رواية بين دروب الحياة الفصل الاول1بقلم ديدي


رواية بين دروب الحياة الفصل الاول1بقلم ديدي
ـــ امشى ؟! امشى اروح فين ؟!

ـــ ميخصنيش !

ـــ ميخصكش ازاى أنا بنتك فيه حد يرمى بنته فى الشارع!

ـــ اه أنا و امشى بقا انتى صدعتينى !

ـــ هروح فين أنا مليش حد غيرك !

قال بعصبية و صوت عالى : ـــ يووووه انتى مفكرة بالكلمتين دول يعنى هأحن عليكى و اقعدك انسى !

ـــ انت بتطردنى عشان مراتك الحرباية دى !

خلصت جملتى و انا بشاور عليها لقيت قام و جه عندنى و ضربنى بالقلم و قال بصوت عالى :

ـــ احترامى نفسك و انتى بتتكلمى على مرات ابوكى !

بصيتله، والدموع مغرقة عينى، وقلت بصوت كله وجع:

ـــ أنا بكرهك ! انا معرفش عملتلك ايه عشان تعمل فيا كل دا !

ـــ ياستى أنا واحد قاسى غورى بقا !

خلص جملته و زقنى و قعنى على الارض وإيدى اتخبطت فى طرف الترابيزة، وحسيت بوجع فى جسمى كله.

رفعت عينى لقيتها... واقفة  وبتضحك عليا، كأنها أخيرًا انتصرت.

 قومت بالعافية، وأنا بحاول أمسح دموعى بإيد بترتعش.
دخلت أوضتى.

فتحت الدولاب، ولمّيت هدوم فى شنطة صغيرة و طلعت و قبل ما أخرج... وقفت عند باب الأوضة، وبصيت عليه للمرة الأخيرة.

كان قاعد على الكنبة، بيضحك معاها فتحت الباب و طلعت .

مكنتش عارفة أنا رايحة فين فضلت ألف فى الشوارع، والناس رايحة جاية، وكل واحد ماشى فى طريقه.

كنت بمشى من غير ما أحس برجلى، والدموع بتنزل فى صمت، روحت لكل قرايبى بس محدش رضى يستقبلنى عنده كانوا كلها عارفين انى أبويا لو عرف هيعمل مشكلة كبيرة، وهم مش مستعدين  يدخلوا معاه فى مشاكل عشان لولاه مش هيعرفوا يخلصوا مصالحهم .

كانت الشمس بدأت تميل للغروب، وأنا رجلى مبقتش شايلانى لقيت رصيف فاضى قعدت عليه وحطيت الشنطة جنبى.

وساعتهاكل القوة اللى كنت بمثلها اختفت حضنت نفسى، وانفجرت فى العياط عيطت زى طفلة تايهة.

فضلت أعيط لحد ما دموعى نشفت، وما بقاش عندى حتى طاقة أطلع صوت مسحت وشى ، وخدت نفس طويل.

فتحت الشنطة أدور على إزازة ميه لكن وأنا بقلب فيها وقعت عينى على ظرف أبيض صغير.

الظرف اللى ماما كانت عطتهولى قبل ما تموت و افتكرت يومها قالتلى :

"لو ضاقت بيكى الدنيا... وملقتيش مكان تروحيه... افتحى الظرف ده."

فتحت الظرف و لقيت فيه عنوان و مفتاح شقة وقفت تاكسى واديته العنوان .

بعد نص ساعة وصلت و دفعتله الأجرة .

رفعت عينى و لفيت و كان شارع قديم من شوارع السيدة زينب، هادى بشكل .

العمارات كانت عتيقة، بشبابيك خشب وبلكونات حديد ، وريحة الخبز الطالع من الفرن اللى آخر الشارع ممزوجة بريحة القهوة.

بصيت على الورقة اللى فى أيدى و بصيت على رقم العمارة كان رقم العمارة اللى واقفة قدامها .

دخلت العمارة و طلعت السلم بالعافية من كتر التعب، لحد ما وصلت للدور الاول .

وقفت قدام باب الشقة والرقم المكتوب عليه كان هو نفس الرقم اللى فى الورقة.

طلعت المفتاح و فتحت الباب واتفتح  بصوت صرير طويل، كأنه مفتحش من سنين.

أول ما دخلت شميت ريحة تراب ورطوبة مالية المكان.

الكراسى كانت متغطيه بقماش ابيض، وخيوط العنكبوت مالية أركان السقف، والأرض كلها تراب، كأن محدش دخل الشقة من سنين طويلة.

قفلت الباب ورايا و وقفت فى نص الصالة، وأنا ببص حواليا كانت شقة صغيرة و الأثاث كان قديم بس جميل.

حطيت الشنطة على الأرض، رجلى مبقتش شايلانى قعدت على الأرض مكانى وانا بفتكر اليوم من أوله حضنت رجلى، وقعدة اعيط معرفش قد ايه .

سمعت صوت خبط على باب الشقة قومت و مسحت دموعى و فتحت الباب لقيت شاب واقف قدامى.

كان طويل، أطول منى بفرق واضح، جسمه متناسق، وكتافه عريضة، ولابس هودى   بنى  وبنطلون اسود.

كان عنده دقنة خفيفة ، زادت ملامحه وقار، وبشرته قمحاوية، وعينيه الواسعة اللى باين عليهم الاستغراب أول ما شافنى.

ملامحه كانت حادة، وشعره الأسود كان عامله بعشوائية.

ـــ انتى مين ؟ و بتعملى ايه هنا ؟

ـــ حضرتك اللى مخبط على الباب لو مش واخد بالك ؟

رسمت ابتسامة على وشه و هو بيقول بسخرية :

ـــ مش باين انك قوية كدا يبقى امسحى دموعك الاول و اتكلمى بشجاعة !

حطيت أيدى على وشى و مسحته و بصتله بعصبية : 

ـــ و انت مالك ؟ 

ـــ أنا أول مرة اشوفك هنا انتى حرامية ؟

ـــ حرامية فى عينك ! دا شكل حرامية ؟!

ـــ عرفت مين يا يوسف ؟

قطع كلامنا صوت واحدة كبيرة و باين كدا أنها امه قربت مننا و بصيتلى بأستغراب:

ـــ انتى مين يا حبيبتي انا اول مرة اشوفك ؟

ـــ أنا إيلى و دى كانت شقة ماما !

خلصت جملتى و لقيتهم مستغربين و بعدين بصوا لبعض و ابتسموا و هى بصتلى و قالت بحنان :

ـــ ايلى ازيك يا حبيبتي انا خالتك صفية ام يوسف !

بصتلها بأستغراب :

ـــ أنا آسـفـة بس انا معرفكيش !

لقيتها ضحكت و قالت بحنان :

ـــ طبيعى متعرفنيش يا ايلى انتى مشيتى من هنا و انتى عندك خمس سنين!

كنت لسه مستغربة لحد اما هى بصت للى واقف جنبها :

ـــ خلاص يا يوسف روح انت و انا هقعد مع ايلى!

هز رأسه و بعدها بصلى و كان على وشه ابتسامة مش فاهمة معناها دخل شقته اللى قدام شقتى و بعدها بصيت لـ امه و هى اتكلمت :

ـــ اكيد الشقة محتاج تنضيف وانتى مش هتعرفى تنامى فيها كدا !

لفيت و بصيت للشقة و بعدها بصتلها :

ـــ هدخل اروقها دلوقتى !

قالت و هى بتهزر رأسها :

ـــ لا طبعا انتى اكيد تعبانة و مش هتقدرى أنا هنادى على البنت يعملوها !

بصتلها بأستغراب:

ـــ بنات مين ؟!

مسكت أيدى و طبطبت عليها و هى بتقولى بحنان و على وشها ابتسامة:

ـــ بنات السيد زينب اجدع واحلى بنات .

ـــ بس انا مش عايزة اتعبهم !

ـــ و لا تعب ولا حاجه هم متعودين .

سابت أيدى و راحت عند السلم و نادت على واحدة و قالتلها نادى على بقيت البنات و بعدها بدقايق لقيت اربع بنات طالعين و معاهم ادوات التنضيف واحدة شايلة جردل، والتانية مكنسة، والتالتة فوطة كبيرة ومنظفات، والرابعة شايلة مقشة ابتسمتلهم و دخلوا و بدأ تنضيف و انا كنت بنضف معاهم.

كل واحدة مسكت حاجة واحدة بتنفض التراب من الأثاث، والتانية بتكنس الأرض، والتالتة بتنضف الشبابيك، والرابعة بدأت تمسح الحيطان اللى لونها اختفى من كتر التراب وانا كنت بشيل العنكبوت.

اشتغلنا حوالى ساعتين من غير ما نحس بالوقت كل ما نخلص ركن، نروح على اللى بعده.

إيدى احمرت ، وضهرى بدأ يوجعنى، وكل شوية كنت بقف آخد نفس من كتر التعب.

والبنات كانوا بيشتغلوا من غير ما حد فيهم يشتكى، رغم إن الإرهاق كان باين على وشوشهم.

بعد ما خصلنا  الشقة شكرتهم و مشوا ، سبت الفوطة من إيدى، ومسحت العرق اللى على جبينى بضهر أيدى .

لفيت بعينى فى المكان مكنتش مصدقة إنه نفس المكان اللى دخلته من ساعتين.

التراب اختفى، والشبابيك بقت نضيفة، والهوا بقى يدخل بحرية، وحتى الأثاث القديم بقى شكله أحسن.

انتهدت براحة، وحسيت إن جسمى كله بقى تقيل.

رجلى كانت بتوجعنى من كتر الوقوف، وإيديا بقت حمراء، وكتفى كان واجعنى لدرجة إنى بقيت أحركه بالعافية.

قعدت على الكنبة ، وسندت ضهرى عليها، وغمضت عينى كام ثانية.

مكنتش قادرة أقف تانى كل عضلة فى جسمى كانت بتشتكى من التعب.

أخدت نفس طويل، وبصيت حواليا رغم إن الشقة لسه قديمة، وإن الأثاث مهلك، إلا إنها بقت قابلة للعيش.

ابتسمت ابتسامة خفيفة من غير ما أحس يمكن دى أول مرة من الصبح أحس بحاجة شبه الراحة.

لكن التعب كان أكبر من أى إحساس لدرجة إنى فضلت قاعدة مكانى، مش قادرة حتى أرفع إيدى.

سمعت صوت خبط على الباب قومت و فتحت لقيتها طنط صفية و معاها صنينة على ايديها ابتسمتلها و هى قالتلى بحنان:

ـــ جبتلك اكل اكيد تعبتى يا حبة عينى !

قولتلها بأمتنان : 

ـــ شكرا جدا يا طنط انتو حسستونى انى من المنطقة و عايشة فيها بقالى سنين .

ـــ بتشكرينا على ايه عبيطة دا احنا أهل دا انا و امك كان اعز صحاب .

ابتسمتلها و خدت منها الصينة و هى قالتلى بحنان :

ـــ كُلى و استريحى شوية !

هزيت رأسى وهى مشت و قفلت الباب و حطيت الاكل على السفرة و دخلت خدت دوش سخن فتحت الميه السخنة، ووقفت تحتها كام دقيقة.

حسيت كأنها بتغسل تعب اليوم كله... التراب اللى كان على إيدى، ووجع ضهرى، وحتى شوية من الوجع اللى جوا قلبى.

بعد ما خلصت، لبست عباية بيتى، ونشفت شعرى كويس، وبعدها قعدت على السفرة و لبست عباية بيتى .

قعدت و كَلت و بعد ما خلصت، لمّيت الأطباق، وغسلت إيدى و غسلت الاطباق وبعدين لبست الخمار وفتحت باب البلكونة، وخرجت.

كان الهوا الليلى لطيف، فيه نسمات خفيفة خلتنى آخد نفس طويل لأول مرة من ساعات سندت إيدى على السور، وبصيت لتحت.

الساعة كانت حوالى 11 بالليل الأطفال كانوا ماليين الشارع، بيجروا ورا بعض، وصوت ضحكهم واصل لحد البلكونات.

كام ولد كانوا بيلعبوا كورة، وكل شوية الكورة تخبط فى الحيطة، ويعلى صوتهم بالخناق، وبعدها يرجعوا يضحكوا .

الأنوار الصفراء اللى طالعة من المحلات الصغيرة، مع صوت الناس اللى لسه قاعدة قدام بيوتها، كانوا مديين المكان روح غريبة روح عمرى ما شوفتها.

فى المنطقة اللى كنت عايشة فيها، أول ما الليل يدخل، الشوارع كانت بتفضى.

لكن هنا الليل كأنه بداية يوم جديد.

فضلت واقفة أتفرج عليهم، لحد اما لحظة يوسف واقف مع بنت فضلت حاطة عينى عليه لحد اما رفع عينه عليا اتوترت و بصيت لبعيد 
فضلت واقفة ثوانى، وبعدها دخلت الشقة وقفلت باب البلكونة ورايا.

قعدة على السرير و مسكت موبايلى، ودورت على بودكاست أسمعه قبل ما أنام.

حطيت الموبايل جنبى، و مددت على السرير ، وأنا بسمع الصوت الهادى بيقول:

ــــ ساعات كتير بنقف في حياتنا عند نقطة بنحس فيها إن كل حاجة ضاعت. 

ـــ تفقد شغل كنت بتموت نفسك فيه، أو تبعد عن شخص كنت فاكر إن حياتك مش هتكمل من غيره. 

ــــ في اللحظة دي، الدنيا بتسودّ في وشنا وبنحس بكسرة قلب حقيقية. بس وسط كل الوجع ده، في كلمة واحدة بتطبطب على قلوبنا.. الكلمة دي هي (العوض).

ـــ عادي جداً تزعل، وعادي تعيط وتحس إنك مش قادر الوجع حقيقي ومحدش يقدر ينكره.

ـــ  بس الفكرة كلها مش في الخسارة، الفكرة في إحنا بنبص لها إزاي؟ ساعات بنبقى متمسكين بحاجة وفاكرين إنها الخير المطلق، وبنفضل نعافر ونقاوح.. ولما بتروح بنفتكر إنها النهاية.

ـــ  بس الحقيقة؟ المنع ساعات بيبقى هو قمة العطاء ربنا بيشيل من طريقك حاجة عشان بيحميك من وجع أكبر قدام، أو عشان بيفضي مكان لحاجة أحسن بكتير تستاهلك وتستاهل قلبك.

ـــ لما بنقول كلمة (عوض)، معظمنا بيفكر في بديل فوري.. يعني خسرت شغل تلاقي شغل تاني أعلى في المرتب، أو سبت حد تلاقي حد أحسن منه فوراً.

ـــ  بس العوض مش دايماً مادي وملموس ساعات العوض بيبقى (سلام نفسي) بينزل على قلبك يخليك هادي ومطمن. 

ـــ ساعات بيبقى (نضج وفهم) بيخليك تشوف الدنيا بشكل أوعى ومبتغلطش نفس الغلطة تاني. 

ـــ ساعات العوض بيبقى إن ربنا يبعد عنك ناس منافقة ويقرب منك صحاب بجد بيحبوك من قلبهم.

ـــ فاكرين قصة أم سلمة؟ لما جوزها أبو سلمة مات، كانت حزينة جداً وبتقول في نفسها: مين ممكن يكون أحسن من أبو سلمة؟ بس هي كانت عارفة ربنا كويس، فدعت وقالت: (اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيراً منها). 

ـــ تفتكروا إيه اللي حصل؟ ربنا عوضها بأعظم إنسان على وجه الأرض.. اتجوزت النبي محمد ﷺ! العوض جه في مكان تاني خالص وبشكل مكنتش تتخيله. 

ـــ دي رسالة لكل واحد فينا: سيب تدبيرك، وفوض أمرك للي خلقك، وماتقلقش.

ـــ في النهاية، العوض دايماً بييجي.. ومبيجيش عادي، ده بييجي مُدهش، ينسيك كل لحظة سهرت فيها بتعيط أو بتفكر. 

ـــ الرضا اللي في قلبك النهاردة هو أول خطوات العوض خليك واثق إن اللي راح مكنش بتاعك، والي جاي متفصل عشانك.

غمضت عينى، وسيبت الصوت يكمل، وأنا لأول مرة من وقت طويل... حسيت إن قلبى أهدى شوية.


تعليقات



<>