
رواية جامحه بقلبه الفصل الثالث عشر13 بقلم داليا السيد
جراحة
لم تغفل لحظة، جرح كتفها يؤلمها وجرح قلبها أشد إيلاما..
اللعب مع أيلا لم يساعدها والراحة بالفراش أيضا لم تفعل.. حاسوبها المحمول جذبها لوقت جعلها تنسى معاناتها والعمل منحها سكينة كما اعتاد أن يفعل بها..
يومان مرا وهي تتعافى من جرح كتفها.. ممرضة كانت تأتي لرؤية الجرح ثم ترحل وهي لم تعد بحاجة لها..
لم تفكر بالورم وقررت أن تعيش به طالما ليس خبيث.. لن تخاطر بجراحة قد تنهي حياتها وهي الآن عادت لتتمسك بالحياة من جديد
لكنها لم تحسب حساب تطور المرض وخطورته على حياتها
لم تراه طوال اليومان.. لم يعد البيت ولم يهاتفها ولا هي..
لم تعرف ماذا تفعل فهي هنا كالسجينة برجاله التي تلف البيت بإحكام وابنتها التي تعلقت به وبالحياة المترفة التي بدأت تعتاد عليها ولن يمكنها منحها إياها لو رحلت بها
كانت تتابع ما علق من أعمال عبر الانترنت ولكن ليس كما لو كانت موجودة بالفعل
ظلت واقفة أمام نافذة غرفتها.. تائهة.. لا مكان للعقل ولا الجنون ولا أي شيء..
دقات على الباب ورأت الخادمة تدخل "سيد مسلم يرغب برؤيتك مدام"
ضاقت عيونها من الدهشة، مسلم لا يواجها منفردا دون سيده.. هل رحيم بخير!؟
لم تسأل وهي تتحرك للخارج ونزلت لتجده ينتظرها فقالت "ماذا حدث مسلم؟ هل رحيم بخير؟"
ما زال جامد الملامح.. لا يمنحها أي شيء فقط قال بهدوء "بخير مدام، هو بطريقه للمطار، طرأ عمل مفاجئ بسيدني وأتيت لأخذ الحقائب"
ظلت صامتة.. تستوعب كلماته.. سيرحل ويتركها.. هو من يهرب تلك المرة وليس هي.. هو من اختار الطريق
الصمت سقط هزيلا.. لم يمكنه هزيمة الغضب
رفعت رأسها "جيد، أكيد أخبرتهم"
التفتت لتذهب لكنه أوقفها "مدام انتظري.. "
وقفت بمكانها دون أن تنظر له وهو قال "لقد تم تحديد موعد الجراحة غدا ولابد.. "
ولكنها عادت له، حاولت ألا تثور بوجهه وهي تجيبه بنبرة ثقيلة، محملة بالغضب "أخبره أني لن أجري أي جراحة، خاصة بالمكان الذي يرغب به"
وتحركت للأعلى والدموع ارتفعت لعيونها والألم يسيطر عليها.. رحل وتركها وهما بوسط النيران.. لم يخمداها ولم يتخطيان العقبات، ويتحدث عن جراحة
أي جراحة وأي مشفى؟
هي لا ترغب بكل ذلك.. كانت تريده هو.. هو فقط
سقطت على الفراش والدموع أغرقت وجهها، عقلها توقف عن العمل والضباب سقط عليها مبعثرا كل أفكارها هنا وهناك وأصبحت داخل متاهة لا تعرف لها أول من آخر
شكوكه تحطمها.. تمزقها من داخلها.. هل يمكن بيوم ما أن ينتصر حبها له على غضبها منه؟
هل ستسامحه على تصرفاته معها؟
الأيام كانت تمر عليها وهي تحاول الخروج من الاكتئاب الذي تمكن منها.. اعتادت على محاربة كل شيء وحدها وها هي تفعل مرة أخرى
الصداع بدأ يزداد والإرهاق، غثيان غريب ظهر لأول مرة ولكنها لم تهتم..
الشركة لم تعد تطالبها بشيء.. كيف تفعل وهي زوجة المالك؟
ومع ذلك أوجدت لنفسها عمل بمكان آخر عبر الانترنت كما فعلت عندما كانت حامل..
لديها قدرات على التعامل مع تلك الأوضاع ولن تضعف أبدا
نست عدد الأيام عندما كانت تنزل من غرفتها لتتلقى أشياء طلبتها رغم التعب الذي بدأ يظهر عليها بالهاتف لترى الخادمة تفتح الباب ولكن ليس لرجل التوصيل بل..
عنان..
توقفت بمكانها وعنان تتقدم للداخل وترفع رأسها بشموخ وغرور.. سفر ابنها منحها فرصة للانفراد بتلك النكرة
تقدمت عنان حتى وقفت قريبة وهي تقول "ظننت أنكِ رحلتِ من هنا؟"
أكملت مهرة نزول السلم حتى وقفت أمامها، لم تخفت نبرتها ولم تهتز "وجود حضرتك هنا يدل على أنني هنا"
تجهم وجه المرأة ومهرة تواجها "جرأتك ليست بغريبة على أمثالك"
عقدت ذراعيها ومال رأسها وهي ترد لأول مرة بطريقة قوية، ما فعلته بابنتها ما زال ينبض داخل قلبها.. وعقلها
"ألا تملكين كلمات مختلفة؟ لقد حفظت اسطوانتك عن مكانتي التي لا تليق بكم فهل من جديد؟"
الغيظ لمع بعيون المرأة وهتفت "لماذا لا ترحلين؟ ماذا تريدين منه؟ لقد تأكد من أنكِ مخادعة وتركك فماذا تفعلين هنا؟"
الغضب كان يحاول أن يهزم هدوءها وهي قاومت كي لا تنهزم أمام عنان "سؤال رائع لكن اسأليه لابنك وليس لي"
هتفت بها "فقط اعترفي له أنكِ كذبت بشأن تلك الفتاة وأن أمثالك لا تصلح لمنح أمثالنا أولاد"
ظلت تحدق بها للحظة ثم ابتعدت من أمامها وقالت "جيد، اعتبري أن لا أولاد لكم عندي وابتعدي عني وانسيني، أنا لم أطرق بابك"
عنان ليست هادئة، العمر له أحكام "أيتها الوقحة، أنتِ لا يمكنك التجرأ والوقوف حتى أمام بابي"
التفتت، نظرت لها وابتسامة ساخرة ملأت وجهها وصوتها أيضا حمل السخرية "نعم فهو مصنوع من ذهب وأنا لا أرقى لرؤية الذهب"
تحركت عنان لتقترب منها "نعم، حثالة مثلك مكانها الشارع وليس هنا، هيا اخرجي من هنا، هيا"
لكنها لم تقبل، رفعت رأسها بعناد ركبها بلا تراجع وهي تقول "ليس هذا بيتك لتخرجيني منه، هو بيت زوجي أي بيتي وأنا فقط من له الحق بطرد من لا مكان له هنا"
هتفت بها "أيتها.. "
ورفعت يدها لتصفعها قبل أن تكمل السب ولكن يد مهرة أمسكت بمعصمها، أوقفت يدها بالهواء والكلمات بفمها وهي تمنحها نظرة قوية ثم..
شدت على معصم عنان بقوة أكبر.. لدرجة أن الألم ظهر على وجه عنان..
اقتربت مهرة من المرأة خطوة.. صوتها انخفض بشكل أخطر وكلماتها خرجت حازمة "هذه آخر مرة ترفعين فيها يدك عليّ.. أو على ابنتي"
وزاغت العيون بمواجهة صامتة لكن مهرة قطعتها مرة أخرى "المرة القادمة، لن أوقف يدك فقط"
والتهديد كان واضح وارتجاف شفاه عنان عنى أنها تلقت الرسالة ومهرة تسقط معصمها بقوة انحنت لها عنان من شدة الدفع ومهرة تبتعد من أمامها ومنحتها ظهرها وهي تتحرك للأعلى دون اهتمام بمن تركتها خلفها
دخلت غرفتها وصفعت الباب بقوة خلفها وأغلقت عيونها وهي تنظم أنفاسها وتتحكم بدموعها وهي تعبت من كل ما تتعرض له منذ دخل حياتها
هي لم تعرف نفسها وهي تتعامل مع عنان بتلك الطريقة؟ هي لم تكن مهرة.. دفعوها لتصبح امرأة غريبة عمن عرفت
التفتت واستندت بيداها على الباب ورأسها سقط عليهم وهي تترك نفسها للبكاء ربما يخفف مما تعانيه داخلها ولا تستطيع الجهر به فليس لها من تبثه أحزانها ويحمل عنها همومها
****
لم يكن بإمكانه تجنب السفر، الصفقة كانت على وشك الانهيار والعرض الصيفي طلب وجوده بالمكان الجديد الذي يتم عرض منتجاتهم وازيائه به..
انغمس بالعمل لدرجة أنه كان ينسى الطعام وحتى عندما بلغه مسلم بزيارة والدته لمهرة لم يهتم بما تم بينهم ولم يجيب اتصالات عنان ولا نارا بالطبع
هي من تمنى أن تهاتفه ويسمع صوتها ولكنها لم تفعل.. ولا هو
ربما سقوطه بالعمل كان مقصود، رغبة منه بمحاولة إجادة التفكير لكنه لم يجد وقت أصلا ليفعل
اسبوعان مرا بسرعة البرق عندما خرج من الحمام على رنين هاتفه فخرج وهو يلف المنشفة حول خصره ليرى رقم لا يعرفه فأجاب
"معك مشفى.. السيد رحيم؟"
رفع رأسه، المشفى تتواصل معه هنا؟ هل أصابها شيء؟
أجاب بهدوء "نعم"
عاد الصوت يقول "حضرتك لم تخبرنا بقرارك النهائي بالجراحة والطبيب طلب التأكيد"
عبث بعيونه بأصابعه للحظة قبل أن يقول "لن نقوم بشيء الآن"
صمت مر عبر الهاتف حتى قالت الفتاة "الطبيب بلغ أن الحالة خطر يا فندم وعليكم متابعتها، شكرا لك"
أغلق وظل واجما وقد تجاهل أمر المرض.. العناد أخذ كلاهم لطريق بلا عودة لكن الآن لابد من العودة، ما زالت حياتها بخطر وأيلا بحاجة لها..
حتى ولو كذبت بأمر الكانسر إلا أنها بالفعل مصابة بمرض وأيضا خطر..
هو جاء هنا محاولا تجاهل ما داخله ومخاوفه هو شخصيا عليها..
دقات على الباب جعلته يوقف الجمود الذي سقط به ويأذن ليدخل مسلم "مساء الخير، العشاء بعد ساعة ولقد أحضرت لك ما طلبته من معلومات عن جاكسون"
تحرك للملابس وقال "هل هناك ما يستدعي بقائنا أكثر مما كان؟"
ثبتت نظرات الرجل عليه وقال "العشاء آخر الأمور الهامة، كنت سأخبرك ذلك"
أغلق القميص وقال "جهز الطائرة سنعود غدا"
لم يرد مسلم، جذب ربطة العنق وعاد هو يقول "لم تخبرني ماذا فعلت بخصوص نتائج المدام الأولية؟"
تجهم مسلم وتأخر الرد منه فنظر له بالمرآة "مسلم هل سمعتني؟"
رفع مسلم رأسه وتنفس وهو يقول "نعم مستر رحيم"
انتهى من ربطة العنق والتفت متحركا ليصل أمامه ونظر داخل عيونه وأعاد كلماته "وما هي نتائج بحثك؟"
نبرته كانت هادئة لكن مخيفة.. بها تحذير خفي يعرفه مسلم جيدا "نفس نتائج المشفى"
ضاقت عيونه.. هل مهرة كذبت عليه حقا؟ لآخر وهلة كان يصدقها ويظن أن الخطأ من المعمل لكن الآن..
الصمت أخذه لحظة قبل أن يبتعد وقال "ما أن نعود حتى تحدد موعد جراحتها"
جذب الجاكيت محاولا إخفاء غضبه لكن مسلم كان يعرفه جيدا "ما زلت لا أصدق أن مدام مهرة مخادعة"
الغضب خرج من قفصه بوجه مسلم "أنا لا أهتم بما تصدقه من عدمه مسلم، فقط نفذ ما قلت وأنت صامت"
بريق عيونه جعل مسلم يدرك أنه تخطى للمحظور ولكنه لم يهتز، هو رجل تعلم ألا يخاف من أي شيء أو أي أحد "تمام مستر رحيم، لكن.. "
تحرك له.. وقف أمامه.. وجه تلون بالسواد، الرمادية انقلبت للأسود وصوته خرج مخيفا "هل اعتدت على مراجعتي بأوامري مسلم؟"
لا هو لم يفعلها من قبل لكن من داخله يشعر بخطأ ولا يفهم سببه لذا لم يتراجع وهو ثابت أمام رحيم وصوته خافت لكن ليس ضعيف "لا مستر رحيم، آسف ولكن لابد أن أخبرك أني أشعر بوجود خطأ ما، مدام مهرة.. "
قاطعه بحزم واضح "مدام مهرة تخصني أنا مسلم وليس أنت، وما أقوله ينفذ، هل تسمعني"
ظل الرجلان متواجهان.. لأول مرة يواجه مسلم رحيم بذلك الشكل ولا يتراجع ولا يرد مما جعل رحيم يميل برأسه ولهجته تتبدل
"هل تسمعني مسلم؟"
وكأن مسلم كان يجاهد نفسه ليتراجع حتى هز رأسه بالموافقة فابتعد رحيم والغضب يسيطر عليه من تصرف مسلم الغريب..
ما أن دخلت سيارته من بوابة الفيلا ونزل منها حتى رأته أيلا التي كانت تلعب بالحديقة مع مهرة، اندفعت الفتاة له بسعادة فاجأته
وسعادته برؤيتها فاجأته أيضا.. هل تعلق بها بهذا الوقت القصير؟
احتضنها بقوة وهي تهتف "بابي، افتقدتك جدا"
ابتسم لها وهو يضمها بذراعيه "وأنا أكثر أميرتي، كيف أمضيتِ فترة غيابي؟"
نظرت له وهو يقربها منه وقالت ببراءة "مع مامي ومس سحر والألعاب، مامي تقول أنني بحاجة لحضانة ولكني لا أريد تركها وحدها وقريبا سأذهب المدرسة"
وأخير رفع عيونه لها لكنها لم تكن موجودة.. اختفت.. بحث بالحديقة فلم يجدها
نفخ بضيق من تصرفها.. مشاكلهم لا تنتهي، كلاهم يناطح الآخر العناد.. هو على حق فماذا عنها وهي من خدعته وكذبت عليه؟
سحر تحركت له لترحب به وأيلا تسأله "ماذا أحضرت لي بابي"
ابتسم وهو يجيبها "أشياء كثيرة أميرتي، مس سحر ستحضرها لكِ.."
تحرك بها لمكان ألعابها وهي تسأله "هل بها ألعاب؟"
وضع قبلة على وجنتها وقال "بالطبع حبيبتي، ألعاب وملابس وأحذية، كل ما تحلمين به أوامر لي"
طوقته بذراعيها الصغيرة وهي تضع قبلات على وجنته "شكرا بابي، أحبك جدا أنت ومامي"
تركها لتنزل وهو يقول "ومامي تتركك وحدك؟"
أمسكت لعبة من خاصتها وقالت دون النظر له "لا، فقط عندما تشعر بالتعب أو الغثيان والقيء، وذلك الصداع أصبح مزعج.. هي تقول ذلك"
تجهم وجهه.. تذكر كلمات الطبيب من ضرورة سرعة إجراء الجراحة.. اللعنة على عنادها
اعتدل وقال "وهل تسمح لي أميرتي بالذهاب للاطمئنان على مامي؟"
هزت رأسها وهي تجيبه دون النظر له "نعم، فقط من فضلك دع مس سحر تأتي باللعب"
منح سحر نظرة عنت أن تفعل وانحنى ليطبع قبلة على وجنة ابنته وتحرك لداخل الفيلا باحثا عنها وبالطبع صعد لغرفتها..
من صوت القيء بالحمام عرف حالتها.. تلك العنيدة ترفض إخباره وترفض الجراحة.. هل ترغب بقتل نفسها؟
السيجارة اشتعلت بفمه وهو ينتظرها والغضب يزداد داخله..
التفت من صوت باب الحمام ليراها تترنح وتستند على الجدار فقذف السيجارة بالمطفأة وأسرع لها وهي تسقط بين ذراعيه دون وعي
الأصوات كانت كثيرة من حولها ولم تكن تدري ما هيتها.. بصعوبة فتحت عيونها والضوء ضايقها، اليومان الأخيران كانا من أصعب ما مر عليها..
كانت تسمع كلمات الطبيب بأن الورم سيؤثر على أشياء كثيرة وها هو بدأ بالفعل.. الصداع أصبح دائم ولا فائدة من أي دواء
غثيان وقيء.. فقدان للشهية والكثير من الأعراض التي لم تكن موجودة من قبل
سمعت صوته يناديها "مهرة، مهرة هل تسمعيني؟"
حركت عيونها لتراه أمامها.. أطول مما عرفته.. الصداع يدق بقوة وهي تهمس بضعف "ماذا.. حدث؟"
شبح لرجل آخر ظهر بجواره عرفته بالطبع وصوته أكثر قوة "فقدتِ الوعي مدام، تلك الأعراض ستزداد يوما بعد يوم، لذا لابد من الإسراع بالجراحة كما أخبرتك"
كانت تعلم صحة كلماته لكنها لم ترغب بوجوده.. لماذا حدث ذلك وهو هنا؟
سمعته يرد "اتخذ اللازم دكتور وسنجري الجراحة عندما تخبرنا"
أبعدت وجهها دون قدرة على الجدال.. لقد وصلت للنهاية.. لم تعد تستطيع محاربة كل ما حولها بعد الآن فقد تعبت
فقط أيلا هي كل ما تربطها بالحياة "لماذا لم تخبريني بكل ما كان يحدث لكِ؟"
ضعفها كان يغضبها وتمنت لو صرخت به كي يذهب ويتركها ولكنها لم تستطع "ربما أكمل التمثيلية"
لف وجهه بعيدا وهو يذكر كلماته قبل أن يرتد لها ويقول "أنتِ من يدفعني لذلك التفكير مهرة"
أغمضت عيونها بتعب حقيقي وهي تقول "أخرجني من حياتك إذن لترتاح"
ارتد لها.. انحنى على جسدها الهزيل الراقد بالفراش وغضبه يرتد له "هكذا بسهولة!؟ دون دفع ثمن تصرفاتك"
فتحت عيونها وعادت له ودموع سكنتهم، ألا يكفيه ما تعانيه؟
"أخبرتك أني لن أدافع عن نفسي ولن أجادلك بشيء، أنت تريد تصديق تلك الصورة عني رحيم، ترفض رؤية مهرة الحقيقة وأنا لا يهمني"
ظل على وضعه.. يواجه عيونها، يرفض كلماتها..
ثائر، غاضب، حانق..
لكن.. من داخله يعلم أن بكلماتها جزء صحيح
"وما يهمك هو تحقيق أحلامك وأنتِ زوجة العزايزي"
تدحرجت الدموع من عيونها وقالت "نعم، أحلامي وأنا على شفا الموت أليس كذلك؟ أنا متعبة هل تتركني وحدي؟"
سكنت ملامحه لحظة.. كأن الكلمات اصطدمت بشيء داخله لم يستطع تجاهله هذه المرة
نظراته سكنت على وجهها الشاحب.. على تلك الهشاشة التي لم يرها بها من قبل
صوت من داخله يهتف به، هي لا تُمثل.. هي الحقيقة التي كما قالت، لا يرغب بأن يراها، لكنه لم يسمح لنفسه بسماع الهاجس
ومع ذلك كل ما مرا بهما يجعله يدرك أنها ليست كما يحول تصويرها
شد فكه بقوة.. وكأنه يعاقب نفسه قبل أن يعاقبها ثم اعتدل واقفا فجأة وقال "ستُجرى الجراحة كما قلت للطبيب"
كان قرار حاسم.. لا نقاش فيه
أغلقت عيونها بتعب.. حتى الرفض لم يعد لديها طاقة له ومع ذلك همست بصوت بالكاد سمعه "وأنا قلت.. لن أفعل"
ظل ينظر لها.. هذه المرة كانت نظراته مختلفة، ليست فقط غاضبة، بل تحمل شيء أخطر.. إصرار
اقترب خطوة ثم أخرى.. حتى وقف بجوار الفراش، عاد وانحنى.. صوته انخفض لكنه كان أشد قسوة وهو لا يفهم سبب قسوته تلك
"وأنا قلت.. ستفعلين"
فتحت عيونها ببطء.. قابلت عيونه مباشرة، وهو ظل يواجها، لا يوجد خوف، فقط تعب.. استسلام وشيء يشبه الكسر
"بأي حق؟"
الوهن لحق بصوتها، لم يرتفع ولم يتغلف بالقوة والسؤال كان بسيط، لكنه ضربه بشدة، وكأنها تخبره أن وجوده لا معنى له
صمت.. للحظة لم يجد إجابة.. لكن عناده أنقذه كعادته.. رحيم العزايزي لا يقف عاجز "بحق أني زوجك"
ابتسمت..
ابتسامة صغيرة.. موجعة.. بلا روح ولا حياة "زوجي!؟"
هزت رأسها ببطء وهي تكمل بمرارة واضحة "الزواج ليس ورقة رحيم، ولا كلمات من المأذون وانتهينا، الزواج ثقة.. وأنت قتلتها بيدك"
كلماتها كانت هادئة.. لكنها أشد من أي صراخ
زاد اقترابه دون وعي.. كأنه يحاول الإمساك بشيء يهرب منه أو ربما وهم يراه بلحظة ويختفي باللحظة التالية "وأنتِ لم تتركي لي أي خيار آخر"
ضحكت بخفة.. ضحكة واهنة.. تحمل مرارة تملأ قلبها "دائما لديك مبرر.. حتى وأنت تكسرني"
سكت..
لأنها هذه المرة.. لم تترك له مساحة للهروب..
بلا وعي.. مد يده.. لمس وجنتها، مسح دموعها بإبهامه ورغم كل ما بينهم من جنون وصراع إلا أنه ما زال يريدها.. وأكثر مما كان
وهي تجمدت..
عيناها سكنت على عيونه.. تبحث عن الرجل الذي أحبته.. لكنه..
استعاد نفسه فجأة.. سحب يده بالحال.. كأنه لمس نار وارتد للخلف خطوة قبل أن يقول ببرود مصطنع
"استعدي للجراحة.. ستكون بعد يومين على الأكثر"
والتفت ليغادر.. هاربا من نفسه وضعفه.. وجنونه، لكن..
صوتها أوقفه "لو مت.. سترتاح؟"
وجمد بمكانه
السؤال لم يكن درامي، أو لعب على أوتار مشاعره فهو لم يمنحها أي مشاعر، بل كان حقيقي.. مرعب.. صادق
ببطء، لف وجهه لها لكنها لم تنظر له، سكنت رموشها على عيونها، تُخفي الضعف داخلها، الحزن.. الألم وربما كانت تتخيل الاجابة بدونه
لم تتوقف بل زادت "ستتوقف من الشك، من العناد.. مني، من كل شيء خاص بي"
صمت طويل سقط بينهم.. وكأن الكلمات نفدت وانتهت.. واختنق الجو حولهم
قبض على يده بقوة، عروقه برزت وكأنه كان يحارب شيء داخله حتى خرج صوته منخفض، مبحوح بكلمات لم يعرف كيف قالها
"أنا لم ولن أرتاح بدونك مهرة"
وأكمل طريقه فاتحا الباب.. وخرج
ورنت الكلمات بأذنها.. ورنين دقات قلبها يمتزج بها.. هل حقا ما قال؟
لكن سرعان ما سكن المعنى الحقيقي داخل عقلها، هو قصد وجودها لينتقم منها.. وقتها سيرتاح
أغلقت عيونها واعتصرتها من الألم وتركت قلبها ينزف على نفسه فهو يستحق لأنه أحب رجلا لا يستحقه
**
كانت متعبة جدا باليومين التاليين، لدرجة أنها لم تكن تقوى على النهوض أو الخروج من غرفتها وأيلا كانت تأتي معه لرؤيتها ولكنها كانت تذهب باللاوعي
وأخيرا تم نقلها للمشفى.. لا تنكر وجوده ولكنها لم تمنحه امتنانها لذلك ولا هو انتظر منها شيء
فقط منحها شعور بأن ما يفعله.. واجب.. روتين.. لا شيء مرتبط بمشاعر وأحاسيس
وكلاهم كان كاذبا حقا..
وداعها لابنتها مزق قلبها.. دموعها لم تجف.. تحملت كل ما تحملت لأجلها والآن رغم أنها ترحل بلا أمل بالعودة، تطمئن قليلا لأنها فقط مع والدها..
هو الوحيد الذي تثق بأنه سيكون حصن الأمان لها..
الغرفة لم تكن كالسابقة بل كانت مجهزة أكثر بأجهزة مختلفة وشعرت بخوف ورهبة وربما شبح الموت كان يلتصق بها..
كانت ترى والدتها.. صراعها مع المرض.. خالتها التي رحلت بعمر مبكر أيضا بسبب نفس المرض.. قد تكون هي أكثر حظا منهم لأنه حميد لكن..
الخطر لا يقل عنه..
لم يتبادلا أي كلمات بعد حوارهم الأخير، كلاهم كان يفر من مواجهة الآخر وكلاهم كان يكتفي يما يحمله داخله من خوف وقلق..
انفضت الغرفة من حولها.. تبقى وقت لا يُذكر على اسدال الستار على حياتها وتعليق كلمة النهاية
مشهد مخيف لكن بلا جمهور.. فقط هي وأنفاسها المرتفعة وهدوء ثقيل..
هدوء غير مريح.. يخنق الصدر.. كأن الجدران نفسها تنتظر خبر لن تحبه، نفس اليأس والاستسلام
نفس الإدراك.. أنا راحلة للموت
ظلت جالسة على الفراش، الوسائد خلف ظهرها.. رأسها استند على ظهر الفراش ونظراتها زاغت بالفراغ من حولها..
لم تفكر بما سيحدث بالجراحة، لم تخاف منها، الخوف الحقيق كان مما يمكن أن يحدث بعدها.. أو.. لو لم يكن هناك بعدها
سقطت نظراتها على يدها، الإبرة التي انغرست داخلها.. الأجهزة التي تحيطها.. الظلام الذي يهيمن على عقلها
تنفست ببطء.. حتى.. رفعت يدها على قلبها وكأنها تتأكد أنه ما زال يدق فلمست دقاته السريعة والمخيفة..
ثم..
مدت يدها للدرج القابع بجوارها.. فتحته بهدوء وتلك الورقة الفارغة ساكنه به..
جذبتها والقلم معها وظلت ثوان تحدق بالورقة.. القلم بين أصابعها لكن..
بلا كلمات.. تمنعت عليها.. رفضت رفقتها.. حتى.. ابتلعت ريقها واستجمعت آخر ما تبقى لديها من قوة
وبدأت تكتب..
“أيلا"
وتوقفت.. ابتسامة باهتة مرت على شفتيها.. ودمعة خانتها ونزلت على وجنتيها.. وألم نبض بقوة داخلها
“أنا لا أعلم متى ستقرئين هذه الكلمات! أو هل ستقرئينها من الأساس أم لا"
أصابعها كانت ترتجف بالقلم والكلمات كانت معوجة لكنها أكملت "لكن لو وصلك خطابي هذا.. فهذا يعني أني لم أعد معك"
أغمضت عيونها لحظة.. الدموع لم تظل داخلهم بل تحررت منهم، أنفاسها اختنقت مع بكائها المكتوم.. لكنها أكملت "أنا آسفة حبيبتي، آسفة أني قد تركتك.. لكن صدقيني فقد حاولت أن أبقى لأجلك"
وسقطت الدموع.. على الورقة.. فزعت.. ومسحتها بسرعة خوفا من أن تفسد الرسالة "لا تغضبي مني حبيبة القلب، تذكري دائما أني كنت أحبك أكثر من أي شيء أو أحد في الدنيا"
ووقفت مرة أخرى..
اسم واحد خطر على بالها بتلك اللحظة.. غصبا عنها
رحيم..
شدت يدها على القلم.. للحظة فكرت بكتابة اسمه.. ولكنها تراجعت.. تركت السطر فارغا ثم عادت وأكملت
"خذي بالك من والدك.. هو قوي حقا كما يبدو للجميع.. ومع ذلك ينكسر دون أن يُظهر"
وشهقت بخفة.. وكأنها اعترفت بشيء كانت تخفيه حتى عن نفسها "ولو غضب منكِ بيوم ما.. سامحيه حبيبتي.. هو لا يعرف كيف يحب دون أن يخطئ"
وضحكت.. ضحكة مكسورة من بين دموعها.. ضحكة حزينة كصدى للألم وعادت تكتب "وربما أنا أيضا لم أحبه صح.. "
سكتت.. توقف القلم.. لكن قلبها لم يفعل.. كان يكمل ما بدأ لكن بدقاته المخفية داخل صدرها
دق الباب.. انتفضت
مسحت دموعها بسرعة وطوت الورقة على عجل ووضعتها تحت الوسادة.. كأنها تُخفي جزء من روحها ولا تعلم هل سيعود لها أم لا؟
صوت الممرضة الهادئ جذبها للواقع "جاهزة مدام؟"
هزت رأسها..
نهضت بصعوبة وتعب.. وربما خوف من القادم منع قدماها من أن تحملانها.. وقبل أن تتحرك.. وقفت لحظة.. دارت عيونها بالمكان كأنها تودع كل شيء لكن..
توقفت عيونها عند الباب.. جزء منها كان ينتظر.. ربما لم يرحل.. ربما يدخل.. أو يقول شيء.. يمنعها
لكن الباب ظل ساكتا.. ومن تمنته لم يعبر منه
وابتسمت.. آخر ابتسامة، ضعيفة.. يائسة وهمست لنفسها "هكذا أفضل.. "
وتحركت.. لمصيرها المجهول
وتركت وراءها.. ورقة صغيرة.. وقلب كبير.. كان يحب رغم كل شيء وتمددت على الفراش المتحرك والفتاة تدفعها
سئمت تلك الممرات الباردة والأضواء الخافتة بالسقف.. الفراش تحرك ببطء شديد، مخيف..
هل تقاد لحبل المشنقة؟
تمني أمنية مهرة.. سخرت من داخلها.. الأماني للأحياء لكن أنتِ.. ورحلت الكلمات..
حركة الفراش كانت بطيئة وعيناها مفتوحة.. ساكنة.. لا تبحث عن شيء إلا..
توقف الفراش فجأة.. وصوت قوي هو من فعل "لحظة لو سمحتِ"
لم يكن ليسامح نفسه لو دخلت دون أن يراها.. وصوته.. اندفع داخلها قبل أن تراه وتحركت عيناها حتى استقرت عليه
وقف.. على بعد خطوات.. يلتقط أنفاسه، ملامحه جامدة لكن عيونه لا.. بخطوات قليلة كان بجوارها.. بلا كلمات
فقط نظر لها.. كأنه كان يحاول حفظ ملامحها أو ربما.. بث الطمأنينة داخلها.. وداخله
لم تبكي.. لم تبتسم ولم تتبدل ملامحها فقط قالت بهدوء مرهق "ظننتك لن تأتي؟"
جمدت ملامحه وكأن كلماتها لم تعجبه أو أصابته بمكان ما "ولكني هنا"
قالها باختصار. بلا قوة بصوته كعادته.. ثم صمت
ومرت ثانية .. ثقيلة وكلاهم يحدق بالآخر بلا رغبة بالانفصال حتى قال فجأة وكأنه يهرب من شيء "الدكتور قال أن الجراحة هامة و.. "
قاطعته..
بصوت ضعيف لكن حاسم "أعلم"
عاد وسكت.. لم يجد ما يقوله.. وطالت نظرتهم تلك المرة حتى نطقت "لو خرجت.. دعني أرحل"
جملتها نزلت بهدوء.. لكنها ضربته.. لو شُفيت كان من الأجدر أن تطالب بالحياة الرغدة ولكنها..
"ليس هذا وقته مهرة"
قالها بسرعة.. حادة.. وكأنه يرفض ما قيل.. لكنها لم تتراجع "بل وقته.. لأنه ربما لا يكون هناك وقت آخر"
ابتلع ريقه واشتد فكه وظهرت عروق وجهه بشدة وكأن كلماتها أجبرته يسمع الحقيقة التي يفر منها.. حتى..
رفعت يدها ببطء فتحركت عيونه لها.. تردد لحظة ثم مد يده وأمسك يدها.. لم تضغط.. لكنها لم تتركه "خذ بالك من أيلا.. ليس لها سواك"
وقاومت الدموع.. ليس وقت الضعف.. صوتها كان هادئ، عميق.. كأنه خرج من مكان بعيد..
ضاقت عيناه وهمس.. لكن بنبرة مهزوزة "توقفي عن كلامك هذا"
رفعت عيونها له ولأول مرة كان فيها شيء واضح جدا.. حب.. صريح.. بلا خوف و.. صدق "أنا لم أكذب عليك رحيم"
وسكنت الكلمات بينهم.. بسيطة، لكنها أثقل من أي دليل.. منحها نظراته لثواني.. طويلة..
كان من الممكن أن يصدق بل كان عليه أن يفعل أو يسأل لكن.. عناده سبقه.. حتى عاد لها "عندما تخرجين، نتحدث"
ابتسمت.. ابتسامة صغيرة.. هادئة.. كأنها فهمت "لو خرجت.. "
وتجمد.. لكن الممرضة قطعت اللحظة "لابد أن ندخل حالا يا فندم"
يده ظلت ممسكة بيدها لثانية إضافية.. ثم تركها.. ببطء والفراش يتحرك بها وهي..
لم تبعد عيونها عنه، حتى اختفى.. وهو ظل واقفا.. مكانه، لا يتحرك وكأنه ترك جزء منه معها.. دخل غرفة العمليات..
وانغلق باب الغرفة.. بصوت بسيط.. لكنه كان كمن أعلن نهاية شيء.. وبداية آخر لا يعرفه.. وظل واقفا مكانه
ثابت.. بلا حركة.. كأن جسده تجمد عند تلك اللحظة.. العالم يتحرك من حوله، ممرضات، أطباء، خطوات سريعة.. أصوات أجهزة
لكنه.. لم يسمع شيئا.. فقط.. آخر نظرة منها وتلك الكلمات "لو مت.. سترتاح؟"
أغمض عيونه بقوة.. زفر نفسا طويلا.. كأنه كان يحاول طرد الصوت من رأسه لكنه فشل، فتح عيونه وتحرك.. خطوة، خطوتين ثم عاد مرتدا لنفس المكان
لا قدرة له على الابتعاد عن هنا..
وضع يداه بجيوبه.. وتمنى لو أشعل سيجارة ولكنه لن يخرج من هنا قبل أن تخرج هي.
أخرج يده ورفعها لشعره واخترق خصلاته بأصابعه بعنف "يا رب!.. "
همس بالكلمات بصوت منخفض، مخنوق.. يحمل قلق وخوف مكتومين، شعر أنه انفصل عن الواقع وعقله وقلبه رحلوا معها للداخل..
مقعد فرغ فأسقط جسده عليه.. متعب ولكن ليس من المجهود.. بل تعب ذهني.. نفسي.. قلبه ممزق بين من كانت فراشة تتطاير بين زهور حياته وبين امرأة تتراقص الشكوك حولها
انحنى.. ضم رأسه بين يداه..
كل ما كان بينهم سقط عليه الآن.. براءتها يوم رآها أول مرة.. خجلها وتورد وجنتيها لأول قبلة..
كانت تحمل شجاعة فارسة ورقة امرأة وقوة ألف رجل ولكن اليوم.. رأى لأول مرة ذلك الضعف بعيونها.. هزيمة لم تستطع محاربتها فالمرض لا ناصر له إلا الله
صوتها الواهن لم يفارقه "لو خرجت.. دعني أرحل"
هل ستخرج؟
هل سيتركها لو نجت؟ هل يمكنه العودة للحياة وهي ليست بحياته؟
رغم كل خلافاتهم وشكوكه إلا أنه يرفض تحريرها.. ليس بعد أن أعادها..
ليس بعد تلك الأيام التي عاشوها بالغردقة، كانت المتعة حقا وهو يرغب باستعادتها ونفض جنونه بعيدا
"حضرتك بخير؟"
صوت مسلم كان خافت.. عميق.. يحمل رنة قلق على رئيسه الذي هز رأسه بلا كلمات ولكن مسلم لم يتركه
"الطبيب قال أن الجراحة ستستغرق وقت طويل لم لا نذهب لتناول أي مشروب؟"
لم يسمعه.. كان ما زال يسمعها.. "ربما لا يكون هناك وقت آخر.."
كلماتها طعنات حادة بالقلب..
لا مهرة لن تتركيني، لن أتحمل فراقك مرة أخرى.. لن يمكنني الاستيقاظ بحياة ليس بها عيونك ولا أسمع صوتك
تنهد بقوة وألم حاد يمزق صدره واحترقت عيناه من ملوحة الدموع حتى..
"حبيبي، هل أنت بخير؟"
يا الله!؟
ليس الآن.. آخر صوت يرغب بسماعه أو رؤية وجه صاحبته
"رحيم لا شيء يستحق ما تفعله هذا"
لمس عيونه بحركة خفية لإبعاد الدموع الحائرة، ثم شعر بلمسة على كتفه فحرر رأسه دون النظر لنارا التي كانت تنحني لتصل له
اختنق من عطرها النفاذ.. ونهض واقفا..
ملامحه جامدة.. عيناه تلونت بالأحمر الدموي.. ولم ينظر لها..
مسلم تراجع ولكنه ظل واقفا على بعد..
نارا لم تمنح رحيم فرصة للتوازن بل اقتربت قرب جنوني منه وهي تقول "لا تخبرني أنك تهتم بها تلك الغشاشة الكاذبة؟"
التفت لها.. نظراته الدموية جعلتها ترتجف.. تتراجع خطوة كادت تفقدها توازنها وصوته المنخفض خرج مخيف أيضا
"لا مجال لتلك الكلمات الآن نارا.. وجودك بالأساس لا معنى له"
تصلب جسدها.. بهت وجهها ومع ذلك لم تأخذ سوى جزء من الثانية لترتد لنفسها وما أتت له وهي تقول "أخبرتك أني لن أتركك أبدا رحيم.. لن أكرر الخطأ مرتين حتى ولو تركتني أنت لنفس السبب ونفس المرأة"
التوتر ارتفع داخله.. لا رغبة له بجدال فمال عليها وتحدث بنفس الوتيرة الخافتة "لكني أريدك أن تتركيني نارا.. لا أرغب بأحد معي الآن"
وتحرك مبتعدا..
هواء النهار الشاحب منحه أنفاس أحيت الروح داخله والسيجارة لوثت الاكسجين المخترق رئتيه..
اختنق من السيجارة أو ربما من ضياع أنفاسه التي تركها بالداخل مع من لم يرغب سوى بها
"هل أنت أفضل الآن؟"
قذف السيجارة دون أن يكملها وهو يلتفت لنفس المرأة الصاخبة بكل شيء.. ملابسها.. مساحيق التجميل.. عطرها.. كل شيء بها صاخب
لم يعرف كيف يتخلص منها وهو يقول "أي جزء من كلماتي لم تفهميه نارا؟"
ابتسمت ببرود وهي تعرف أنها لن تستسلم لدفعه لها خارج حياته.. لن تهزمها مهرة مرة أخرى والآن أفضل وقت للهجوم..
ومهرة غائبة..
"تلك الكلمات بهذه الأوقات لا يؤخذ بها رحيم، لا أحد يمكن أن يكون معك الآن سواي.. رحيم أنت تعلم كم أحبك وهو ما أحاول أن أجعلك تدركه بوجودي معك وقت الشدائد"
اعتدل بوقفته.. ظل ينظر لها، لا يصدق ما تقوله وما تقنع نفسها به "نارا هل تدركين من التي بالداخل؟"
تجهم وجهها مرة أخرى وجمدت ابتسامتها وهي تقول بكره حاولت إخفائه بلا فائدة "لا يهم.."
لكنه مزق الهدوء بصوته القوي بلا هتاف "بل يهم.. يهمني أنا لأنها زوجتي.. أم ابنتي.. من اخترتها لإكمال حياتي معها"
هتفت به بقوة وغضب "ولكنها عدوتي وخصمي ولن أهدأ حتى أهزمها وأعيدك لي"
أبعد وجهه وهو يزفر الهواء بقوة قبل أن يرتد لها "وأنا أخبرتك نارا أني لن أكون لكِ بأي يوم، ألا تفهمين؟"
تكونت دموع بعيونها تجاهلتها كما تجاهلت ألم قلبها وهي تجيبه "بل هو أنت الغبي.. أنت من لا يرى كل ما يدور من حولك.. حتى الأقدار تخبرك أن تلك المرأة لا تصلح لك.. ها هي بالداخل وربما تموت"
أغلق أصابعه بقوة بجواره وعادت الدماء لوجهه وعيونه وهمس بغضب مكتوم أخافها "مهرة لن تموت هل تسمعيني؟ مهرة ستعيش ولن تكون امرأة سواها زوجة لي"
هتفت بلا اهتمام ما إذا كان صوتها مرتفع أم لا "أنت غبي رحيم.. غبي وأعمى ولا يمكنك تمييز عدوك من حبيبي"
لم تعد مناقشة.. بل شجار..
جنون.. بركان انفجر ونفخ حممه بكل ما حوله "أنا حقا غبي لأني ما زلت أقف وأتجادل مع حمقاء مثلك"
لم تتراجع أمامه ولم تستسلم للحمم المتناثرة منه "حمقاء لأني أحببتك، حمقاء لأني لا أعرف كيف أنزعك من دمائي، حمقاء لأن مهما فعلت أنت رحيم فلن أتركك لها"
وظل كلاهم يحدق بالآخر.. الإصرار بنظراتها والغضب بعيونه.. والحمم تأكل كل ما حولهم..