
رواية انت الهدف الفصل التاسع عشر19بقلم ملك احمد
رواية أنتِ الهدف
Part 19
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
ظلَّ آيان واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان بها دون أن يشعر.
كان البحر يمتد أمامه واسعًا، والأمواج تتلاحق في هدوء، والنسيم يداعب المكان برقة... لكنه لم يعد يرى شيئًا من ذلك.
لأول مرة منذ سنوات، لم يكن البحر هو أكثر ما يجذبه.
بل كانت هي...
سيرا.
كانت تتحرك بعفوية، تلتقط الصور لكل زاوية تقع عليها عيناها، تبتسم لنفسها كلما أعجبتها صورة، وكأنها طفلة ترى البحر للمرة الأولى.
انحنت قليلًا لتلتقط صورة أخيرة، ثم اعتدلت وهي تنظر إلى شاشة هاتفها بابتسامة رضا.
بعدها جلست على صخرة صغيرة، وأخذت ترتدي حذاءها من جديد.
رفعت رأسها نحوه وهي تقول:
ـ سيرا: أستاذ آيان...
رفع عينيه إليها بعدما أفاق من شروده.
ـ آيان: نعم؟
وقفت أمامه وهي ترتب خصلات شعرها التي بعثرتها الرياح.
ـ سيرا: بعد ما نروح... هنروح فين؟
أجابها بهدوء وهو ينظر إلى البحر مرة أخيرة:
ـ آيان: مش هنروح في مكان.
عقدت حاجبيها باستغراب.
ـ سيرا: بس النهارده عندنا ترتيب في المواعيد... حضرتك نسيت؟
هز رأسه ببساطة.
ـ آيان: مش مشكلة... هنلغي كل حاجة النهارده.
نظرت إليه لثوانٍ، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ـ سيرا: تمام.
غادرا الشاطئ بهدوء...
وتجولا بعدها في عددٍ من الأماكن القريبة، يقضيان بقية اليوم بعيدًا عن ضغط الاجتماعات والعمل.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
ومع حلول الليل...
اجتمع الجميع لتناول العشاء.
كان المطعم هادئًا يطل على البحر، والأضواء الصفراء الدافئة تضفي على المكان أجواء مريحة.
جلس الجميع حول طاولة كبيرة، يتبادلون الأحاديث الخفيفة حتى كسر معاذ الصمت وهو يبتسم.
ـ معاذ: تمام... على ما الأكل يجهز، إيه رأيكم كل واحد يعرفنا بنفسه؟ بما إننا من النهارده بقينا أصحاب.
ضحك الجميع موافقين.
بدأ كل شخص يعرّف بنفسه.
حتى جاء الدور على يمنى.
ابتسمت بخفة وقالت:
ـ يمنى: أنا يمنى... عندي سبعة وعشرين سنة.
واستمر التعارف بين الجميع وسط الضحكات الخفيفة.
ثم وصل الدور إلى سيرا.
ابتسمت وهي تقول ...
ـ سيرا: اسمي سيرا... عندي خمسة وعشرين سنة.
في تلك اللحظة، وصل الطعام.
امتلأت الطاولة بالأطباق المختلفة، وانشغل الجميع بتناول العشاء وسط أحاديث متفرقة وضحكات خفيفة.
ومرت السهرة بهدوء...
لينتهي ذلك اليوم دون أي أحداث تُذكر، تاركًا خلفه راحة قصيرة قبل يومٍ جديد مليء بالعمل.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في صباح اليوم التالي...
استيقظت المدينة على أجواء هادئة، بينما بدأت أشعة الشمس الذهبية تتسلل بين المباني لتعلن بداية يوم جديد.
أما سيرا، فقد كانت قد انتهت من تجهيز كل ما يخص جدول آيان قبل أن تغادر معه إلى النادي من أجل موعد التدريب.
ما إن دخلا حتى أخذت نفسًا عميقًا، ثم اتجهت إلى الداخل بخطوات هادئة.
كانت تعرف جيدًا أن التدريبات بالنسبة لآيان ليست مجرد جزء من يومه... بل هي شيء مقدس لا يقبل التهاون.
جلست في أحد المقاعد القريبة من أرضية التدريب، وأمامها دفتر المواعيد والقلم.
بينما كان آيان يجري تدريباته بكل تركيز، كانت هي تدون الملاحظات، وتراجع جدول الأيام القادمة مرة بعد أخرى حتى لا يفوتها شيء.
مر بعض الوقت...
ثم اقترب منها وهو يمسح العرق عن جبينه بمنشفة صغيرة.
نظر إليها للحظات قبل أن يقول بهدوء:
ـ آيان: أنا مش هخلص دلوقتي... تقدري تتفضلي.
أغلقت الدفتر ونظرت إليه.
ـ سيرا: تمام... حضرتك عندك ميعاد مع الفريق الساعة خمسة... وبعد الاجتماع عندك جلسة تصوير للعربيات... وبس.
رفع حاجبيه باستغراب.
ـ آيان: بس؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ـ سيرا: أيوه.
ظل ينظر إليها ثوانٍ، ثم سأل:
ـ آيان: وجدول بكرة؟
فتحت الصفحة التالية بسرعة.
ـ سيرا: موعد التدريبات مع الفريق.
أومأ برأسه.
ـ آيان: تمام.
أغلقت الدفتر وهي تقف.
ـ سيرا: تمام... أنا هروح أجهز باقي المواعيد.
ـ آيان: ماشي.
ابتسمت له ابتسامة عملية بسيطة، ثم استدارت وغادرت المكان.
تابعها بعينيه حتى ابتعدت.
توقف عن الجري للحظات...
وزفر بهدوء دون أن يدري سبب ذلك الشعور الغريب الذي يراوده كلما غادرت أمامه.
ثم أعاد تركيزه إلى التدريب، وكأن شيئًا لم يحدث.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في تمام الساعة الخامسة مساءً...
وصل آيان إلى مقر الاجتماع.
كان الاجتماع خاصًا بالفريق فقط، لذلك لم تصاحبه سيرا هذه المرة، فهي ليست جزءًا من مناقشات الخطط الفنية.
دخل القاعة بخطوات ثابتة، ثم جلس بجوار سيف ومعاذ.
نظر سيف حوله للحظة، ثم سأل وهو يبتسم:
ـ سيف: فين سيرا؟
رد آيان دون أن يرفع رأسه:
ـ آيان: وليه تيجي؟ دي مديرة أعمالي... مش واحدة من الفريق.
هز سيف رأسه موافقًا.
ـ سيف: معاك حق.
لكن معاذ قال وهو يبتسم بخبث خفيف:
ـ معاذ: بس البنت لطيفة... وتحسها غلبانة كده... وفيها حاجة جذابة، مش عارف أحددها.
ساد الصمت للحظة.
اختفت ملامح الهدوء من وجه آيان تدريجيًا.
رفع عينيه إليه وقال بنبرة هادئة... لكنها حادة بصورة ملحوظة:
ـ آيان: مينفعش نتكلم عن أي بنت غير في وجودها... مهما كانت مين.
نظر إليه معاذ باستغراب.
ـ معاذ: أنا بتكلم عادي.
ظل آيان ينظر إليه بثبات.
ـ آيان: وأنا بتكلم عادي... بس بقولك إن دي مش حاجة كويسة.
تبادل سيف ومعاذ النظرات في صمت.
وقبل أن يتحدث أحد...
انفتح باب القاعة.
دخل المدرب وهو يحمل بعض الملفات، فاتجهت إليه الأنظار مباشرة.
بدأ يشرح الخطة الخاصة بالمباراة القادمة، لينتهي الحديث عند ذلك الحد.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في غرفة سيرا...
كان الهدوء يملأ المكان.
استلقت على السرير لعدة دقائق فقط بعد انتهائها من ترتيب الأوراق...
لكن التعب الذي تراكم عليها خلال اليومين الماضيين غلبها.
أغمضت عينيها...
ولم تشعر بنفسها إلا على صوت هاتفها الذي ظل يرن باستمرار.
فتحت عينيها بفزع، ثم التقطت الهاتف سريعًا.
ـ سيرا: ألو... مين؟
جاءها صوت آيان من الطرف الآخر، هادئًا... لكنه يحمل انزعاجًا واضحًا.
ـ آيان: إنتِ فين؟ أنا واقف تحت... ده ميعاد الإعلان.
اتسعت عيناها فجأة.
اعتدلت من مكانها بسرعة وهي تنظر إلى الساعة.
شهقت بخفوت.
لقد نامت بالفعل.
ـ سيرا: أيوه... أيوه... خمس دقايق وهكون عند حضرتك.
أغلقت الهاتف بسرعة.
ثم نظرت حولها بتوتر شديد.
وضعت يدها على رأسها وهي تتمتم بضيق:
ـ سيرا: إنتِ غبية يا سيرا...
قفزت من فوق السرير، وبدأت تبدل ملابسها بسرعة، لكن ارتباكها جعلها تستغرق وقتًا أطول مما توقعت.
وبعد دقائق...
خرجت مسرعة إلى أسفل الفندق وهي تلهث من شدة استعجالها.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
خرجت سيرا من باب الفندق بخطواتٍ سريعة، تلتقط أنفاسها بصعوبة بعد أن نزلت الدرج على عجل.
وما إن وقعت عيناها عليه...
حتى توقفت في مكانها.
كان آيان يقف بجوار السيارة، يرتدي نظارته ، وملامحه جامدة بصورةٍ اعتادت رؤيتها في العمل... لكن هذه المرة، كان الغضب واضحًا على وجهه.
نظر إليها بصمت.
أما هي، فابتلعت ريقها بتوتر، ثم اقتربت منه وهي تقول بسرعة:
ـ سيرا: أنا آسفة جدًا... بجد والله من غير ما أقصد... نمت.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بنبرة باردة:
ـ آيان: مش مشكلتي... مش المفروض إنك تنامي وقت الشغل أصلًا.
شعرت وكأن كلماته أصابتها مباشرة.
أنزلت رأسها إلى الأرض، وعقدت أصابعها في بعضها وهي تهمس بصوتٍ خافت:
ـ سيرا: آسفة...
لم يبدُ عليه أنه هدأ.
بل أخرج هاتفه، ثم قال دون أن ينظر إليها:
ـ آيان: الغي الموعد.
رفعت رأسها بسرعة، وقد بدا الذهول واضحًا على وجهها.
ـ سيرا: بس... عندنا وقت.
نظر إليها أخيرًا.
وكانت نظراته حادة بصورة جعلتها تتراجع خطوة دون أن تشعر.
ـ آيان: اعملي زي ما بقول... وبعد كده أتمنى تيجي في الوقت.
لم ينتظر ردها.
استدار وغادر من أمامها بخطواتٍ ثابتة، تاركًا إياها واقفة مكانها تنظر إلى أثره.
ظلت صامتة لثوانٍ...
ثم تمتمت بضيق وهي تنظر في اتجاه السيارة التي ابتعدت.
ـ سيرا: ماله ده؟... وبعدين أنا متأخرتش.
في تلك اللحظة اقتربت منها يمنى، وقد كانت تتابع ما حدث من بعيد.
وقفت بجانبها وقالت بهدوء:
ـ يمنى: بس يا سيرا... مكانش ينفع تتأخري أوي كده.
تنهدت سيرا وهي تزفر بضيق.
ـ سيرا: أنا اتأخرت بس عشرين دقيقة.
هزت يمنى رأسها.
ـ يمنى: أستاذ آيان قبل كده رفد واحد عشان اتأخر خمستاشر دقيقة... لكن إنتِ سامحك. تقدري تعتبرّي دي أول إنذار.
نظرت إليها سيرا بدهشة.
لم تكن تتوقع أن يكون صارمًا إلى هذه الدرجة.
ابتسمت يمنى ابتسامة خفيفة محاولة إنهاء الحديث، ثم غادرت.
أما سيرا...
فظلت واقفة مكانها للحظات.
شعرت بثقلٍ غريب داخل صدرها.
لم يكن الأمر مجرد توبيخ.
بل إن طريقته الجافة، ونبرة صوته، ونظرته الباردة... كلها اجتمعت لتترك بداخلها شعورًا لم تستطع تفسيره.
تنهدت ببطء.
ثم اتجهت إلى أحد المقاعد المطلة على البحر أمام الفندق.
جلست وهي تنظر إلى الأمواج التي تتحرك بهدوء...
لكنها لم تكن تراها.
كانت شاردة تمامًا.
وبدون أن تشعر...
امتلأت عيناها بالدموع.
حاولت أن تمنعها.
لكنها انهمرت في صمت.
رفعت يدها تمسحها سريعًا وهي تتمتم لنفسها:
"أنا بعيط ليه؟... هو معاه حق... أنا اللي غلطانة."
أغلقت عينيها لثوانٍ.
ربما كانت ضغوط الأيام الماضية...
وربما شعورها بأنها خيبت ظنه...
أو ربما كانت مجرد لحظة ضعف.
هي نفسها لم تعرف السبب.
وفجأة...
سمعت صوتًا هادئًا من خلفها.
ـ معاذ: متزعليش.
التفتت بسرعة.
لتجد معاذ يقف مبتسمًا ابتسامة بسيطة، وكأنه جاء فقط ليخفف عنها.
مسحت دموعها سريعًا وهي تحاول أن تبدو طبيعية.
ـ سيرا: لا... عادي.
اقترب قليلًا وهو يشير إلى المقعد.
ـ معاذ: ممكن أقعد معاكي شوية؟
أومأت برأسها في هدوء.
جلس بجوارها، ثم نظر إلى البحر الممتد أمامهما.
ساد الصمت لثوانٍ...
قبل أن يتحدث بهدوء.
ـ معاذ: بصي يا سيرا... آيان طيب جدًا على فكرة... بس مشكلته إنه بيحب كل حاجة تبقى مترتبة وفي معادها.
ابتسمت سيرا ابتسامة باهتة.
ـ سيرا: عارفة... وعلى فكرة معاه حق... أنا حتى معرفش عيطت ليه.
نظر إليها معاذ ثم قال مبتسمًا:
ـ معاذ: عادي... ضغوطات.
خرجت منها ضحكة صغيرة رغم حزنها.
فابتسم هو أيضًا.
ثم قال وهو يشير إلى البحر:
ـ معاذ: مافيش حاجة في الدنيا تستاهل الزعل.
أومأت برأسها وهي تنظر إلى الأفق البعيد.
لكن عقلها لم يكن مع البحر...
كان يفكر فقط في طريقة تعتذر بها لآيان.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الأعلى...
داخل إحدى غرف الفندق...
كان آيان يقف أمام الواجهة الزجاجية الكبيرة.
إحدى يديه داخل جيب بنطاله...
والأخرى تستند على الزجاج البارد.
عيناه كانتا معلقتين بالأسفل...
تحديدًا عند المقعد الذي تجلس عليه سيرا.
شاهد معاذ وهو يقترب منها.
ثم يجلس بجانبها.
ورآها تبتسم...
رغم أنها كانت تبكي قبل لحظات.
وضاقت عيناه دون أن يشعر.
لم يعجبه المشهد...
ولم يعجبه ذلك الشعور الذي بدأ يسيطر عليه كلما رآها تتحدث مع شخصٍ آخر.
ظل واقفًا مكانه يراقبهما بصمت...
بينما كانت ملامحه تزداد قسوة، وقلبه يخوض معركةً لا يفهمها حتى هو.