رواية حكاوي ستات الفصل الثالث والعشرون 23 والرابع والعشرون 24 بقلم الهام عبدالرحمن
🌹 الحلقة 23 🌹
صلوا على الحبيب المصطفى ﷺ 🌺
كان الهدوء ساكن شقة سعاد بعد العاصفة اللى حصلت فوق،
لكن الهدوء ده ما كانش راحة…
كان هدوء يخوّف، كأن الجدران نفسها مستنية الانفجار.
فاروق كان قاعد على الكرسي في الصالة، وشه محمّر من الغضب،
وإيده ماسكة كوباية الشاي اللي من ساعة ما اتعمل وهو ما شربش منه نقطة.
سعاد كانت واقفة قدامه، رافعة راسها بتحدي، بس في عينيها بريق خوف خفيّ،
عارفة إن المرة دي مش زي كل مرة.
فاروق بصوت غليظ وهو بيحاول يكتم غضبه:
انتى فاهمة انك عملتى إيه فوق؟
عاوزة تبوّظي حياة ابنك من أول يوم؟
هو احنا مش كفاية كل اللى فات؟
سعاد بصوت فيه حدة ودمها مولع:
أنا ما عملتش حاجة غلط يا فاروق!
العيب مش عليّا، العيب على العيال اللى نسيوا أصولهم!
اللى يعلّي صوته على أمه عشان ست غريبة، يبقى ما يستاهلش يبقى ابنى!
فاروق خبط الكوباية بقوة على الترابيزة، وصوته علا لأول مرة بالشكل ده:
كفااااية يا سعاد!
كفاية بقى!
انا سكت سنين وسنين… كنت بقول عشان البيت ما يتخربش،
بس شكلي أنا اللي اتخربت من جوّه! لما استحملت اسلوبك وطريقتك المستفزة.
وقف قدامها، صوته بيترجف من كتر القهر:
انتى عمرك ما رحمتي حد يا سعاد…
لا ولادك، ولا مرتات أولادك، ولا حتى أنا!
كل يوم نكد وصوت عالي وتحكم…
هو انتى فاكرة نفسك المتحكمة فى البيت ده؟
سعاد اتنفضت من مكانها وقالت بتحدي:
أيوه!
أنا اللي شايلة البيت ده على اكتافي،
لو لايا كان زمانكم متبهدلين بين الناس ومالكمش اى قيمة!
وانت جاي النهارده تحاسبني؟ بعد العمر ده كله؟
فاروق ضحك بس ضحكة مكسورة، فيها وجع سنين:
انتى اللى شايلة البيت؟
ولا شايلة الكبرياء اللي خنقنا كلنا؟
انتى فاكرة إن السيطرة دي قوة؟
دي مرض يا سعاد… مرض هيخليكى تخسري الكل!
قرب منها خطوة، وصوته اتكسر شوية:
بصي حواليكي…
كل ولادك هيهربوا من البيت بسبب تصرفاتك وعمايلك السودة
صلاح نفسه، اللي كنتي دايمًا بتفتخري بيه ابنك الخيلة اللى نفضلاه دايما على اخواته عشان تعليمه العالى صدقينى هيكون اول واحد يبيعك ويبعد عنك وبكرا تشوفى.
ورباب النهارده دي، أول مرة أشوف عروسة في صباحيتها تنهان بالشكل ده!
سعاد دمعت عينيها، بس كبرياءها ما خلاهاش تضعف،
قالت بصوت عالي وهي بتترعش:
أنا كنت بخاف عليهم، كنت عايزاهم يعيشوا بنظام!
هو ده جزائي؟
فاروق هز راسه بيأس وقال وهو بيتمشى في الصالة:
لأ، دا مش نظام يا سعاد…
ده خوفك من إنك تفقدي السيطرة.
انتى عايزة الكل يعيش على مزاجك، حتى لو اتظلم.
وقف وبص لها نظرة حادة فيها وجع السنين كلها:
ـ انا تعبت…
تعبت من صوتك العالي، ومن قلبك اللي بقى حجر.
تعبت من كل مرة أحاول أهدي الأمور وانتى تولعيها.
والله العظيم، لو ما بطّلتيش اللى بتعمليه ده،
هتبقي السبب إن كل واحد من ولادك يسيب البيت، وعمرك ما هتشوفي راحة.
سعاد كانت واقفة متجمدة مكانها،
عينها على جوزها اللي أول مرة تشوفه بالشكل ده.
وشه مش بس غضبان… كان موجوع.
فاروق بصوت واطي لكنه مليان مرارة:
فكّري في نفسك شوية يا سعاد، فكرى فينا قبل ما تخسرينا و تلاقي نفسك لوحدك…
لأن اللي بيزرع القسوة، ما بيحصدش غير الوحدة والضياع.
وسابها وخرج من الصالة،
وساب وراه سكون تقيل أوي…
سكون مليان وجع وندم وخوف من اللي جاي.
سعاد وقفت، بتحاول تمسك دموعها،
بس أول دمعة نزلت، كسرت كل الكبرياء اللي كانت مستخبية وراه.
بقلمي إلهام عبدالرحمن
صلوا على الحبيب المصطفى
في اللحظة دي دخل صلاح، باين عليه الضيق، مرمي على نفسه كأنه شايل هم الدنيا. سعاد رفعت عينيها عليه، وبصت له شوية، ومصمصت بشفايفها وقالت بنبرة فيها حنية ممزوجة بغضب مكتوم
مالك يا قلب أمك انت كمان؟
صلاح اتنهد وقال
مفيش يا ماما، بس ميادة ضايقتني النهارده بكلمتين مايتقالوش مكانش ليهم لازمة.
سعاد عدلت قعدتها وقالت بسرعة:
أنا قلتلك من الأول يا صلاح، البت دي مش هتجيبها البر، لا هي ولا أختها.
دول جايين يخربوا حياتكم واحدة ورا التانية.
يا ريتك كنت سمعت كلامي واتجوزت بنت أختي، مال وجمال وأدب كمان، لكن أقول إيه، انت اللى فقري.
صلاح اتنفس بعصبية وقال
يا ماما بالله عليكي كفاية، ميادة مالهاش ذنب هى بس موجوعة عشان اختها ومتنسيش انك عملتى فيها نفس اللى عملتيه النهارده مع رباب .
سعاد قالت بنرفزة
ذنبها إنها عاملة نفسها الملاك البرئ، ذنبها إنها مشيتك على مزاجها،
وأنا بقولك يا بني اسمع مني، اتجوز عليها عشان تعرف قيمتك،
عشان تحس إنها مش آخر الدنيا،
هي فاكرة نفسها مين؟ بنت مين دي؟
صلاح قال بدهشة
يا ماما دي لسه تعتبر عروسة، لسه ما كملناش كام شهر جواز!
سعاد قالت باستهزاء
وما له؟ هو الجواز بالعمر؟ اسمع كلامى واتجوز بنت خالتك هتعيشك فى نعيم وتنسيك لنت سميحة.
صلاح: ياماما دى مطلقة وانا محبس ابقا مع واحدة عاشت مع راجل غيرى.
سعاد قربت منه وطبطبت على رجله وهى بتقول:
بس فلوسها هتخليك تنسى، وهتمتعك، لكن البت دي هتغلبك،
هتلففك حواليها وتخليك عبد ليها ومش هتحس بنفسك الا وانت مجرد مرمطون غير انها عمرها ماهتسعدك ولا هتزود قرشك.
في اللحظة دي الباب اتفتح بعنف، ودخل فاروق صوته زى الرعد والغضب مالي وشه، قال بصوت عالي:
انتي ما فيش فيكي فايدة، ما فيش في قلبك رحمة يا سعاد؟
عايزة تخلي الواد يتجوز على مراته وهم لسه ما كملوش كام شهر جواز؟
انتِ إيه يا شيخة؟ ما بتحسيش؟ايه الحبروت اللى انتى فيه دا؟
سعاد قامت وهي متعصبة وقالت:
الحق عليا يا سى فاروق، انى مش عايزة البت دي تسيطر عليه زي ما عملت أختها مع ايمن.
فاروق انفجر فيها:
تسيطر عليه؟ ده انتي اللى مسيطرة علينا كلنا!
حرقتي دمنا واحد واحد، خلّيتي الكبير دلدول ما يعرفش يقولك لا،
والتاني جبان ما يقدرش يدافع عن مراته،
وانا؟ انا اللي كنت فاكر نفسي راجل بيتك،
طلعت عايش طول عمري في ضلك انتي،
ماعرفتش أقولك لا، ولا حتى أعيش يوم على راحتي.
اتنفس بعصبية وصوته كان بيترجف من القهر وقال
ضيّعتي عمري يا سعاد، ضيّعتي بيتي وعيالي،
خنقتيني بخناقك وتحكمك، بس خلاص،
من النهارده مش هتتحكمي فيا تاني،
أنا لازم أعيش حياتي من أول وجديد،
ولازم أتجوز، أيوه هتجوز عليكي يا سعاد،
عشان تعرفي مقامك فين، هتجوز عشان ادوقك من نفس الكاس اللى عاوزة تسقيه لمرات ابنك المسكينة اللى ملهاش ذنب اللىمن يوم مادخلت بيتك ماشافتش راحة ولا حنية.
أنا قرفت منك ومن عيشتك.
سعاد وقفت مكانها متجمدة مش مصدقة اللي بتسمعه،
وصلاح واقف مذهول مش قادر ينطق بكلمة،
وفاروق مسك مفاتيحه وخرج بسرعة والغضب مالي عينه،
وصوت الباب وهو بيتقفل سمع في الشقة كأنه نهاية حرب طويلة.
بعد ما فاروق خرج، سعاد وقفت مكانها ثواني، ووشها بيحمر من الغيظ، عينيها بتبرق والغضب مالي صوتها وهي تقول بصوت عالي:
شايف يا صلاح؟ شايف أبوك؟ شايف عمايله؟ شايف بيقول إيه؟
قال عايز يتجوز عليا! دا شكله اتجنن رسمى
بعد سنين عمري كلها اللي قضيتها في خدمته،
خدمتكم كلكم وبراعي مصالحكم،
شايلة الهم فوق دماغي ليل ونهار،
وفي الآخر يقوللي عايز يتجوز عليا؟
دى جزاتي على تعب السنين؟
صلاح حاول يهديها وقال بنبرة مترددة:
اهدى يا ماما، ده كلام لحظة غضب بس،
بابا ما يقصدش،
مستحيل ينفذ الكلام ده،
بابا مش ممكن يتجوز عليكى أبداً.
سعاد ضربت كف في كف وقالت وهي بتغلي:
لا يا صلاح، المرة دي مش هزار،
أنا عارفة فاروق كويس،
الكلمة اللي بيقولها بينفذها،
بس والله لو حصل، لهخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يعمل كده.
على آخر اليوم، طلع صلاح على شقته وهو متضايق، حاول يفتح كلام مع ميادة بلطف، يقرب منها، يضحك شوية كأنه عايز يراضيها ويغير جو، لكن هي كانت من جواها مش طايقاه، ولا قادرة تتكلم ولا تبتسم حتى، وبرغم إنها حاولت تبين له إنها عادية، بس ملامحها فضحتها.
قرب منها صلاح وقال بنبرة فيها عتاب بسيط:
هو أنا بقيت غريب كده يا ميادة؟ ما انتي عارفة إني نازل أجازة كام يوم وراجع، يعني المفروض نستغل الوقت ده مع بعض ونمتع بعضنا.
ردت بهدوء وهي متضايقة:
هو حرام إني أكون تعبانة يا صلاح؟ الحمل مخليني مش قادرة أتنفس حتى خلقى دايق وزهقانة ،
وبعدين احنا قدامنا العمر كله، مش هتفرق حاجة يعني،
دول كلها كام شهر وهتيجي أجازة آخر السنة وتنزل تاني.
صلاح زفر بقوة وقال بعصبية:
يعني نازل الأجازة دي مخصوص أشوفك، ألاقيكى عكننتي عليا من أولها؟
هو ده اللي كنت مستنيه؟
سكتت ميادة ومردتش، وهو سابها ودخل نام،
فضلت هي قاعدة في البلكونة، الهوا بيخبط في وشها وهي سرحانة.
عينيها كانت فيها لمعة وجع، وبدأت تعاتب نفسها بصوت واطي:
أنا إيه اللي خلاني أقبل بالوضع ده؟
إزاي وافقت على جوازة زي ده وأنا عارفة إنه هو ابن امه ؟
فكرت انه هيتغير لما يعاشرنى ويحبنى ...
بس النتيجة إن احنا الاتنين اتوجعنا.لا انا قادرة اغيره ولا هو عاوز يتغير بنى ادم انانى مش بيفكر غير فى نفسه وبس.
عدى كام يوم وسافر صلاح خلاص،
والأيام في بيت أيمن ورباب بدأت تبقى أهدى بكتير.
رباب كانت لسه متوترة أوقات، بس أيمن كان دايمًا حنين،
بيحاول يخفف عنها، يضحكها، ويخرجها ويعيشها الفرحة اللى بجد.
خدها يوم وخرجوا يتمشوا على الكورنيش،
كان الجو لطيف والهوا بيرطب الدنيا،
ولما رجعوا البيت، ساعدها في المطبخ من غير ما تطلب،
ولما قالت له بخجل
ما يصحش كده يا أيمن، كفاية عليك شغلك.
ابتسم وقال بهدوء
رسولنا الكريم كان دايمًا في خدمة أهل بيته،
وهو قدوتنا، لازم نعمل زيه.
الكلمة دي لمست قلبها بجد،
حست إن في رجولة مختلفة، حنية نادرة،
ومن اللحظة دي بدأ يكبر في نظرها،
وبقت تفكر لأول مرة إنها ممكن تدي له فرصة...
فرصة يعيشوا كأي زوجين طبيعيين،
من غير خوف ولا وجع،
زي ما المفروض الحياة تكون.
بقلمي إلهام عبدالرحمن
صلوا على الحبيب المصطفى
عدّت أسابيع، لكن البيت ما رجعش زيه قبل كده.
الهدوء اللي سكن جدرانه ما كانش راحة، كان بركان نايم تحت الرماد، مستني الشرارة بس.
سعاد وفاروق بقوا شبه غرباء في بيت واحد.
الكلام بينهم محدود... على قد السؤال والرد، من غير نظرة، من غير دفء.
كل واحد فيهم عايش في جزيرته الخاصة، بيحسبها في صمت.
فاروق بينزل من البيت بدري، ويرجع متأخر، وسعاد بقت تقعد كتير لوحدها، ساكتة، بس في جواها نار مش عايزة تطفي.
أما صلاح، فكان واضح عليه التعب والوحدة فى غربته.
ميادة بتكلمه... بس من غير نفس، من غير روح.
كل كلمة بتقولها فيها وجع مكبوت، وكأنها بتحاول تحافظ على حاجة خلاص اتكسرت.
هو بيحاول يقرب، ويصلح من نفسه لكن هي كل مرة تبعد خطوة، مش كره، لكن خوف من وجع جديد.
أما في بيت أيمن... الوضع اتغيّر تمامًا.
رباب، اللي كانت عايشة عل امل الانتقام من سعاد، بدأت تفتح قلبها واحدة واحدة.
أيمن قدر يثبتلها إنه مش بس زوج...
ده سند بجد.
واقف في ضهرها وقت تعبها، بيشيل عنها كل هم صغير قبل الكبير، بيخاف عليها بصدق.
ولأول مرة من يوم جوازهم، ضحكت وهي حاسة بالأمان.
كانت قاعدة معاه في البلكونة، والهوا بيعدّي بين شعرها،
قالت له بخجل وهي بتبص في عينيه:
"أنا... يمكن اتأخرت شوية، بس دلوقتي بقيت حاسة إنك بجد جوزي."
أيمن ابتسم، وعيونه لمعت من الفرحة:
"وأنا كنت مستني الكلمة دي من أول يوم، يا رباب."
ضحكت بخفة، وسندت راسها على كتفه وهو محبش يضيع الفرصة ووقف بسرعة وشالها بين ايديه ودخل بيها على اوضتهم ونزلها وبص فى عنيها وقالها انتى متأكدة من شعورك ولا هترجعى تندمى.
ابتسمت بخجل وقالتله: انت شايف ايه؟!
كان فى لحظة قالع التيشيرت بتاعه وشالها وهو بيقول: انا شايف انى مكتوبلى ادخل الجنة واتنعم فيها وبقت اخيرا رباب زوجة لاحن راجل لسند بجد وامان.
الفصل24
صلوا على الحبيب المصطفى 🌺
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
كانت الشمس بتتسلل من شباك الأوضة بخجل،
ونورها وقع على وش رباب لدرجة خلتها تفتح عينيها غصب عنها.
أول ما صحيِت… اتفاجئت بعينين أيمن ثابتة عليها،
بيبصلها وكأن الدنيا كلها اختفت من حواليه.
كان نايم على جنبه، راسه قريبة من راسها…
والابتسامة مالية ملامح وشه، ابتسامة فيها رضا وراحة…
وفيها كمان حب… حُب صريح مقدرش يخبيه.
رباب قلبها اتخض،واتوترت
وسحبت الغطا بسرعة كأنها اتلسعت،
ودارت بوشها للناحية التانية وهي بتقول بهمس وخجل:
"إيه يا أيمن… بتبصلي كده ليه؟"
لكن قبل ما تهرب بجد،
أيمن مد إيده وسحب الغطا من على وشها برقة…
وقرب لها خطوة، لحد ما حسّت بأنفاسه الدافية على خدها.
وقال بصوت ناعم، منخفض، دافئ يدوّب الجليد:
"لاااا يا قلبي…
أنا مش عاوزك تدارى عني الجمال دا.
ده أنا ما صدقت إنك رضيتى عليّا…
ودخلتيني جنتك.
سيبيني، وحياة ربنا عندك، أتمتع بطلتك الحلوة دي."
رباب اتوترت أكتر…
حسّت الدم طلع لمخها وهينفجر من كتر الكسوف ،
وعنيها نزلت لتحت من الخجل،
بس هى كانت راضية… راضية وفرحانة…
بس مش قادرة تبين.
قالت بصوت خافت، مخنوق بخجلها:
"قوم بقى يا أيمن… إنت مش وراك شغل."
ضحك ضحكة صغيرة ساخرة وهو بيلمس طرف خدها بايده:
"شغل إيه بس…
دا أول صباح لينا… أول صباح وأنا بصحى على وش مراتي…مراتى حبيبتى وهتقوميني؟
حرام عليكي."
رباب حاولت تبعد وقالت بتوتر:
"أيمن… بلاش الكلام دا انا بتكسف والله."
مسك إيدها قبل ما تبعد وقال بكل هدوء:
"ماهو انتى ما تعرفيش كلامى ليكى بيبقى خارج منين…
انتى يا رباب…امنية عمرى،
الحلم اللي كنت بخاف حتى أحلم بيه."
سكت لحظة،
وعينيه ثبتوا على وشها من غير ولا رمشة.
"رباب…
أنا عمري ما كنت فاكر إنك هتبصيلي حتى.
ولما بقيتي مراتي…
حاسس إن ربنا ادّاني حاجة أكبر مني."
رباب بصت له بكسوف،
وبتحاول تمسك أعصابها،
لكن في قلبها…
كان في رعشة،
رعشة ما بين الحياء… والفرحة…
والحاجة اللي ما كانتش عايزة تعترف لنفسها بيها.
أيمن قرب أكتر،
وبهدوء قال:
"صباح الخير يا ست الحلوين…
وصباح الخير لجمال عمري."
قعدوا شوية يحكوا ويضحكوا…
أيمن كان بيتعمد يضحّكها ويقرب منها،
ورباب كل شوية تقول له:
بس يا أيمن… حد يسمعنا،
وهو يضحك ويرد:
خليهم يسمعوا… ده حقّي.
شاركوا لحظات دافية، كلام ناعم، ضحك خفيف،
وإيد في إيد…
أول مرة رباب تحس إن البيت ليها… وان دى حياتها اللى ربنا اختارهالها
وإن في حاجة اسمها فرحة من غير خوف.
وبعد ما خلصوا،
أيمن شدها لحضنه وقال وهو بيلعب فى خصلات شعرها:
إيه رأيك يا ست البنات…
نخرج نتغدى برا؟
ونتمشى شوية؟
أنا عاوز أشم نفسي بعيد عن دوشة البيت.
رباب قلبها زغرد جوّاها…
اتكسفت وخفضت راسها:
نخرج… بجد؟
بجد أوي…
ده أنا هعزمك عزومة ما حصلتش.
رباب بانت عليها الفرحة:
طب انا هروح اخد شاور و ألبس، وإنت كمان خد شاور…
بعد شوية كانت رباب جهزت وايمن بيستعد هو كمان يدخل ياخد شاور فقالتله....
رباب: أنا هنزل أصبح على مامتك عقبال ما تخلص…
علشان الجو يفضل هادي ما بينا مش عاوزة يبقا فى مشاكل وتبقا شايلة فى قلبها منى .
أيمن بص لها بإعجاب حقيقي:
انتى فعلا بنت اصول واهلك عرفوا يربوكى كويس…
والله انتى طلعتى طيبة اوي…
مافيش حد زيك.
رباب نزلت هادية،
نفسها طويل،
كأنها داخلة معركة حافظه نهايتها.
دخلت لقيت سعاد قاعدة على الكنبة،
كوباية الشاي في إيدها، والتلفزيون شغال.
وميادة ورحمه كالعادة في المطبخ.
رباب وقفت بأدب:
صباح الخير يا حماتي…
يارب تكوني بخير.
سعاد بصت لها من فوق لتحت،
نظرة تقطع كلها غل وحقد:
أهو… صباح زي وشك.
لابسة كده ورايحة على فين يابنت سميحة؟
مش المفروض تنزلي تساعدي سلايفِك؟
هي أختِك دي مش صعبانة عليكي وهي حامل على آخرها كدا؟
وانتى قاعدة مرحرحه ومرتاحه ومش هاين عليكى تنزلى وتساعدى.
رباب فضلت واقفة ثابتة بكل شموخ
ولا حتى رمشت.
وقالت بابتسامة ناعمة لكن مليانة خبث واستفزاز:
معلش يا حماتي…
أصل أيمن حبيبي حسّ إني زهقانة…
وعشان لسه عروسة جديدة،
قال إنه ياخدني يغدّيني بره ويفسّحني وبعدين ماشاء الله عليكى بصحتك عوزانا نساعدك ليه والمفروض انتى اللى تخافى على ميادة اكتر لانها شايلة حفيدك
سعاد قالت بمنتهى الغل والغضب:
نعم يا أختي؟
يغدّيكى برا ليه ان شاءالله ؟
هو البيت ما فيهوش أكل؟
ولا هو تضييع فلوس وخلاص؟
رباب قرّبت منها وقعدت على الكرسى اللى جنبها
واتسندت بإيدها كأنها بتهمس بسر:
لا يا حماتي… البيت مليان خير والله.
بس أنا مكسلة أطبخ النهاردة…
وأيمن…
جوزي وحبيب قلبي وقُرّة عيني…
ما رضيش يتعبني.
قال لي: نخرج ناكل بره.
تحبّي تيجي معانا؟
سعاد وشّها قلب واحمر من الغضب،
وقالت بحدّة:
حما لما تلوشك!
ما تقفي عوج واتكلمي عدل يابت انتى
رباب بصتلها ببرود وقالت: انا طول عمري عدلة فى وقفتى وكلامى يا.... ياحماتى وبعدين ندهت على ميادة.
ميادة: فى ايه يارباب انتى ايه اللى منزلك ياحبيبتي هو انتى خارجة ولا ايه؟!
رباب بضيق: سيبك منى دلوقتي انتى بتعملى ايه هنا؟
ميادة بصت لسعاد بتوتر وفركت ايديها فى بعضها وقالت: هكون بعمل ايه يعنى يارباب اهو بخلص شغل البيت انا ورحمة.
رباب اتضايقت من سلبيتها وشديتها من ايديها وقالت: شغل ايه وانتى على اخرك كدا هو انتى مش شايفة نفسك وشك بقا بهتان والانيميا شكلها معششة فى جسمك من قلة الغذا اطلعى وريحى نفسك وكلى لقمة تغذى بيها العيل اللى فى بطنك بدل ماينزل مريض.
سعاد زعقت وبعدتها عن ميادة وهى بتقول: بت انتى شوفى نفسك رايحة فين وسيبيها تشوف شغلها ماهى زى القردة قدامك اهى ولا انتى عاوزة تعملى قلبان فى البيت كله.
كانت لسة هترد عليها لكن أيمن نزل فى اللحظة دى
شاف أمه واقفة بتزعق لرباب فقرب بسرعة ووقف بين رباب وامه وزقها ورا ضهره كانه بيحميها.
في إيه يا جماعة؟
بتزعقوا كده ليه؟
رباب بصت له بنظرة مسكنة متعمدة…وسبلت عنيها برقة وقالت بنبرة ضعيفة لكنها ثابتة:
والله يا أيمن…
ما عملت حاجة.
أنا نازلة أصبح على ماما سعاد…
لكن هي بس…
زعلانة إنك هتاخدنى تفسّحني وتغدّيني بره.
بس خلاص…
لو خروجي بره هيعمل مشكلة…
نقعد في البيت.
سعاد اتنفضت:
يخرب بيت جبروتك!
انتي إيه يا بنت انتي؟
انتي حيّة بتتلوني!
خذ مراتك يا أيمن واطلع فوق…
واقصروا الشر!
أيمن شد إيد رباب وهو بيبص لأمه،
وقال بهدوء قاتل:
فى ايه يا ماما هو كتير علينا اننا نخرج ونتفسح احنا لسة عرسان جداد وعاوزين نتمتع بحايتنا يلا يا رباب…
إحنا هنخرج…
وهنرجعلكم آخر النهار.
سعاد شهقت:
بردو هتخرج لا وهترجع آخر النهار؟!
أيمن رد ببرود:
أيوه…
عايز أقعد مع مراتي يوم واحد من غير خناق.
اتحرك ورباب ماشية جنبه…
وابتسامة صغيرة باينة على جنب شفايفها،
نظرة انتصار هادية…
من غير كلمة واحدة زيادة.
كانت ميادة قاعدة في المطبخ بعد ماسعاد كالعادة خلت رحمة تطلع وهى اللى تكمل الشغل، كانت إيديها في المواعين لكن دماغها مش معاها…
وشها أصفر من التعب، وبطنها تقيلة، وبتحس إن كل نفس بيخرج بالعافية.
وسعاد ما بين تريقة وزعيق… مش سايبالها ولا ثانية ترتاح.
مسحت إيديها في الفوطة، وطلعت التليفون من جيبها بتنهيدة مخنوقة…
وقالت لنفسها:
"يمكن صلاح يحس بيا… يمكن يقول كلمة تريح قلبي."
دقت عليه…
رنّت…
وبعد شوية رد بصوته الخشن اللي متغير أوي بقاله فترة:
"أيوه يا ميادة… خير؟"
ميادة حاولت تمسك صوتها ما يتهزش: "صلاح… بالله عليك اسمعني بس دقيقة.
مامتك… والله العظيم مش رحماني.
من ساعة ما بصحى وهى بتزعقلي…وظايما مفيش غير
اغسلي… اطبخي… اعملي…
وأنا حامــل يا صلاح… الحمل بقا تاعبني… والله تعبت."
صلاح اتنهد بضيق، واضح إنه زهقان: "ياميادة هو انتى كل يوم كدا؟
مافيش غير شكوى؟"
ميادة اتفاجئت، وقالت بسرعة: "أنا مش بشتكي… أنا بس بقولك…بفضفض معاك
يمكن تقدر تكلمها… يمكن تحس بيا… وتخليها ترحمنى شوية"
صلاح صوته علي فجأة: "ميادة!!
إنتي بقيتي نكدية وأقسم بالله بقيت أتشاءم من مكالمتك!
هو أنا مكتوب عليا الغربة… وكمان أرجع ألاقي نكد؟
يا شيخة قرفتينــي…
الواحد نفسه يسمع كلمة كويسة…
حد يطبطب عليه…يهون عليه عذاب الغربة
لكن إنتي؟
كل مكالمة نفس الكلام!
أمك عملت… أمك سوت… أمك وقفت!
زهقت! والله العظيم زهقت!"
ميادة صوتها اتكسر: "صلاح… والله العظيم—"
قاطعها بحدة: "كفاية بقى!
انتى صدعتيني!
بلاش نكد…"
وسكت لحظة… واللحظة دي كانت أطول من عمرها كله.
وبعدين…
قفل السكة.
من غير كلمة…
من غير حتى ما يسمع نفسها الأخير.
ميادة فضلت واقفة ثابتة…
تتفرج على شاشة الموبايل اللي اتحولت لسواد…
وبقية روحها بتحاول تستوعب اللي حصل.
وبعدين…
الموبايل وقع من إيدها على الأرض.
إيدها راحت على بطنها، وقعدت على الأرض بركب مرتعشة، وغرقت فجأة في بكاء مكتوم…
بكاء موجوع…
بكاء واحدة مش لاقية ضهر… ولا سند… ولا كلمة تطبطب عليها.
وقالت بصوت متقطع وهي بتعصر الفوطة في إيدها:
"حتى انت…
حتى انت يا صلاح…
مش لاقية حد يحميني…"
دموعها نزلت على خدها،
والبيت حواليها كان بارد…
مفيش ولا حضن… ولا كلمة…
ولا راجل يشيل عنها الوجع اللي جوّاها.
وكان أوحش إحساس مر بيها…
إنها لوحدها.
ومفيش حد شايفها ولا حاسس بتعبها ومكانتش عاوزة تشيل اهلها الهم اكتر من كدا.
بعد ما صلاح قفل السكة في وش ميادة،
كانت لسه قاعدة على الأرض،
بتبكي من غير صوت…
ترجف كأن البرد مسك قلبها.
مكانش صوتها عالي،
لكن قهرتها كانت تقيلة…
تقيلة لدرجة إن الحيطان نفسها كانت بتحس بيها.
وفجأة…
باب المطبخ اتفتح بعنف.
سعاد وقفت على العتبة…
عينها بتقدح شرار،
وشها محمر،
قربت بخطوات سريعة ووقفت قدام ميادة زي الوحش:
"إيه يا بت انتى؟
بتعيطي وبتشتكي لابني؟
بتشتكيله فكراه هيقف فى صفك
انت فاكرة نفسك إيه يا بنت المركوب؟!"
ميادة قامت بسرعة ووقفت تتراجع لورا،
تحاول تمسك بطنها وتحمي نفسها…
لكن سعاد هجمت عليها،
ومسكت شعرها شدته بكل قوتها لورا:
"بتروحــــــي تشتكيني لابني؟؟
فاكرة إنه هيقف قصادي؟
فاكرة إنك مهمّة عنده اكتر من امه فكراه هيبقا زى ايمن ويبقا دلدول ليكى ؟
ده انتي مش أكتر من خدامــــــــــة هنا!
تسمعي الكلام وبس!
انتى فاهمه؟
تبقى تحت رجلي…
تحت رجلي يا كلبة!"
ميادة صرخت من الوجع:
"حرام عليكى يا حمــــاتي… بالله عليكي… بطّلي… بطّلي بقا مش قادرة والله …"
لكن سعاد ما كانتش شايفة قدامها…
غل السنين مولّع في عينيها.
وفجأة…
إيد دخلت بينهم، شدّت سعاد لورا بقوة.
"بس بقى يا جبروت!"
كان فاروق… جوزها.
وشه مليان غضب وعيونه قاسية بشكل مخيف.
"حرام عليكي!
بتعملي في البنت كده ليه؟
دي بنت ناس…مقصرتش معاكى فى حاجه تعملى فيها كدا ليه؟
مافيش في قلبك رحمة؟!
مش هتتهدي؟
ارحميهم شوية!"دا البت بطنها قدامها وعلى وش ولادة اللى جوا فى بطنها دا يبقا حفيدك المفروض تخافى علبه مش تأذيه وتأذيها بالشكل ده
سعاد اتشقلب حالها في لحظة،
بقت نار ماشية على رجلين.
بصت له وصرخت بصوت عالى:
"انت!
انت وامك السبب!
أنا عمري ما كنت قاسية!
جيت البيت ده زي الوردة المفتحة…بس طفيتونى
كنتو إنتو اللي بتدفنوا روحى!
أمك كانت ظالمة!
قاسية!
بتظلمني… وتشغلني… وتطلع عيني!
وأنت؟
كنت سايبها!
ولا كلمة!
ولا مرة وقفت جنبي!
كل لما أشتكيلك تقولّي:
ما اقدرش ازعل أمي… بر الوالدين!"
وقفت قدامه…
وشها كله غل :
"خلاص!!
أنا كمان…
برّ الوالدين!!"
فاروق مسك راسه بإيده…
الصدمة كانت بتكسر ضهره:
"يا نهار مش فايت!
بقا انتى ياولية كل ده…
شايلاه في قلبك؟
كل السنين دي؟
وانا مكنتش شايف الغل والحقد اللى فى قلبك دا
طب حتى لو أمي كانت قاسية…
إنتى ليه بقيتي زيها؟
ليه؟
ليه تقهري مراتات ولادك؟
ليه ما تتعلميش من اللي وجعك؟
عامليهم كويس… خليهم يحبّوكي…
بدل ما يكرهوكي زي ما إنتي…
بتكرهي أمي دلوقتي!"
سعاد صرخت صرخة توجع القلب:
"أنا لا عايزة حــــــــــد يحبني!
ولا بحب حــــــــــد!
أنا عايزة كلمتي تمشي!
تمـــشي زي السيف…
على رقبـــة الكــــــل!"
فاروق اتجنن…
ووشه اتغير…
والغضب مسك رقبته.
وفي أقل من ثانية…
مد إيده و رزعها بالقلم.
القلم نزل على وشها زى السكينة…
رماها لورا…
والدهشة قلبت ملامحها.
وقال بصوت كله رجولة مهدورة:
"كلمتك إيه اللي تمشي؟
سيف على رقبة مين ياروح امك؟
أنا الراجل هنا…
مش انتي!
فُوقـــــــي!ولا عشان سكتلك السنين دى كلها وسيبتك انتى اللى تديرى العيشة فى البيت المخروب ده اللى بقا مفيش فيه روح ولا حياة
بكلمة واحدة مني…
أطّلّعِك برّه البيت دا.
بس أنا مراعي ربنا…
ومحترم ولادك الرجالة."
ميادة كانت واقفة بتعيط،
ورعشة في جسمها كله،
قربت وقالت له:
"خلاص يا عمي… بالله عليك…
هي ما قصدتش…
سيبها…"
سعاد اتنفضت وزقتها:
"ابعدي يا حيـــــــــة!!
إنتي السبب!
من ساعة ما دخلتوا البيت…
إنتي وأختِك…
وانتو خربتوا الدنيا!
روحوا منكم لله!"
وبصت لفاروق بغل:
" اما انت راجل ناقص بصحيح!
بتِمد إيدك عليّا…
عشان حِتّه واحدة ما تسواش؟
أنا اتحملت عيشتك السودة…
وقرفك…
وبعد ده كله تمد إيدك عليا؟!"
وبسرعة دخلت أوضتها…
وقفلت الباب وراها برزعة جامدة خرجت فيها غلها وقهرتها.
والمطبخ…
سكت.
سكت سكات مرعب.
سكات يوجع القلب…
سكات قلب البيت لحرب باردة.
وميادة…
كانت واقفة مكانها،
ايدها على بطنها،
وعينيها مليانة دموع…
وقالت لنفسها بصوت مكسور:
"يا رب…
ارحمني…
أنا ماليش غيرك."
وفاروق قرب منها وطبطب عليها وقالها سامحينى يابنتى انا السبب انا اللى خليتها زى الوحش بسكاتى بس انا عارف ازاى ارجعها لعقلها تانى قومى يابنتى اطلعى شقتك وارتاحى وتانى مرة متنزليش هنا تانى لاى شغل وانا اللى بقولك لا انتى ولا رحمة كل واحدة تلتزم ببيتها وبس وانا ليا صرفة مع سعاد.
