رواية وريثة العرش المفقودة الفصل السابع عشر17 بقلم منةالله ابو طالب

رواية وريثة العرش المفقودة 
الفصل السابع عشر17
 بقلم منةالله ابو طالب
ملاك كانت قاعدة على صندوق خشبي في الجناح، بتشد رباط البوت الجلدي بتاعها بصعوبة لأن صوابعها كانت لسه مصلبة من أثر طاقة الشفاء. 

سيف الأثير الفضي كان محطوط جنبها على السرير.

الباب اتفتح ودخل راكان وهو لابس العباءة السوداء التقيلة المبطنة بالفرو، وشايل على كتفه شنطة سفر جلدية عريضة.

 بص لملاك اللّي كانت عرقانة وبتحاول تقفل حزام الدرع وقال بابتسامته المستفزة المعتادة:

" متأكدة إنك عايزة تيجي؟ ممر الجبال الشمالية مش سهل ، هناك الجو بيوصل تحت الصفر والمشي بيبقى على الصخر الناشف."

ملاك رفعت راسها ونفخت خصلة شعر بلونها الناري نزلت على عينيها وقالت بعناد:

"متخافش عليا يا جلالة الملك. وبعدين أنا اللّي قفلت البئر اللّي فات، يعني وجودي ضروري.. قولي صحيح، إحنا ليه مش هننقل هناك ببوابة سحرية علطول ونخلص من المشي؟"

راكان قرب وقعد على الركبة ونص قدامها، وسحب طرف الحزام الجلدي وشدّه ليها بحذر عشان يظبطه على وسطها وقال بجِدية:

"لأن السكندرا مش غبي.. هو زرع بلورات طاقة سوداء على حدود مملكة 'أفالانش' الجليدية، البلورات دي عاملة تشويش كامل على طاقة العبور السحري. 
لو فتحنا بوابة دلوقتي، ممكن نرمي نفسنا في وسط الهاوية أو نطلع جوه جدار صخري.. المشي هو الحل الوحيد والآمن لحد ما نوصل للنواة ونكسرها."

ملاك تنهدت وقامت وقفت وسحبت سيفها:

"تمام، والبوصله الي معاك دي بتقول إيه؟"

راكان وقف وعدل عباءته:

"بتقول إن قدامنا مشي يومين كاملين وسط جبال الصقيع عشان نوصل لأول حامية عسكرية للمملكة الشمالية..وكفاية كلام ويلا بينا."

بعد ساعات طويلة من المشي وسط ممر صخري ضيق ومرتفع، الجو بدأ يقلب بجد.

 التلج بدأ ينزل خفيف في الأول، وبعدين الهوا بقى عامل زي السكاكين اللّي بتخبط في الوش.

 ملاك كانت ماشية ورا راكان، ضافرّتها النارية مغطية نص ظهرها، وبدأت تنهج وجسمها  مش قادر يستحمل الضغط والبرد ده كله، بس كانت بتجز على سنانها ومكابرة عشان ميبانش إنها ضعيفة.

راكان وقف فجأة ولفت ليها، بص لوشها اللّي بقى أحمر من البرد وشفايفها اللّي بترتعش، وقال بنبرة هادية مفيهاش تريقة المرة دي:

"ملاك.. قولي إنك سقعانة وتعبانة، المكابرة دي مش هتنفعنا لو جرالك حاجة انتي رجليكي بقت متلجة."

ملاك ربطت دراعها حوالين نفسها وقالت بصوت متهدج:

"أنا تمام.. بس الجو بجد أصعب من لما كنت متخيلة."

راكان ضحك بخفة، وقرب منها، وبدون مقدمات مسك إيدها اليمين اللّي كانت زي التلج، وحطها جوه جيب عباءته الفرو الواسعة الكبيرة اللّي كانت بتطلع حرارة دافية .

ملاك اتخضت وحاولت تسحب إيدها بـ كسوف:

"إنت بتعمل إيه؟ الحراس ورانا ممكن يشوفونا."

راكان شد على إيدها براحة وجوا الجيب وقال ببرود وهو بيبص للطريق قدامه:

"الحراس مأمنين الظهر وبعاد.. وبعدين أنا مش هقف هنا أعملك كمادات دافية لو أغمى عليكي من البرد. حطي إيدك واسكتي وخلينا نتحرك.. يلا يا ملاكي اسمعي الكلام؟"

ملاك انصدمت من كلمة ملاكي ...بس ابتسمت غصب عنها وحست بدفا حقيقي بدأ يسري في دراعها وجسمها كله، وقالت بمشاكسة وهي بتمشي جنبه خطوة بخطوة:

"لأ منستش... قولي بقى، مروان الخاين اللّي هرب ده، تفتكر راح فين؟"

ملامح راكان بقت جِدية جداً:

"مروان جرحه كان كبير في المعركة اللّي فاتت، بس طاقة البلور الأسود بتخليه يقوم بسرعة كأنه مفيش حاجة. السكندرا أكيد بعته للمملكة الشمالية عشان يأمن قاعة العرش الملكية هناك.. قادة الجليد قلوبهم قاسية أصلاً ، والبلور الأسود خلى الخيانة عندهم سهل."

ملاك سكتت وفكرت بكلامه وقالت:

"يعني إحنا مش هنحارب وحوش بس احنا هنحارب شوية خاينين كانت ناقصه ياربي..؟"

راكان بص ليها وقال بثبات:

"الخيانة هي أصعب معركة يا ملاك.. السيف بيموت الوحش، بس الذكاء والثبات هما اللّي بيكسروا غدر القادة."

وفجأة.. وقبل ما تكمل حوارها معاه، صوت دبة تقيلة هزت الصخور تحت رجليهم. البوصلة في جيب راكان بدأت تطلع صوت طنين حاد.

من وراء منحن الجبل الصخري، ظهرت دورية حراسة مكونة من خمس فرسان من مملكة الجليد؛ لبسهم كان دروع فضية ميتة، وعيونهم مفيهاش أي أثر للوعي ، كانت عيون زرقاء باهتة مشعة بالظلام، وفي إيديهم رماح جليدية طويلة ومدببة.

قائد الدورية رفع رمحه وشاور عليهم وقال بصوت أجش وخالي من المشاعر:

"المتسللون.. أمر الملك يورين واضح؛ دمائكم تنزل على الصخر هنا!"

راكان سحب إيده من جيبه بسرعة وسحب سيفه الأسود الضخم اللّي طلع منه شرار أزرق خفيف بدأ يسيّح التلج اللّي تحت رجليه، وبص لملاك اللّي سحبت سيف الفضة وبقت واقفة بقوة، وقال بنبرة حاسمة:

"أهو.. الخيانة وصلت لحد عندنا وبدري أوي يا دكتورة.. ركزي في حركة الرماح بتاعتهم، الرماح دي مسمومة بطاقة الصقيع، لو لمست درعك هتجمد حركتك في ثوانٍ.

 أنا هاخد القائد واثنين، وأنتي عليكي الاثنين اللّي على الجنب.. جاهزة لأول مواجهة حقيقية ؟"

ملاك هزت راسها وعينيها الزرق لمعت بالتحدي وعناد بنت أطلس:

"جاهزة يا راكان.. ومش هخذلك!"

الهواء البارد كان بيعوي بين صخور الممر، والفرسان الخمسة قربوا بخطوات محسوبة ورماحهم الجليدية الطويلة موجهة عليهم. ملاك حست بقلبها بيدق بسرعة، بس افتكرت كلام راكان: "رجليكي بعرض كتافك ومثبتة في الأرض"، فـ غرزت البوت بتاعها في التلج الخفيف الخشن وبقت عينيها  متبتة في الحارسين اللّي على الشمال.

قائد الدورية هجم أول واحد برمح مشع بالبلور الأسود، بس راكان في لمحة عين صد الضربة بسيفه . صوت رنين الفولاذ هز الممر، وراكان لف بخفة ملوش وبدأ يشغل القائد والاثنين اللّي معاه، سيفه بيطلع شرار حارق يسيّح الرماح الجليدية أول ما تلمسه.

في نفس الثواني، الحارسين التانيين انطلقوا ناحية ملاك. واحد منهم مد رمحه بسرعة  قاصد صدرها. 
ملاك لولا سرعة بديهتها كانت اتصابت؛ ميلت جسمها لورا ، الرمح عدا من جنب وشها لدرجة إنها حست بلسعة الصقيع  اللّي طالعة من النصل.

ملاك جزت على سنانها وقالت وهي بتلف بسيف الأثير الفضي:

"ده إنتوا مفيش في قلوبكم رحمة بجد بقا!"

وبحركة سريعة، ضربت نصل الرمح بسيفها ، الطاقة  اللّي طالعة من السلسلة خلت السيف يقطع النصل الجليدي للحارس الأول نصين. الحارس اتصدم وبص لرمحه المكسور، وملاك مستنتش؛ وبظهر سيفها ضربته ضربة قوية في صدره طيرته لورا خبط في الصخر وغاب عن الوعي.

الحارس التاني استغل الفرصة وهجم من ظهرها برمح مسموم. ملاك لمحت ظله على التلج، ولسه بتلف عشان تصد، لقت سيف راكان الأسود بيتدخل من فوق كتفها ويصد الضربة في أخر ثانية!

راكان كان لسه بيحارب الحارسين بتوعه، بس عينه مكنتش بتفارق ملاك، وقال بنبرته المستفزة وهو بيغمز لها وسط المعركة:

"ركزي في الظهر يا ملاك.. مش كل مرة هتلاقي اللّي بيحميكي موجود علطول!"

ملاك اتغاظت وضغطت على مقبض سيفها وقالت وهي بتهجم معاه:

"طب وريني شطارتك بقى وفكنا من اللّي فاضلين دول!"

راكان ضحك ب صوت عالي، وبحركة ذكية، ضرب الأرض بسيفه، طلعت موجة طاقة زقت الحارسين الباقيين وطيرت رماحهم من إيديهم.

 راكان قرب من قائد الدورية اللّي كان واقع على ركبه وبيأنفاس مقطوعة، وحط نصل سيفه الأسود على رقبته مباشرة وقال بصوت هادر مالي الهيبة:

"الملك يورين فين؟
 والحصن الرئيسي للمملكة الشمالية على بُعد كام ساعة من هنا؟ انطق قبل ما أخلي سيفي يقطع رقبتك."

القائد بص لراكان بعيونه الباهتة، وحاول يقاوم بس طاقة السيف كانت بتخنق أنفاسه، فقال بصوت متحشرج  مالي اليأس:

"الملك يورين.. في قاعة العرش الكريستالية.. ورا قمة الجبل الأبيض.. السكندرا ومروان هناك.. مستنيينكم.. القصر محاط بجيش كامل من وحوش الصقيع.. مش هتوصلوا صاحيين.."

وقبل ما يكمل، طاقة البلور الأسود جوه جسمه حصل لها ارتداد عنيف بسبب خوفه، فـ غاب عن الوعي تماماً ووقع على الأرض.

راكان رجّع سيفه الأسود لجرابه ورا ظهره، وتنهد بتعب ومسح عرق خفيف من على جبهته رغم البرد. التفت لملاك اللّي كانت واقفة بتنظف سيفها الفضي وبتبص للحراس المصابين بنظرة فيها شوية شفقة.

قرب راكان منها، وحط إيده على كتفها براحة وقال بنبرة دافية:

"عملتي كويّس يا ملاك.. حركتك بقت أسرع وثباتك في الأرض بقا اقوي بجد مبسوط منك. بس اللّي جاي أصعب.. القائد قال إن القصر ورا القمة دي، يعني قدامنا مشي 4 ساعات كمان وسط العاصفة اللّي بدأت تزيد."

ملاك بصت لقمة الجبل الأبيض اللّي بدأت تظهر من وسط الضباب، وعدلت هدومها وقالت بعناد ممزوج بذكاء:

"4 ساعات مش كتير يا جلالة الملك..
 طالما إيدينا في ايد بعض. 
بس قولي.. تفتكر مروان والسكندرا بيخططوا لإيه جوه قاعة العرش الكريستالية دي بالذات؟"
راكان بص للبوصلة الذهبية اللّي 
في إيده، اللّي بدأت عقاربها تثبت وتترعش بعنف ناحية القمة، وقال بجدية:

"بيخططوا يفعلوا البلورة الأم للمملكة الشمالية.. لو اتفعلت، الجليد الأبدي هيتحرك ويغطي 
الممالك السبعة كلها ويمحي الأخضر
 واليابس كان . يلا بينا نتحرك قبل ما العاصفة تقفل الممر تماماً."

مساك إيدها تاني وحطها جوه جيبه الفرو الدافئ، وبدأوا يمشوا بخطوات سريعة وثابتة 
وسط نديف التلج اللّي بدأ يكتر، متوجهين لقلب القاعه الكريستالية!

                   الفصل الثامن عشر من هنا
تعليقات



<>