
رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل العاشر10 بقلم هاجر سلامة
ارتفع صوت صرخة لِيال ليدوي في أرجاء المصنع الواسع، كأنها طلقة تحذيرية حاولت إيقاف قطار الغضب الصعيدي قبل أن دهس الجميع.
ألقت بجسدها في المنتصف، ووقفت حاجزاً صلباً بين فوهة سلاح همّام وصدر المهندس التركي "جان" الذي تراجع خطوتين للخلف بذهول ورعب، وهو يرى الموت يتجسد في ملامح رجل صعيدي فارع الطول، تشتعل عيونه بنيران جحيمية لا ترحم.
كانت العمة رسمية الواقفة في الزاوية تراقب المشهد بابتسامة نصر صفراء، تظن أن الدم سيسيل الليلة وأن شرف لِيال سيدفن مع جثة الخواجة تحت قواعد المصنع الخرسانية.
صك همّام على أسنانه بقوة كادت تفتتها، وعروق جبهته برزت بنبضات متسارعة، وزأر بصوت رجولي زلزل حوائط المكان :"إوعي من وشي يا بت صالح! غوري من قدامي واصل بدل ما يكون دمه حلال الليلة في الدار دي الخواجة ده عيقولك جيت عشانك ومش هسيبك في المكان المتخلف إنتِ فاكراني إيه يا حُرم فاكرة همّام ولد عامر هيمشي عيل برة بحديث ماسخ مع مراته قدام الخلج والعمال يمين بعزة الله لقتله وأشرب من دمه!"
بكت لِيال بحرقة وهي متمسكة بياقة جلبابه الصوفي الفاخر بكل قوتها، ونظرت في عينيه السوداوين المشتعلتين وقالت بصوت يرتجف من الخوف عليه وعلى حبهما :"اسمعني يا همّام لا تضيع نفسك وتضيعني لجل مكيدة رخيصة أنا ماليش ذنب، والله العظيم ما أعرف إنه جاي مصر واصل دي لعبة من عمتك رسمية وعمك منصور لجل يوقعوا بيننا ويخربوا بيتك اقرأ الورق اللي في إيده، ده مندوب شركة المعدات اللي جدي تعاقد معاها،
هما اللي بعتوه لجل تركيب الأجهزة، ورسمية هي اللي جابته هنا في وقت وجودك!"
في تلك اللحظة الحرجة، دوت ضربة عصا أبنوسية ثقيلة على الأرض عند مدخل المصنع، وظهر ظل "الحاج عبد الرحيم" ومعه والده "عامر" وعدد من رجاله المسلحين.
كان الجد قد علم بتحركات رسمية المشبوهة منذ الصباح وأسرع للحاق بالبندر لمنع الكارثة.
زعق الشيخ الكبير بصوت جهوري مرعب خر له الجميع صامتين:"نزل سلاحك يا همّام!! نزل سلاحك واصل يا ولد عامر ولا تخلي الحقد يعمي عينك وتضيع هيبة عيلتك لجل حك حريم ومؤامرات رخيصة!"
تقدم الجد بخطواته المهيبة، ونظر إلى رسمية بنظرة جعلت ركبتيها ترتجفان رعباً، ثم التفت إلى المهندس التركي المذعور وقال لوالده عامر بحسم:"خد الخواجة ده يا عامر على مكتب الإدارة، وخليه يخلص تركيب الأجهزة ويمشي برة البلد في دقيقته، وعقده مع المصنع ملغي من الليلة دي واصل دار عبد الرحيم مبيتحكمش فيها أجنبي ولا يدخلها عار!"
انفضت المعركة الظاهرية، لكن المعاناة الحقيقية بدأت داخل الجناح المغلق بالطابق الثالث بعد عودتهم للقصر.
كان همّام يدور حول نفسه في الغرفة كفهد حبيس، يمسح وجهه بكفيه وينفث أنفاساً حارقة تملأ المكان توتراً.
أما لِيال، فكانت تجلس على الفراش وتبكي بقهر؛ ففرحة اعتراف ليلة أمس لم تدم سوى ساعات قليلة قبل أن تعود نيران الشك والغيرة لتخنق أنفاسها.
تقدم همّام نحوها بخطوات سريعة، ووقف أمامها تماماً، ونزل لمستواها ممسكاً بفكها بقوة حانية تخلو من الجبروت ولكن تملؤها غيرة تملّك قاتلة، وقال بصوت منخفض يرعد :"أنا مش شاكك في شرفك يا لِيال.. أنا خابر إنها ملعوبة من منصور ورسمية لجل يحرقوا جلبي، والجد حبس رسمية في أوضتها وهتتنفى برة الصعيد كله بكرا. بس اللي عيموتني ويقيد في عروقي نار، هو نظرة الواد ده ليكي لهفته وحديثه بالتركي اللي خابر إنه كان عيقولك فيه كلام عشق أنا همّام، ومستحيل أستحمل حتة فرخ برة يلمح مراتي بنظرة واحدة واصل علامك وشغلك في المصنع ده عاد ملوش وجود، ومن الليلة دي مفيش خروج من باب القصر ده واصل!"
انتفضت لِيال ونزعت يدها من بين أصابعه بعناد جارف، ووقفت تواجهه وعيناها الملونتان تلمعان بتحدٍّ وصمود :"لأ يا همّام! مش هقعد في الأوضة دي تاني، ومش هكون الضحية لجل غيرتك المريضة أنا أثبت براءتي وجدي خابر إني مظلومة، والمصنع ده حلمي وحلم أمي الراحلة ومش هسيبه لجل خاطر عقدك الناتجة عن شذى إنت قولت ليلة إمبارح إنك هتكون الأمان والضهر، والنهاردة أول ما هبت عاصفة صغيرة رجعت سجان وعايز تحبسني وتدفن علامي!"
صك همّام على أسنانه، واقترب منها حتى تلاقت أنفاسهما الحارقة، وهتف بنبرة تفيض بالعشق والوعيد :"الأمان ليكي صوح، بس في حضني وجوة بيتي! المصنع ده لو خروجك ليه هيخلي الخلج تتطلع فيكي أو يرجع ماضي برة يلاحقنا، ههده فوق دماغ الكل! إنتِ بقيتي ملكي يا لِيال، وعنادك ده لو هيضيعك مني هكسره بيدي! قعاد في الدار يعني قعاد في الدار، والحديث ملوش عاد مراجعة واصل!"
ادار ظهره لها بقسوة وتوجه نحو الشرفة ليدخن بشراهة، تاركاً إياها غارقة في دموع عجزها؛ فقد أدركت أن غرام همّام الصعيدي ليس نعيماً بل هو قيد غليظ وثقيل من العشق والغيرة الشرسة التي لا ترحم.وفي تلك الأثناء، كان العم منصور يجلس في بيته المعزول على أطراف البلدة، يستمع إلى خادمه الذي نقل له خبر فشل مؤامرة رسمية وحبسها بأمر الجد تمهيداً لنفيها.
تحول وجه منصور إلى سواد قاتم، وتملكه جنون جارف بعد أن علم أن الأراضي والميراث أصبحا في يد صالح ولِيال رسمياً بلا رجعة.
وقف منصور وهو بيخبط قبضة إيده في الحيط بغل وحقد
:"بقى الحاج عبد الرحيم عيحبس رسمية وعيكتب الأرض كلها لبت صالح؟ وهمّام ولد عامر عيحميها كيف الأسد ماشي يا همّام.. طالما الملاعيب العفشة مش عتطول شرفها، يبجى مفيش غير الدم والكسر الصوح أنا هحرق جلبك على غسيل عشقك ده، والبت لِيال مش هتبات في حضنك ليلة واصل!"
التفت منصور إلى رجلين من مطاريد الجبل والمسلـــــحين الذين استأجرهم بالمال، وقال بنبرة تقطر غدراً وسماً:"اسمعوا زين يا رجالة.. بكرا الصبح، البت لِيال هتكون محبوسة في القصر صوح، بس همّام وأبوه والجد هيكونوا في مجلس الصلح بتاع عائلات المراكز في البندر الكبيرة. تنتهزوا الفرصة وتدخلوا من الباب الخلفي بتاع الجنينة، وتخطفوا البت لِيال وتجيبوها لي في مغارة الجبل والواد همّام لو عايز مراته وحبيبته ترجعله صاغ سليم، يجي يوقع لي على عقود التنازل عن الأرض والطين كله تحت رجليا، وإلا هيدفنها بيده!"
ضحك المطاريد بشر وقبضوا الأموال، لتعلن خيوط المؤامرة الجديدة عن جحيم مرعب ينتظر الأبطال؛ فبين غيرة همّام الشرسة وحبسه ل لِيال داخل الجناح، وبين غدر منصور ومطاريد الجبل الذين يستعدون لسرقتها من وسط عرينه، كانت نيران الصعيد تستعر بعنف
لتؤكد أن أيام العشق السعيدة في قصر عبد الرحيم قد انمحت تماماً، لتبدأ فصول جديدة ومروعة من المعاناة والمواجهات القا...تلة