
رواية جامحه بقلبه الفصل الحادي عشر11 بقلم داليا السيد
أنا لم أرفضك
أغلقت باب الغرفة عليها وألصقت رأسها به وما زالت تبكي.. وكل ما حدث يلف داخل عقلها كشريط سينمائي يعرض أمامها..
أن تهينها هي، تلصق بها كل تهم الدنيا، فهذا جائز.. أن تقف بزواجها من ابنها فمن حقها كأم
لكن..
أن ترفع يدها على ابنتها الصغيرة فهذا ليس من حقها ولن تقبله
التفتت وظهرها التصق بالباب ونظراتها سقطت على طفلتها التي نامت من البكاء، وما زالت ترى ما كان والألم يمزقها على ابنتها التي لن تنال سواها ولن تستمتع بها إلا أيام معدودة..
أغمضت عيونها لتستعيد ما كان..
الصفعة نزلت بقلبها وأيلا بكت وقبل أن تتحرك لابنتها كانت ابنتها تهرع لها "مامي.. "
واحتضنتها.. رفعتها بين ذراعيها، فتحت أحضانها لقرة عينيها ونزلت لها تضمها بقوة
بينما صوت رحيم خرج مخيف "ماما.. "
التفتت عنان له بغضب "اسمع رحيم، لو ظلت تلك الفتاة وابنتها بحياتك فأنا لن أعرفك بعد اليوم"
الغضب سكن مقلتيه وتلونوا بالأحمر وصوت بكاء ابنته يحرق قلبه "مهرة، خذي أيلا واصعدي للأعلى"
رفعت وجهها الغاضب له ورأت النيران تشتعل على وجهه رغم أنه لم ينظر لها وبالطبع لن تبدأ حربها معه أمام تلك المرأة المتحجرة القلب
وما أن تلاشت حتى هتف بأمه "ما حدث الآن لن يتكرر مرة أخرى ماما"
لم تتراجع أمامه "وإلا ماذا رحيم؟ أنا لن أعترف بتلك المرأة وابنتها أبدا وأنت لن تتزوجها"
صوته خرج محملا بكل الجنون "لا أحد يخبرني ماذا أفعل من عدمه.. لكِ الحرية بالرفض أو القبول فهذا شأنك لكن حياتي أنا فقط من يملك حق تقريرها"
لم تتراجع فهي امرأة قوية وربما هو استمد جيناته الأكثر منها "وتفشل مرة أخرى ووقتها نارا لن تسامحك"
أشاح بيده "نارا لا تمر على ذهني بالمرة، أنا لن أتزوجها وهذا قرار نهائي"
تراجعت بلا تصديق "لكن هي الأفضل لك"
أشعل السيجارة وقال "هذا رأيك"
تحركت له.. تحاول مرة أخرى "رحيم، عائلتنا لن تقبل بتلك المرأة.. أنت تبدأ عداء مع الجميع"
رفع رأسه وقال "للمرة المليون ماما، هي حياتي ولا أحد له دخل بها" والتفت لها لينهي الحوار "زفافي على مهرة غدا، هذا قرار لا رجعة فيه"
الغضب عاد مرة أخرى "كيف تفعل ذلك؟ كيف تثق بامرأة مثلها؟ ألا تشك أن تلك الفتاة ليست ابنتك؟"
مال عليها.. نظراته حملت الوعيد "ولا كلمة أخرى ماما، مهرة ستكون زوجتي وأيلا ابنتي ولن يتجرأ عليها أحد مرة أخرى.. حتى ولو كان أنتِ ماما"
وتركها وتحرك مبتعدا فقد انتهى الحديث بالنسبة له ولم يعد لديه شيء ليخبرها به
عندما فتح باب غرفة أيلا وجد الفتاة نائمة ومهرة تقف عند النافذة، ترى عنان وهي ترحل بالسيارة ومن داخلها كانت تدرك أن تلك المرأة ستدمر حياتها لو استطاعت
"هل هي بخير؟"
همسه أفزعها وجعلها تبتعد عن أنفاسه الحارة بجوار أذنها وعندما التقت بنظراته أدركت كم كان يسكنهم الألم..
أبعدت وجهها دون أن تجيبه فعاد وقال "هل نذهب لنتحدث؟"
لفت وجهها له مرة أخرى وهي بالفعل لابد أن تتحدث، تضع نهاية لكل ذلك
التفتت وتحركت خارجة والعصبية تسكن كل خطواتها وهو راقبها متفهما حالتها
تحركت لتنزل وتضع نهاية لكل الاهانات التي لا تتوقف بسبب عودته لحياتها فقد تعبت منها لكنه قبض على ذراعها "من هنا مهرة"
كان يقصد غرفتهم القديمة وهي فهمت، لكنها نفضت ذراعها من يده والتفتت ورأى احمرار عيناها.. ليس من البكاء بقدر ما هو من الغضب
صوتها خرج قوي، ثابت "لا يهم أين رحيم لأن بانتهاء حديثنا هذا سأرحل أنا وابنتي"
كان يعلم أنها ستطالب بذلك، حاول أن يظل باردا.. كفاه ما ناله من أمه حتى الآن، مال عليها وأخفض من صوته لكن نظراته ظلت تلاحق عيونها
"لن يرحل أحد من هنا مهرة"
لكنها لم تسمح له بالتسلط مرة أخرى "ولن أبقى بمكان لا يمكنني حماية ابنتي فيه"
صمت.. مواجهة الحقيقة دائما ما تصدم صاحبها رغم أنه يعلمها جيدا "لا أحد يمكنه حماية ابنتي وحمايتك سواي"
التحدي ظهر بكل ملامحها وكلماتها والظلام خيم على الأجواء..
ليس ظلام النور، بل ظلام الحزن والخوف.. والألم "بصفع والدتك لابنتي؟ ابنتي التي لم أرفع حتى صوتي بوجهها وليس يدي؟"
مرة أخرى صمت.. لا يوجد رد
لكن هي لم تصمت.. طفح الكيل "إلى هنا وكفى رحيم، أنا تحملت الكثير منك ومنهم.. إهانة، كسر، طلاق لكن لن أسمح لأي أحد أن يقترب من ابنتي بهذا الشكل"
ضاقت عيونه من كلماتها..
فقد كلماته أمام كل ما صرحت به ولمس حياتهم معا ولم ينكر أنها نجحت باستفزازه "ولا أنا مهرة، لن أسمح بأن يتكرر مرة أخرى"
ضحكت بسخرية موجوعة وهي تبتعد وتشيح بيدها "مرة أخرى؟ ماذا يعني مرة أخرى؟ هل ما حدث، حدث وانتهى هكذا؟"
تبدلت نبرته للأقوى، من صدر منها الفعل أمه، لن يمكنه رد الصفعة ولن يمكنه الانتقام بشكل يناسب ما حدث لابنته "قلت لن يتكرر.. "
التفت لتمنحه مواجهة دفعته للخلف بلا لمسات، فقط نظراتها كانت حادة وقوية، تحمل غضب السنين "وأنا لن أبقى حتى أرى إن كان سيتكرر أم لا"
وتاهت الكلمات بين التحديات والغضب.. وهي أكملت بإصرار وقوة "أنا راحلة، لن أبقى لا أنا ولا ابنتي"
تحرك ناحيتها.. خطوة وراء الأخرى ببطء مثير للأعصاب "لن يرحل أحد من هنا"
رفعت وجهها الملطخ من آثار البكاء والألم "حاول أن توقفني"
قبض أصابعه بجواره رافضا الانجرار وراء تحديها.. رحيم العزايزي لم يكن ليتراجع أمام أحد، لكن هي وابنته ليسوا أحد
هم عائلته.. الوحيدة
"مهرة لا تتحديني، تعرفين أني لا أحب ذلك، لا أجادل بأن ما حدث كان خطأ ولكني وعدتك بأنه لن يتكرر وإلى هنا وانتهينا"
لكنها لا تتراجع.. مدفوعة بإحساس الذل والإهانة الذي تصر عنان على إشباعها به "لا رحيم، لم ننتهي، لأن لا والدتك ستتوقف ولا نارا ستتراجع عنك ولا العالم سيقبل بي بحياتك ولا أنا سأتحمل كل ذلك"
والتفتت لتبتعد لكنه أوقفها بقبضته ولكن تلك المرة جذبها له.. اصطدمت العيون، اختلطت الأنفاس القوية والعناد ارتفع داخله فلن تهزمه امرأة
"لا تقللي مني مهرة لأن ذلك يغضبني وأنتِ تعلمين غضبي جيدا"
رفعت وجهها له بتحدي "وأنا لم أعد أخاف رحيم، ليس لدي سوى ابنتي ولن يوقفني شيء عن حمايتها"
احنى رأسه ليصل لوجهها ولانت نبرته "وهي ابنتي أيضا وأنتِ واثقة جيدا أن لا أحد سيحميها ويمنحها أفضل حياة سواي، لنتوقف هنا مهرة"
تحركت عيونها على عيونه وقلبها ينبض بقوة وأنفاسها الغاضبة تختلط بأنفاسه القوية
"أنا أريد بقائك مهرة، برغبتك.. وليس غصبا"
ابتلعت ريقها.. هذا القرب يدمرها.. يضعفها.. يوهن قدرتها على المقاومة "أنت قلتها رحيم.. والدتك، أي لن.. "
رفع إصبعه لفمها، توقفت وهو أكمل "قلت لن يتكرر"
وسكت لحظة وما زالت نظراتهم متصلة وهو يكمل "وهي ليست جملة وانتهت، هذا قرار"
رفعت ذقنها بعناد واضح لم يعرفه بها، هو فقط عرف الطيش، الجنون وتهور فتاة صغيرة
"وأنا لست مستعدة لأراهن على قراراتك أنا قد لا أعيش كثيرا.."
ذكرته بما رغب بأن ينساه وما زال يتجاهله "وأنا لا أطلب منكِ رهان"
واقترب أكثر، يدرك تأثيره عليها "أنا أخبرك الحقيقة.. وجودك هنا لم يعد اختيار مؤقت مهرة"
وأضاف بوضوح صريح وقاطع "هنا مكانك.. بيتك"
لكنها ما زالت تقاوم ولو بضعف "لا، مكاني أنا من يحدده"
لم يجادلها "حددي ما شئتِ.. لكن ليس بعيدا عني"
ضاعت الكلمات.. الجملة أصابتها بمكان ما أضعفها أكثر..
رفع ذقنها بأصابعه لتواجه عيونه الجذابة وهمس بصوت قاتل لكل مقاومتها "أنا لن أدعك ترحلين من حياتي مرة أخرى، لا أنتِ ولا أيلا، ولن أسمح لأحد بأن يقترب منكم مرة ثانية"
هذا القرب.. تلك الأنفاس.. اللمسة
أنت تدفعني للهاوية يا رجل.. ترفعني للجنان ويا خوفي من ذلك
"حتى والدتك؟"
ثانية مرت من الصمت بلا قطع اتصال العيون.. ولا الأنفاس حتى قالها.. بثبات
"حتى والدتي"
واهتز شيء داخلها..
تنفست وهو يشعر بها..
يدرك كل رد فعل منها، يعلم مخاوفها بسبب مرضها وهو نفسه خائف لكن هو لا يستسلم
لم يتوقف بل أكمل "والزواج سيتم رغما عن الجميع.. لكن ليس رغما عنكِ، بل عمن تعرفينهم جميعا لأنه الحل الوحيد لحمايتك وحمايتها"
قلبها دق أكثر وأكثر.. الجملة تصيب الحقيقة التي كانت تحاول الهروب منها وهو لا يمنحها فرصة وهو يحاصرها بلا رحمة
"ولأن هذا هو ما أريده"
كانت قد ضعفت.. سقط قناع القوة عنها بلا مقاومة "رحيم أنا قد لا أعيش لذا أنا أخاف عليها.."
رفع يداه لوجهها.. أحاطهم بحنان ومنحها دفء وقوة بلمسته "لن تموتي مهرة، ما أن ينتهي الزواج ويصل طبيبك سنجري الفحوصات وسنحارب بكل قوتنا، أنا لن أفقدك مرة أخرى مهرة، لن أفقدك"
وجذبها له.. احتضنها بقوة وهي تخطت ما كان بثقتها بوعده لها وإدراكها أنه على حق..
لا أحد سيحميهم سواه
****
بالصباح تبدل كل شيء..
مع ازدحام الفيلا بأشخاص غريبة وأضواء تعلق هنا وهناك، لم يكن هناك مجال لأي ذكر لما كان بالأمس
حتى أيلا.. نهضت بنظرة مختلفة ليوم جديد..
هربت من التحدث عما حدث بالأمس ومهرة أيضا لم تذكره..
مهرة حاولت منح ابنتها تفسير لزفاف تأخر سنوات..
ما معنى أن يكون لها حفل ولديها طفلة بالثالثة من عمرها؟
لكن كل ما اهتمت به أيلا هو المرح هنا وهناك.. أخذت قلوب كل الموجودين ببراءتها وكلماتها التي تمس القلوب وتأخذ العقول ومربيتها لا تتركها..
المرأة أخذت تعليمات مشددة من رحيم وتهديد خفي لو أصاب الفتاة شيء فلن يرحمها..
الفستان انتصف الفراش.. لم تراه من قبل بأي مجموعة من مجموعات الأزياء التي كانت تتابعها عبر الانترنت..
لكنها رأت اسم العزايزي جروب على الكيس الخاص به..
امرأتان طلبا الإذن لرؤيتها.. مختصتان التجميل..
واستسلمت لكل تلك الأجواء وكأنها فاقدة للوعي..
لكن بجزء من عقلها ما زالت تحمل الخوف من مصيرها الذي تخفيه لها الأقدار..
****
لم يمكنه تجنب متابعة ما تم بغيابه بالعمل لذا مكتبه استقبله وهو لم يمرر لحظة دون متابعة كل كبيرة وصغيرة كعادته حتى..
"كان لابد أن أراك طالما لا تجيب اتصالاتي"
رفع وجهه ورأى نارا تقف عند الباب ومن خلفها السكرتيرة ونظراتها تنتظر أوامره وبعد وهلة منحها نظرة جعلتها تتراجع وتغلق الباب خلفها
نارا تحركت للداخل وهو تراجع بالمقعد جاذبا سيجارة لفمه وقداحته اشتعلت بلهيب يشبه النيران الواضحة تحت نظرات نارا
"من الواضح أنك أخرجتني تماما من حياتك"
نفخ الدخان وأجاب بهدوء "لم يمكنني منحك ما تستحقين نارا.."
جلست أمامه.. ساقا فوق الأخرى وكأن الأمر بسيط وليس محرقا لقلبها وأحلامها "وهي تستحق؟"
سيجارته امتصت كلمات مزعجة كاد ينطق بها لكنه استكفى بكلمة واحدة "ربما"
أبعدت وجهها عنه وهي تقول "كما وأن ابنتك تستحق"
ولفت وجهها له.. تلتقي بدخانه ومن خلفه عيون مظلمة لم ترى شيء من خلالها "كان علي أن أعرف بذلك اليوم، لكنت تفهمت رغبتك بعودتك لأمها"
ظل صامتا وقت مر ثقيل بينهم والنظرات لا تفترق.. ربما هي لا تتحدث بوضوح لكنه لا يشعر بالراحة تجاها "لا أظن الأمر أصبح يعنيك نارا، كلانا لم يعد على نفس الطريق"
تجهمت للحظة.. شعرت برغبة بالصراخ بوجهه لكن سرعان ما تراجعت "هذا بالنسبة لك رحيم، لكنك أيضا تعلم أني لم أحب سواك وكل ما يخصك يشغلني"
نهض وهو يدهس السيجارة ولم ينظر لها أو يمنحها اهتمام بكلماتها بل تحرك لمشروبه وسكب قليل منه بالكوبين وعاد لها..
نهضت.. قبضت يدها على يده الممسكة بالكوب وعيونها ثابتة على عيونه وهو لم يهتم بيدها
وهي ظنت أن قبول لمستها له معنى "لم لا تأخذ منها الفتاة وتبعدها عنك؟ يمكنني أن أساعدك بتربية الفتاة وأنا زوجتك"
أفلت يده من يدها تاركا الكوب بيدها ولكنه لم يفلت عيونها "ومن تحدث عن رغبتي بفصل ابنتي عن والدتها؟"
كانت تصارع نفسها بالبقاء هادئة أمامه.. تصارع غيرتها، جنونها من هزيمتها من امرأة كمهرة "أنت لست جاد رحيم؟ لطالما أخبرتني أنها لا تليق بك"
انحنى عليها وصوته انخفض بطريقة أخافتها "أنا لا أذكر أني فعلت ذلك سوى مرة واحدة، عندما كنت فاقد للإدراك بسبب الشراب وبعد انفصالي أنا وهي"
وابتعد وهو يأخذ رشفة من المشروب "حتى لو، هذا لا يمنع أنها الحقيقة، رحيم لا تهد ما بيننا مرة أخرى بلحظة طيش جديدة"
التفت لها.. الرمادية تلونت بالأسود ولم تمنح نارا أي معاني خفية داخل صاحبها "نارا لا داعي لنتطرق لأمور قد تؤلمك أكثر"
تحركت وخطواتها كانت تضرب الأرض بقوة واضحة، تسقط بها جنونها.. غيرتها.. غضبها وسخطها من امرأة سرقت حلمها مرة وعادت لتفعل مرة أخرى
"إذن لا تفعل رحيم، لا تؤلمني بما تعلم أنه يدمر سعادتي وسعادتك"
مال تجاها وحتى الآن كان يحاول المحافظة على مشاعرها.. يشعر أنه ظلمها مرة واثنان "زواجنا كان سيكون الألم الحقيقي نارا، لو كنت أجد سعادتي به لما تراجعت عنه"
الجنون يتزايد داخلها، الألم أيضا يزيد خطوة بخطوة معه وهي تحاول التماسك "وسعادتك معها؟ رحيم إنها نفس الفتاة التي.. "
رفع الكوب بينهم وهو يقاطعها "لا.. هي ليست نفس الفتاة التي كنت أراها، كانت امرأة لم أجيد رؤيتها جيدا والآن فعلت وأريدها"
وتحرك ليبتعد وهي لم تتحمل، رفعت المشروب لفمها وتناولته كله مرة واحدة حتى أحرق صدرها وترنحت قليلا حتى تماسكت
رائحة السجائر عادت بالغرفة وهي تلتفت له "نزوة جديدة"
ترك الكوب وقال "لم أعد ذلك الشاب الطائش نارا لأخوض نزوة جديدة بابنة ثلاث سنوات ولا مع امرأة مثل مهرة"
استدارت له.. انفلت الزمام منها.. انهار جبل الثلج وصدر صوتها معبرا عن غضبها "ماذا بها ليس بي رحيم؟ هو أنا من أملك المال والجمال وعائلة و.. أحبك"
تجهم وجهه للحظة وهو يرى الألم على وجهها
تحرك لها ورفع يداه لذراعيها وتبدلت نبرته "نارا ما بيننا لم يكن حب بأي يوم، كان ارتباط عائلتين وأولاد نشأوا معا، لو كان حب لما أمكنني رؤية امرأة سواكِ، ما بيننا لم يكن حب بأي يوم.. ولو كان لكنتِ مكانها اليوم"
دموعها استقرت على وجنتيها وصوتها خف من الألم "كدنا نتزوج رحيم.. خطوة واحدة فصلتنا عن الزواج، هي السبب"
مال عليها بتفهم "حتى لو نارا، فمن الأفضل أنه حدث قبل أن نتزوج وتدمر حياة كلا منا"
بكت.. اليأس من كلماته هو ما وصل لها.. نفخ بقوة وهو لا يجد كلمات "نارا لا تجعلي الأمر أصعب مما هو"
كانت ضائعة، يائسة، متألمة..
حبها له لعنة أصابتها منذ الصغر ولا شيء يمكن فك لعنتها سوى زواجهم لكن.. "حسنا رحيم.. تزوجها ولكن لنتزوج نحن أيضا.. أنا أوافق، فقط دعني بحياتك"
أبعد يداه عنها وكلماتها صدمته.. لا يصدق أنها تطلب منه ذلك.. لا يمكن أن يفعل ذلك
ابتعد.. منحها ظهره والسيجارة تحترق بين أصابعه وهي لا تتوقف "فقط تمنحني فرصة ربما أنجح بجعلك تحبني"
لم يرد..
السيجارة انتهت بالمطفأة ويداه سكنت بجواره وعيون مهرة هي كل ما وقف أمامه الآن.. هو لا يتخيل امرأة أخرى سواها بحياته
للحظة رآها وهي تكتشف أنه تزوج نارا عليها..
أغمض عيونه ولكن رأس نارا التي استقرت على ظهره جعلته ينتبه وصوتها المتألم يخاطبه "تزوجني رحيم وأنا أعدك أن أبذل كل ما أملك لإسعادك"
ظل صامتا لوقت حتى ظنت أنه سيوافق حتى التفت لها ببطء وهي ترفع وجهها الباكي له.. نظرات الرجاء ملأت عيونها وشفاها منفرجة تمنحه دعوة
لكن..
صوته خرج ثابتا "لا نارا.. لا يمكنني ذلك"
وتحرك مبتعدا وهي صرخت بلا وعي "لماذا؟ لماذا تفعل بي ذلك؟ لماذا تتعمد إذلالي وأنت تعلم أني أحبك؟ لماذا؟"
ودفنت وجهها بين راحتيها والبكاء تملكها وهو ظل يحدق بها، لم يمكنه إيقافها ولا منحها أمل كاذب
تركها حتى هدأت وفجأة مسحت دموعها ولم تنظر له، فقط قالت "تظن أنك تحبها لذا ترفض حبي أليس كذلك؟"
رفع وجهه..
الجميع يعرف أن الحب لا مكان له بحياته فلماذا يصرون على إسقاط تصرفاته عليه؟
وما تفسيرك يا عزايزي لملاحقتك للمهرة؟
تحركت له وواجهته وقد دفعت أحزانها، ضعفها والألم خلفها "حسنا لكنك لست متأكدا أنها تحبك كما أحبك أنا، لكانت عاشت معك وتحملت كل شيء لأجلك"
الطلقة قد لا تصيب الهدف ولكنها صنعت ضوضاء داخله، ما هي مشاعر مهرة تجاهه؟
هل حقا لا تريده؟ كم رفضته وكم حاربها ليعيدها..
لكن..
صوت نارا كان كفحيح الأفعى، يبخ السم بلا رحمة "هي فقط ترغب بأب لابنتها وملياردير يمنحها حياة لا تحلم بها هو كنز، غبية من تتركه يفلت منها"
وتركته والتفتت لتذهب ثم توقف لحظة وقالت "عندما تندم سأكون بانتظارك رحيم"
وخرجت وهو ظل جامدا مكانه وأسئلة متلاحقة تندفع لذهنه ونارا زرعت بذرة الشك وتركتها لتنمو وحدها..
****
ما أن تحركت خارجة من غرفتها وأيلا بجوارها تحمل سبت صغير مليء بالورد الأحمر، حتى رأت ابن عمة والدتها يقف بانتظارها
هو الوحيد الذي تعرفه من أقاربها وهو من دعته.. ليكون وليها
منحها ابتسامة امتلأت بالحنان "مبارك يا ابنتي، من الصواب عودتك لوالد ابنتك"
لم تجيب.. قلبها يدفع بقوة داخل ضلوعها.. لم تشعر بالراحة طوال اليوم.. شيء ما يقبض على صدرها..
خائفة من شيء لكن لا تعرفه..
تراجعت وهي ترى ذلك الحشد الكبير من المدعوين بالأسفل يقفون بانتظارها وتعالت أنفاسها..
واستقرت نظراتها الزائغة عليه، يقف بأسفل السلم.. ينتظر رفع غطاء الوجه ليرى عيونها.. يسألها..
هل تتزوجه فقط ليكون والد ابنتها؟
أنت بالفعل والد ابنتها.. هي بالأساس ساعدتك بذلك..
هل تريديني كما أريدك؟
أنت لم تمنحها الأمان كي تمنحك الإرادة.. عقله يدفعه للجنون.. وشيء آخر يدفعه لسؤالها.. ماذا أعني لكِ؟
وقفت أمامه وسط تصفيقات الجميع والرجل احتضنه ومنحه كلمات تهنئة وهو ارتد لها.. يرفع غطاء الوجه الأبيض..
وتورد وجهها.. رموشها أطاعت أوامرها.. ارتفعت.. البنفسجية لمعت له..
ألا تقرأ لغة العيون؟
لو فعلت لارتحت..
يدها استقرت بين يده.. ارتفعت لفمه ووضع قبلة على ظهر يدها.. وعيونه ثابتة على عيونها..
فلاشات تضيء من هنا وهناك وللحظة نظراتها جعلته ينسى الجنون الذي زرعته نارا داخله
شيء ما جذب قماش بنطلونه فانتبه ليرى صغيرته "بابي، ارفعني كي أضع الورد على مامي"
ابتسم.. ولم يفكر وهو يرفعها وهي تغرق مهرة بالورود وسط الكاميرات والفلاشات ونظرات من هنا وهناك وكلها تختلف بما تحمله داخلها من أفكار..
التهاني تصاعدت من أفواه الجميع بعد أن أنهى المأذون إجراءات الزواج..
ومسلم مال تجاهه بتلك العلبة وهو لا ينتظر بل يأخذ دبل الزواج ويعتدل لها وهي لا ترفع عيونها له
ما زال قلبها غير مستقر.. ومع ذلك وضعت دبلتها بإصبعه والتقت بعينيه ونظرات التملك كانت واضحة بهما
الأصوات قاطعت لحظتهم..
التهاني لم تتوقف وهما يقفان بمنتصف القاعة لالتقاط الصور مع الحضور حتى انتهى السيشن
بدأت الموسيقى وأيلا بجوارهم "بابي هل ترقص مع مامي أم لا تعرف كيف ترقص؟"
ضحك وهي أيضا حتى قال "سأحاول أن أفعل أميرتي"
تراجعت الصغيرة والمربية لا تفارقها تنفيذا لأوامره
وهو لم يفكر وهو يلف زوجته بذراعه ويجذبها له والأضواء انخفضت وسقطت بقعة كبيرة عليهم وحدهم وسط القاعة الكبرى
رفعت وجهها له.. تحاول تصديق كل ما يحدث لها.. تلك اللحظات لم تعيشها من قبل.. والآن تستمتع بها
"ما زلتِ ترفضين زواجنا؟ من داخلك؟"
اندهشت من السؤال.! لم تتوقعه "كنت تعلم سبب رفضي له"
ضمها له.. ينتظر أي كلمة تجعله يطرد تلك الشكوك التي زرعتها نارا داخله "هل تعنين أن الرفض ليس لي أنا؟"
زاغت عيونها بين الرمادية الثابتة عليها والموسيقى ترتفع حولهم بلا إزعاج ولم تجد موانع من أن تتحدث "لو كان الرفض لك ما كنت زوجتك الآن"
سكنت ملامحه لحظة.. لكنها لم تمنحه الراحة كاملة
لم تترك عيونه.. نظراتها تحمل صدق يراه.. يؤمن به ويعرفه جيدا "أنا رفضت الخوف رحيم.. رفضت العودة لنفس النهاية"
قربها منه أكثر.. يده تضغط على خصرها.. أنفاسه تسقط على وجنتها مليئة بالحرارة التي مرت خلال جسده وهي تكمل "لكن.. أنا لم أرفضك منذ عرفتك"
اقترب وجهه من وجهها بلا اهتمام بالنظرات الثابتة عليهم ولا الكاميرات التي لا تترك شيء دون التقاطه "مرة أخرى، هي أول جملة جيدة أسمعها منكِ"
تورد وجهها وابتسامة تعلو شفاها وهي تقول "لم تكن رجل كلمات من قبل رحيم"
لم يبعدها.. بل أنهى أي مسافة بينهم "اتفقنا أن كل شيء بيننا تبدل"
لم تفقد الاتصال بينهم.. تحب قربها منه كما كانت بالماضي لكن اليوم كان مختلف.. كان به دفء غريب.. تملك بلا سيطرة ولا قوة
"يعجبني رحيم الجديد أكثر"
لا يكتفي.. يريد شيء أكثر "بالمقارنة بباقي الرجال؟"
ومنحته شيء "أنا لم أعرف رجال سواك رحيم ولم أقارنك بأي رجل فكلهم لا شيء بجوارك"
رفع وجهه.. تنفس وهو يغمض عيونه وشعور بالراحة ومع ذلك هي من عاتبته "لكنك اتخذت سواي بحياتك"
عاد لها وهو يتفهم والصدق ظهر هو الآخر بصوته "ظننت أن بوجودها سأنساكِ، والحقيقة أن ظهورك كان طوق النجاة من السقوط ببئر الضياع"
ابتسمت وهو يقترب بوجهه منها "أنا أيضا مهرة، أنا أيضا لم أجد نفسي سوى معك"
تبدل الموسيقى قطع لحظتهم لكن قلوبهم كانت ترقص من السعادة
الحفل كان هادئ، مناسب لرجل مثل رحيم.. وهي وجدت نفسها بين أشخاص لم تصدق أن تكون معهم.. لم تعرفهم من قبل
لا أحد فكر بذكر ماضيهم وربما لم يعرف أحد ما كان بينهم.. حتى..
الأنظار تحركت لمدخل الفيلا.. رحيم توقف عن الحديث مع الرجل الواقف بجواره فجأة، نظراته فعلت المثل مما جعلها تلتفت إلى حيث نظروا جميعا وجمدت مكانها..
نارا..
هل فعلا أتت؟ كيف تبدو هكذا بكامل أناقتها وجمالها.. ثابتة وعلى فمها ابتسامة واثقة وبسرعة كل الصحافة انتقلت لها..
لم يحاول أحد أن يتحدث.. ومهرة انكمشت من داخلها وعيونها بحثت عن أيلا تتأكد أنها صعدت مع مربيتها إلى غرفتها..
لا ترغب بأن تُصدم أيلا من شيء جديد بعد ما كان من عنان
ارتجفت عندما شعرت بيده تتحرك على خصرها، يجذبها له.. رفعت وجهها له لكن نظراته لم ترحل لها بل ظلت ثابتة على نارا..
هو فقط منحها تأكيد أنه هنا.. معها
توقفت نارا أمامهما.. تبتسم ابتسامة باردة.. كيف فعلت ذلك؟ هكذا تساءلت مهرة..
عيون نارا ثبتت على رحيم وهي تدرك تماما العيون المتلصصة، ليس فقط الصحافة بل كل شخص موجود يترقب ما سيحدث..
ابتسامة ثابتة ما زالت ظاهرة على وجهها "ألف مبروك رحيم.."
صوتها خرج هادئ.. ثابت.. لا يحمل انكسارًا ولا ألمًا.. وكأنها لم تكن يوما جزءًا من حياته
صمت.. لحظة ثقيلة.. ما زالت الانظار عليهم وهو ثابت "شكرا نارا"
صوته لم يقل هدوء عنها.. ولا قوة وربما تحذير..
والتفتت نارا لمهرة.. نظرة واحدة مسحتها من رأسها حتى قدميها ببطء قاتل
ثم ابتسمت "مبروك.. "
الكلمة خرجت منها.. لكنها لم تحمل تهنئة بقدر ما حملت معنى آخر لم تفهمه مهرة.. فقط شعرت به..
لم يمنحها فرصة للرد بل أجاب بصوت منخفض.. حاد "نارا.. سنتوقف هنا"
رفعت حاجبها بخفة.. كأن كلماته لم تمسها "نتوقف؟"
لم تتراجع بل تهيأ لمهرة أن نارا كانت تقترب من رحيم.. والصحافة تلتقط كل التفاصيل "هذا غريب فقد ظننت أننا سنبدأ"
ضغطت يده على خصر مهرة أكثر ووجهها هي تجهم ونارا لا تتراجع وهي تقول "أتمني أن تكوني سعيدة بالفعل مهرة.. ولستِ فقط مضطرة"
تجمدت مهرة..
ما المعنى الخفي وراء الكلمة؟
رحيم لم يترك الكلمة تثير ظنونه مرة أخرى فقد أدرك أن نارا تتلاعب به وتنثر الشكوك بينه وبين مهرة وعليه إيقافها
لكن..
قبل أن يفتح أيا منهما فمه..
دوى صوت حاد.. صرخات.. فوضى.. اختلاط الأصوات ببعضها البعض
لم يفهم أحد ما حدث.. إلا هو..
فهم..
لكن.. عندما سقط جسدها على صدره.. تحتضنه وهو لم يكن مدرك سبب تصرفها حتى رأى عيونها تنظر له..
ثم تتسع
جسدها الذي التصق به بدأ.. يرتخي فجأة.. يده ارتفعت دون وعي.. يلتقطها قبل أن تسقط
الدم بدأ يظهر.. ببطء.. الأحمر ينتشر عبر الرداء الأبيض
قلبها يدق بقوة ليقاوم ما يحدث لجسدها من انهيار..
قلبه يدق فزعا لمن تتهاوى بين ذراعيه وهو يحاول استيعاب ما حدث..
والجسد ينهار والعيون انغلقت بلا كلمات وصوته خرج مخنوق.. بلا قوة على الصراخ "مهرة"
ولكنها لم تكن تسمعه.. الظلام غطى كل شيء حولها ورحلت الأصوات وحتى صوته لم تعد تسمعه..
وهو سقط معها.! بل بها مدركا أنها اختارت أن تنال الطلق الناري بدلا منه
اختارت تركه وحده مرة أخرى ليتلوى من ألم فقدانها..