
رواية جامحه بقلبه الفصل الثاني عشر12 بقلم داليا السيد
الفصل الثاني عشر
فحوصات
جلس.. رأسه لم يرتفع.. نظراته ثابتة على الأرض الباردة لتلك المشفى..
كل الخطوات التي كانت تتحرك من حوله لم تؤثر به.. لم يرفع وجهه لرؤية أصحابها.. فقط كان ينظر لعيونها التي كانت تواجه نظراته وقت نالت تلك الطلقة..
بدلا منه..
ما الذي كان يحدث هناك؟
كلما نظر ليديه رأى دماءها تطلخهم..
رجاله لم يصلوا لمن أطلق الرصاص.. ولم يعرف من الذي أراد قتله؟ ولماذا؟
انفتح الباب أخيرا بصوت مزعج.. وكأن الباب يعترض على استخدامه..
رفع رأسه أخيرا.. تلونت عيناه بالأحمر.. نفس اللون الدموي والذي لا يرى سواه..
صوت الطبيب كان خافتا وهو يتحدث فلم يسمع، ولم يمكنه النهوض لربما منحه ما لا يرغب بسماعه..
الخوف لم يطرق بابه من قبل لكن الآن يقف أمامه مخرجا له لسانه.. أنا أتحداك..
صوت مسلم هو ما ارتفع بثبات "الحمد لله.. متى ستفيق؟"
تنفس بقوة.. هذا السؤال له معنى واحد.. أنها لم تمت، ستبقى، له ولابنتهم ولحياة جديدة رغب بها منذ عادت لحياته
نهض..
التفت مسلم له وهو يتقدم منهم وسؤاله رحل للطبيب "كيف حالها؟"
انتبه الطبيب هو الآخر له.. مدركا للحظات التي يمرون بها ويكفيه ملامح وجه رحيم "بخير، لم تصب الرصاصة أي مناطق حرجة، هي فقط لديها أنيميا حادة لذا احتجنا لنقل دم أثناء إخراج الرصاصة.."
رفع رأسه باهتمام وهو يقول "نقل دم؟ لكن كان عليك سؤالي.. هي مريضة كانسر و.. "
انتبه مسلم واعتدل الطبيب وردد "كانسر!؟ من أي درجة؟ وأين؟ ولماذا لم تخبرنا؟ هل لديها خطة علاج؟"
فرك رأسه بيده ليتذكر كلماتها حتى قال "أذكر أنها تنتظر إجراء فحوصات جديدة لبدء خطة العلاج، طبيبها ما زال بالخارج"
الطبيب لم يفكر وهو يقول "لدينا قسم خاص بالأورام، لو ترغب نجري لها الفحوصات اللازمة ونحدد خطة علاج على حسب حالتها؟"
لم يتردد وهو يهز رأسه "ولم لا؟ لتبدأ فورا لو أمكن"
مسلم ظل واقفا أمامه لحظة حتى استعاد نفسه "لابد أن أعرف من وراء ما حدث مسلم هل تسمعني؟"
ملامح الرجل جامدة.. عمله بالحراسة الشخصية جعله رجل بلا مشاعر.. لا يفكر بأي شيء سوى حراسة رب عمله واليوم يشعر بالخزي لأنه فشل بحماية رحيم وزوجته
"نعم مستر رحيم، الرجال لن تنام حتى نصل لمن فعلها"
أبعد وجهه لحظة، انتبه عندما رأى نارا تتحرك تجاهه.. ما زالت بملابسها.. وجودها غريب لا يفهم سببه..
ومع ذلك رفع رأسه لرؤيتها وهي تقف أمامه ومسلم يتراجع
حدق بها وهو لا يمنحها أي تعابير على وجهه وهي تقول "من الواجب ألا أتركك بمثل تلك الظروف"
تنفس بعمق.. ربطة العنق اختفت مع رجل من رجاله.. الأزرار العلوية للقميص مفتوحة وبقع الدم تلوثه..
نظراتها له كانت تخنقه.. وجودها يثير ضيقه.. لا يرغب بها "لست بحاجة لأحد نارا"
وتحرك ليبتعد ولكنها تحركت لتوقفه، سدت طريقه "رحيم.. لم لا تفهم أن وجودها بحياتك لعنة ولن تنتهي إلا بتدميرك؟"
مال عليها والغضب يصارعه للخروج بوجهها "لم تعد حياتي من شأنك نارا، فقط ابتعدي عني"
وحاول الابتعاد عنها لكنها لا تمنحه السبيل.. تجاهد ليراها، لتزيح مهرة من السباق والتقدم عليها لكن.. المهرة دائما تحتل الصدارة بلا منافس
واجهته بدلال لا مكان له الآن "لن أبتعد حبيبي، لا يمكنني فقلبي لا يتحمل رؤيتك تتألم"
هو لا يتحمل تلك الكلمات.. لا مكان لها هنا "نارا، أنا لا طاقة لي الآن لتقبل تصرفاتك.. فقط أرغب بأن أكون وحدي"
ودفعها بيده بعيدا عن طريقه وتحرك مبتعدًا.. خارج المشفى.. والسيجارة تتوهج من أنفاسه والدخان يرتفع حوله ومشاعره تجمدت على شيء واحد..
مهرة قد تموت بأي وقت فهل سيتحمل رحيلها؟
ربما نجت من الطلقة لكن ما زال وحش المرض يترقب بها..
هو تزوجها ليحارب معها وليس ليستسلما
لماذا يوقفه القدر عن امرأة هو لا يجد نفسه سوى معها؟
تزوجها بالماضي ولم يمكنه تقبل ضعفه معها، رغبته القوية بها والتي تفقده السيطرة..
كان يرفض رؤيتها تعلو وتنجح أمامه.. رفض نظرات الإعجاب بعيون الناس لها.. كان أناني.. أرادها لنفسه وأراد النجاح أيضا لنفسه
واليوم..
هي أرادت الموت لتمنحه هو الحياة..
أغمض عيونه والنيكوتين ليس دواء، فقط مخدر ينتشر داخل عروقه لا يمنحه أي راحة..
لا مهرة.. لن نعيد ما كان.. لن نعيش الفراق مرة أخرى.. حتى مرضك سنجد له حل.. لن يخطفك الموت مني مرة أخرى
صوت نفس المرأة أتاه.. تبعته ولم تتركه.. تحاصره.. تخنقه "رحيم تلك المرأة لن تحبك بمقدار حبي لك.. أنا أحبك منذ كنت طفلة"
التفت لها.. الغضب يسيطر وهي تدفعه بلا توقف "وأنا لا أريد حبك هذا.. أنا لا أحبك نارا لم لا تفهمين؟ لماذا تدفعيني لجرحك؟ أنا تزوجت وامرأتي ترقد بالداخل ولن أفكر بسواها هل تفهمين؟"
دموع ظهرت داخل عيونها.. ومن خلفهم حقد على تلك المرأة التي سرقت أحلامها مرتين وتركتها تنزف حتى كادت تموت
صوتها خرج مختنق.. متألم.. الكره يملأه حتى فاض منه "نعم أفهم رحيم.. لكن هو أنت من لا يفهم.. أنا لن أسمح لأحد بأن يهد أحلامي مرة أخرى هل تسمعني؟ أنت لن تكون سوى لي"
وتحركت مبتعدة وهو لم يفكر بكلماتها..
اعتدل والسيجارة لا تكفيه.. أخرج أخرى وأحرقها وهو لا يفكر سوى بالراقدة بالداخل ولا تعاني فقط من مرض قاتل بل وطلق ناري كاد ينسف حياتهم
****
الساعات مرت ببطء لكنها مرت بلا سوء، الطبيب منحه إذن برؤيتها فلم يتردد بالدخول حتى رآها مغمضة العيون.. ساكنة كما عرفها لكن..
شاحبة..
عندما ناداها فتحت عيونها.. كانت تراه.. بالحلم، يمسك يدها بقوة ولا يفلتها ولكن..
شيء ما أو ربما شخص ما، كان يجذبه ليفرقه عنها..
"رحيم؟"
انحنى ليصل لها.. صوتها الضعيف منحه صورة عن حالتها "نعم مهرة، هو أنا"
فمها جاف.. تشعر بألم غريب بكتفها الأيسر والصداع.. هنا أيضا لا يتركها هل قاربت من النهاية؟
"ماذا حدث؟"
قرب وجهه منها.. تلك الروائح من حولهم تخنقه.. لا يريد البقاء هنا ولا تركها.. عليهم بالابتعاد لعالم آخر، لا مرض به ولا خوف من الموت والرحيل..
منحها نبذة عما حدث وهي لا تذكر سوى رؤية ماسورة المسدس المصوبة لهم ولم تفكر بشيء وهي تلقي نفسها عليه ولم تعرف من منهم كان المقصود؟
قبض على يدها ورفعها لفمه ووضع قبلة عليها وعاد لها "لم يكن عليكِ فعل ذلك مهرة، لم تفكري بنا وكيف سنعيش بدونك أنا وأيلا"
ظلت تنظر له.. وجهه شاحب، عيونه تحمل ظلام السهر والقلق، وكلماته منحتها هدوء وسكينة، هل حقا رحيم هو من يخبرها تلك الكلمات؟
بللت شفاها بلسانها ربما يذهب الجفاف "أيلا بحاجة لك أنت رحيم.. بالنهاية سأموت بذلك المرض"
ضغط على يدها والغضب داخله من ذلك المرض يعلو ويعلو وهو يهمس بصوت ضعيف "لن يكون مهرة، سنحارب سويا.. سنهزمه"
أغمضت عيونها والدموع تحاربها وهي الآن لم تعد خائفة، ابنتها بأمان وهذا هو كل ما تمنته.. حتى حياتها مع رحيم لم ترغب بأن تحلم بها كي لا تتعلق بالحلم من جديد
"النتائج الأولية قالت إنه بمرحلة قد لا يستجيب فيها للعلاج"
رفع يده لوجنتها، لمس بشرتها الناعمة ولكنها كانت شاحبة "سيقومون هنا بإجراء فحوصات جديدة وسنتبع ما يقولون"
لم ترد والنعاس يغلبها وهو أدرك ذلك فوضع قبلة على جبينها أسقط بها كل ما يحمله من حزن وألم
الوقت يمر ببطء غريب وهو لا يتحرك سوى للتدخين والاطمئنان على أيلا والعودة للداخل، حتى وصل النهار براحة عندما أعلن الطبيب عن خروجها لغرفة واستقرت بالفراش
خرج الجميع وتبقى هو وهي تبدو أفضل من الأمس..
جذب مقعد وجلس بجوار فراشها فقالت "أين أيلا رحيم؟"
انحنى تجاه الفراش وقال "بالبيت مع المربية، لا داعي للقلق"
أغمضت عيونها لحظة قبل أن تعود له "من الذي فعل ذلك؟"
نفخ بقوة قبل أن يجيب "لم نصل له بعد، الرجال تبحث"
"دعنا نذهب رحيم، أنا بخير وأرغب بالعودة للبيت"
هز رأسه بالموافقة وقال "سنفعل ولكن بعد أن نحصل على نتائج الفحوصات ورأي الأطباء ومتى نبدأ العلاج"
ظلت تنظر له لحظة حتى قالت "ألم تندم لأنك تزوجت امرأة قد تموت بأي يوم؟ كنت تستحق امرأة أخرى"
ابتسم وهو يقبض على يدها ويضمها بين يديه "لا أحد يعرف متى سيموت مهرة، كلنا معرضون للموت بأي لحظة، لو كنت أرغب بامرأة أخرى لما تزوجتك"
لم يمكنها تخطي نارا رغم ما قاله بالزفاف "نارا ما زالت تأمل بك"
أبعد وجهه لحظة نافخا لذكراها "هل نتحدث عن شيء آخر؟ أين سنمضي أجازة الزواج مثلا؟ ماذا سترتدين لأجلي؟"
كلماته دفعت الدماء لوجهها، أخفضت نظراتها وهو اقترب منها وانخفض صوته لها "اشتقت لكِ مهرة، لكل لمسة وقبلة، لأيامنا معا"
رفعت رموشها.. تلتقي بالرمادية التي امتلأت بالصدق "وأنا أيضا رحيم، لم أنسى يوما مما عشناه معا"
يده لم تترك يدها وهو يكمل "سنعيد ما كان مرة أخرى.. سنخلق ذكريات جديدة أفضل وابنتنا معا"
تمنت أن تعيش لتفعل ولم تضع اليأس أمامه، تركته يحلم ويتمنى وسمحت لنفسها بأن تفعل المثل
على منتصف اليوم وصل الطبيب ومعه طبيب آخر ونهض رحيم لرؤيتهم والطبيب المسؤول عنها يقول "مساء الخير، دكتور محمد سعداوي، خبير أورام، سيد رحيم العزايزي وزوجته مدام مهرة"
تم التعارف ودكتور محمد من بدأ الحديث "لقد اطلعت على نتائج الفحوصات الخاصة بالمدام"
هزة خفيفة من رأس رحيم هي كل ما ناله الطبيب بينما ارتفعت دقات قلبها بانتظار الحكم الجديد الذي سيصدر عليها ونظرات الطبيب تحركت لها قبل أن يقول
"بالطبع هناك ورم، بمكان حساس بالمخ"
أغمضت عيونها، هي تعرف ولم تكن تنتظر شيء آخر سوى متى سيهزمها المرض؟
رحيم هو من تحدث "وهذا الكنسر ألا يمكن التخلص منه؟"
التفت له دكتور محمد بنظرات غريبة وقال "كنسر!؟ من تحدث عن كنسر سيد رحيم؟"
رفع رحيم رأسه، فتحت مهرة عيونها ولمعت ببريق لم تعرف أنه ظهر بها ورحيم يحاول أن يفهم
لحظة صمت.. عدم فهم..
تجمدت ملامحه.. كأن الكلمات لم تصل له "من تحدث عن كنسر!؟"
نظر لها وهي تحاول استيعاب ما يقول، وجهها شحب وكلمات غير واضحة تخرج منها "فحوصاتي السابقة.. أنا لا أفهم"
وجه الطبيب لها كلماته "لا أعلم شيء عن فحوصاتك السابقة مدام، لكن ما تم هنا لم يمنحنا أي إشارة عن وجود سرطان"
أغمضت عيونها.. دموعها اندفعت.. ذكرياتها عن الموت وما عاشته اندفع.. خوفها على أيلا، رؤيتها لأمها وخالتها يصارعان ذلك المرض، اندفع..
وهمس وصل لشفتيها "أنا صدقت أني سأموت، عشت تلك الأيام وأنا أنتظره بأي لحظة"
ضحكة خرجت منها، مهزوزة.. غريبة وكأنها تسخر من شيء أو ربما من نفسها
"كنت كل يوم أخبر نفسي أن هذا قد يكون آخر يوم لي وأنت الآن تسأل ببساطة، من تحدث عن الكنسر؟"
ورفعت عيونها لهم والحيرة، الدموع والألم يملؤون عيونها وصوتها ارتجف "ليمنحني أحد رد لأفهم؟"
نظرات رحيم لها كانت تحمل معاني مختلفة، كلماتها أثارت الجنون داخله
الطبيب لم يتأثر فكم من حالات مشابهة تمر عليه كل يوم، فقط قال "لا شيء يحتاج فهم مدام، نتائجنا لا تشير لأي كنسر، فقط ورم، ربما هناك خطأ حدث بفحوصاتك الأولية، يمكنك الرجوع للمكان ومراجعة النتائج"
هدوء الطبيب أثار غضب رحيم الذي جذبه من ذراعه ليواجه وأنفاسه تتلاحق "ماذا تعني بخطأ بالفحوصات؟"
صوته انخفض أكثر.. لكنه كان أخطر من الصراخ "زوجتي عاشت تنتظر الموت.. والآن تخبرني أن هناك خطأ؟"
وشد بلا وعي على ذراع الطبيب والجنون يكاد يسيطر عليه "أنا أريد الحقيقة.. كاملة، ربما أنتم الخطأ"
نظرت له.. لديه كل الحق ليشك..
هل يمكن أن يشك بها هي الأخرى؟ يظن أنها تلاعبت به
الطبيب اعتدل بقوة نازعا ذراعه من يد رحيم وقال "معاملنا معروفة على مستوى البلد سيد رحيم ويمكنك إجراء الفحوصات بمكان آخر لو كنت تشك بنا"
رفع رأسه.. حدق به بقوة وقال "سنفعل.. ولن أرحم من أخطأ، إنها حياة زوجتي"
الدكتور رفع رأسه مدافعا عن مشفاه "جيد سيد رحيم، لتفعل ونحن لن يمكننا البدء بأي إجراء قبل أن تمنحنا الطريق"
وتحرك خارجا بينما تمهل الطبيب الآخر وهو يقول "سيد رحيم لابد من الإسراع بالفحوصات لأن الأمر ليس بسهل"
وتحرك هو الآخر للخارج وظل هو جامدا مكانه..
رأسه يصرخ من تزاحم الأفكار داخله.. قلبه يتنازع مع عقله على المرأة التي هي زوجته الآن
صوتها خرج ضعيفا، مهزوما رغما عما عرفته أو ربما خائفة مما قد يحدث "رحيم"
انتبه لها.. نظراته ارتفعت لوجهها الباكي.. لا يعلم ماذا يصدق؟ هي وكلماتها؟ أم الطبيب وفحوصاته؟
هل تلاعبت به؟
نادته مرة أخرى.. جذبته من الهوة السحيقة التي انزلق داخلها فرفع نظراته لها.. عيناه تلونت بلون غريب ليس الرمادي..
كانت تعرف أن رحيم الذي كان معها قبل دخول الطبيب رحل والآن رجل آخر.. الشكوك تتلاعب به
كان عليها أن تؤكد براءتها.. تُوقف شكوكه "أنا لم أخدعك رحيم، لم أكذب عليك بأي شيء"
لم يتحرك.. عقله لا يستجيب لأي شيء.. نظراتها صادقة وكلماتها أيضا تبدو كذلك لكن هناك شيء يتلاعب به من الداخل..
كان عليه منحها رد "لا داعي لذلك الآن مهرة، أنتِ بحاجة للراحة وأنا أحتاج للتدخين"
وتحرك خارجا.. كان بحاجة للهواء والوحدة وتنظيم أفكاره.. تلك الشكوك تتلاعب به وتمزقه
هل هي صدفة أن تظهر بحياته الآن وتخبره بمرضها ثم فجأة لا شيء من ذلك صحيح؟
الدخان اندفع من فمه بقوة.. الظلام بدأ يهبط ولا رغبة له بالعودة لها فقط منح أوامره لمسلم لإجراء فحوصات من أفضل مكان بالقاهرة
لم يمكنه العودة بوقت قصير وعندما قرر الدخول رأى سيارة نارا تتوقف أمام المشفى فنفخ بقوة..
لماذا لا تتوقف عن ملاحقته؟
لم يكد مسلم يخبره أن والدته تسأل عنه رغم أنها لم تهاتفه.. هو يعلم أنها لن تفعل وهو الآخر لن يفعل..
ابنته أُهينت أمامه ولن يسمح بتكرار الأمر.. هذا ما وعد مهرة به
"سمعت أن هناك أخبار جيدة"
كانت قد وقفت أمامه.. ملابسها منتقاة بدقة.. من أفضل دور الأزياء، والدها يغدق عليها بالأموال وهي تجد لنفسها عمل لكنه لم يهتم بتفاصيله
سيجارة جديدة ارتفعت بدلا من الأخرى التي انطفأت تحت حذائه "ومن أين سمعتِ تلك الأخبار نارا؟"
ابتسمت ابتسامة ليست بريئة، هو يعرفها جيدا، أو هكذا ظن "من المشفى حبيبي، كان لابد أن أعرف أخبارها؟"
مال عليها.. عيناه تحمل اسئلة وصوته انخفض كعادته لتزداد نبرته حدة وخطورة "ولماذا تريدين معرفة أخبارها؟"
ظلت مكانها، ثابتة، تتحلى بنفس الابتسامة وهي تجيب بهدوء "الذكي هو من يعرف كل شيء عن خصمه رحيم، أليس من الغريب أن تخبرك شيء ثم تكتشف اليوم شيء آخر؟"
رفع حاجبه وكأنه انتبه لشيء "من أين عرفتِ أنها أخبرتني بشيء من الأساس؟"
تلون وجهها.. رمشت عيونها ولم يمكنها الفرار من نظراته لكن..
رحلت ابتسامتها وهي تجذب إجابة له "المشفى.. أقصد أنت أخبرتهم.. يعني كيف ستعرف أنت دون أن تخبرك هي؟"
ترددها، تبعثر كلماتها جعله يصل لشيء لكنه لم يصرح به فقط صمت لحظة قبل أن يعتدل وقال "ووجودك يعني ماذا؟"
ابتلعت ريقها لتستعيد ثباتها وبدلت وقفتها على ساقيها وهي تجيبه "يعني رغبتي بوضع الحقيقة أمام عيونك"
السيجارة تحترق من أنفاسه "والحقيقة معك أنتِ نارا؟"
هتفت بغضب لم تعد تستطيع التحكم به، غيرتها تغذيه داخلها.. صنعت منها وحشا لن يرحم "ماذا أصابك رحيم؟ ما الذي حدث لك منذ رأيتها؟ أنت تلغي حتى عقلك وتغمض عيونك عن الخداع والغش الذي لفتك بهما.. هي تصنعت المرض حتى تحقق مرادها وتعيدك لها"
صمت لحظة..
هل حقا فعلت ذلك؟
هل غشته وخدعته؟
هي لم تخبره بمرضها إلا يوم أصر على الزواج منها وهو اختار.. لم تجبره
هل أجادت التمثيل حتى صدقها؟
صوت نارا نيران تحرق الحقيقة وتزرع أكاذيبها داخله "بالبداية وضعت ابنتك بطريقك لتلفت نظرك لها ثم مرضها كي تكسب عطفك"
تلك المرأة لعنة ولعنتها تسقط على كل من حولها وهو أولهم، ولم يمكنه إيقاف شيطانه من الاستجابة لها "نارا كفى"
لكنها رأت ضعف نبرته فاقتربت منه وقالت "لا يمكنك تصديق أن امرأة مثلها صادقة.. كل ما ترغب به هو إسقاط رجل مثلك تحت سيطرتها.. تنال منك كل ما تتمناه امرأة فقيرة مثلها، لم يكن عليها أن تكذب عليك وتوهمك بمرضها، أفق رحيم وعد لصوابك"
وظلت لحظة تحدق بعينيه والصمت ملك على العرش بلا منازع حتى..
تركته وذهبت.. تلك المرة هي من تركته ورحلت..
لم تنتظر الرد وربما لأنها كانت تعرف أنها أشعلت الشعلة وألقتها حيث ستشتعل النيران بكل ما حوله
مسلم تحرك له "المدام تسأل عنك"
التفت له وكأنه كان ينتزعه من دوامة تلف به بدوائر كادت تصيبه بالدوار وللحظة ظل يحدق بمسلم بلا رد
عندما دخل غرفتها كان الضوء الخافت للقمر هو ما يضيء الغرفة.. الهدوء والصمت هما ما سيطرا على كل ما حوله.. صوت أنفاسها المنتظم جعله يدرك أنها نائمة..
لم يمكنه مواجهتها بعد كل ما ازدحم داخل عقله اليوم..
ألقى بالجاكيت على ظهر المقعد ووقف قليلا أمام النافذة وقراره لم يُتخذ بعد لكن بالصباح لابد أن يفعل
النوم رفض الوصول لعينيه والفراش المجاور لفراشها ظل مرتب، لم يُمس وهو ليس موجود والممرضة تدخل
"صباح الخير مدام"
اعتدلت رغم الألم والممرضة تساعدها "صباح النور، أين زوجي؟"
وضعت الوسادات خلفها وهي تجيب "مع رجاله بالخارج"
لم تطلبه مرة أخرى.. أدركت أنه تبدل وربما تراجع بقراره بزواجهم.. رأت ذلك بنظراته، شكوكه غلبته..
لم يحبها بأي يوم ولن يفعل.. مجرد رغبة تنتهي بسرعة كفقاعة هواء تنفجر بلمسة إصبع
الشكوك لن تنتهي ونظرته لها ستظل للأبد دون تغيير، رحيم لم يتبدل كما ظنت.. ولن يتبدل
هي مجرد لحظات من السعادة تلك التي عاشتها معه.. حلم لن يتحول يوما لحقيقة..
إفطارها ظل كما هو، لم تتناول منه شيء، أبعدته ونهضت بضعف واضح للحمام وتأملت ملامحها بالمرآة..
هي نفس المرأة.. فقط لم يعد السرطان عدوها وإنما ورم لابد من إزالته.. ورجل كلما ظنت أنه أصبح لها تصطدم بالواقع
هو أبدا لن يكون لها..
عادت للفراش.. لحظات ودقات الباب تبعتها والدكتور المسؤول يدخل و.. رحيم خلفه..
بدا هادئا.. ملامحه تدل على الإرهاق و.. لم ينظر بعينيها، لم يواجها، وهي فهمت
النهاية اقتربت..
الطبيب نظر لها وقال "الفحوصات وصلت مدام وقد أخبرت سيد رحيم أن النتائج تطابق خاصتنا"
لم يظهر شيء على وجهها.. فقط سقطت نظراتها على الفراغ وهي تعيد ما كان من تلك الاسابيع التي عاشتها وهي تنتظر الموت وتعيش الرعب على ابنتها..
لم تنظر لأحد والطبيب يكمل "سنبدأ إجراءات الجراحة وبعدها.. "
صوتها قطع كلماته "لا"
توقف، نظرات رحيم ارتفعت لها أخيرا وضاقت عيونه عليها والطبيب يردد بلا فهم "لا!؟ لا على ماذا مدام؟"
لم تنظر لأحد أيضا فقط قالت "لا للجراحة، لن أجري أي جراحات"
كان عليه أن يتدخل وقبل أن يفعل رفعت وجهها له.. منحته نظرات جعلته يتألم بلا سبب سوى أن بهما ألم غريب "قلت أن الورم حميد مما يعني أن وجوده لن يضرني"
تقدم الطبيب خطوة.. أراد جذب اهتمامها وقد فعل "لا مدام، ليس صحيح.. ليس بالضرورة أن يكون الورم خبيث ليؤثر على صاحبه فالحميد أيضا له أضراره.. هو يضغط على مراكز مختلفة بالمخ، ربما يسبب لكِ حاليا صداع بسيط لكن مع الوقت سيزيد الألم، غثيان، دوار وربما يؤثر على أشياء أخرى كالحركة أو الكلام.. لابد من إزالته مدام"
ظلت متجهمة.. لا تعرف أين الصواب وهو تولى الزمام "تمام دكتور محمود، اتخذ اجراءاتك، سنجري الجراحة بالوقت المناسب"
رفعت وجهها له والطبيب يهز رأسه ويتحرك خارجا ونظراتها تتحرك له وهو تحرك للنافذة، استبدل ملابسه بأخرى فأناقته لا تقبل أي نقاش..
كانت هي من بدأت "بإمكانك إنهاء كل شيء"
كان يفهم ما تعني بكلامها ولم يحاول مواجهتها وهو يقول "ليس قبل الانتهاء مما بدأناه"
تألمت.. هل يصدق أنها كذبت عليه؟ حتى وهي وضعت حياتها مقابل حياته؟
الآن كلاهم يصل لنفس النتيجة، لا مجال للعودة فقد سقط شيء بينهم ولن يمكن إعادته..
تنفست بقوة كي تستجمع نفسها "لست ملزم بالبقاء"
لف وجهه لها، رأى نظراتها التائهة لكن لم يرى بها أي شيء "هل هذا ما ترغبين به حقا؟"
وارتد لها مواجها إياها "هل تعرفين بأي مشفى أنتِ؟ كم تكلفة ما يتم هنا؟"
سقطت دموعها وهو يشعرها كم هي رخيصة "إذن دعني أخرج من هنا، يمكنني اتخاذ المكان المناسب لي بعيدا عن أموالك"
اقترب منها وقد تحكم الشيطان به، نسى أن هو من كان يضغط عليها لتعود له.. نسى أنها لم تضع نفسها بطريقه بل هو من اتخذ طريقها سبيله
نسى أنها كادت تموت لأجله وهو من أخبرها كلمات الشوق بالأمس
"لا داعي لتمثيلية جديدة، لن تخرجي من هنا حتى تجرى لكِ الجراحة وبعدها.. "
ولم يكمل وهي تركت دموعها تتحدث بدلا عنها.. لا كلمات تصف الألم أو تمحو الإهانة
اقترب من فراشها، يحاول إيقاف جنونه، دفع الغضب بعيدا لكن بلا فائدة "كيف أمكنك خداعي بتلك الطريقة؟ لقد صدقتك وصدقت أنكِ تلك المرأة الشريفة التي تجاهد بشرف وتحقق نفسها بنفسها"
أشاح بيده، لم يعد يدرك ما يقوله "لم أظن أن انتقامك سيكون بتلك الطريقة"
وعاد ينظر لها وهي لا ترد.. فقط دموعها هي كل ما تحرك على وجنتيها "تجعليني أتحدى بكِ العالم.. أخسر أمي وعائلتي، فقط لتحققي رغبتك بهزيمتي، تصبحين زوجتي أمام الجميع وتتحدين من وقفوا وضحكوا على الفتاة التي لم تستحق ما منحته لها"
احترق صدرها من الألم.. تمزق قلبها من كلماته وظنونه بها.. ليست ظنون بل تأكيد على فكرته عنها والتي لن تتغير بأي وقت
لم يتوقف وهو يكمل "أردتِ المال والأملاك ومكانة بجوار العزايزي وربما كنتِ تعلمين بأمر الورم ورغبت بكل هذا"
ورفع ذراعيه ليشير للمكان من حولها..
هل هذه نظرته لها؟ انتهازية، منتقمة.. غشاشة؟
وماذا أيضا!؟
عندما لم ترد هو لم يتوقف.. لم يصرخ بها لكن عيناه صرخت.. نبرة صوته المنخفضة صرخت.. عضلات وجهه وعروقه المشدودة صرخت
"جيد، والصفقة الجديدة كالتالي، ستبقين حتى تنتهي الجراحة بكل توابعها وبعدها سنجد حلا لما بيننا"
وتحرك خارجا.. لم يمنحها حتى فرصة للدفاع عن نفسها وهي لن تقبل منه شيء..
****
ترك المشفى..
رجاله هناك تتابع وستمنحه أخبارها.. لن يمكنه البقاء وهو يرى الغش والخداع..
هل تصدق نفسك؟
العمل انكب عليه رغم أنه كان يعد كل شيء من قبل الزفاف حتى نهض وتحرك لغرفة الرسم بعد إجهاد الوقت الذي لم يعرف مقداره
لم يمكنه الإمساك بالقلم منذ وقت طويل لذا سقط على الأوراق حتى نسى الوقت وانتزعه مسلم منه "مدام مهرة ليست بالمشفى"
للحظة جمد القلم بيده.. كما جمدت نظراته على الرسم..
وأخيرًا نظر لمسلم "وأين رجالك؟ بل أين ذهبت؟"
ولف وجهه لمسلم "غافلت الحراسة وخرجت وبعدها اكتشفت الممرضة غيابها ومنذ لحظات حرس البيت أخبروني بوصولها"
نهض عائدا لمكتبه.. جذب ما يخصه وقال "امنعها من الخروج"
ونزل ومسلم يتبعه وهو يضع الهاتف على أذنه
****
احتضنت ابنتها بقوة، غيابها عنها جعل قلبها هش.. واهن أكثر مما هو..
ابنتها هي كل ما تبقى لها وكل ما تتشبث به للحياة..
أيلا كانت سعيدة جدا برؤيتها.. تعلقت بها ورفضت تركها.. بكت وهي تحتضن طفلتها، كانت تعلم أن جرحها ليس من الطلق الناري بل مما فعله بها
لم تعرف ماذا ستفعل بالقادم؟ لكنها تعرف أنها لا ترغب بأن تنال منه أي شيء، لقد اكتفت من ظنونه ولابد أن ينتهي كل ذلك
لم تهتم وهي تسمع صوت السيارات تدخل الفيلا فهي تعلم أنه سيأتي إن آجلا أو عاجلا..
ظلت تجلس بجوار أيلا.. تساعدها باللعب.. ربما عقلها ليس معها لكن قلبها يرتاح معها..
انفتح الباب ولم ترفع وجهها له.. أيلا هتفت وهي تندفع له "بابي.. مامي عادت"
ظلت نظراتها على أصابعها المضمومة أمامها.. لن تواجه نظرات الشك بعينيه.. لن تقبل اتهامات جديدة..
لم تعد خائفة من الرحيل كما كانت..
احتضن أيلا بحنان.. ابنته ستظل ابنته ولا شيء سيتبدل معها.. وربما ليس مع مهرة أيضا فهي والدتها وابنتهم لن تنشأ بأسرة متفرقة
لن يسمح بفراق
ابتسم وهي تداعب ربطة عنقه "بابي أريد بيتزا، المربية لا توافق عليها"
تحرك وجلس على المقعد وهي على ساقه وقال "هي لا تراها مفيدة أميرتي، لكن سأرسل بطلب واحدة لأجلك ولن نكررها"
صفقت بيداها الصغيرة "رائع بابي.. أنت أفضل أب، هل ستلعب معي؟"
رفع عيونه لمهرة ورأى شحوب وجهها، كيف خرجت من المشفى وهي ما زالت متعبة؟
عاد لطفلته وقال "ربما، لكن بالأول أرغب بالتحدث مع مامي هل تمانعين؟"
كانت الصغيرة لا تفهم ما يدور حولها، عالمها صغير وبسيط، لعب وحلويات وطعام مفضل لكن ما دون ذلك، هو للكبار..
أجابت "لا بابي، لا أمانع لو كنت ستلعب معي بعدها"
وضع قبلة على وجنتها، اكتسب طفلته بسرعة، لم يظن أنه سينجح لكنه فعل "لا أعلم أميرتي، لو ملكت وقت سأفعل"
لم تجادل، وضعها على الأرض فعادت للعب وهو نهض "مهرة، نحتاج لأن نتحدث"
كانت تعلم أنه سيفعل وهي لن تهرب، هروبها السابق كان خوفا على طفلتها لكن اليوم لا، هي لم ترتكب جُرم لتفر منه..
نهضت، وضعت قبلة على وجنة طفلتها وتحركت للخارج بلا كلمات ودون أن تُظهر تعبها الواضح على ملامحها..
نفس الغرفة التي كانت تستقر بها، لم تذهب لغرفتهم التي كانت لهم وكان من المفترض أن تعود لها
دخلت وتركت الباب مفتوح. تعلم أنه يتبعها وصوت الباب يُغلق أكد على ذلك
لم تلتفت له، دخان السيجارة رحل لها وصوته تبعه "هل تمنحيني تفسير لخروجك من المشفى؟"
لم تحرك ذراعها الذي به الإصابة، بل رفعت خصلاتها بيدها الأخرى وأيضا لم تنظر له "لم أعد أحتاج لها"
لم تسمع خطواته عندما وجدته يقف أمامها لترفع وجهها له.. رأت غضب مكتوم بنظراته وهو رأى المثل بالبنفسجية..
كلماته ترتد له.. تركت المشفى الفاخر ورفضت ما منحه لها.. هل تظن أنه سيصدقها؟
كلاهم ظل صامتا حتى قطع هو الصمت "تعلمين أن ذلك ليس صحيح، لابد من إجراء الجراحة"
ذلك الهدوء غريب، كلاهم يحمل داخله بركان نشط وما زال لم ينفجر حتى الآن، لم ولن تتوقف الحرب بينهم أبدا
"سأجريها وقتما أشاء"
وابتعدت وهي تكمل "وبالمكان الذي أختاره أنا"
ها هي تتطرق للأمر بالفعل..
نفخ الدخان وقال "تعلمين أني لن أسمح لكِ إلا بما أريد أنا"
البركان يزداد اشتعالا وهي تحاول البقاء صامدة بمواجهته "لست بحاجة لك، أخبرتك أن بإمكانك إنهاء كل شيء ولا تقلق، أيلا تحت أمرك بأي وقت ترغب برؤيتها"
والتفتت لترى جانب وجهه "أريد العودة للإسكندرية، أحتاج عملي"
تحرك.. ببطء غريب، أطفأ السيجارة قبل أن يعتدل ويقابل وجهها الشاحب "أي عمل؟ هل تظنين أني أصدق أنكِ تريدين ترك كل هذا والعودة.."
ولم يكمل، ترك عقلها يستنبط ما عناه وهي فعلت وأجابت "نعم رحيم، نعم أنا لا أريد كل ذلك، فقط أريد حياة هادئة بلا نزاع ولا خلاف، كما كنت قبل لقاءك"
الغضب شيطان أخرس يدفع بلا كلمات "تقصدين فرار من الحقيقة والمواجهة، كعادتك"
لم تستسلم لاستفزازه فقط قالت "قل ما شئت فأنا لن أجادل، لن أعيش عمري كله أدفع عن نفسي تهم لم أرتكبها"
تحرك حتى وقف أمامها.. لم تخفض عيونها.. واجهته.. وهو تمسك بالهدوء الزائف "ومطلوب مني قبول ذلك والتعايش معه"
لم تهتم بالسخرية الواضحة بكلماته "لم أطالبك بشيء، بل العكس أنا حررتك من أي شيء تجاهي، أتحمل نفسي بنفسي ولا أريد منك شيء"
مال تجاها.. اقترب بوجهه منها، لم يصل لقرار لكن عنادها جعله يتخذ العناد طريق هو الآخر "ليس بخاطرك مهرة، أيلا لن تذهب بعيدا عني مرة أخرى وأنتِ من سيختار البقاء معها أو لا"
تجهم وجهها.. لم تظن أن يلوي ذراعها بابنتها "أنت تساومني رحيم؟ على ماذا؟ أعلم أنك لا ترغب بوجودي فلماذا تفعل ذلك؟"
نظراته لها كانت حادة لكن لم تفهم ما بها، يمكنه حقا إخفاء ما بداخله بسهولة
هو لا يرغب سوى بوجودها معه..
ابتعد من أمامها وسيجارته تندفع لفمه والنيران تحرقها والدخان يرتفع من فمه "لنفس السبب، أيلا، لن تنشأ بأسرة مفككة"
لم يمكنها البقاء هادئة فهتفت "ولن تنشأ بين والدين لا مكان للثقة بينهما"
التفت لها.. دخانه أخفى معالمه لكن لم يخفي غضبها عنه "لم أمنحك ما يجعلك لا تثقين بي"
أشاحت بيدها بنفس الغضب ونفس الصوت الغاضب "لا تتلاعب بالكلمات رحيم، تعلم معنى كلماتي جيدًا، وأخبرتك أني لن أدفع عن نفسي أي ظنون تحملها ضدي، لا يمكن أن نبقى تحت سقف واحد وأنت تراني تلك المتسلقة، الانتهازية، الطامعة بأموالك ومكانتك، فقط طلقني رحيم ولنعود كما كنا"
ضاقت عيونه، السيجارة احترقت من أنفاسه والدخان خرج من فمه معلنا عن حالة الصراع داخله..
تحرك لها حتى انتهت المسافة بينهم "بلا عقاب على ما فعلتِ؟ لا أظن مهرة، ستجرين الجراحة أولا وبعدها يأتي الحساب.. وأنتِ لن تذهبي لأي مكان خارج هنا طالما ترغبين بابنتك معك"
وتركها وتحرك للخارج وهي ترمش بعيونها تستوعب التهديد الواضح بكلماته والتفتت تنظر للباب الذي أغلقه خلفه مدركة أنه أغلق عليها كل أبواب الأمل بحياة مختلفة عما عاشته