
غيرة
لا تنكر أنها تقبلت الهدنة لكن بخوف ما زال يأخذ جزء كبير من قلبها.. ما زال الألم يهزم الحب ولا تعلم هل يمكن أن يرحل الألم للنهاية ويبقى الحب فقط؟
لا إجابة..
أول خطوة في بناء تثبيت الهدنة كانت العمل.. عندما نزلت بالصباح الباكر ظنت أنه سيبدل موقفه ويرتد بأمر العمل لكن..
وجدته يقف بنفس مكان الأمس.. أيضا يتحدث بالهاتف فظلت مكانها لحظة تتأمله حتى التفت ورآها تقف..
توردت وجنتاها واستوعبت نفسها وهي تكمل خطواتها بثبات محاولة التغاضي عن نظراته التي تفحصتها جيدا
أنهى الاتصال وقال "ألم يخطر ببالك أن منتجات شركاتي الآن أولى بكِ من تلك؟"
رفعت وجهها وقد تفاجأت من السؤال ولكنها تعلمت أن تكون سريعة الرد "ألم يخطر ببالك أنها قد تكون أعلى من إمكاناتي؟"
وتركته وتحركت للباب وهو ظل يحدق بمكانها الفارغ وهي تذكره بمن هي والفارق بينهم مما يعني أن الأمر ليس بسهل..
بالبداية التعامل معها بالمجموعة، كان باستخفاف.. ظنا أنها نفس الفتاة التي تم الإطاحة بها من المالك نفسه لكن..
تلك المرة كانت مختلفة..
بظرف أيام قليلة كان الجميع ينتبه لرأيها.. لا شيء يمر دون أن تمنح موافقتها..
وهو.. منحها منصب يليق بزوجته..
مدير قسم الإعلانات والتسويق للمجموعة كلها، وقد نقل المدير السابق لفرع آخر كي تبقى معه
لم ترحم نفسها ولم تهتم بأنها خرجت منذ وقت قصير من جراحة خطيرة، فقط كان التحدي يستحق وانتظرت منه أي اعتراض أو انتقاد كما اعتاد وقت كانت زوجته سابقا، ولكن لا شيء كل ما كانت تأمر به مطاع..
وانتهى أول اسبوع دون أي صدام بينهم.. لا يتركها تذهب وحدها ولكن العودة غير متفق عليها
عادت مبكرة من العمل لتجد غرفتها ازدحمت بحقيبتين كبيرتين وتبعتها فتحية مدبرة المنزل وأخذتها من صدمتها
"سيد رحيم أرسلهم مع السائق منذ نصف ساعة هل أرتبهم بالخزانة؟"
تذكرت سؤاله عن منتجات الشركة.. هزة خفيفة من رأسها جعلت فتحية تتحرك لإفراغ الحقائب وهاتفها يرن باسمه..
ابتعدت للنافذة وأجابت "ألا يمكن أن أكون زوجتك بدون ماركتك المسجلة؟"
نفخ الدخان وقذف الولاعة على مكتبه وأجاب "أنتِ زوجتي بدون أي خلاف، لكن أحب أن أشعر أن زوجتي تهتم بما يخصني"
رفعت وجهها وقالت بجدية "لم أظن أن الأمر يهمك"
تحرك للنافذة هو الآخر والتقى بنفس السماء الصافية وظل يدخن وهو يجيبها "أظن أن الرد وصلك مهرة"
صمتت.. رفعت يدها وحكت جبهتها تشعر أنها تلف حول نفسها بلا هدى وتاهت منها الكلمات
ناداها، بصوت غريب عنها فانتبهت "نعم"
الكلمة خرجت ناعمة جدا.. لمست شيء داخله ولم يمرره هكذا ولكنه احتفظ به لنفسه "هل تصحبيني بعشاء عمل الليلة؟"
تنفست.. بسرعة، بقوة.. تبحث عن أكسجين فقد ضاعت أنفاسها دون أن تفهم السبب.. هل يستأذنها؟
ابتلعت ريقها وقالت "لم تحتاج لزوجة معك من قبل"
السيجارة تحترق والدخان يجذب معه زفير للخارج "لم تكن لدي زوجة من قبل"
صمتت.. تاهت.. سرق منها دقة قلب فاختلت وتهاوت "سأمر على الثامنة"
وظل الخط مفتوح.. كلاهم لا يجرؤ على أن يغلق حتى عاد وقال "مهرة؟ ما زلتِ هنا؟"
أغمضت عيونها.. ترفض الضعف والاستسلام، جلبت قوة من الماضي الذي عاشته بحزن وألم وقالت "نعم"
الدخان خرج كحزمة واحدة.. لفه كما لفته الذكريات "أرغب برؤية الفستان النحاسي.. يناسب لون شعرك"
انغلقت أنفاسها تماما حتى أنها شعرت بالاختناق للحظة وهي تبعد الهاتف بل وتغلقه ودموع تكونت بعيونها وهي تهتف بصوت واهن
"لا تفعل بي ذلك.. لن أتحمل جرح جديد.. لا.. لن أقبل بذلك"
****
لم تراه بانتظارها عندما نزلت ولكنها سمعت صوته بالمكتب وسيارته كانت تقف بالخارج عندما رأتها من نافذة غرفتها..
ظلت واقفة مكانها.. التردد يلاحقها منذ أخبرها عن العشاء.. تردد بالذهاب من عدمه، تردد بارتداء ما رغب به والآن تردد بالتحرك خطوة أخرى للأمام..
مجنونة..
غبية..
أي شيء غير مهرة التي أقسمت ألا تمنح ذلك الرجل أي شيء سوى الألم والعذاب كما فعل بها..
انغلقت عيونها التي حملت بعض المساحيق الخفيفة مما أبرز جمالهما أكثر ولونهما النادر
"هل أنتِ بخير؟"
فزعت.. فتحت عيونها لتراه يتحرك لها بأناقة تعرفها جيدا خاصة عندما يكون على موعد كحفل أو عشاء كالليلة
توقف أمامها وعيونه تحمل قلق حقيقي.. رؤيتها شاحبة، مغمضة العيون هكذا أفزعه.. الطبيب حذره من أشياء كثيرة لم تتحقق لكن ربما تحدث مع ضغط العمل
التقت بنظراته وعاد يسألها "هل تشعرين بشيء؟"
هذا القلق حقيقي.. لا يمكن تزييفه "نعم.. فقط.. فقط بعض الصداع"
أحنى رأسه ونبرة صوته ما زالت تحمل القلق "هل نعتذر؟"
هزت رأسها وما زالت تحاول تصديق هذا الاختلاف "لا، أنا بخير.. حقا بخير، قرص الدواء سيقوم بالواجب بعد دقائق"
للحظة ظل مترددا لا يفارق عيونها وهي أخفضت وجهها.. لم تكن قوية كفاية لمواجهته الآن
"هل.. نذهب" ورفعت وجهها مرة أخرى وأكملت "كي لا تتأخر"
هو الجنون بعينه ما يحدث بينهم.. أن يوقف نفسه عنها فهذا هو الجنون.. أن يتعامل وكأنه بأول السلم فهذا هو الجنون
مسلم هو من فتح لها باب السيارة، منحته ابتسامة امتنان وهي تدخل وهو تبعها من الجانب الأخر وعاد العطر الذي تأكدت الآن أنه هو..
الصمت مر عليهم كموجة خفيفة رحلت بسلام حتى لف وجهه لها وقال "بخير؟"
ارتدت له وهي تبعد خصلة من خصلاتها المتساقطة خلف أذنها "نعم"
كانت نظراته تحمل بعض الشك حتى تأكد فرفع يده لجيب جاكته ليخرج علبة مجوهرات صغيرة..
سقطت عيونها عليها.. وقبل أن تأخذ موقف الرفض قال "تم قبول شروطك لحملة سيري للإكسسوار"
رفعت عيونها له.. انتظرت ما يلي ذلك "ماري انتقت هذا ليلائم فستانك"
فتح العلبة وجذبها الخاتم بشكل رائع حقا.. سيري للإكسسوار هو القسم الخاص بالمجموعة وهي أرسلت لشركة معروفة للموافقة على التعاقد وها هو يخبرها بالرد
صوته جذبها ويده تجذب علبة أخرى وهو يفتحها "وهذا أيضا يلائمه"
ظلت عالقة بنظراته لحظة حتى سقطت على الخاتم، العقيق الأحمر أخذ عيونها.. جعلها تلصق نظراتها به "يليق أيضا بالشعر الناري هذا"
رفعت عيونها له.. للحظة كادت تصرخ بالرفض ولكن لسانها رفض الانصياع لها ولكنها قالت "ويناسب زوجة رحيم العزايزي"
وأبعدت وجهها ولكنه لم يتراجع لتشعر بيده تمسك يدها.. فزعت.. جذبت يدها لكنه لم يسمح لها..
ظل قابضا على يدها بقوة وكأنها الشيء الوحيد الذي لن يسمح له بالهروب
رفعت وجهها له.. الغضب يلمع بعينيها.. لكن خلفه شيء آخر. ارتباك حاولت إخفاءه وفشلت
قال بصوت منخفض، هادئ بشكل أخطر من أي صراخ "وأنتِ لستِ مجرد زوجة مهرة"
اتسعت عيونها.. للحظة فقدت قدرتها على الرد.. اقترب قليلا.. دون أن يفلت يدها التي ارتاحت بلا وعي منها بين يده
"لو كنتِ كذلك لما تمسكت بكل شيء يخصك هكذا"
ابتلعت ريقها.. قلبها يخبط بعنف، حلقها جف .. حاولت سحب يدها مرة أخرى.. لكنه شد عليها أكثر "اترك يدي رحيم"
صوته خرج أكثر هدوء لكن أكثر إصرار "ليس قبل أن تفهمي"
التحدي ارتفع بعينيها "أفهم ماذا؟ أنك تختار ملابسي وعملي وأيضا حياتي؟"
لم يتأثر بما قالت فقط قال "أنكِ تختارين البعاد وأنا لن أسمح بذلك"
اهتزت.. الكلمة أصابتها بمكان لم تكن مستعدة له ومع ذلك رفعت ذقنها.. تحاول استعادة قوتها "ليس من حقك"
ابتسامة خفيفة ظهرت على فمه لكن عيونه ظلت مظلمة "ربما كنت سأصدقك لو لم ترتدي الفستان"
جمدت.. حرارة ارتفعت داخلها.. خجلت من نفسها.. هل أخطأت؟
أخفضت عيونها لا إراديا.. للحظة واحدة فقط.. لكنها كانت كافية، رفع يدها ببطء. قربها منه وبدون استئذان وضع الخاتم بإصبعها
لم تتحرك.. لم تمانع
فقط كانت تنظر، وكأنها تشاهد نفسها من الخارج وهو همس "الآن هو بمكانه الصحيح"
ورفع يدها لفمه ووضع قبلة عليها وما زالت نظراتهم متصلة "لا تخلطي بين خوفك.. وبين ما بداخلك مهرتي"
سحبت يدها فجأة وكأنها أفاقت.. التفتت للنافذة بسرعة.. تخفي عيونها تهرب من المواجهة بقلب يهرع داخل صدرها وصوت ضعيف يخرج منها "أنا لست خائفة"
رد بلا انتظار "بلى تخافين.. لكن ليس مني"
سكتت.. الآن تدرك أنه يخترقها مرة وراء الأخرى وعليها أن تعود لقوتها لكن..
السيارة استمرت في طرقها لكن المسافة بينهم.. لم تعد كما كانت
****
لأول مرة تدرك معنى أن تكون زوجة رحيم العزايزي.. هي اعتادت أن تُفتح لها الأبواب لكن الليلة كانت الرجال تقف لها..
الصمت عندما تتحدث..
الطلبات تبدأ من عندها وزوجات الرجال الحضور تلمع عيونهم عندما يميل عليها ليناقشها بأمر ما بالعمل
كل شيء كان مختلف.. كأنها برحلة لعالم لم تعرفه من قبل.. ولم تنكر أنها استمتعت بكل دقيقة مرت بها
أسماء، المرأة التي كانت بجوارها، مالت عليها عندما تطرق الحديث بالرجال لما هو بعيدا عن مجالها وقالت "لم نظن أنه هجر نارا بليلة الزفاف لأجل امرأة أخرى"
منحتها نظرة فارغة.. حديث النساء فارغ.. لا يشمل سوى الخوض بما هو غير مسموح وهي لم تنجذب لهذا النوع من قبل "امرأة أخرى بالصدفة هي كانت زوجته وأم ابنته"
تراجعت أسماء لحظة ومهرة لا تنظر لها بل تابعت نظرات المرأة الجالسة بالمواجهة لهم والتي لم ترفع عيونها عن رحيم منذ بدأ العشاء
أسماء عادت للحديث "لم أصدق ما قالته الميديا"
لفت وجهها لها وقالت "بلى صدقي.. لدينا ابنة منذ كنا متزوجين قبل أربع سنوات"
وعادت له.. تتابع جديته بالحديث حتى قالت المرأة "لكنك تفوق أفضل مصممي باريس رحيم"
رفع الألقاب جعلها تفرك يداها بقوة.. تلك المرأة تتجاهل وجودها تماما.. حتى زوجها لا معنى لوجوده
صوته جذبها "كل بلدة ولها أسلوبها وذوقها"
ضحكت المرأة بشكل ملفت "تواضع يليق برجل مثلك وباسم عائلتك"
لم يجيب ورجل آخر يجذب دفة الحديث ليجذب مهرة بالحوار فتراجع مانحا إياها فرصتها للمرة الثانية لكن تلك المرأة تدخلت "وسمعت أن قسم الاكسسوارات لديكم رائع هل تظن.."
قاطعتها مهرة بحدة لم تشعر بها "لا.. نحن لا نتبع الظنون بشركاتنا مدام"
تجهم وجه المرأة.. تحولت نظراتها تجاه مهرة.. والتقت بالشياطين التي تقفز داخل مقلتيها ورحيم نفسه لف وجهه لها لكن بنظرات هادئة.. فقط يشاهد في صمت
المرأة تحدثت "و.. المدام تتبع ماذا؟"
واجهتها مهرة بقوة الفارسة "أتبع نفس قواعد زوجي.. التي قادته لتحقيق نجاحاته المعروفة.. الدراسة وحساب كل شيء قبل التقدم خطوة"
كانت تضغط على كلمة زوجي والمرأة تلونت بالأحمر ثم الأصفر وتحركت بالمقعد وهي تقول "وكيف تعرفين ذلك ووجودك لم يتعدى عدة أيام بالشركة!؟"
تراجعت مهرة.. هل تعرف عنها أكثر مما ظنت؟ وعفاها رحيم من رد سينهي العشاء "أي زوجة تعرف كل شيء عن زوجها مدام مروة"
لفت مروة عيونها له ولكنه جذب الحوار لمكان آخر ومهرة ما زالت تفرك يداها ومروة ترتد لها فتلقتها بنظرة نارية انتهت للصمت..
انتهى العشاء وقد تحملت بصمت تلك المرأة دون أن تثور بوجهها وتفسد كل شيء بجنون
دخلت الفيلا بخطوات عصبية قبله ولم تنتظره وهو يتبادل الحديث مع مسلم أمام السيارة بل صعدت لغرفتها..
قذفت حقيبتها الصغيرة بعيدا وتوقفت أمام المرآة..
لم ترى نفسها بل تلك المرأة ونظراتها لرحيم.. طريقتها بالحديث معه.. وداعها لرحيم وهي تميل عليه بطريقة أثارت غضبها..
اختنقت من شعرها ففكته ومن الفستان وكل شيء يذكرها بتلك الليلة
مدت يدها لتفتح السحاب لكنها لم تستطع.. فتحية هي من ساعدتها لإغلاقه والآن تأخر الوقت لإيقاظها..
حاولت مرة وراء الأخرى حتى فشلت ونالها التعب فنفخت بقوة والتفتت لتبحث عن حل لتتجمد مكانها عندما رأته يقف عند مدخل الغرفة مستندا بكتفه على جانب الباب مكتفا ذراعيه أمام صدره وعيونه تخترقها..
لم تتحرك.. لا تعرف منذ متى يتابعها..
لم تتحرك عندما فعل هو متقدما تجاها وهي ثابتة بعينيها عليه.. وقف أمامها لحظة ثم تحرك مرة أخرى ليلف خلفها وهمس "اسمحي لي"
ظلت جامدة.. لا تعرف ماذا تفعل أو تقول؟
لمسة دافئة حطت على عنقها لتبعد شعرها على كتف واحد فأغمضت عيونها من تلك الرجفة التي سرت بجسدها بالحال
ما زالت تتأثر بلمساته كما لو كانت أول مرة.. وارتفعت الدقات مع سقوط السحاب ببطء وشعرت بأنها ستفقد وعيها لأنها حبست أنفاسها من هذا القرب المدمر واللمسة القاتلة
شعرت بأنفاسه قريبة.. قريبة أكثر من اللازم
همسه وصلها "لا تنسي أني سأظل موجود لأجلك"
فتحت عيونها وهي تبتعد..
تلتفت لتواجه نظراته التي تلونت لأزرق قاتم لم تراه من قبل.. وتعالت أنفاسها.. ضعيفة واهنة لكن..
لا تقبل الهزيمة "لست بحاجة لأحد"
ابتسم.. ابتسامة خفيفة.. تحمل معنى خفي خلفها وهو يتحرك تجاها ليقف أمامها..
نفس الابتسامة تمنحه وسامة تأخذ القلب ورأسها ارتفع ليواجه قامته وهو وصل لها بوجهه ونظراته تحبس نظراتها وصوته مسها بصاعقة كهربائية
"أنا لست أي أحد.. لا أحد يجرؤ على أن يكون بمكاني هذا، وما قلته لا يحمل المعنى الذي تعنيه أنتِ"
للحظة سقطت نظراته على شفتيها وهي جامدة.. نست أن تتحرك.. تهرب.. نست مرة أخرى أن تتنفس وهو يرفع يده وأصابعه تلمس شفتيها
"وجودك جعل الليلة مميزة حقا"
تراجعت..
سقطت يده واتسعت ابتسامته..
ولكنها لن تسمح له بأن يتلاعب بها..
خطوة أخرى للخلف ونطقت "مميزة حقا.. لكن ليس بسببي لكن بوجود من هن معجبات بتصميماتك التي تفوق مصممي باريس"
وابتعدت من أمامه.. هاربة منه.. تواري غيرتها وضاقت عيونه لحظة يستعيد بذاكرته ما كان الليلة
الصمت تخلل بينهم حتى قطعه صوت ولاعته ولم تلتفت له وهو يقول "مروة اعتادت أن تجامل بطريقتها"
التفتت له وتلون البنفسجي بعينيها بظلام رآه ولم يفهمه وصوتها خرج عميق متماسك على غير الحقيقة "وهذا يعجبك بالطبع.. اعتدت منها على ذلك"
تراجع.. اختفت نظراته خلف الدخان حتى عاد واقترب منها لتظهر عيونه التي لمعت ببريق رائع وأحنى رأسه لها وصوته كان خانق لها "هل هذه غيرة مهرتي؟"
صدمها السؤال.. قطع الحبال التي كانت تتعلق بها لتظل بالقمة وترنحت متساقطة..
غيرة!؟ هي تغار؟ غبية لو كانت تفعل..
ارتجف صوتها وهو تجيب بقوة مصطنعة "أي غيرة التي تتحدث عنها، جرأتها هي ما كانت بغير مكانها"
ابتسامة صغيرة مرت على وجهه "وماذا ضايقك بذلك؟"
ابتعدت.. ما زالت تهرب.. تخفي اندفاعها "لا شيء أنا فقط أردت رؤية من تتعامل معهم"
نفس الابتسامة ظلت على وجهه رغم السيجارة وطاردها "هذه ليست إجابة"
تجمدت.. هل كشف هروبها؟
قاومت ببرود "ولا سؤال يستحق الإجابة"
اقترب.. وهو يلاحظ كل تقلباتها بحنكة رجل يعرف جيدا كيف يفهم من أمامه رغم اختلاف مهرته عن كل من عرفهم
هي نار تحرقه كلما اقترب منها.. وماء يرطب حرارة بعادها "تلك الغيرة تسعدني"
ابتعدت وردها كان سريع "أنت تحلم كثيرا.. أنا لا أعرف الغيرة"
طل الصمت قليلا ثم قال "جيد.. لا مشكلة إذن"
قبضت على طرف فستانها ونست أنه مفتوح ولم تشعر باقترابه إلا عندما همس بجوار أذنها "ولو هناك مشكلة.. سأحلها"
سكتت وهي تلتفت لتواجه عيونه للمرة..
صوتها خرج خافت.. حاولت ألا يكون مهزوز "ليس كل مشكلة يمكن حلها رحيم"
وظلت النظرات عالقة حتى قال "ربما.. لكن هناك ما يستحق القتال لأجله"
ورفع يده ولمس وجنتها بابتسامة مشرقة قال "وأنتِ تستحقين القتال"
وتركها وتحرك خارجا بلا إضافة وهي تغمض عيونها وتترك أنفاسها حرة بعد قيود أتعبتها ودمعة بعيدة ظلت عالقة
هل حقا سيقاتل لأجلها؟
تلك الليلة كانت مميزة.. جعلتها تدرك أن ما كان داخلها تجاهه لم يمت
لم يتبدل شيء بالأيام التالية لأن الاستعداد لحفل الخريف كان على الأبواب وهو انشغل جدا لدرجة أنها لم تكن تراه كالمعتاد لعدة أيام..
هي الأخرى لولا أيلا لما عادت البيت وهي تعد لحملة الإعلانات الخاصة بالموسم نفسه
عنان لم تهاتفه منذ جراحة مهرة.. رحلت لرؤية ابنتها ولم يعرف هل ستعود أم لا؟
نارا اختفت من الأجواء وهو لم يهتم وربما تعقلت وصدقت أن حياته استقرت مع زوجته وابنته..
الجمعة يوم الاجازة..
دخلت غرفة أيلا مبكرا فوجدتها تلعب بمكان الألعاب فانضمت لها.. أيلا لم تتوقف عن الحديث عن رحيم حتى وهي تلعب بالعرائس وهي لم تعلق..
تبقى وقت قصير على بداية العام الدراسي ووقتها ستبدأ أيلا مرحلة الحضانة..
"لا مامي هذه لبابي، هو كبير ونصيبه لابد أن يكون كبير"
ضحكت لتعليق الصغيرة وقبل أن تعلق سمعته يقول "هكذا إذن؟ أنا العملاق"
تورد وجهها وارتفعت ضربات قلبها وقاومت النظر له وهو يتحرك لينضم لهم على الأرض وساقه الطويلة ممددة "نعم بابي أنت عملاق ولابد أن تتناول الكثير لتصبح هكذا"
رفع عيونه لمهرة التي ظلت تحدق بالألعاب التي أمامها "طالما ستجعلين مامي تضحك هكذا فأنا أوافق"
وارتفعت عيونها له.. دهشة ملأتها من كلماته..
اهتمامه بها موجود حتى وهو ليس موجود.. تعليماته تسبقه بمراعاة مواعيد دواءها.. سائق سيارتها لديه تعليمات بألا يتركها.. سكرتيرة لها بالشركة تنوب عنها بالأعمال التي لا تحتاج وجودها..
طعامها مخصوص دائما حسب تعليمات الطبيب.. ومن داخلها أحبت ذلك جدا..
ظلت النظرات متصلة حتى هتفت أيلا "مامي تحدثت عن حفلة.. هل يمكنني أن أكون معكم؟"
عاد لطفلته وقال بجدية "ربما أميرتي وبعدها قد نسافر لبلد أخرى لإجازة، ما رأيك؟"
صدمتها كلماته.. وأيلا تهب واقفة أمامه "حقا بابي؟ لأين؟ هل هناك بحر؟ ستعلمني السباحة؟ هل بها ألعاب مائية كالتي كنا بها؟"
هتفت هي لتوقف فضول الصغيرة رغم فضولها هي "أيلا اهدئي"
ضحك وشعرت كم بدت ملامحه مرتخية وجذابة بلا جمود أو سيطرة.. كم تحبه بتلك الحالة وحتى وهو بملابس مختلفة عن الرسميات
"مامي هي اجازة، لابد أن أعرف عنها كل شيء"
داعب شعر ابنته الذي يشبه لون شعره وقال "لا أميرتي، هي مختلفة عن الغردقة، سنرحل لدولة أجنبية حبيبتي.. هي فقط للمتعة.. مامي بحاجة للراحة بعد المرض والعمل"
عادت عيونها له.. وهو انتظر نظرتها وأراح عيونه عليها مبتسما وكأنما أوقعها بمصيدته وأيلا تهتف "مامي أحتاج ملابس للسباحة.. وكذلك ألعاب و.. "
قاطعتها "سنفعل أيلا، كل وقت وله أوان"
التفتت له "ومتى أوانه بابي؟ هل هذا يعني أنني لن أذهب المدرسة؟"
داعب أنفها بإصبعه وقال "لا حبيبتي، سنذهب قبل بداية الدراسة"
دقات على الباب ودخلت فتحية "سيد مسلم يطلب رؤيتك سيدي"
نظر لساعته.. ثم عاد للمرأة وقال "لينتظرني بالمكتب"
هزت رأسها ونزلت فاعتدل واقفا وهو ينظر لمهرة وقال "ما رأيك بعشاء بالخارج؟"
عاد وجهها للتورد.. وهي ترفع وجهها له "عشاء؟"
نظراته ثبتت عليها وهو يقول "نعم.. خاص.. لا عمل"
أخفضت عيونها ولا تعلم لماذا أرادت ذلك.. هل بدأ قلبها يلين وعقلها يضعف؟
سمعته يقول "سنذهب بالثامنة"
وتحرك خارجا وهي تتابعه بنظراتها وقلبها يخونها.. يرغب بالمضي خلفه.. والبقاء بجواره للأبد..
من داخلها كانت سعيدة أنه يتمسك بها بحياته حتى ولو كان لأجل أيلا فابنتها بحاجة للاستقرار النفسي..
بالثامنة كانت تنزل بفستان أيضا من منتجات العزايزي، وهو كان يقف بالأسفل ينتظرها.. عطرها جعله ينظر لها..
يعلم جيدا جمالها.. يعلم أيضا كم يضعف أمامها ولم يعد ضعفه معها يغضبه كما كان بالماضي..
وقفت أمامه وهو ينفخ الدخان بعيدا عنها ويرتد لنظراتها التي تفر منه وهو ثابت عليها حتى قال "شكرا لقبولك دعوتي"
أخيرا ثبتت عيونها الجميلة عليه.. هو يحب تلك الرسميات من عشاء خاص، بأماكن مميزة.. ومعها
رأت الرمادية الجميلة تبحث عن شيء داخل عيونها فتورد وجهها وجف فمها قبل أن تجذب صوتها "أنت ترفض كلمة لا"
ابتسم.. تحرك وأطفأ السيجارة ثم عاد لها "لأن قبولها يعني ضياعك مرة أخرى"
صمت..
ابتسامته لا ترحل حتى رفع ذراعه لها "وأنا لن أتركك تضيعين مني مرة أخرى، هل نذهب؟"
للحظة ظلت تتأمله وكل ما يقوله ويفعله يصدمها
وأخيرًا وضعت يدها بذراعه ولمست قماش الجاكيت الفاخر وتحركا للخارج..
قاد السيارة تلك المرة.. وهي بجواره.. قلبها يعصف بها بقوة مؤلمة وتاهت الكلمات دون العثور على أي حوار يخرق الصمت
صوته خرج هادئا "المكان جديد.. أعرف صاحبه وهو من وجه لي دعوة لزيارته"
لفت وجهها له.. لم ترتدي خاتمه السابق.! لا يليق بفستانها
"أنت تحب الأماكن الفاخرة"
ابتسم وهو يمنح الطريق تركيزه "للأسف هو أمر اعتدت عليه ولا يمكنني استبداله"
كانت تعلم ذلك فتنهدت بلا وعي فرمقها بنظرة طويلة وعاد للطريق وهو يقول "ما مشكلتك مع تلك الأماكن مهرة؟ من المفترض أنكِ اعتدت عليها بحكم عملك"
تأملت الزحام بالخارج وهي لا ترغب باتصال النظرات بينهم "ليس وأنا زوجة العزايزي"
تجاوز السيارة التي أمامه بمهارة وهو يجيبها "وهو ما لا ترغبين به"
التفتت له وهو منحها نظرة قاتمة كما كانت نظرتها.. هي لا ترغب بذلك لأنها لا تريد الألم
"لكنك كذلك مهرة ولن أقبل سوى أنكِ زوجتي.. هذا ما نحارب لأجله"
استقرت نظراتها على وجهه وقلبها يتفاوت بدقاته "نحارب؟"
عاد للطريق وهو يعرف ما يقول جيدا ويدرك كلماتها "نعم مهرة.. نحن الاثنان علينا أن نفعل.. من السهل أن أمنحك الطلاق، وتعلمين أنني وقتها سأطالب بأيلا ولن أفشل لكن أنا لا أريد ذلك الطريق.. "
ولف وجهه لها والسيارة تقف وهي تشعر بمشاعر لا تعرفها.. خوف.. قلق.. هل يهددها؟ "أنت تهددني رحيم؟"
لم يهتما بالأبواب التي انفتحت لهما وكلاهم يواجه الآخر "لا مهرة، أخبرتك أني لا أريد ذلك، بل أخبرتك ما أتمناه.. حياة مستقرة.. لي ولكِ ولابنتنا ونحن معا وأعتقد أن كل تصرفاتي مؤخرا كانت تعني ذلك"
ابتلعت ريقها.. ورغبت بالفرار من نظرات الاتهام بعيونه.. هي من تقف بطريق الاستقرار الأسري.. هي من تقول لا..
ولن تتراجع.. على الأقل ليس بسهولة
نزلت ولم تمنحه أي رد.. هاربة من المواجهة.. مهرة تفر من المواجهة لأول مرة
لمسته على ظهرها جعلتها ترتجف ولكنها لم تمنحه أي شيء على وجهها وهي تسير بثقة وثبات بجواره لداخل المطعم والذي بدا جديدا بالفعل وكل شيء به رائع حقا..
لم تتحرك أي نظرات لهم.. لأول مرة كان الحضور مختلف.. كلٍ مشغول بمن معه وارتاحت لذلك لكن ما زالت تشعر بالخوف يطحنها..
دفع المقعد خاصتها وانحنى عليها وهمس "عطرك مميز"
لفت وجهها له من المفاجأة، فضربه شعرها ولفحتها أنفاسه الدافئة واستولت عليها نظراته وهو يكمل "الرجالي والحريمي"
ومنحها ابتسامة أطارت ما تبقى من عقلها وهو يعتدل ويتحرك لمكانه أمامها ويجلس بنفس طريقته المتعالية والرجل المسؤول يقف بانتظار طلباتهم
أشعل السيجارة والرجل يبتعد ولم تعد تراه من بين الدخان وهي من بدأ الحديث "أصبحت كثير التدخين"
وافقها بلا جدال "مؤخرا، تعلمين ضغوط العمل وتعلمين أن الحرب تحتاج للوقود"
رمشت فابتسم وأكمل هجومه "لكنها حرب لذيذة، تعجبني وتدفعني لفعل أي شيء للفوز"
فهمت تلميحاته فتوردت وجنتاها.. لم تعد مراهقة لهذا الخجل..
ماذا بها؟ كيف تفقد قوتها وتركيزها أمام هجماته المتواصلة هكذا؟
أين عتادها وسلاحها؟ أين ماضيهم المؤلم؟
لقد قررت ألا تتراجع ولكنها الآن تنهار بلا قوة للصمود
اقترب للأمام وسجن نظراتها بنظراته وأكمل "خاصة إذا كانت الغنيمة تستحق"
جف حلقها.. أبعدت عيونها.. ما بالها تفر كثيرا وهي لم تكن جبانة بأي وقت "رحيم توقف.. تعلم أن ما نفعله لن يجدي، ما أن ننتقل خطوة للأمام حتى نجد ما يصفعنا ليعيدنا خطوات للخلف ووقتها.."
قاطعها بحزم وهو يقول بنبرة قوية لا تحمل ذرة شك "لن يكون.. لن أسمح لأي شيء بأن يهزمنا مرة أخرى مهرة.. فقط.. "
عادت له عندما صمت.. رأت نظراته وصوته مختلف.. به رنة رجاء "فقط لا تقاوميني مهرة.. لا تقفي بوجهي كلما حاولت اختراق ما أقمتِه حول نفسك من أسوار الخوف، دعيني أعيد لكِ الثقة بي وأمنحك الأمان الذي تفتقديه بوجودي"
كلماتها ما زالت عالقة بينهما.. يذكرها.. لم ينساها
ولا هي..
وضع الرجال أطباق الطعام وما زالت نظراتهم عالقة وهي من قطعها ولفت عيونها بالمكان الهادئ والتقت بعيون امرأة ورجل يجلسان على مقربة..
المرأة حدقت بها بشكل غريب لم تفهم سببه حتى ناداها "مهرة.. الطعام"
عادت له فوجدته يتساءل من بين نظراته فشرحت "تلك المرأة تعرفك"
زاغت عيونه لحيث أشارت رأسها.. للحظة ظل ثابتا عليها ثم عاد لمهرة بلا مبالاة وقال "صديقة نارا المقربة.. هانيا"
هزت رأسها وجف حلقها.. نارا ابتعدت عن طريقها منذ الزفاف وما حدث به.. الزفاف؟
رفعت رأسها له وقالت "ألم تعرف من الذي أطلق علينا الرصاص يوم الزفاف رحيم؟"
رفع وجهه لها وهي لم تسأله من قبل، لا أحد منهما رغب للعودة لتلك الفترة
"لا.. لا رجالي وصلت لشيء ولا الشرطة"
عادت للطعام وذهنها شارد ولا تعلم لماذا ربطت بين نارا وبين الحادث.. ربما لتذكر رؤيتها بالزفاف
صوته جذبها "فيما شردتِ؟"
استمرت بتناول الطعام وقالت "بنارا.. هل استسلمت هكذا وقررت تركك وعدم مطاردتك؟"
أكمل طعامه دون منحها نظراته كي لا تفسره بشكل خاطئ "هذا آخر اهتماماتي مهرة.. لدي ما يكفيني"
كانت تعلم وتدرك ذلك جيدا ولكنها تدرك أيضا رغبة نارا "ولكن بدا أنها لن تتركك.. هي تحبك منذ سنوات وكدتم تتزوجون"
منحها نظرة قاتمة وهو يقول "ولم نفعل.. بل تزوجتك أنتِ فهل نتوقف هنا؟ لا رغبة لي بشجار معك بسببها" ورفع عيونه لها وأكمل "لا تستحق"
ارتجفت.. رمشت ولكن ظلت نظراتها ملك له..
هي الأخرى لا ترغب بشجار معه.. لماذا تبحث عن كل ما يثير غضبها؟ ألم تكتفي من الحزن والغضب؟
أخفت نظراتها بالطعام ولفهم الصمت حتى انتهوا وعندما رفعت وجهها كان على صوت نسائي "رحيم.. كيف حالك؟"
هي.. نفس المرأة التي كانت تطاردهم بنظراتها.. تقف أمامهم.. تحدق بها رغم أنها توجه حديثها له وهو دفع الدخان باتجاهها وهو يقول
"هانيا! ظننتك مشغولة مع رفيقك"
شحب وجه مهرة، سقطت الكلمات بحفرة الخوف الزائف الذي تتمنى أن يفارقها وهانيا تقول "هو يجيب هاتفه.. هل عرفت أن نارا ستعود من باريس بنهاية الاسبوع؟"
لم يطول الصمت وهو يجيب "وهل عليّ أن أعرف هانيا؟"
هانيا هي من تجهمت للحظة لكن استوعبت نفسها سريعا "بالتأكيد، ما بينكم لا يمكن التغاضي عنه، حتى ولو كنت.. قد تزوجت"
والتفتت لمهرة وابتسامة ساخرة اعتلت شفاها.. ومهرة واجهتها بطريقة فاجأتها هي نفسها..
تابع وجه زوجته وقوة نظراتها ثم عاد لهانيا وقال "بالتأكيد.. صداقة عائلاتنا لا يمكن أن تنتهي"
عادت هانيا له "أنت تفهم ما أعنيه رحيم، نارا لن تتخلى عنك فأنت حبها الوحيد وحلم حياتها ولن تتخلى عنه"
والتفتت لمهرة بلا خجل "هي لن تتركه لكِ ومهما اتخذتِ من طرقك الملتوية فهو سيكشفك ويعيد نارا له"
رفعت وجهها.. تنفست بقوة.. وقبضت يداها على بعضهم البعض وهي تختار كلماتها بلا تهور "الطرق الملتوية لا تحتاجها المرأة حين يتمسك بها الرجل منذ البداية"
ساد الصمت لحظة..
عيونه تجولت على وجهها.. كان يتأملها وكأنها تفاجئه للمرة الأولى.. هو حقا متمسك بها منذ قرر إنجاح زواجهم وهو يحارب كل محاولاتها لإفشاله.. هي على حق بكلماتها، هل صدقته أخيرا؟
هانيا رمشت بصدمة خفيفة لكنها لم تتراجع "حقا؟ لكن الجميع يعلم أنه كان سيعقد قرانه على نارا لولا أنكِ ظهرتِ فجأة"
تجمدت يدا مهرة التي تقبض على بعضها البعض.. الكلمات أصابت مكانا حساسا داخلها.. مكان لم يغلق حتى الآن
قبل أن ترد.. خرج صوت رحيم باردًا بشكل أخاف حتى هانيا نفسها "أعتقد أنكِ تجاوزت حدودك"
التفتت هانيا له بسرعة "أنا فقط.. "
قاطعها وهو يطفئ سيجارته ببطء "وأنا لا أسمح لأحد بالتحدث عن زوجتي بتلك الطريقة"
وارتفع قلب مهرة بعنف..
زوجتي..
رغم كل شيء.. كل ما كان وما زال بينهم.. هو يقولها بهذه القوة.. هذا منحها سعادة غريبة
هانيا ضحكت بخفة مصطنعة وهي تحاول التماسك "رحيم أنا أتحدث بدافع خوفي على نارا"
رفع رأسه لها أخيرا، عيونه أصبحت جامدة بشكل مخيف "ونارا لم تعد مسؤوليتي"
الصمت سقط على الطاولة بالكامل..
حتى مهرة نفسها كانت تحدق به بدهشة لم تستطع إخفاءها.. أما هانيا فابتسمت بسخرية مريرة "إذن أنت جاد هذه المرة؟"
لم يرمش حتى وهو يجيب "كنت جادا منذ تزوجت مهرة"
تعلقت أنفاس مهرة داخل صدرها.. الكلمات لم تكن موجهة لها فقط.. بل كانت صفعة لكل خوف عاشته
هانيا أدركت أنها تخسر المعركة فتراجعت خطوة وهي تقول بحدة خافتة "سنرى إلى متى يستمر هذا؟"
وغادرت..
ظل الصمت
حتى مهرة نفسها التفتت له بدهشة صغيرة لم تستطع إخفاءها عنه حتى أبعدت عيونها عن نظراته بسرعة وعادت تفرك يداها بتوتر واضح
أما رحيم فظل يتابعها دون أن يتحدث حتى همست أخيرًا "لم يكن عليك قول كل ذلك"
ابتسم ابتسامة خفيفة.. متعبة هذه المرة "بل كان يجب"
رفعت عيونها له..
وجدته مستندًا للخلف يتأملها بنظرات هادئة لم تعتدها منه
ثم قال بصوت منخفض أربك قلبها أكثر "تعبت من تركك تواجهين كل شيء وحدك"
وشعرت أن عيونها اتسعت عن آخرها.. هل حقا يشعر بها؟ بما كانت تعانيه وحدها؟
أطفأ السيجارة وقطع الصمت وهو يتقدم للأمام "كنت أتحدث منذ قليل عن أني سأظل أحارب فهل بدأتِ تصدقين كلماتي؟"
أنفاسها علقت داخل صدرها.. لا هي تخرج لمنحها زفير، ولا ترتد لها لمنحها شهيق يعيدها للحياة..
هي حقا تقاومه لكنها تنهار لأن ما ترغب به عكس ما كانت تخطط له..
عاد صوته أخفض.. أقوى وأكثر إصرار "مهرة أنا أريدك حقا.. ليس فقط لإنجاح أسرتنا بل وإنجاح علاقتنا.. إعادتها كما كانت أول لقاءنا وأفضل"
بصعوبة تنفست وإلا لرحلت باللا وعي.. قلبها استعاد وجوده ودق لكن بتهور.. جنون.. اندفاع وهي توقفه.. تخاف
لمعت عيونها.. تعبر عن مخاوفها وهمست "لا أرغب بأن أتألم من جديد رحيم"
كان يفهم ويدرك كلماتها جيدا.. كلاهم مر بالكثير وعليه منحها الطمأنينة والراحة لينال ثقتها فهو يرغب حقا بما قال
"لن يكون مهرة، أعدك أنكِ لن تتألمين بعد اليوم.. حتى لو واجهنا أي شيء سنحله سويا.. سنكون معا بكل شيء وسأسمعك وأثق بكِ كما ستثقين بي"
عيونها لم تجد مكان ترحل له وثبتت على وجهه.. نظراته تنبض بالصدق وقلبها يخبرها أن تصدق.. تتعلق بالأمل.. تعيش وتنال السعادة التي لم تنالها
خوفها كان واضح على وجهها وهو ما رآه.. وهو ما كان يؤلمه، هو من جعلها تخافه.. لا تثق به وعليه تصحيح كل ذلك
صوت موسيقى تحرك لهم من مكان ما، الرجل المسؤول تحرك لهم بابتسامة هادئة "سيد رحيم، قاعة الرقص بدأت تستقبل الحضور لو شئت"
تراجع وما زال يواجه نظراتها التائهة "لم لا نرقص؟"
ونهض، مغلقا جاكته ورأسها يرتفع معه.. تذكر مرتهم السابقة بالغردقة
يده امتدت لها وهي ما زالت تواجه عيونه التي انغلقت عليها
سقطت نظراتها على يده وانصاعت لقلبها الذي يرغب بكل ذلك حتى ولو كان حلم
منحته يدها، انتصر قلبها على عقلها ونهضت معه.. دفء يده انتقل لكل جسدها، رحلت البرودة وعم الدفء بخلاياها وهي تتحرك بجواره.! يدها بذراعه للقاعة الكبرى
كانت خيال.. رائعة من روائع الفن المصري العريق بالجداريات المثيرة.. الإضاءة الحالمة..
الموسيقى الكلاسيكية التي تطرب الآذان وقاعة الرقص أخذت مكان كبير جدا وموائد اختفت بالخلفية والجميع على ساحة الرقص
كالحلم.. لفها بذراعه.. قصيرة، نحيفة، صغيرة..
لا يهم..
جميلة.. فاتنة.. مثيرة.. تجذب كل الأنظار
هذا يهم..
أخفض رأسه ليقابل وجهها المرتفع له وقال "تعلمين أنكِ أجمل امرأة سقطت عليها عيوني منذ عرفت النساء"
توقف يا قلبي.. سنموت من تلك الدقات.. انخفضي يا حرارة.. سأحترق من النيران
جذبها له أكثر وهي لا تقاوم، فقدت كل قواها، لم تعد ترى إلا هو ولا تشعر سوى بذراعه تضمها له ولم تتراجع "أخبريني أنكِ لم تنسيني طوال تلك السنوات"
لم تُشبع غروره وهو يأخذها لمنطقة لا تحب ذكرها "لكنك نسيتني.. كدت تتزوج"
أيقظته من الحلم على الحقيقة، أبعد وجهه قليلا ثم استعاد نفسه وعاد لها "أنتِ اختفيت تماما من دائرتي مهرة، ظننت أنكِ وجدتِ الحياة التي هجرتني لأجلها ولم أراكِ من وقتها ولو مرة واحدة"
أخفضت رموشها لتخفي دمعة كانت تحارب لتسقط وهي تذكر تلك الأيام "كنت خائفة، خفت أن تعرف بالحمل"
ضغط على خصرها فعادت له.. رأت قتامة نظراته وألم لم تصدق رؤيته يحتل عيونه "لم أكن لأضرها بشيء مهرة، كانت جزء مني، حتى ولو كنت رفضت الحمل من قبل فذلك كان بلحظة عدم اتزان مني"
أغمضت عيونها وأخفضت وجهها وهو يهمس لها "لا يمكنك تخيل ما أشعر به وأنا مع أيلا"
عادت ترفع وجهها له، تساؤلات ملأت عيونها الجميلة وهو عاد يكمل "وكأني نلت كل السعادة التي بالدنيا"
ابتسمت ورمشت للدموع العالقة فقربها مرة أخرى "هي تشبهني"
هزت رأسها وقالت "نعم، منذ سقطت عيوني عليها وهي رضيعة حتى رأيتك بها"
ابتسم والفخر يملأ صدره وظل وجهه قريبا منها حتى كادت أنفاسه تحط على وجهها وهو يقول "طفلنا القادم سيكون مشابه لكِ لنحقق العدل"
توردت، أخفضت عيونها.. قلبها يرتد لمكانه والخوف يعود له.. هل سيكون لهم طفل آخر؟ هل ستنال معه حياة طبيعية كأي زوجين!؟
"انظري لي مهرة، مهرة، انظري لي"
واستجابت له.. منحته عيونها الحائرة لكن بلا خوف لكن قلق.. تساؤل، وهو قال "وافقي، كلانا يرغب بالآخر وبتلك الحياة"
ظلت نظراتها زائغة بين عيونه وهي لا تعرف ماذا تقول أو تفعل غير أنها قالت "رحيم، فكر جيدا، أنا نفس المرأة، نفس الفتاة التي كنت ترفض كل تصرفاتها وكلماتها واقتراحاتها وتشك بها.. لا شيء تبدل"
تبدلت الموسيقى ولكنه لم يفلتها وهما يعودان للمائدة وقد شعرت ببرودة تجتاح جسدها لابتعاده عنها
لم يقودها لمائدة بل للأرائك الوثيرة فلم تمانع وهي تجلس وهو يفتح جاكته ويجلس بجوارها ولم يضع مسافة بينهما
أشار للرجل الذي اختفى لحظة وهي تتجول بالمكان المضاء بأضواء خافتة والموجودين لا يقلون عنه بالمستوى ولا أحد يتابع الآخر
المشروب وضع على المائدة مع الأكواب والثلج وكوب عصير الكوكتيل لها وأطباق مكسرات وفواكه
الرجل فتح الزجاجة وسكب له بالكوب وتركه وهو ينحني باحترام وتحرك مبتعدا وهو يجذب الكوب بالعصير لها وهي أخذته
أشعل سيجارة وجذب المشروب وتابعته لحظة قبل أن تقول "ألم تفكر بالإقلاع عنه؟ ذلك المشروب"
تناول بعضه مع السيجارة وعاد لها وقال "لا، لم أفكر بالأمر خاصة وكل من يحيط بي يفعل"
أبعدت وجهها ويدها تلف كوبها.. هو يعلم أنها ترفض ذلك المشروب لكنها أول مرة تسأله عن التوقف
تناول رشفة أخرى وقال "متى ستنهين حملتك الأخيرة؟"
لفت وجهها له وقربه يثير جنونها، يفقدها قوتها ومع ذلك لملمت نفسها "لقد فعلت، كنت سأريك كل شيء بالغد لتمنحني رأيك"
رأت نظراته من بين الدخان وهو يقول "انتهيتِ بوقت قياسي"
ابعدت وجهها من الدخان وقالت "الفكرة كانت تسيطر على كل أفكاري ولم تتوقف إلا عندما انتهيت منها"
هز رأسه وهو يطفئ السيجارة ويرتد لها تاركا الكوب "جيد، هكذا يمكننا السفر بالمساء"
عادت له، نظراتها امتلأت بعدم الفهم "نسافر؟ نحن من؟ وإلى أين؟"
ابتسم وعطره الذي أصبحت متأكدة منه يرتفع على رائحة التبغ التي رحلت وهو يجيبها "نسافر برحلة حول أوروبا، ونحن هذه تعني أنا وأنتِ وأيلا والمربية"
تراجعت لكن ليس بعيدا عنه، يده قبضت على يدها وتفاجأت ولم يمنحها فرصة لإبعاد يدها وهي تحدق بيده "نحن بحاجة لوقت معا، مثلما كنا بالغردقة حيث كنا أسرة حقيقية، أنا بحاجة لأن أعيد ثقتك بي ونعيش معا بعيدا عن ضغوط العمل.. أنا وأنتِ"
عرفت أن وجنتاها اشتعلتا من الحرارة التي أحرقتها "رحيم، أرجوك لا تفعل بي ذلك"
يده الحرة ارتفعت على وجنتها.. لمستها برقة وهمس "أفعل ماذا مهرتي؟ لا تفعلي أنتِ بي ما لا تدركينه، وجودك يفقدني نفسي مهرة، بجوارك أنسى العالم، منذ عدتِ لحياتي ولم أعد أفكر سوى بكِ"
جمدت ملامحها..
هبط صدرها وارتفع من أنفاسها.. قفز قلبها بلا توقف داخل صدرها، أراد الخروج والتعبير عن سعادته "رحيم كفى.. "
ورحلت الكلمات وانخفض وجهها وانغلقت عيونها خوفا من أن تستيقظ من الحلم على كابوس جديد لكن..
لمسة يده لذقنها.. يرفع وجهها له وانفتحت عيونها على وجهه القريب جدا "تزوجيني مهرة سيد النادي"
هوى قلبها بمكان لا تعرفه.. توقفت عن التنفس وابتلعت ريقها وبللت شفتاها بلسانها وخرج صوتها ناعما.. هامسا "أنا زوجتك رحيم"
أغمض عيونه لحظة مستمتعا بالكلمة ثم عاد لها وهو يرفع يدها لفمه ووضع قبلة على ظهر يدها والنظرات متصلة وداخله مشاعر يحبها.. يرغب بها.. تمنحه سعادة
تلك سعادة وليست ضعف كما كان يظن "لأول مرة أشعر بمتعة وأنا أسمعها منكِ"
ابتسمت.. لمعت عيونها بلا خوف لأول مرة
لم يترك يدها ما تبقى من الليلة ورقصا مرة أخرى لكن بلا كلمات، فقط ارتاحت رأسها على صدره وذراعه لفتها بإحكام ورأسه ارتاح على رأسها وصمت لذيذ لفهم..