
رواية ما بين الغرام والانتقام بقلم سارة خالد
رواية ما بين الغرام والانتقام الفصل الثالث عشر13 بقلم سارة خالد
نظرت إلى الهاتف بقلق ثم عاودت الاتصال للمرة السابعة منذ خروجها من المنزل لماذا لا تجيب فقد اتفقتا بالأمس على الذهاب إلى الجامعة سوياً
في العادة لم تكن سديم تتأخر في الرد عليها بهذه الطريقة.
حسمت أمرها وقررت الذهاب إليها لترى سبب تأخرها ولماذا لم تجب على اتصالاتها حتى الآن .
سارت قليلاً فلم يكن منزل سديم يبعد عن منزلها سوى بضعة شوارع قليلة حتى وصلت إلى البناية التي تمكث بها ودخلت إليها بخطوات متسارعة كادت أن تصعد الدرج لكن تجمدت خطواتها فجأة واتسعت عيناها بصدمة
مما رأته أمامها ولم تستطع استيعاب ما يحدث.
تسارعت أنفاسها وهي تندفع نحو صديقة عمرها التي كانت تجلس على سلم البناية تحتضن نفسها بقوة وكأنها تحاول جمع شتات روحها بينما تتعالى شهقاتها وتمتلئ عيناها بالدموع.
تجمدت ملامحها وهي تدرك أن الأمر ليس عابرًا فسَديم لم تكن يومًا الفتاة التي تظهر ضعفها
هي صديقة عمرها وتحفظها عن ظهر قلب تعلم جيدًا أن سديم كانت تخفي أوجاعها خلف صمتها وتبتلع دموعها قبل أن تسمح لأحد برؤيتها ضعيفة.
حتى يوم رحيل والدها رفيق عمرها وسندها الوحيد الذي كانت ترى فيه عالمها بأكمله لم تبكِ ولم تصرخ ولم تسمح لدمعة واحدة أن تهزم كبرياءها بل فضلت الصمت وانعزلت عن الجميع حتى لا يرى أحد انكسارها ولا قلة حيلتها
فما الذي حدث اليها أوصلها إلى هذه الحال.
احتضنتها بسرعة وهي تقول بلهفة:
"مالك يا سديم إيه اللي حصل حد عملك حاجة"
لم تجبها بل ازدادت شهقاتها قوة حتى بات جسدها يرتجف بين ذراعيها.
لم تعرف سلمى ماذا تفعل سوى أنها انفجرت بالبكاء على صديقة عمرها وتوأم روحها وهي تقول:
"مالك يا سديم ردي عليا يا حبيبتي حصلك إيه وصلك للحالة دي أنا عمري ما شوفتك بالشكل ده"
رفعت سديم رأسها إليها بعينين تائهتين ثم زادت من احتضانها وهي تهمس بصوت متهالك:
" تعبت يا سلمى تعبت أنا عاوزة بابا مش هقدر أكمل من غيره عاوزة أروح له"
أبعدتها سلمى عنها بسرعة وهي تقول بحدة امتزجت بالخوف والقلق:
"اخرسي يا حيوانة قطع لسانك تروحي فين هيهون عليكي تسبيني لوحدي وأنتِ أكتر واحدة عارفة أنا مليش غيرك يا سديم متقوليش الكلام ده تاني"
أغمضت سديم عينيها بألم وهي تهمس:
"تعبت يا سلمى مبقتش حمل كل ده خلاص"
ردت عليها سلمى وعيناها تمتلئان بالحزن
"ليه بتقولي كده باباكي في مكان أحسن من هنا بكتير أنا عارفة إنه كان كل حياتك وإنك متعلقة بيه أكتر من أي حد بس دي سنة الحياة يا ساسو وبعدين أنا عمري ما شوفتك ولا اتعودت أشوفك بالحالة دي"
نظرت إليها سديم وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة تخفي خلفها ما لا يعلمه أحد
كان الجميع يظن أن وفاة والدها هو السبب الوحيد وراء انهيارها أما الحقيقة فكانت أعمق وأقسى بكثير
اتخذت من رحيله ستارًا تخفي خلفه كل ما ينهش روحها حتى لا ينكشف أمرها وحتى صديقة عمرها لم تجرؤ على إخبارها بالحقيقة خوفًا عليها فهي لن تتحمل أن يصيبها مكروه هي الأخرى.
ابتسمت ابتسامة مصطنعة وهي تقول:
"هتصاحبيني وتاخدي عليا ولا إيه يا بت انتي إيه اللي جابك أصلًا"
قالت سلمى وهي ما زالت تنظر إليها بقلق:
"سديم انتي متأكدة إنك كويسة إيه اللي قعدك القعدة دي الحمد لله إن مفيش حد عايش معاكي في البيت ده"
تنهدت سديم بهدوء وقالت:
"انا كويسة يا حبيبتي متقلقيش كنت مخنوقة بس علشان بابا وحشني ومكنتش حابة ماما تشوفني بالحالة دي فقعدت هنا والوقت سرقني مش أكتر وبعدين يلا انجزي الوقت سرقنا يدوبك تلحقي تحضري المحاضرة التانية وأنا هروح أسلم الورق المطلوب مني وخلاص المحاضرات بتاعتي فاتتني"
ثم تابعت.
"هستناكي قدام كليتك على ما تخلصي"
وقفت سلمى هي الأخرى وعادت ابتسامتها المعهودة وهي تقول بمرح:
"حاضر يا ماما سديم إحنا أوامر ماشية على الأرض"
نظرت إليها سديم بحنان فلم تكن تلك الكلمة جديدة على سلمى فقد اعتادت أن تناديها بماما في أغلب الأوقات
والحقيقة أن بالفعل سديم كانت تعاملها وكأنها ابنتها تحاول أن تكون لها سندًا وتعوضها عن الحنان والدتها الذي افتقدته منذ صغرها.
ابتسمت وربتت على كتفها بحنان وهي تقول:
"طب يلا يا لمضة"
غادرت الفتاتان إلى الجامعة وسط فرحة سلمى الشديدة بعدما علمت أن سند سيأتي اليوم لخطبة سديم.
غافلة تمامًا عن تلك التي كانت تسير بجوارها شاردة الذهن تنتظر ما سيحدث بعد ذلك اليوم المشؤوم الذي سيغير حياتها إلى الأبد.
**ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ**
كان يجلس في مكتبه يرسم أحد التصاميم على الورق بتركيز شديد استعدادًا لتنفيذه.
دق الباب ثم دخل منه يوسف وهو يقول:
"إيه يا عريس قاعد هنا لحد دلوقتي ليه المفروض تاخد النهارده إجازة علشان تجهز نفسك"
أجابه سند دون أن يرفع عينيه عن الورقة:
"لسه بدري هخلص اللي في إيدي وأمشي لأن ورايا كام حاجة لازم أخلصها"
ثم رفع نظره إليه وقال
"وأنت إيه اللي جابك دلوقتي مش من عوايدك تسيب الشغل دا لو بنموت قدامك متعملهاش"
نظر إليه يوسف بغيظ وقال:
"تصدق يا أخي أنا غلطان إني عبرتك وقلت أجي أبارك وأعاملك معامله العريس وبعدين أنا واخد النهارده إجازة انتصار هانم منكدّة عليا علشان مبقتش تشوفني"
ابتسم سند بخفة وقال:
"معاها حق عندها ابن جبله زيك والله أمك دي خسارة فيك مش فاهم ذنبها إيه في كل اللي حصل وأنت كمان ذنبك إيه طلع نفسك من الدوامة دي بقى يا صاحبي حرام عليك عمرك اللي بيضيع قدامك وأنت ولا هنا"
تنهد يوسف بضيق ونفخ بقوة قبل أن يقول:
"فضنا من السيرة دي يا سند أنت ملكش غيرها كل ما تشوفني تفتح في الماضي قولتلك أنا مرتاح كده عجباني الدوامة اللي أنت بتتكلم عنها طول ما أنا بعيد عن الكل"
فتح سند فمه ليتحدث لكنه قاطعه يوسف بجدية:
"خلاص يا سند عارف إنك هتقولي اتجوز وعيش حياتك والأسطوانة المشروخة دي قولتلك مش هتجوز عاجبني حياتي كده وأنا حر*
رد عليه سند بغضب:
"الكلام ده لو كنت فعلًا بتحبها ياروح امك كنت أنا أول واحد أمنع أي حد يكلمك لكن فين الكلام ده وهي كانت بتجري وراك وتتمنى رضاك وأنت كل مرة تقول لها انتي أختي وأنا منفعكيش نصيبك مش معايا "
خفض يوسف رأسه وقال بصوت امتلأ بالألم:
"ياريتني يا صاحبي ما كنت قولت كده على الأقل كان ممكن تكون موجودة دلوقتي"
صرخ فيه سند بقوة:
"بطل غباء بقى بطل تشيل نفسك ذنب موتها أنت ملكش ذنب دا كان قدرها ونصيبها أنت إيه دخلك في موتها أصلًا أنت مكنتش موجود بطل تحمل نفسك ذنب حاجة ملكش إيد فيها"
قال يوسف بصوت مكسور:
"لو كنت سمعت كلام أمها وفضلت جنبها كان زمانها لسه عايشة أنا السبب الأساسي أنا اللي قولت هحميها من بعيد وكل اللي حصلها كان بسبب إنها حبتني حبت واحد مش بيحبها حد ميستاهلش بس نظره منها"
ثم أغمض عينيه وقال بألم:
"بس والله غصب عني يا صاحبي قلوبنا مش بإيدينا أنا محبتهاش عمري ما عرفت أشوفها غير أخت ليا"
سقطت دمعة من عينيه لأول مرة منذ سنوات.
وضع يده علي كتفه وهو يقول بتأثر شديد من حال صديق عمره:
"الله يرحمها يا صاحبي سارة مكنش فيه في طيبتها اتنين وهي أكيد دلوقتي في مكان أحسن من هنا بكتير.
أنا آسف إني كل مرة بفتح معاك الموضوع ده وبنكد عليك متزعلش مني أنا بس مش عاوز غير مصلحتك
مش هاين عليا أشوفك بتضيع نفسك وأنا واقف ساكت مستنيك تموت
بسبب غبائك.
بطل بقى تعرض نفسك للخطر شغلك ممكن يتحل بأي طريقة غير اللي أنت ماشي بيها.
أنا معاك إنك بقيت في وقت قياسي ليك اسم كبير والكل بيعملك ألف حساب لكن على حساب إيه
على حساب نفسك
فوق يا صاحبي وبص للي حواليك هيحصل لهم إيه لو جرالك حاجة
أمك وأنا وعمر وناس كتير منهم ج.."
قاطعه يوسف وهو يقول بهدوء:
"بس يا سند متكملش الموضوع ده مقفول من زمان"
تنهد سند باستسلام وقال:
اللي أنت شايفه يا صاحبي بس علشان خاطري بلاش اللي بتعمله في نفسك ده أمك ملهاش غيرك وإحنا كمان لو حصلك حاجة بعد الشر هنروح وراك"
احتضنه يوسف بقوة وهو يقول بابتسامة امتزجت بالألم:
"تعرف يا صاحبي مهما قلتلك مش هوفيك حقك أنت فعلًا سند لكل اللي حواليك الي سماك كان عنده بعد نظر"
ابتعد عنه محاولًا تغيير الجو وقال بمرح:
"هنفضل نرغي والوقت يجري ومتلحقش تجيب ورد وترجع تقول إني السبب يلا يا أخويا توكل على الله روح شوف هتعمل إيه"
ضحك سند وهو يهز رأسه:
"ماشي يا أخويا أنا غاير في داهية ادعي لأخوك عنده مهمة قومية"
نظر إليه يوسف باستغراب وقال:
"مهمة إيه دي يا خويا"
قال سند وهو يمثل الحزن:
"لو الورد معجبهاش هترفضني وصاحبك وعياله يتشردوا يا صاحبي"
نظر إليه يوسف ببلاهة وقال:
"لا حول ولا قوة إلا بالله عيال ايه جبتهم امته اصلا أنت عمر خلط عليك يا سند وأنا كنت بقول عليك العاقل اللي فينا"
في تلك اللحظة جاءهما صوت عمر من عند الباب وهو يستند إليه ويقول بغيظ:
"وماله عمر يا عنيا مش عاجبك ولا ايه بس حقك منا عايش وسط بهايم"
نظر إليهما سند مبتسمًا فقد اعتاد على مناقراتهما التي لا تنتهي فقال وهو يتجه نحو الباب:
"لا ده أنتوا موالكم طويل مع بعض وأنا مش فاضي "
صاح عمر من خلفه بصوت مرتفع:
"ربنا معاك يا تتح يا خويا"
اقترب منه يوسف وأمسكه من قفاه وهو يقول:
"أنت يا ابني مش هتبطل أسلوبك ده يا شحط الله يفضحك سند مسكك إدارة الشركة إزاي بعقل الأطفال اللي عندك ده"
أبعده عمر عنه وهو يعدل ملابسه ثم قال رافعًا أحد حاجبيه:
"اوعى الشكته بس تلاقيك غيران من الشياكة الي انا فيها أنت عارف البدلة دي بكام يا معفن وبعدين يا بابا الشركة دي من غيري ولا تسوى تعرف لو سيبتها من هنا تاني يوم هتفلس"
قاطعهما دخول السكرتيرة الخاصة بسند وهي تقول بعملية:
"مستر عمر حضرتك فيه غلط كبير في حسابات الشركة اللي حضرتك وردتها ولولا ستر ربنا وإن حد من قسم الحسابات خد باله كان هيبقى فيه خسائر كبيرة جدًا ياريت تراجع الحسابات كويس بعد كده"
نظر يوسف إلى عمر وهو يحاول كتم ضحكته بينما جز عمر على أسنانه وهمس بصوت منخفض وصل إلى يوسف:
هو محبكش يقولك غير دلوقتي هي ناقصه كسفه:
ثم اعتدل في وقفته ورفع صوته محاولًا استعادة ما فقده من هيبته وقال:
"عادي يعني هو مفيش حد بيغلط الشاطر هو اللي بيتعلم من غلطه مجتش من مرة يعني"
نظرت إليه السكرتيرة بغباء وقالت:
"بس دي مش أول مرة يا فندم ومستر سند زعق لحضرتك كذا مرة قبل كده"
نظر إليها عمر بغيظ مكتوم وقال:
"بره اخرجي بره بدل ما أخرجك على نقالة"
اتسعت عيناها وخرجت بسرعة وهي تتمتم بصوت وصل إلي يوسف:
"ماله ده هو تعبان في دماغه ولا إيه يلا ربنا يعينه على المهلبية اللي في دماغه"
ما إن أغلقت الباب خلفها حتى انفجر يوسف في الضحك وهو يمسك بطنه من شدة الضحك ثم قال بسخرية:
"أيوه يا حبيبي فعلًا الشركة من غيرك هتفلس بس وأنت فيها مش هيبقى فيه شركة أصلًا يا فرحة أمك بيك"
نظر إليه عمر بغيظ وقال:
"يلا يا جبلة من هنا هنرش ميه"
نظر إليه يوسف من أعلى إلى أسفل ثم انفجر في الضحك مرة أخرى قبل أن يغادر المكتب تاركًا عمر يجز على أسنانه من الغيظ.
**ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ**