رواية نبضات الصخر الفصل الثامن عشر18والتاسع عشر19 بقلم هاجر سلامة
مر اليومان التاليان في المستشفى كأنهما تراتيل من السلام والعشق الصافي. غمر معاذ نايا بحنان واهتمام لم تشهده امرأة من قبل؛ فكان يرتب لها وسائدها، ويحرص على دفئها، ويطعمها الفاكهة بيده وهو يهمس لها بأبيات الغزل العذبة التي كانت تعيد النضارة وجهها الشاحب ذابت كل بقايا العاصفة الماضية ، وأصبح رحم نايا في حالة استقرار مثالية تحت الرعاية الطبية الصارمة والدعم النفسي الهائل الذي يحيط بها من رجلها ووطنها .
.وفي صباح اليوم الحاسم الذي يسبق عملية الولادة بـ 24 ساعة فقط، دخل "شاكر بيه" الغرفة ومعه محامي العيلة الخاص وسليم رئيس الحراسة كانت ملامح الأب بتشع بوقار وفخر شديدين وهو ينظر إلى معاذ الذي كان يجلس بجانب نايا ويمسك يدها بحب تنحنح شاكر بيه وتحدث بابتسامة حنونة: "صباح الخير يا ولاد.. منورين ومجمعين في الخير دايماً. معاذ يا ابني، أنا جيت النهاردة ومعايا المحامي عشان أعمل حاجة كان لازم تتعمل من زمان، حاجة تليق بالراجل اللي صان بنتي وحمى شقى عمري بروح ودمه."
وقف معاذ باحترام وصافح حماه وتحدث بحترام: "صباح النور يا عمي.. خير في إيه؟ المحامي معاه ورق إيه؟"
أشار شاكر بيه للمحامي بفتح الملف الجلدي الفخم وتحدث : "هذا عقد تنازل رسمي وتفويض مطلق.. من رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات السيوفي، إليك أنت يا معاذ بيه. من هذه اللحظة، أنت المدير التنفيذي العام ورئيس مجلس الإدارة الفعلي لكل الفروع والشركات داخل مصر وخارجها، ولك مطلق التصرف القانوني والمالي.. هذا حقك لأنك أثبتّ أنك درع هذه العائلة وسيفها في وجه الطامعين "
صُعق معاذ ونظر إلى نايا التي اتسعت عيناها بفرحة وفخر شديدين بجوزها وحبيبها. تقدمت نايا وأمسكت يد معاذ وقالت بدموع الفرح: "امضي يا معاذ.. امضي يا حبيبي. أنت تستاهل تكون ملك في المكان ده، الشركة دي شقى أمي وأنا واثقة إنها في إيد أمينة هتكبرها وتحميها .. أنا فخورة بيك أوي."
نظر معاذ في عيني نايا، ورأى فيهما ثقة مطلقة غسلت كل أوجاع الماضي. أمسك بالقلم ووقع على العقود التي تعكس نضوجه التام وهيبته الإدارية الكبرى، وتعهد أمام الله وأمام أبيها أن يظل خادماً لبيته وحامياً لممتلكات عائلته الصغيرة.
بعد توقيع العقود ومغادرة المحامي وشاكر بيه الذي خرج وعلامات الراحة التامة على وجهه، عاد الهدوء للغرفة. التفت معاذ نحو نايا، وجلس بجانبها وضما بعضهما بقوة مفرطة.
انحنى وقبل شفتيها قبلة طويلة مفعمة بالعشق، هربت معها
وفي تمام الساعة الثانية ظهراً، دخل الطبيب الخاص بنايا ومعه ممرضتان لإجراء الفحص الأخير بجهاز السونار المطور قبل دخول غرفة العمليات غداً، للتأكد من وضعية الجنين ونبضاته وحالة جدار الرحم النهائية
استلقت نايا على السرير الطبي، ووقف معاذ بجانبها كالعادة، يمسك كفها بقوة ويقبل أناملها برقة دافئة
وضع الطبيب الهلام الشفاف على بطنها البارزة الكبيرة ، وحرك الجهاز لتظهر الشاشة الإلكترونية الكبيرة أمام عيونهم بالكامل .
تأمل الطبيب الشاشة لثوانٍ، وفجأة عقد حاجبيه بدهشة واستغراب، وظل يحرك الجهاز بزوايا مختلفة وعيناه تتسعان بذهول عارم.
انخلع قلب معاذ وشاكر بيه الذي كان قد دخل الغرفة للتو، وتحدث معاذ برعب : "في إيه يا دكتور؟ أرجوك طمنا! فيه حاجة غلط في الرحم؟ ابني جرى له حاجة؟!
"التفت الطبيب إليهم، وكانت ملامحه قد تحولت من الدهشة إلى ابتسامة مبهجة وعريضة هزت أركان الغرفة، وتحدث بالطبية الرائعة: "اهدأ يا معاذ بيه.. لا يوجد أي خطأ، بل هناك مفاجأة طبية وقدرية باذخة لم نلاحظها في الأشهر الماضية بسبب تضخم جدار الرحم والتليف القديم الذي كان يخفي الرؤية الكاملة خلف الجنين الأول!
"صاحت نايا بلهفة وقلق : "مفاجأة إيه يا دكتور؟ أرجوك قول عل طول!"
أشار الطبيب إلى الشاشة، وبدأ يحدد نقطتين منفصلتين تماماً، تظهر فيهما نبضات دافئة وسريعة، وتحدث بصوت جهوري مبهج: "مدام نايا.. أنتِ لستِ حاملاً في جنين واحد! المعجزة مضاعفة.. أنتِ حامل في توأم! هناك نبض ثانٍ واضح تماماً وجنين آخر يختبئ خلف أخيه.. وبناءً على القياسات الحديثة، التوأم هما.. ولد وبنت! مبروك يا معاذ بيه، غداً ستستقبل في يديك الحفيد والوريث، وأميرة صغيرة ستملأ حياتكم سحراً وجمالاً!"
سقطت الكلمات كالصاعقة المبهجة التي هزت كيان الجميع.
تجمد معاذ في مكانه وعيناه تتسعان بذهول وفرحة عارمة جعلت الدموع تنهمر كالأمطار على وجنتي.
التفت إلى نايا التي صرخت بفرحة ودموع جارفة لم تصدقها، وارتمت في أحضان معاذ وهي تبكي وتهز رأسها : "توأم يا معاذ! ولد وبنت! ربنا عوضني عن كل وجع عشته.. رحم المريض شال اتنين مش واحد! الحمد لله يا رب.. الحمد لله!"
احتضنها معاذ بقوة وثبات كأنه يود أن يدخلها بين ضلوعه، وظل يقبل وجهها وعينها وشفتيها وعنقها بفيض من العواطف الجارفة والجنونية: "ولد وبنت يا قلب معاذ! هجيب لك الدنيا كلها تحت رجليكي يا نايا.. أنتِ مش بس ملكة، أنتِ معجزة حياتي وعمري كله.. الحمد لله يا رب على كرمك الفوق الخيال!"
ركض شاكر بيه نحو السرير، واحتضن ابنته وجوزها وعيناه تدمعان بفرحة طهرت قلبه تماماً من كل هموم الماضي، وصاح بصوت قوي : "الحفيد والوريث.. ومعاهم الأميرة الصغيرة! يا فرج الله وكرمه يا بنتي.. رفعتي راسي، والبيت والقصر والشركة بقوا جنة بوجودكم.. مبروك يا معاذ يا ابني، مبروك يا سندي ."
في المساء، خيم الهدوء الدافئ والرومانسي على الغرفة الفخمة التي تزينت بأفخم أنواع الورود البيضاء والبالونات الزرقاء والوردية التي أمر شاكر بيه بإحضارها فوراً للاحتفال بالتوأم المنتظر.جلس معاذ على السرير، وأسندت نايا ظهرها على صدره العريض وهي تتنفس براحة تامة وأمان كامل .
وضع معاذ كفيه الدافئين الكبيرين فوق بطنها الكبيرة جداً البارزة، وشعرا معاً بركلات مزدوجة وواضحة من التوأم البطلين في أحشائها.
انحنى معاذ وقبل عنقها برقة وتحدث بالعذبة التي تذيب روحها وعقلها: "غداً يا نايا.. ستفتح أبواب غرفة العمليات. غداً سأنتهي من معركة الخوف، وسأحمل بين يدي ثمرة عشقنا الصادق.. ولد يحمل قوتي ورجولتي لحمايتكِ، وبنت تحمل سحركِ وجمال عيونكِ الخضراء لتضيء دنيانا .أحبكِ يا أم معجزاتي الجميلة."
التفتت نايا في أحضانه، ونظرت في عينيه المليئتين بالحب الصافي وقالت بصوت دافئ ناعم: "وأنا بعشقك يا معاذ.. ومستعدة أدخل العمليات غداً وأنا مطمنة ورافعة راسي، لأن عندي زوج ودرع زيك واقف ورايا وبيحميني من الهوا الطاير ربنا يخليك ليا ولأولادنا يا حبيبي."
انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة الوعد الأبدي بالبقاء والوفاء وضمها إلى صدره بقوة حتى غطت في نوم عميق وآمن
خيم هدوء الليل الساحر على أركان المستشفى الخاص، وكانت هذه الليلة هي الليلة الأخيرة التي تفصل نايا ومعاذ عن تحقيق المعجزة الكبرى ودخول غرفة العمليات الحاسمة بعد صدمة الفرحة الكبرى بمعرفة أنهما ينتظران توأماً (ولد وبنت)، تبدلت الأجواء تماماً لتصبح مزيجاً مشحوناً بلهفة الانتظار، والفرحة الطاغية، وقليل من الخوف الطبيعي الذي يراود قلب أي أم تقترب من لحظة الولادة
كان معاذ يعيش في تلك الساعات حالة من الاستنفار العاطفي؛ فلم تبتعد عيناه عن نايا لثانية واحدة، وكان يحاول بكل قوته ورجولته أن يبث في روحها الطمأنينة والسلام .
في زاوية الطابق الفخم بالمستشفى، كانت الحراسة المشددة التي يقودها سليم تؤمن المكان بالكامل كحصن منيع .
وبتوجيهات مباشرة من معاذ وبدعم كامل من شاكر بيه، تحول الجناح الطبي المكون من غرفتين ملحقتين بغرفة نايا الرئيسية إلى خلية نحل كان مصممو الديكور يرتبون غرف استقبال التوأم؛ فامتزجت الألوان برقة لتجمع بين اللون الأزرق السماوي المخصص للأمير المنتظر، واللون الوردي النبوئي المخصص للأميرة الصغير.
ملأت البالونات الملونة الأسقف، ورُتبت الأسرة الخشبية البيضاء المطرزة بالحرير الفاخر، وفاحت في ممرات الطابق رائحة زهور الياسمين والورود الطبيعية المبهجة التي أنعشت قلب نايا وجعلتها تبتسم بسعادة بالغة.
في منتصف الليل، استلقت نايا على سريرها الطبي، وكانت بطنها الكبيرة جداً تتحرك بركلات مزدوجة وعنيفة من التوأم البطلين
كان وجهها يميل إلى الشحوب الخفيف بفعل التوتر الطبيعي، وعيناها الخضراوان معلقتين بمعاذ الذي كان يجلس على مقعد جانبي أمام مكتب صغير في الغرفة، ممسكاً بقلم وورقة فخمة ويكتب بتركيز شديد وعلامات الحب والصدق ترتسم على وجهه الوسيم.التفتت نايا إليه، وقالت بصوت ناعم وخافت يملأه الدلال والتوتر: "معاذ.. حبيبي، أنت بتكتب إيه بقالك ساعة ومركز أوي كدة؟ سيب القلم وتعال قعم جمبي هنا، الوجع الخفيف والتوتر مخليني خايفة أوي من بكرة."
وضع معاذ القلم ببطء، واعتدل في وقفته بخطواته الواثقة التي تعكس هيبته وحبه الجارف .
توجه نحو السرير وجلس بجانبها مباشرة، وأخذ كفيها الباردتين وقبلهما بحنان مفرط ثم وضعهما فوق صدره ليستمعا لنبضات قلبه المتسارعة : "أنا بكتب لك عهد عمري يا نايا.. بكتب كلام نفسي تفضلوا فاكرينه أنتِ وأولادنا طول العمر. متخافيش يا قلب معاذ.. بكرة ده هيبقى أحلى يوم في حياتنا، بكرة المعركة هتنتهي وهتبقي أحلى أم لتوأم في الدنيا أنا جمبك وروحي محاوطاكِ."
سحبت نايا يدها برفق، وأشارت إلى الورقة المطوية وقالت بابتسامة رقيقة : "طب قولي كاتب إيه في الرسالة دي؟ أنا فضولية أوي وعايزة أعرف دلوقتي حالا."
ابتسم معاذ وعيناه تشعان حباً، وأخرج الرسالة وقبلها، ثم وضعها في جيب فستانها الأبيض المنزلي وقال بخبث محبب: "لأ.. الرسالة دي مش هتقريها دلوقتي خالص يا ملكتي. الرسالة دي هتقريها بكرة الصبح وأنتِ داخلة غرفة العمليات عشان تفضل كلماتي جوة قلبك وتطمنك وتعرفي قيمتك عندي إيه.. اجهزي دلوقتي عشان تاخدي الحقنة الأخيرة وترتاحي تماماً."
أومأت نايا برأسها واستسلمت لطلبه، وقام معاذ بمساعدة الممرضة بإعطائها الحقنة الطبية الأخيرة المهدئة والمنشطة لجدار الرحم لتثبيته حتى الصباح
بعد خروج الممرضة، أطفأ معاذ الأنوار الرئيسية وترك إضاءة خافتة زرقاء تملأ الغرفة هدوءاً ورومانسية ساحرة .
جلس على حافة السرير وضم نايا إلى صدره العريض، وأسندت رأسها على كتفه وراحت تتنفس بأمان كامل افتقدته طوال شهور الفراق الماضية امتدت يد معاذ برفق لتمسح على بطنها الكبيرة المزدوجة، وتحدث بصوت دافئ ومنخفض كالموسيقى العذبة : "عارفة يا نايا.. أنا بكرة مش بس هستقبل ولادي، أنا هستقبل حياتي الجديدة معاكي. زمان لما عرضتي عليا الجواز لست شهور، كنت فاكرك بنت مغرورة وطماعة بس النهاردة أنا بكتشف إني كنت أعمى، وبكتشف إن ربنا رزقني بأعظم ملكة صمدت وحاربت المرض عشان تحمي بيتنا وعيلتنا أنا فخور بيكي فوق ما تتخيلي يا حبيبتي."
انهمرت دموع الفرح والصداقة الصافية من عيني نايا، وتشبثت بقميصه بقوة وقالت بصوت متهدج: "وأنا لولا وجودك يا معاذ ولولا رجولتك وشهامتك اللي حمتني في كل لحظة، مكنتش هكون واقفة على رجليا النهاردة أنت المعجزة اللي ربنا بعتها ليا عشان يشفيني ويشفي رحمي المريض.. أنا بعشقك يا أبو أولادي."
انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة طويلة ومفعمة بالشوق والوعد الأبدي بالوفاء والدعم، قبلة مسحت كل توتر داخلها وجعلت جسدها يسترخي تماماً في أحضانه الدافئة حتى غطت في نوم عميق وآمن
في الصباح الباكر، بدأت خيوط الشمس الذهبية تشرق وتعلن عن بدء اليوم المنتظر واليوم الأكبر في الرواية.
استيقظت نايا لتجد الغرفة مليئة بالحركة؛ الممرضات يجهزنها لارتداء ملابس العمليات المعقمة، ووالدها شاكر بيه يقف بجانب السرير وعيناه تدمعان بفرحة جارفة ويقبل رأسها وقال : "جاهزة يا قلب أبوكي؟ بكرة الحفيد والوريث والأميرة الصغيرة هينوروا دنيتنا ورفعتي راسي ربنا يقومك بالسلامة يا نور عيني."
ابتسمت نايا بثقة ورفعت رأسها بقوة وكبرياء استعادته تماماً بفضل حب معاذ .
تقدم معاذ بخطواته الثابتة، وكان يرتدي الزي الطبي المعقم لمرافقتها حتى باب غرفة العمليات.
انحنى وسحب الرسالة المطوية من جيب فستانها القديم وقدمها لها قائلاً بابتسامة تشع عشقاً : "دلوقتي جه وقت قراية الرسالة يا ملكتي.. اقريها وأنتِ داخلة عشان تفتكري دايماً إن معاذ بيموت فيكي."
فتحت نايا الورقة بطلب وشغف كبير، وبدأت تقرأ الكلمات المكتوبة بالفصحى الشاعرية الرائعة والخط العربي الأنيق:"إلى ملكتي الوحيدة وأم معجزاتي الباذخة، نايا.. أكتب لكِ هذه الكلمات وروحي معلقة بين أنفاسكِ. غداً ستدخلين غرفة العمليات لتهبين لي وللدنيا قطعتين من روحكِ النبيلة اعلمي يا حبيبتي أنكِ لستِ مجرد زوجة، بل أنتِ الوطن، والأمان، والدرع الذي أعيش لأجله. لستِ وحدكِ في الداخل، قلبي ينبض مع دقات قلبكِ، وروحي تحرسكِ وتحرس طفلينا البطلين اخرجي إليّ سالمة ورافعة رأسكِ، لتجدي معاذ ينتظركِ ساجداً ليعلن للعالم كله أنكِ الفائزة الوحيدة بقلبي وعمري.. أحبكِ للأبد يا أميري الجميلة."
انهمرت دموع الفرحة العارمة والثقة المطلقة من عيني نايا، وطوت الرسالة وضمتها إلى صدرها بقوة شديدة.
نظرت إلى معاذ بعيون تشع بالثبات والعشق وقالت بصوت قوي هز أركان المكان: "أنا جاهزة يا معاذ.. وجاهزة أدخل وأجيب أولادنا وأنا رافعة راسي ومطمنة، لأن عندي راجل ودرع زيك مستنيني برة يلا بينا."
تحركت النقالة الطبية ببطء نحو الممر الطويل ومعاذ يمسك يدها بقوة ويقبلها حتى وصلا إلى الباب الزجاجي الكبير لغرفة العمليات الحاسم ، لتغلق الأبواب وتضاء اللوحة الحمراء، معلنة بدء الحلقة العشرين الحاسمة والتاريخية التي ستشهد صرخة الحياة الأولى وولادة التوأم المعجزة
(الولد والبنت) ونزولهما للدنيا بسلام
