جوابًا!
أنت رجل، وغدًا زفافك.
إما أن تقول السبب، وإما أن تنهي هذا الحديث.
ساد صمت طويل.
لم يُسمع خلاله سوى صوت عقارب الساعة.
ثم قال عزت بهدوء هذه المرة:
عزت: اسمعني يا بني...
لو كان الأمر قبل شهر، أو حتى قبل أسبوع، لجلست معك حتى نجد حلًا.
أما اليوم...
فقد أصبحت القضية تمس سمعة عائلتين.
والفتاة لم يصدر منها ما يبرر أن تُترك ليلة زفافها.
إن كنت تملك دليلًا قاطعًا، فأظهره.
وإن كنت لا تملك، فلا يجوز أن تهدم حياة إنسانة بالظنون لا أساس لها من الصحة، سوى مخاوف إجتاحتك بسبب التوتر.
أطرق مراد رأسه.
كانت كلمات والده تصيب ضميره.
لكنه في المقابل كان يشعر أنه هو الآخر ضحية خداع كبير.
اقتربت منه عائشة، وأمسكت يده.
وقالت بصوت أم اختبرت الحياة طويلًا:
عائشة: يا بني...
لقد رأيت ديلان بعيني؛
خالطتها؛
وعرفت أخلاقها؛
وأثق أن الله لا يخذل صاحب الخلق؛
لا تجعل هواجس وتخيلات تهدم كل ما رأيته بنفسك.
ارتجف قلب مراد.
لكنه لم يستطع أن يخبرهما بما حدث.
وبعد نقاش طال، واستمر حتى أوشكت الشمس على الغياب تمامًا...
تنهد مراد طويلًا.
وقال بصوت خافت:
مراد: حسنًا...
سيتم الزفاف.
تنفست عائشة الصعداء، وأغمضت عينيها شاكرة الله.
أما عزت، فربت على كتف ابنه.
عزت: أحسنت.
غدًا سيكون يومًا جميلًا بإذن الله.
خرج الجميع من المكتب.
وبقي مراد وحده.
وقف أمام النافذة، ينظر إلى السماء التي بدأت تكتسي بسواد الليل.
ثم أخرج هاتفه.
فتح الصور مرة أخرى.
حدق فيها طويلًا.
واشتدت قبضته حتى كادت تحطم الهاتف.
همس لنفسه بصوت اختلط فيه الألم بالغضب:
مراد: إن كان ما رأيته كذبًا...
فسأكون أول من يعتذر إليك.
أما إن كان صحيحًا...
فلن أمنحك يومًا واحدًا من قلبي.
سأؤدي ما عليّ أمام الناس...
لكنني لن أسمح لك أن تخدعيني.
وسأنتظر...
حتى أجد الوقت المناسب؛
وحينها...
سينتهي كل شيء؛
أغلق الهاتف بعنف؛
ولم يكن يعلم...
أن المرأة التي يحاكمها في قلبه، كانت في تلك اللحظة منشغلة بتجهيز ثوب زفافها، وهي تدعو الله أن يجعل زوجها سكنًا لها، وأن يرزقها بداية جديدة تمحو كل ما ذاقته من ألم.
أما القدر...
فكان يبتسم في صمت.
لأنه كان يعلم أن ليلة الغد لن تكون بداية السعادة التي حلم بها الجميع...
بل بداية امتحانٍ قاسٍ، سيدفع ثمنه بريئان، بينما يختبئ المذنب الحقيقي خلف قناعٍ من البراءة.