رواية زهرة في جوف العتمه الفصل الخامس5 بقلم نور محمد

رواية زهرة في جوف العتمه بقلم نور محمد

"عينك في وسط راسك إنت وهو.. القطر هيهدي ويدخل على رصيف ٨ كمان خمس دقايق. البت تتجاب من وسط الزحمة من غير ما حد يحس، والواد تتصرفوا معاه، غزة مطو*ة في جنبه وهو نازل على السلم وسط التدافع وهيمو*ت مكانه من غير ما حد ياخد باله. الباشا مش عاوز غلطة، الغلطة الليلادي تمنها رقابنا كلنا!"

الصوت كان خشن ومكتوم، طالع من راجل لابس جاكت جلد أسود، واقف ورا كشك جرايد على رصيف محطة رمسيس. عينيه كانت بتلف زي الرادار وسط آلاف البشر اللي رايحين وجايين.

حواليه كان متوزع أربع رجالة تانيين، ملامحهم قاسية، إيديهم مدفونة في جيوبهم قابضة على سلاحهم، مستنيين الفريسة اللي جاية برجلها لحد عندهم. 

محطة مصر كانت زي خلية النحل، دوشة، زحام، أجواء مثالية لجريمة كاملة تضيع ملامحها في وسط الزحمة.

جوه القطر، وتحديداً في آخر عربية، كان أيوب ساند راسه على إزاز الشباك البارد. عينه كانت مريحة شوية من التعب، بس عقله كان شغال زي المكنة. 

جرح راسه كان بينقح عليه بوجع رهيب، وكل خبطة من عجل القطر على القضبان كانت بتسمع في دماغه زي ضربة الشاكوش. بس كل الوجع ده كان بيهون لما يبص لفتنة اللي كانت نايمة على كتفه، دافنة وشها في قميصه، وماسكة في طرفه بإيديها الاتنين كأنها خايفة لو سابته تقع في بير مالوش قرار.
روايه زهره في جوف العتمه بقلمي نور محمد 

أيوب فتح عينيه ببطء لما حس بإن القطر بدأ يهدي سرعته، وصوت الزمارة الطويلة أعلن اقترابهم من قلب العاصمة. القاهرة... غابة من البشر، المكان اللي ممكن تستخبى فيه العمر كله ومحدش يحس بيك، وفي نفس الوقت المكان اللي ممكن تنداس فيه تحت الرجلين في ثانية.

"يا رب.." همس أيوب وهو بيمسح على وشه بإيده السليمة. "إنت اللي عالم بالحال، لا ليا حيلة ولا قوة، سلمتك أمري وأمر المسكينة دي، فنجنا من القوم الظالمين."

حركة القطر وهي بتهدي خلت فتنة تصحى. فتحت عينيها الخضرا ببطء، ورمشت كذا مرة وهي بتحاول تستوعب هي فين. لما شافت وش أيوب قريب منها، ابتسمت ابتسامة خفيفة جداً، كأنها بتطمن إن الأمان لسه موجود.

أيوب عدل قعدته، وطلع من كيسه طاقية صوف سودة قديمة كان بيلبسها في ليالي الشتا في الغيط. شدها على راسه عشان يداري الشاش والدم اللي نشف على جبهته، كان عارف إن أي علامة مميزة في شكله ممكن تكون سبب في نهايتهم. 

لف الطرحة كويس حوالين وش فتنة، واتأكد إن العباية السودة مغطياها بالكامل.

"فتنة.. اصحي وفوقي معايا." قالها أيوب بصوت هادي بس فيه حزم. "إحنا هننزل دلوقتي لمكان زحمة أوي. ناس كتير، وأصوات عالية. مهما شفتي أو سمعتي، إوعي تصرخي أو تسيبي إيدي. لو سبتي إيدي... هضيعي."

كلمة "تضيعي" رنت في عقلها. مسكت في دراعه بقوة لدرجة إن ضوافرها غرزت في لحمه، وهزت راسها بعنف كأنها بتقوله "مستحيل أسيبك".

القطر وقف تماماً. الناس بدأت تتدافع ناحية الأبواب زي السيل. أيوب وقف، وحاوط فتنة بدراعه، وخلاها قدامه عشان يحميها من خبط الناس. نزلوا من باب القطر على رصيف محطة رمسيس.

بمجرد ما رجل فتنة لمست الرصيف، حست إن العالم كله بيهاجمها. أضواء المحطة القوية، صوت الميكروفونات اللي بتعلن عن مواعيد القطارات، زعيق الحمالين، صفافير العساكر، والكتل البشرية اللي بتتحرك في كل اتجاه. فتنة بدأت تنهج، جسمها كله اتخشب، وحطت إيديها على ودانها من فوق الطرحة، وبدأت تتراجع لورا ناحية القطر تاني.

أيوب شدها لحضنه فوراً، ومشى بيها بخطوات سريعة وهو بيقرأ لها قرآن في ودنها عشان يهديها.

 عينه كانت بتلف زي الصقر في المحطة.وفجأه لمحهم.

تلات رجالة لابسين جواكت سودة، واقفين عكس اتجاه الناس. مبيبصوش على الشنط ولا على العيال، بيبصوا في الوشوش، وبيدققوا في ملامح أي بنت لابسة أسود. واحد منهم كان حاطط إيده في جيبه بشكل مريب، وعينه جت في عين أيوب للحظة.

الدم نشف في عروق أيوب. دول مش بوليس، دول رجالة العصابة، وواضح إنهم عرفوا طريقهم ونصبولهم الفخ في المحطة. لو مشيوا في الطريق الطبيعي للبوابات، هيبقوا صيد سهل.

"يا فتنة، اسمعيني." همس أيوب وهو بيسحبها ورا عمود خرسانة ضخم على الرصيف، بعيد عن عيون الراجل اللي لمحهم. "في وحوش بره بيدوروا علينا. لازم نجري، بس من غير ما نلفت الانتباه."

قبل ما الراجل يقرب من العمود، أيوب أخد قرار مجنون. بص وراه لقى شريط القطر اللي جنبهم فاضي، والقطر اللي عليه لسه متحركش. 

سحب فتنة بسرعة، ونزلوا هما الاتنين من على الرصيف العالي، نطوا على شريط القطر في الضلمة بين العجل الحديد الضخم بتاع القطارات.
فتنة كتمت صرختها بصعوبة.

ريحة الزيت المحروق والتراب كانت خانقة. أيوب فضل ماسك إيدها، وبدأوا يمشوا في المسافة الضيقة اللي بين القطرين، في العتمة اللي تحت الرصيف.

"ايوه كده.. العتمة دي إنتي عارفاها ومبتخافيش منها.. خليكي شاطرة." كان بيشجعها بصوت واطي وهو بيسحبها في اتجاه عكس بوابات الخروج، ناحية المخازن والأحواش الخلفية للمحطة.

فوق الرصيف، الراجل اللي لمح أيوب وصل ورا العمود ملقاش حد. زعق في اللاسلكي اللي في جيبه: "الواد اختفى! هو والبت كانوا هنا ورا العمود! اقفلوا كل البوابات، دوروا في الحمامات وعلى الأرصفة، محدش يخرج من المحطة!"

أيوب كان سامع الدوشة فوقيه. قلبه كان بيدق زي الطبل، وجر*حه بينز*ف من المجهود. فضلوا يمشوا بين القضبان لحد ما وصلوا لآخر المحطة، منطقة ضلمة تماماً مليانة قطارات خردة وورش صيانة. دي منطقة محرمة على الركاب.

لقوا سور حديد واطي وراه شارع جانبي ضلمة. أيوب شال فتنة بين إيديه، ورفعها لحد ما عدت السور ونزلت على رجليها الناحية التانية. وبعدين نط هو وراها.

أول ما نزلوا الشارع، أيوب اتسند على السور وبدأ ينهج بتعب شديد. الدنيا كانت بتلف بيه، الدم اللي نزفه مع قلة الأكل والضغط النفسي بدأوا يهدوا حيله.

فتنة حست بيه. قربت منه بخوف، مدت إيدها من تحت العباية ولمست وشه. لقت عرق بارد، ولقت إيده بترتجف. عينيها وسعت برعب، مش عشانها، عشان أيوب. الوحيد اللي بيمثل لها الحياة دلوقتي بيقع.

"أيوب.. لا.. أيوب قوي." قالتها فتنة بصوت مرعوب وهي بتحاول تسنده بكتفها الضعيف.

أيوب ابتسم بوجع ومسك إيدها وباسها. "أنا كويس يا فتنة.. كويس. بس لازم نبعد عن هنا قبل ما يدوروا حوالين المحطة."

سحبها وبدأوا يمشوا في شوارع السبتية الضيقة. الوقت كان متأخر، والشوارع كانت شبه فاضية إلا من بعض الكلاب الضالة وعربيات المركونة.

أيوب كان بيمشي بوعي شبه غايب، بيدور على أي مكان آمن، أي باب مقفول يستخبوا وراه.

بعد مشي حوالي نص ساعة، دخلوا حارة ضيقة جداً. أيوب شاف يافطة خشب قديمة ومكسورة متعلقة على باب بيت متهالك مكتوب عليها

"لوكاندة السعادة - للمغتربين".

زق الباب الخشب وطلعوا سلم ضيق ومكسر بيزيق تحت رجليهم. في الدور التاني، كان في راجل عجوز نايم على كرسي ورا مكتب خشب صغير، وقدامه تليفزيون قديم.

أيوب خبط على المكتب بخفة. الراجل العجوز فتح عينيه وبصلهم بكسل.

"عاوز أوضة يا حج.. أوضة مدارية وفي آخر الطرقة، ليلة أو ليلتين." أيوب قالها وهو بيطلع ورقة بميت جنيه من جيبه بيحطها قدام الراجل.

الميت جنيه دي كانت مبلغ بالنسبة لأسعار اللوكاندة التعبانة دي.

الراجل العجوز بص للفلوس، وبعدين بص لأيوب اللي وشه شاحب، وبص للعباية السودة المتغطية اللي وراه. فهم إنهم هربانين من حاجة، ومادام دافع كويس، يبقى ملوش دعوة.

"أوضة رقم ٧.. في آخر السطوح فوق. محدش بيهوب ناحيتها ولها حمام لوحدها. بس مفيش أكل ولا شرب." أخد الفلوس ورماه مفتاح.

أيوب أخد المفتاح، وطلع السلم اللي بيودي للسطوح وهو ساند على الحيطة. فتح باب الأوضة رقم ٧.. كانت أوضة عبارة عن جدران متشحرة، سرير حديد بمرتبة رفيعة، ولمبة صفرا ضعيفة بتتدلى من السقف، وشباك خشب مقفول.

أول ما دخلوا وقفل الباب وراه بالمفتاح والترباس، أيوب مقدرش يصلب طوله أكتر من كده. ركبه سابت، ووقع على الأرض جنب الباب، مغمى عليه تماماً من الإرهاق ونزيف راسه.

"أيوب!"

الصرخة طلعت من قلب فتنة. صرخة فيها كل معاني الفقد والرعب. رمت نفسها على الأرض جنبه.

بدأت تهزه بعنف، تضرب على خده بخفة، بس مفيش أي استجابة. جسمه كان بارد، ووشه أصفر زي الميتين.

فتنة محستش بنفسها غير وهي بتشيل الطاقية الصوف من على راسه. شافت الشاش المتغر*ق د*م، والد*م الجديد اللي بدأ يسيل على خده.

قلبها كان بيدق بسرعة جنونية. هي متعودة تشوف الد*م، أبوها اتقتل قدامها في بر*كة د*م، واللي خطفوها كانوا بيعذبوها لحد ما تنز*ف، بس د*م أيوب كان مختلف. الد*م ده نزل عشانها، الد*م ده هو تمن حريتها.

لأول مرة في حياتها، فتنة متستسلمش للخوف ولا تتكور على نفسها. غريزة البقاء، ومشاعر غريبة بدأت تتولد في قلبها ناحية الراجل ده، خلوها تتحرك.

بصت حواليها في الأوضة بسرعة زي القطة المحبوسة. شافت حوض صغير مكسور في زاوية الأوضة فيه حنفية. قامت جريت، فتحت الحنفية نزلت ماية ضعيفة. لفت حوالين نفسها بتدور على حاجة تملى فيها ماية، ملقتش.

بدون تفكير، خلعت العباية السودة، وقطعت حتة كبيرة من قماش الفستان القديم اللي كانت لابساه تحتها، بلت القماشة بالماية الساقعة، ورجعت جري لأيوب.

رفعت راسه التقيلة بحذر، حطتها على حجرها. بدأت تمسح الد*م من على وشه وراسه بالقماشة المبلولة. كانت بتمسح برقة متناهية، عينيها بتنزل دموع سخنة بتسقط على وشه.

"أيوب.. قوم.. فتنة بتخاف لوحدها.. أيوب قال مش هيسيب فتنة." كانت بتهمس بصوت متكسر، وبتتعلم تجمع الجمل لأول مرة.

فضلت تعصر القماشة الساقعة وتمسح على وشه، وتفرك إيديه الباردة بين إيديها عشان تدفيه.

مكنتش عارفة تعمل إيه تاني، فحضنته بقوة، لفت دراعاتها حواليه وحطت راسها على صدره، عشان تسمع دقات قلبه اللي كانت ضعيفة بس موجودة.

مرت ساعات، والليل فرض سكونه على القاهرة. فتنة نامت وهي ساندة على صدره على الأرض الباردة.

مع خيوط الفجر الأولى، أيوب بدأ يحرك راسه بوجع. فتح عينيه بصعوبة، الرؤية كانت مشوشة في البداية. حس بتقل على صدره، وبدفا غريب.

نزل عينيه، لقى فتنة نايمة في حضنه، حاضناه بقوة كأنه طفلها اللي بتخاف عليه، ووشها مليان دموع ناشفة.

أيوب قلبه دق بحنية الدنيا كلها. الراجل القوي اللي واجه الموت، حس بالضعف قدام الملاك اللي نايم في حضنه ده. رفع إيده اللي كانت بتوجعه، ومسح على شعرها الأسود الطويل بهدوء.

"أنا هنا يا فتنة.. أنا مامتش.. لسه العمر فيه بقية عشان أرجعلك حقك." همس بصوت مبحوح.

حركته خلت فتنة تصحى. رفعت راسها بسرعة، وأول ما شافت عينيه مفتوحة، ضحكت وعيطت في نفس الوقت. ضحكة بريئة وسط الدموع.

مسكت وشه بإيديها الاتنين، وبصت في عينيه بقوة، وقالت جملة واحدة واضحة، جملة اتولدت من رحم الوجع:
"أيوب.. أمان فتنة."

كلمتين كانوا كفاية إنهم ينسوا أيوب كل الألم اللي في جسمه. ابتسم وضمها لحضنه، وهو عارف إن المعركة اللي جاية مش هتكون بس عشان يهربوا، دي هتكون عشان يجيبوا حق "فتنة مرزوق" من اللي حرموها من نور الشمس.

في الڤيلا بتاعة عزت بيه، التليفون رن في مكتبه الساعة ٥ الفجر.

"أيوه؟" قالها عزت بيه وهو بيشرب قهوته وعينيه حمرا من قلة النوم.

صوت الراجل الضخم كان بيترعش من الناحية التانية: "يا باشا.. العيال فلتوا. دورنا في المحطة كلها لحد ما الصبح شقشق، مفيش ليهم أثر."

عزت بيه كسر فنجان القهوة في الحيطة بغل: "أغبيا! شوية بهايم مش عارفين يمسكوا حتة فلاح وبت مجنونة! بس ورحمة الموتى ما هسيبهم. اسمعني كويس.. البت معاها سلسلة فضة، السلسلة دي لو حد فتحها وعرف مين اللي فيها، حبل المشنقة هيلف على رقابنا. ابدأوا وزعوا صورتها على كل صبيانكم في الشوارع، شغلوا المرشدين، اللي هيجيبلي راس الواد ده حي أو ميت، له مليون جنيه!"

الرعب انتشر في صوت الراجل: "أوامرك يا باشا.. المليون جنيه هتخلي القاهرة كلها تدور معاهم. مش هيشوفوا شمس بكرة."

المعركة اتحولت. وأيوب، الشاب الأعزل اللي ملوش ضهر، بقى مطلوب حياً أو ميتاً في شوارع القاهرة القاسية، ومعاه أغلى وأخطر كنز.. فتنة.


تعليقات



<>