رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الثاني والعشرون22 بقلم ايه محمد رفعت

رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الثاني والعشرون22 بقلم ايه محمد رفعت



توسعت عسليتاه دهشة مما يستمع إليه، وتجمع فيهما غضبٌ ساحق، جعل "مرين" تراقبه ببرود مصطنع، بينما يجابهه "زين" وهو يتنهد بإرهاقٍ: 
_العركة قاتلة. 

ومنح ابنة عمه نظرة مشتعلة وهو يمنحها بسمة مغلولة: 
_بتمنى تكوني ارتحتي ونارك هديت يا بايرة. 

ثم أشار لها بضيقٍ شديد: 
_انصرفي على فوق لحد ما أهديه، مش هيهدأ طول ما هو شايف سحنتك اللي تقفل دي. 

تحرر صوت "ياسين" الحازم، وهو يصيح بشراسةٍ: 
_لا محدش هيتنقل من هنا، الا لما أفهم اللي بيحصل من ورا ضهري! 

أجابته "مرين" بمكرٍ، وهي تلقي الحجة على تقصيره: 
_إحنا معملناش حاجة من وراك، سيادتك اللي مرجعتش البيت من امبارح، فأكيد مش هنعطل خطوات ممكن تكشفنا في المهمة لحد ما تتكرم وتظهر! 

ابتلع ما قالته، وبصرامة سألها: 
_وأديني رجعت، سمعيني اللي فاتني في غيابي! 

ربعت يديها أمام صدرها، ورددت بانتصار:
_هارون قالي إن عثمان حابب يشوفني، فروحت معاه وقابلت عثمان التميمي بنفسه.
 
لم تتأثر ملامحه الثابتة أمامهما بجدارة، بينما تستكمل "مرين" بما وجدته سيحرر فتيل غضبه الطاعن: 
_توقعت إنه عايز يشوفني قبل ما يسمحلي أدخل العيلة كزوجة لهارون، بس بعد كده اتفاجئت إنه عايزني أسيب هارون وأختاره، لانه طبعًا فاهم ومراقب شخصية غزل اللي طمعانه في الثروة والسلطة والسيادة، فقالي بشكل مباشر إنهم معاه هو وبس مش مع هارون. 

تحرر صوته الثابت ببرود: 
_وطبعًا اختارتيه؟ 

هزت رأسها بجدية تامة ورددت وهي تراقبه بهدوء: 
_أعتقد فرصة زي دي مكنش ينفع أفوتها، قدس مينفعش تلاعب شخص زي عثمان لوحدها، أنا بعد ما قابلته اتاكدت إنه مش سهل أبدًا. 

شملها بنظرة اقتاد فيها الغضب رغم بروده السابق، بينما يردد بسخرية: 
_وسيادتك اللي هتعرفي تلاعبيه! 

شعرت وكأنه يحقر من شأنها فواجهته بغضب: 
_اللي أعرفه إني أده وأد عشرة زيه، وآه هعرف ألاعبه زي ما سبق وعملتها مع هارون. 

تدخل "زين" بينهما وهو يحاول إنقاذ الموقف: 
_مروان هدي دنيتك شوية، ياسين تعالى معايا نتكلم جوه شوية. 

رفض الإنصياع ليده التي تحاول جذبه وشيعه بنظرة قاتلة: 
_أنا مش طايق أشوفك إنت بالذات قدامي، لانك اللي شجعتها تعمل ده بدون علمي. 

رد عليه "زين" بعقلانية: 
_مكنتش أعرف إن الامور هتوصل لهنا، وبعيدًا عن غضبك ده فاللي حققته مرين خطوة تتحسب ليها، وهتفيدنا في اللي جاي يا ياسين، تعالى بس معايا في حاجة قدس قالتهالي لازم تعرفها. 

تغاضى عما يقوله، ومر ليكون قبالتها وجهًا لوجه، يحرر ما حاول قدر المستطاع منعه: 
_إنت بتلعبي بالنار يا مرين!

قالها "ياسين" بغضب وخوف قاتل مما اجتاحه حيال ما تريد فعله، بينما عنيدته لم تخضع له وهي تخبره بشموخ:
_قبل ما تحرقني هكون حارقة بيها عيلة التميمي كلها.

ومالت قبالته تتعمق بعينيه وهي تتفاخر بما أجج الغيرة داخله:
_وبعدين إنت لازم تكون فخور بيا يا قائد أنا وقعت أعتى شياطين عيلة التميمي في حبي، وشكلهم هيقتلوا بعض عشاني!

زاد فتيل النيران داخل عسليتيه اللتين أختفى سحرهما، بينما إلى هنا وتخلى "زين" عن تهاونه مع شقيقته، فاذا به يتحول لنسخة متقاربة إلى "رحيم زيدان":
_على أوضتك وبدون ما تزودي حرف على كلامك.

حدقت فيه" مرين" والغضب يزداد بمُقلتيها،بينما يرفع "زين" من صوته ونظراته تزداد خطورة:
_كلامي يتسمع وحالًا هيتنفذ.

شملتهما بنظرة غاضبة،وانسحبت للأعلى قاصدة غرفة التدريبات، بينما تحرك "ياسين" ينزع قميصه بغضبٍ، وإتجه يجذب زجاجة من المياه، يرتشفها على ثلاث مرات، ثم حرك رأسه يسارًا ويمينًا فأصدرت صوتًا مرعبًا ينم على محاولاته للتحكم في غضبه المبالغ به. 

جلس "زين" يراقب صديقه، وهو أحق العلم بما يصيبه في تلك اللحظة، فردد باتزانٍ لم يتخلَّ عنه: 
_مكنش ينفع نضيع الفرصة دي يا ياسين، وأكيد مكنتش هعرضها لأي خطر، أنا بنفسي روحت معاها وكنت قريب منها لحد ما رجعنا هنا. 

تخلى عن صمته وسكون حركته، حينما مال برقبته تجاهه: 
_لحد إمته هتنجح أنك تحميها؟ إنت داخل الحرب برجليك وأنا سبقتك، يعني هتكون بطولها قدام شخص كلنا استهونا بيه. 

وسحب مقعدًا يقابل محل جلوسه ثم قال: 
_قدس بتواجه خطر كبير جدًا وده سبب رجوعي هنا في توقيت عيون عصافير عثمان التميمي كلها عليا، وبالرغم من كده جازفت وجيت أنبهكم بس انت سبقتني بالكارثة، يعني كده مرين دخلت نفس دايرة الخطر. 

ضيق زيتونته وتساءل باهتمامٍ بعدما لقط تلك الجملة: 
_إيه اللي قدس بتواجهه؟ 

تعمق "ياسين" بعينيه، وهو يقرأ قلقه الصريح عليها، فإذا به يسأله: 
_قالتلك إيه لما قابلتها؟ 

بدأ "زين" يقص عليه ما أخبرته به "قدس"، وما أن انتهى حتى ردد" ياسين": 
_الشيء الكويس في الحوار كله إن احساس قدس فضح مخطط عثمان بسرعة كبيرة هو نفسه ميتوقعهاش، والوحش إن للأسف احساسها صح، والكلب ده بينفذ أخطر عقار ممكن عقلك يتخيله.

اعتدل "زين" بجلسته بتأهبٍ شديد، وسأله بتركيزٍ: 
_عقار إيه ده؟! 

ضم يديه على الرخامة الفاصلة بينهما، وقال بغموض وحكمة: 
_هقولك عشان تلحق تتحرك بسرعة وتبلغ القادة باللي وصلتله، يمكن يكون معانا بعد كده فرصة ننقذ بيها مرين من اللي هي رمت نفسها فيه. 
                             ******
وكأن ما قاله كان أشبه بالقنبلة التي بعثرت أشلاءه في كل مكان من حوله، يجاهد لأن ينطق بكلماتٍ معبرة عما يشعر به، وتخذله بتخليها عنه، حتى تمكن بأن يرفع صوته الدامي: 
_إنت آآ... تقصد إيه يا عثمان؟ 

رد عليه ببرود قاتل، جعل الأخير كالمقتول الذي ينازع:
_أنا مبتكلمش كلام له أكتر من معنى وقصد، كلامي دايمًا واضح ومفهوم. 

واستكمل وهو يحرك مقعده تجاه النافذة: 
_ثم إن دي حركة متوقعه من بنت بذكاء غزل، أكيد هتختار اللي بإيده السيادة والسلطة. 

واسترسل وهو يلف رقبته له: 
_مش دول اللي خلوها تختارك في البداية بردو ولا إيه؟ 

انزاحت صدمته رويدًا رويدا، وأخذ يردد بعصبية مكبوتة: 
_من إمته وإنت بتتعامل بالغدر والخيانة يا عثمان، عايز تأخد مني البنت الوحيدة اللي حبتها، وبتتكلم في وشي بالجرأة دي إزاي؟ 

استدار بمقعده يقابله بابتسامة مرعبة، رغم استكانته: 
_الغدر ده لما أضربك بضهرك زي ما ضربت تيام كده لكن أنا قولتلك اللي هيحصل ومسبتكش للصدمة، وزي ما إنت لسه قايل إني جريء، فرد فعلك ميهمنيش ولا يفرقلي بحاجة. 

خرج عن اطار ثباته الذي خضع له من البداية، وراح يصرخ بعنفوان: 
_غزل ملكي أنا يا عثمان، ومش هسمحلك تآ... 

ابتلع جملته حينما رفع "عثمان" يده يحذره: 
_خد بالك إنت بتتخطى حدودك معايا، وده رد تمنه غالي أوي، لو إنت شايف نفسك أد اللي بتقوله كمل وساعتها هتلوم نفسك لمية ألف سنة جاية. 

ابتلع "هارون" كلماته بجوفه، ونظراته يطمسها الحقد والغل، والوعيد، وراح يردد بصوتٍ مكتوم عنه كل الشر: 
_معنى كده إنها خاينة وتستحق الموت. 

ابتسامته مازالت منصوبة على وجهه، وهزة من رأسه تشير له بالنفي: 
_ده لما تكون خانتك مع حد وضيع زيك، مش مع الديزل يا هارون. 

واستطرد وهو يسدد له نظرة قاتمة: 
_ركز في اللي هتعمله كويس، وشوف بعدها هتكسب عداوة مين. 

واطبق على أصابعه بقوةٍ جعلت كفه يطقطق بعنف: 
_اللي في ايده في لحظة يفرمك. وميكنش لك بعدها قومة تاني. 

ولف بمقعده يوليه ظهره: 
_غور يا هارون، وياريت تركز في اللي مطلوب منك، بلاش ترهق عقلك باللي هيوصلك لنعشك. 

واسترسل وابتسامة الشر تتسع على وجهه: 
_اللي عملته ده قرصة ودن ليك، غرور السلطة غرك وخلاك فاكر إنك فوق اللي تحت، يمكن تفوق وتفهم إنكم كلكم تحت رجلي، وبأقل حركة مني هفعصك قبلهم! 

وأشار برماديته تجاه باب الجناح المصفح: 
_الباب في ايدك. 

انسحب "هارون" من الجناح بأكمله، والنيران تكاد أن تحرقه هو قبل إن تطول أي أثاث يحاوطه، يحوم كالذبيحة التي يتوسط رقبتها خنجرًا حاميا لم ينهي أمرها بعد. 
                               *****
حملت الكوبين من مسحوق الشوكولا الساخن، وطرقت على باب الغرفة، ثم انتظرت حتى فتحت لها "مارال" الباب، فتبسمت وقالت: 
_شوفتي صدقت بوعدي ليكِ وجيتلك أهو. 

توسعت بسمتها الجذابة، ومالت تفسح لها مجال الدخول قائلة: 
_كنت هزعل لو مجتنيش، أساسًا بقالي ساعة بحاول أنام مش عارفة. 

ولجت "رحمة" إلى الداخل، تضع الاكواب من يديها، وهي تقابل "مارال" هاتفة بغرابةٍ: 
_ليه مش عارفة تنامي؟ بتفكري في مين يا ميري؟ 

وأشارت بخفة لدبلتها البارزة بين إصبعيها، فرددت بخجل: 
_لا عقلك البريء ميروحش لبعيد، أنا بس شاربة كوباية قهوة معتبرة مضيعة النوم من عيني. 

وأضافت وهي تشير لها بالجلوس: 
_بس ده ميمنعش اني هشرب معاكِ الهوت شوكلت ده، وهجيبلك معايا كمان قطعة كب كيك من صنع إيديا. 

هزت رأسها وقالت بنعومة: 
_أكيد هتبقى طعمها تحفة، شكلك أساسًا بيوحي إنك ست بيت عظيمة. 

ضحكت "مارال" وفاهت بخوف مصطنع: 
_ربنا يستر ومكسرش سقف طموحاتك العالية فيا يا دكتورة. 

قالتها وغادرت من أمامها لتحضر ما أعدته، بينما خطت "رحمة" تجاه صورة كبيرة، كانت مُعلقة على أحد حوائط الغرفة، وتضم فيها "مارال" وتلك الفتاة الفاتنة، تعمقت "رحمة" بملامحها بدهشةٍ وذهول، ولسانها يردد بتيهة: 
_أنا شوفت البنت دي قبل كده! 

عاد المشهد الذي دُفن في الماضي، يتلألأ من أمامها، وكأنه طريح اليوم، يعود للحياة من جديد.
 
##
أمن لها الحارس الشخصي التابع ل "عدي الجارحي" طريق الدخول، وأشار لها بأنه سيكون بالخارج بإنتظارها. 

حملت "رحمة" قالب الكعك بعدما أزالت عنه الكرتون، ثم تسللت للداخل على أطراف أصابعها، لتضمن أن تفاجئه بوجودها الغير متوقع، سئمت وهي تبحث عنه بعينيها العسلية بهذا المكان الغريب عنها. 

وضعت قالب الجاتو على أقرب طاولة قابلتها، ثم اتجهت حتى تستكشف المكان جيدًا، راق لها تفاصيل الجناح المصمم ليليق باستقبال عروسين في شهر العسل مثلما تدعوه مهمته المكلف بها، أخذت تراقب التراس بانبهارٍ، وفجأة اختفى عنها الهواء البارد المنعش، حينما شعرت بحاجز قوي يخنق رقبتها فيمنع عنها كل شيء، اختنقت أنفاسها وهي تحاول أن تبعد تلك اليد القابضة لعنقها، فتسلل إليها صوت رقيق لا يتناسب مع تلك القوة المخيفة:
_إنتي مين ودخلتي هنا إزاي؟ 

سعلت بقوةٍ وهو تحاول تحريك لسانها لينطق: 
_ياسين! 

ذكرها لاسمه جعل الغضب يتغلل داخل تلك الهرة الشرسة، ابعدت يدها عن عنقها، ثم لفت ذراع الاخيرة حول ظهرها لتلقي بها على الحائط وهي تردد بعنفٍ: 
_ أنا كنت شاكة إنه شمال وطالع يتسلى مش يشتغل! 

تأوهت ألمًا وهي تحاول تخليص ذراعها، فصرخت بها: 
_ابعدي عني.. فين ياسين؟

ضغطت بقوتها على ذراعها، فصرخت بوجعٍ، ومازالت تزيد من ضغطها وهي توجه لها سؤالها: 
_مش لما تعرفيني عليكي يا حلوة وتقوليلي تعرفي البيه منين؟ 

_رحمة! 
نداء مستنكر نطق على لسان ذاك الذي هبط من الأعلى للتو، فترك فرشته الخاصة برسم آخر لوحاته، وهرع للأسفل بصدمة، وخاصة حينما توسلت إليه: 
_ياسين الحقني هتموتني! 

 حال بينهما بقامته الطويلة، فأبعدها للخلف وهو يتفحص ذراعها بخوفٍ، وصوته الرجولي العميق يردد بلهفةٍ: 
_إنتي كويسة؟ 

هزت رأسها بالنفي وهي تتابع تلك التي تحدجها بزرقة عينيها التي تبدو ساحرة جذابة، على غير شراستها تلك، فابتلعت ريقها بتوترٍ وهي تشير إليه: 
_مين البنت المتوحشة دي يا ياسين؟  

داعبت شفتيه بسمة ماكرة، وهو يراقب ملامحها القاتمة من طرف عينيه، فقال بثبات قاتل متعمدًا تجاهلها بينما يضم شقيقته بكل محبة: 
_وحشتيني يا روما، قوليلي جيتي هنا إزاي وجدو وبابا وافقوا بالسهولة دي؟ 

لعقت شفتيها برعبٍ من تأمل نظرات تلك الفتاة، وخاصة حينما عبثت بسلاحها، وهي تضعه جانبًا وتجذب كوب العصير تلتهمه ببطءٍ، فضحكت وهي تردد بسخطٍ: 
_روما!!! لا دي تخدها وتطلع المالديف، روما مبقتش مناسبة للسياحة اليومين دول. 

اتجهت عيناها لأخيها، فقالت وهي تجذب حقيبتها: 
_أنا عايزة أمشي من هنا. 

بعدت عنها الكوب، ثم التقطت سلاحها المجاور لها، واتجهت لتستهدفها وجهًا لوجه، وهي تردد بسخرية: 
_على فين يا حلوة، هو دخول الحمام زي خروجه، داخله بالتورتة وبالأحضان وعايزة تمشي بالبساطة دي. 

ضاقت عيناه عليها بمكرٍ، فأزاح سلاحها عنها وهو يردد ببرود: 
_ضيوفي يخصوني أنا. 

وجذب يدها ثم كاد بالخروج معها للخارج، فاوقفته حينما سلطت سلاحها أمام رأسه هو تلك المرة، قائلة بغيظ: 
_أنا قولت لأنكل رحيم انك طالع تستجم ، لو مش مدرك حجم الخطورة اللي هنكون فيها لو اتكشفنا يبقى سوري هضطر أتعامل وعلى مسؤوليتي الخاصة. 

ازدادت بسمته الواثقة تباعًا، وأهدابه الطويلة كانت تعلو وهو يدرس حركتها بإتقان، وبسرعة لا تتناسب مع ضخامة عضلاته وقوة بدنه استدار ليقيد يدها وفي لمح البصر فكك سلاحها لأشلاء جعلتها تبرق بصدمةٍ: 
_ده سلاح أنكل رحيم!

قابلها ببسمة باردة، وصوته الرخيم يخبرها: 
_عنيدة هانم بلاش تختبري قوة تحملي لان وقتها مش هتخسري سلاح الأسطورة بس! 

تعلقت عيناها به بربكة استحوذت أعماقها من هذا القرب الخطر على قلبها المحتجز خلف بطولاتها، فتركها ورفع يده للاعلى لتذكره تعليماتها بعدم الانخضاع خلف تنكرهما لوجودهما هنا، فقال وهو يرفع احد حاجبيه بمكر مدعيًا لهجة الجنسية التي ولج بها لمهامه: 
_زوجتي العزيزة أريدك أن تسترخي قليلًا، وإلا لن أسامح نفسي إن اصاب التجاعيد وجهك الجميل أو نخر الاكتئاب عظامك الرقيقة. 

دفعته للخلف ثم صاحت به باستهزاءٍ: 
_إنت صدقت نفسك ولا إيه، احنا بنمثل لزوم الشغل! 

جذبت "رحمة" تيشرت "ياسين" لتجبره على التطلع لها فهمست له بخوف: 
_يلا نمشي من هنا، البنت دي خطيرة كانت هتكسر دراعي من شوية. 

ربعت يديها أمام صدرها وحامت من حول "رحمة" التي همست بحروف ثقيلة وأعين جاحظة: 
_ياسين الحقني! 

حكت "مرين" طرف أنفها، ثم قالت بأعين شبه منغلقة: 
_قولتيلي انتي مين بقى يا حلوة؟ 

جذبت "رحمة" جواز سفرها ثم قدمته لها وهي تخبرها بخوف: 
_أنا رحمة الجارحي اخته التوأم، نيتي كانت الاحتفال بعيد ميلاده وإني أعمله مفاجأة، بس طالما ده هيبوظلكم شغلكم اعتبريني معرفوش! 

مالت بالجواز تجاه "ياسين" لتستجديه بإحدى مميزاته المكتسبة، فتساءلت بشك: 
_مزور ده؟ 

رزانته افتكت بها، فغمز بعينيه وهو يخبرها بجمود مخيف: 
_عقلك هو اللي مزور ومحتاج إعادة تأهيل. 

وجذب شقيقته ثم خرج بها دون أن يخبرها بكناية تلك الفتاة التي احتلت قلبه مرة في طفولتها، وألف مرة في بلوغها، وكل مرة تتحداه فيها ويطغى عنادها عليهما معًا! 

أفاقت "رحمة" من شرودها على هزة كف "مارال" الرقيق على كتفها: 
_رحمة! 

لفت برأسها لها بينما تفوه بدهشة: 
_بقالي كتير بناديلك، مالك؟ 

أشارت "رحمة" باصبعها إلى اللوحة بعدما تحققت شكوكها: 
_دي مرين صح؟ 

تفقدت الصورة المُشار لها، وهزت رأسها تُؤكد لها: 
_آيوه، الصورة دي من كام شهر، كبرنا بسرعة أوي حتى إنتي كمان يا رحمة كبرتي ما شاء الله وبقيتي قمراية. 

اتسعت ابتسامتها وحملت منها طبق الكعكة، ثم مضت تجاه الشرفة الزجاجية وهي تتمتم بنزقٍ: 
_فعلًا كبرنا وكل حاجة اتغيرت من حولنا الا اللي جوانا، لسه زي مهو. 

استشفت "مارال" من حديثها بأن هناك ما يُؤلمها، فحملت مشروبها وجاورت وقوفها وهي تستحضر صوتها الرقيق: 
_ليه بتتكلمي وكأنك شايلة هموم فوق طاقتك. 

رددت ومازالت تتفحص المطر الذي يجعل من باب الشرفة مرآة لامعة: 
_أي شخص أكيد عنده هموم يا مارال، بس متقلقيش اللي عندي بيندرج لتفاهات البنات المعتادة في السن ده. 

وتبسمت باستحياء وهي تخبرها: 
_إنتِ عارفة بقى آن دي أصعب مرحلة، وخصوصًا لما تكون في مرحلة اختيار شريك الحياة، والشريك ده يعتبر حب الطفولة. 

تعجبت "مارال" مما تستمع له، ونطقت باستنكارٍ: 
_طيب وفين المشكلة اللي بتتكلمي عنها، يعتبر إنتِ طرحتي المشكلة وحلها! 

مالت على حافة المقعد من خلفها، وتنهدت: 
_المفروض، بس عقلي عاملها معايا، شكله أتهوس بقصص الحب من أول نظرة. 

وتابعت بابتسامة ساحرة ارتسمت على شفتيها الوردية: 
_وبالأخص هوسي بقصة عشق بابي ومامي اللي وقعوا في الحب من أول نظرة، قصتهم بالنسبالي شبه قصة روميو وجوليت، قصة مختلفة ومميزة ما بين قصص حب عيلة الجارحي كلها، وكمان قصة حب ياسين الجارحي ونانا. 

ومالت صوبها وهي تخبرها بايجاز: 
_من الآخر أنا مبهورة بأي قصة حب بتحصل ما بين اتنين بيعرفوا بعض لأول مرة، لكن ولاد عم بحس إن الحب اتفرض عليهم لانهم في وش بعض ليل نهار، مش حاسة إن ده الحب الحقيقي، المفروض إن يكون في مغامرة وسيسبنس بالموضوع، إنتِ فهماني؟ 

هزت "مارال" كتفيها بحيرة ورددت: 
_بحاول أفهمك، بس اللي وصلي إنك شكلك كده المفروض على وشك الارتباط بابن عمك، صح؟ 

هزت رأسها والضيق يظهر على وجهها، ثم عادت تتمعن بها وباصبعها: 
_وإنتِ مخطوبة لابن عمك،  زين صديق ياسين صح؟ 

أماءت لها، وقالت وهي تقتبس نظرة للزهور التي تحتل ڤازة سراحتها: 
_بس محستش نحيته بأي تردد، بالعكس أنا حبي ليه صريح وواضح من الطفولة، بالرغم من إني لحد اللحظة دي حاطة حدود وبرغمه يعاملني بالضوابط الشرعية على أد ما بقدر. 

واستطردت ببسمة عاشقة: 
_عمر حبي ليه ما نقص بالعكس، أنا عشقي ليه بيزيد بجنون، حتى لو قصتنا أغلبها فيها فراق بسبب شغله، وده بيخليني أحاول أوجد حل فبعود نفسي أشتاقله طول مهو بعيد وأفكر فيه أكتر، ويمكن ده يكون سبب حبي الزايد ليه. 

ابتسمت "رحمة" وفاهت بخفة: 
_ربنا يخليكم لبعض وميفرقكوش أبدًا يا حبيبتي. 

منحتها ابتسامة واسعة، وردت عليها: 
_ويروق بالك ويجمعك بنصك التاني يا أجمل دكتورة. 

دق هاتفها مُعلنًا عن إسمه، فسلطته تجاهها وقالت ضاحكة: 
_أهو أتى على دعواتك، بركاتك يا دكتورة ميري. 

ضحكت "مارال" وهي تراقب الشاشة التي تحمل اسم "يحيى"، وما كادت أن تجيبه حتى استمعت كلتاهما على صوت دقات باب الغرفة، فتحت "مارال" الباب بعد أن عقدت حجابها جيدًا، فتفاجأت بالممرضة التي ما أن لقطت بصرها "رحمة" حتى قالت: 
_نحتاج لكِ بغرفة الطوارئ دكتورة، هناك حالة إجهاض نفشل بالتعامل معها. 

تركت الكوب عن يدها وأعادت الهاتف لجاكيتها، ثم خرجت وهي تودع "مارال": 
_معلش يا ميري تتعوض في سهرة تانية. 

أشارت لها بتفهمٍ: 
_ولا يهمك، ربنا يوفقك يا حبيبتي. 
     
غادرت" رحمة" رفقة الممرضة إلى الاسفل، بينما عادت "مارال" ترتب الغرفة من جديد. 
                           ******

طال الحديث بينهما حتى عم الصمت وكلاهما يفكر فيما حمله الآخر من معلوماتٍ خطيرة، تراقص الصمت بينهما حتى قطعه "زين" حينما هدر ساخطًا: 
_دي كارثة!  

هز "ياسين" رأسه مُؤكدًا حجم الكارثة التي ينبغي عليهم التعامل معها، بينما يعود "زين" لسؤالٍ آخر: 
_إيه اللي ممكن يكون يستغل فيه قدس لما يتحكم بوعيها! 

قرأ ما يقصده بمكمن حديثه الغامض، كلاهما كتاب مفتوح للآخر: 
_معنديش إجابة مقنعة على سؤالك، بس الأكيد إنه لو كان ليه بسكك هارون القذر كانت قدس حست بده، متنساش إننا مدربين على استرجاع كل شيء له علاقة بالألم الجسدي، أو بالملامسة. 

هز "زين" رأسه وبذكاء قال: 
_يبقي الحقير ده بيلعب على عواطفها، زي ما بدأ مع مرين بالظبط. 

أكد "ياسين" على ملاحظته الذكية بتأييد:
_ده اللي أنا فكرت فيه، عثمان عايز يسيطر على مشاعر وعواطف قدس، بس ليه؟ الله أعلم؟! 

زفر بضيق شديد، وبغضب ردد: 
_وإحنا مش هنستنى نعرف الإجابة على السؤال، حالًا نسحبها من القصر ونأمن خروجها هي ومرين برة إيطاليا كلها. 

اعترض "ياسين" على ما قال، وهو يفرض وجهة نظره: 
_مش هينفع، أي خطوة متهورة ولو بسيطة هتوقع الفريق كله، انسحاب قدس هيسلط الأضواء علينا كلنا، ولو بينت شكوكها فيه بنسبة بسيطة بردو هتسلط الأضواء عليها وهتخليه يشك فيها، وهي طبيعي لأنها مش شخص عادي هتحس أن اللي بيحصل مش طبيعي ومش مقنع ليها، عشان كده لازم أقابلها في أقرب وقت. 

وأضاف وهو يشيرله: 
_وإنت تكون بلغت القادة باللي قولتهولك، ولو صدر عنهم قرار انسحابها ساعتها هننفذ فورًا مع إني أشك أن ده يحصل من الجوكر أو من الاسطورة. 

رفع عسليته للأعلى وهو يراقب باب غرفة التدريبات بنظرة فاترة: 
_الخوف كله على عنيدة هانم، دخلت اللعبة في توقيت غلط، واحنا في اللحظة دي منعرفش هو بيعمل إيه مع قدس، فإزاي هنقدر نحمي مرين من اللي جاي، إنت غلطت يا زين. 

ارتسمت بسمة ساخرة على وجه الشبح، الذي قرب رأسه إلى رفيقه وقال: 
_لا، إنت عارف إن تصرفي كان صح 100 في الـ100،بس غيرتك عليها مخلياك ممكن تلغي أي قرار هيخدم الفريق كله. 

وواجهه بقوة وجرأة: 
_ياسين أوعى تنسى إن مرين تبقي أختي، يعني لو إنت خايف عليها قيراط أنا 24، ولو سبق وفديتها بروحك فأنا روحي رافعها ستارة حماية قدامها، ومهما وصلت في غيرتك عليها لأبعد حد أنا هفوقك لإنها عرضي وشرفي، أوعى تنسى أنا تربية مين، ولا قادر أعمل إيه؟ 

واستطرد بوجوم ونبرة حادة:
_أنا قادر أحول قصرهم بالكلب اللي بيتحكم فيه لرماد، وقبل ما يكتشفوا دخولي هكون خرجت. 

قال ما قال ونهض عن مقعده حتى يغادر، أسرع "ياسين" خلفه خشية من أن يكون غلبه الضيق لما قال: 
_مش محتاج تكلمني عنك وعن قدراتك يا شبح زمانك، أنا من حقي أغلطك وقدام كل القادة، لانك لما كنت قائد أي مهمة طلعناها مكنتش بتصرف من وراك، وإنت النهاردة عملت ده. 

استدار "زين" صوبه وقال بنظرة ثاقبة احتلت زيتونته: 
_راجع البنود المسموحة لأعضاء الفريق تاني يا قائد، مسموح لأي عضو فينا إحنا الإتنين إنه يتخذ قرار بدون الرجوع للقائد في حالة أن الأمر عاجل وممكن يضر الفريق كله، وده بالظبط اللي حصل، دماغ زي عثمان التميمي اللي أكيد متابع الأوروني الحقير ده من ورا الشاشات زي ما بيعمل مع تيام وكنان،  تخيل لو لاحظ ارتباك صغير من مرين كان إيه الوضع؟ 

واستكمل بثقة تجوب شقيقته: 
_مرين قدرت تخليه يستخدمها ضد هارون، وهو ده بالظبط اللي إحنا عايزينه، اركن غيرتك على جنب وفكر بعقلك الذكي اللي بيميزك دايمًا، عثمان ماسك لتيام نقطتين ضعف، حبيبته السابقة وأخته، ونفس النقطتين ماسكهم على كِنان، إلا هارون مكنش له نقطة ضعف إلا بعد ظهور غزل! 

وفاجأه حينما تابع: 
_عثمان ميهمهوش إلا أنه قدر يمسك عليه نقطة ضعف، إنت بنفسك شوفت ملف السافل ده، مفيش ست كانت صعبة عليه، سواء برضاها أو بالقذارة اللي بيستخدمها دي، بس منجحش يعمل كده مع غزل، وده زرع الإعجاب والفضول عند عثمان التميمي تجاه شخصيتها ويبقى غبي لو ضيعها من إيده، دي طريقة تفكيرهم الوضيع وشغلهم، المفروض تكون سعيد أننا نجحنا نوقعه هو كمان، وده بيسهلنا اللي جاي. 

ردد وهو يتنهد بإرهاق: 
_فاهم كل ده بس بردو ده بيعرضها لخطر كبير، عثمان متحكم باللعبة، وقادر يكشف أي جهاز تتبع أو تجسس، يعني حماية مرين جوه القصر واقعة عليها لوحدها وده اللي قلقني، مهما كان لما بتقابل الحقير التاني بتكون تحت عنينا، لكن لهنا وهيتقطع عنها كل حاجة. 

تفهم سبب خوفه، وقد تشارك معه في تلك البقعة: 
_ده قلقني أنا كمان، بس أكيد هنلاقي حل، المهم إننا نلعبها عليهم صح، ويوم ما يفكروا يمسوا واحدة منهم يبقوا جنوا على روحهم، وبلاها نكمل كفايا اللي وصلناله، القادة ادونا الكارت الأحمر في حالة المساس بحد فينا ولا إيه يا قائد؟ 

زفر وهو يحاول السيطرة على مشاعر غيرته، وإذا به يمنحه نظرة خبيثة: 
_هوافقك على أي حاجة بس عندي شروط. 

زوى "زين" حاجبيه بدهشة: 
_الله! ابتدناها شروط، اتفضل جنابك. 

اتسعت بسمته ورنا صوبه يقول: 
_مرين مش هتخطي قصر عثمان تاني إلا لما أكون أنا معاها. 

هز "زين" رأسه والسخط يحتل ملامحه، استكمل هو: 
_الشرط التاني إنك وبنفسك هتوصل للجوكر وهتخليه يكتب كتابنا أنا وهي في أقرب وقت. 

لوى شفتيه بتهكم: 
_نعم يا حبيبي!! ما تقعدني هنا خاطبة ليك ولمروان أشطا بالمرة! 

وأضاف وهو يلكزه على صدره العاري: 
_جرى إيه يا جارحي هي طارت منك ولا إيه، جواز إيه اللي بتتكلم عنه وإنت دخلت عش عثمان التميمي برجليك، ده زمانه دلوقتي بيخطط هيجرب عليك أي عقار وأي اختراع! 

وغمز ساخرًا بضحكة ترددت رغمًا عنه: 
_حبيبي إنت محتاج تلطف الجو بينا عشان أنجدك لو وقعت جوه، أنا مش هحصلك دلوقتي، ورايا كام طلعة للعالم السفلي مع الحقير التاني، استناني بقى لما أخلص وأجيلك. 

انخفض بصر "ياسين" لكف يد "زين" الموضوع على صدره، فأسرع بسحبه وهو يبتلع ريقه بخوف: 
_عارف إنك قده وقد عيلته كلها يا شريك، كفايا شكل عضلاتك المرعب ده، عثمان هيفقد توازنه وعقله وشياطينه نفسها هتفر هاربة رعبًا منك. 

واستدار يودعه بانزعاج: 
_هسيبك أنا مش فاضيلك، كنان باعتلي ومعرفش عايزني ليه! 

ولج لغرفته يرتدي ملابسه، فاتبعه ياسين ومال على باب الغرفة يضع يديه بجيب سرواله، يتابعه بغموض حتى تحرر عن صمته المدروس: 
_خد بالك من حيدر، الواد ده مش سهل. 

استدار له وهو يصفف شعره: 
_عارف، وحاططني في دماغه أوي، عشان كده بفكر أرقدله وأقضي عليه بأقرب فرصة. 

ارتسمت بسمة مكر على وجهه وقال: 
_فرصتك موجودة وقدامك. 

تساءل بجدية واهتمام: 
_ازاي؟ 

تلألأت بسمة مرعبة على وجه القائد الذي كشف ذلك الأرعن منذ اللقاء الأول الذي جمعه ب"حيدر"! 
                                *****
جابت الطرقة ذهابًا وإيابًا وهي تحارب صداع رأسها الذي بدأ يحاربها، فإذا بها تتجه إلى الهاتف للمرة الثالثة، تستعلم عن الخادمة "ريڤانا"، فقالت لها مسؤولة الخدم باحترام: 
_لم تعد بعد من الهايبر سيدتي، إن كنتِ تريدين شيئًا عاجلًا أخبريني وسأفعله لكِ بنفسي سيدتي! 

صرخت فيها" رزان" بغضب شديد: 
_لقد سبق وصنعتي لي كوب القهوة وكان سيئًا للغاية، حينما تحضر ريڤانا هاتفيني. 

قالتها وأغلقت الهاتف على الفور، ثم مضت تخطو بالغرفة والصداع يزداد في حدته بشكلٍ غير معقول، رغم أنها لم تكن من مدمني القهوة والكافيين يومًا، ولكن ما يحدث معها جعلها لا تستوعب ما أصبحت عليه بسبب حبها للقهوة التي تصنعها "ريڤانا"!. 
                             *****
كان يضع سماعاته حول أذنيه وهو يتحرك بالاسكيت بحرية تتناغم مع جسده الحر، لا يصدق أنها وأخيرًا ستصبح زوجته شرعًا بعد يومين من الآن. 

وبينما هو يرفرف في الساحة المخصصة بالاسكيت، تفاجأ بها جالسة على سور الساحة الدائرية، تراقبه بشرود وأعين حمراء متورمة. 

توقف" نوح" وإتجه إليها يناديها بلطفٍ:
_تالا!

جلس جوارها وهو يتفقد وجهها جيدًا:
_مالك؟

تحرر صوتها المُتقطع من البكاء العالق في حلقها: 
_رحيق مرجعتش البيت من يومها يا نوح، الكلب ده قتلها فعلًا. 

انتفض من محله وهو يراقب المكان من خلفه وقد عنفها : 
_تاني يا تالا، إنتِ مش ناوية تجبيها لبر، كنان شرحلك مرة وأنا ألف مرة مدى خطورة الحوار ده لو وصل لاخوكِ وبردو مصرة لسه تفتحيه؟ 

انفطرت بالبكاء الذي جعل وجهها بحمرة تعبر عن مدى اختناقها: 
_غصب عني، حاسة بالذنب من سكاتي بالشكل ده. 

ضمها "نوح" وهو يحاول أن يهدئها: 
_طيب اهدي الأول، يا تالا رحيق هي اللي اخترت الحقير ده، يبقى تستحمل اللي يجرالها كله. 

رفعت رأسها له تطالعه بعتاب: 
_معنى كده آننا نقف ونتفرج على أي راجل بيقتل مراته لأنها السبب بالبداية لما اخترته؟ 

ودفعت جسدها للخلف عنه بكل قوتها وهي تصيح باستنكارٍ: 
_إنت ازاي كده يا نوح!! 

أعاد خصلاته للخلف بضيق مما تفوه به، ثم عاد يحتضنها وهو يحاول كسبها مجددًا بلين نبرته: 
_مقصدتش يا تالا، أنا بس بفكرك إنها مهما كان اتخلت عن تيام من البداية، وأنها كمان كانت عارفة ان هارون شيطان فكانت متوقعه إيه منه غير الاذى ده!!! 

تغاضت عن أي رد قد يصدر عنها، بل صدمته حينما نادته بتعبٍ شديد: 
_نوح، لو سألتك سؤال هتجاوبني بجد ولا هتلف وتدور. 

ارتبك من قبل أن يجيبها أو حتى يستمع لما ستقول، ازدرد حلقه الجاف، وتساءل: 
_اسالي حبيبتي. 

رفعت وجهها له ومازالت بين ذراعيه: 
_تيام وكنان عاشوا عمرهم كله يخبوا عننا طبيعة شغلهم، بس أنا عايزة أعرف يا نوح، عايزة أعرف أخويا كان هربان من إيه وراجع بالإجبار لإيه بالظبط!! 
                               *****
المياه الباردة تغمر جسده بأكمله، ومازال رأسه مسنودا للخلف، شاردًا رغم انهمار المياه من فوقه، وبين يده سلسالها، يمر بأصابعه من فوقه برفقٍ كأن أصابعه تمر على وجهها الرقيق. 

لا يعلم كم طالت مدته وهو لا يزال محله، وقلبه تتباطأ دقاته بشكلٍ جعله يشك بأنها ليست على ما يرام، قطع تفكيره صوت طرقات على باب الحمام الخاص به، فمال صوبه ينادي بلهفة عسى أن تكون هي من اقتحمت غرفته: 
_مين؟! 

أتاه صوت "كِنان" الساخر من الخارج: 
_هقطع عليك الشاور اللذيذ ده، الديزل باعتلنا فوق وأكيد طبعًا ده بسبب تسريب معاليك أسرارنا لصاحبك. 

تنهد بضجر لما عليه أن يخوض حربًا دموية، وهو لا يستطيع حتى أن يصلب قامته من شدة الآلآم التي أصابت قلبه العاشق. 

خرج يجذب المنشفة، ثم سحب السلسال وخرج لخزانته بصمتٍ، وهو يتجاهل وجود "كِنان"، الذي يتابعه وهو يجلس على المقعد الذي يتوسط الغرفة واضعًا ساقًا فوق الآخرى. 

انتهى" تيام" من ارتداء ملابسه، ثم اتجه له وهو يزرر قميصه: 
_هو قالك إنه عايزنا لكده، ولا إنت اللي بتحط افتراضات بايخة؟ 

انبلجت بسمة ساخرة على شفتيه: 
_إنت غلبان أوي يا تيام، عثمان مفيش ريشة بتحوم في مملكته الا وعارف واقعه منين وهترسى فين! 

ونصب عوده الفارع، ثم مضي يشد على كتفه بقوة: 
_خلينا نتحرك أحسن. 

مضى خلفه، ثم أوقفه وهو يتساءل بارتباك: 
_هي رزان مش بتشوف رحيق خالص؟

توترت ملامح "كِنان"،ولكنه تمكن من استعادة صلابة ملامحه أمامه:
_لا بتشوفها وبتقعد معاها على طول، بتسأل ليه؟ 

انتقل التوتر إلى" تيام"، ففاه وهو يتصنع عدم اللامبالة: 
_لأ مستغرب بس إنها بطلت تحاول تتكلم معايا، أو تطلعلي أوضتي، شكيت إن الكلب ده بقى عنده نخوة.

شدد من جذبه تجاه باب الخروج وهو يتعمد تشتيت انتباهه: 
_طيب بينا بدل ما نستدرج غضب عثمان بالتأخير! 

هز رأسه بنفورٍ، ولحق به للأعلى بصمتٍ تام. 
                               ******
خرج "ياسين" من حمام غرفته، ثم وقف يرتدي ملابسه، فالتقطت أذنيه انغلاق الباب السري للمنزل، خرج مُسرعًا وهو يرتدي التيشرت الخاص به بطريقه، فإذا به يلمح "مرين" تصعد على الدراجة النارية وترتدي الخوذة الخاصة بها. 

أسرع يوقفها وهو يتساءل: 
_على فين بالوقت المتأخر ده عنيدة هانم؟ 

رفعت زجاج الخوذة وهي تحدجه بنظرة غائمة: 
_سيادتك حططني تحت المراقبة وأنا مش واخدة بالي! 

أجابها وهو يعدل خصلاته المبلولة: 
_مش بالظبط، بس أعرف رايحة فين؟ 

نفخت بغضب شديد، وحاولت قدر الإمكان أن تحافظ على هدوء لم يكن موجودا لديها: 
_ياسين إنت بتلكك عشان نتخانق تاني، وأنا مش متحملة كلمة زيادة، سبني أمشي، لازم أبات في الشقة المعروف مكانها لعثمان ولهارون، عشان زي ما سيادتك عارف الدوبلير اللي مكاني مش هتصمد كتير هناك. 

صدقت شكوكه حيال أمر ذهابها، فسحب مفتاح الدراجة وأشار لها:
_انزلي، مش هتروحي لمكان. 

راقبت ما يفعله بغضب شديد، وهبطت تتبعه وهي تصيح بجنون: 
_أنا عايزة أعرف إنت في إيه بالظبط، سيبك من جو التحدي بتاعك ده وفكك مني أنا شخصيًا، أنا مش فاهمة إنت مشكلتك معايا إيه بالظبط!

وقف محله واستدار يقابلها ويداه تتربعان فوق صدره العريض: 
_معنديش أي مشاكل معاكِ إنتِ كشخص، مشكلتي الحقيقية هي دماغك العنيدة دي، ومش راجع عنك إلا لما أكسرها وبإيدي. 

منحته بسمة ساخرة ورددت: 
_بتحلم متأخر أوي يا قائد، من رأيي تدخل تكمل حلمك على سريرك وتديني المفتاح. 

اقترب منها وعيناه لا تنذر بالخير، وقد بدا من نبرته القاتمة: 
_مش هتتحركي من هنا يا مرين، أول خطوة هيعملها الكلب هارون هيكون فخ ليكِ، عشان ينتقم من تحالفك مع عثمان وخيانتك ليه. 

رمشت بتعجب مما يقوله، ورددت: 
_معتقدش إنه ممكن يعمل كده، أكيد هيخاف إن الأمر يوصل عثمان. 

اتسعت ابتسامة ساخرة على شفتيه، وبثقة قال: 
_بتختبري ذكائي في تحليل ردود فعل الشخصيات، أوكي موافق، وهوريكِ بعينك. 

قالها وغاب بالداخل ثم عاد بسيارته الرياضية، صعدت "مرين" جواره، وانطلق بها حيث المبنى المزيف الذي تقطن فيه. 

وقف على مسافة معقولة من المبنى، وحصل على تغطية كاملة للسيارة، مضت عليهم نصف ساعة كاملة، فقالت بمللٍ: 
_بقالنا نص ساعة واقفين هنا، رجعنا البيت ده لو مش عايز الصبح يطلع علينا. 

بدا أنه يركز في بقعة معينة، وأمرها بخشونة: 
_انزلي. 

عبثت بعدم فهم، فلف رأسه لها وغمز بخبث: 
_البيه شرف ومعاه حفلة ملوكي للإحتفال بيكِ. 

هبطت من السيارة بحذر، وقد اتبعها "ياسين"، اقتربوا من مدخل العمارة بشكلٍ معقول، فتمكنت" مرين" من رؤية ثلاث سيارات تصطف أمام المبنى، هبط ثمانية رجال من السيارتين وبقي "هارون" بسيارته يرتشف الخمور ويدخن بشراسة. 

خمسة وعشرون دقيقة مضت حتى عاد الرجال، وقد اقترب كبيرهم ينحني صوب النافذة هامسًا له بشيء، فإذا به يلقي الزجاجة أرضًا ويقف خارج السيارة صارخًا:
_هتكون راحت فيـــــــــــــن؟؟؟؟ 
                               *****
مرت دقائق منذ وصولهما لباب الجناح، ولم ينفتح إلا بعد فترة،  ولجا إلى الداخل فوجدا الظلام يحوم بالأرجاء، إلا من بصيص نور خفيف يأتي من شاشة ضخمة، يجلس "عثمان" من أمامها. 

تحرك كلاهما إليه، وأعينهما تتطلع صوب المقاطع المطروحه من أمامه، كانت الشاشة مقسمة لأربعة أقسام، القسم الأول خاص بتسجيل تعذيب رجال "هارون" ل "زين"، ورحلة صموده حتى حينما فك الوثاق من حوله، وقتل الجميع ببرود تام. 

القسم الثاني ل" زين "والمعروف لهم بإسم "سلطان"، وهو يعود لرجال" كنان" بعدما أشعل النيران باليخت الخاص بـ" جون إلياسان" وبعدما قضى على رجاله جميعا. 

والآخر ب"ياسين" والذي احتل من الشاشة قسمين أسفل بعضهما البعض، حيث احتل القسم الثالث وهو يتحدث إلى كنان" ويقرر البقاء لحماية "تيام". 

القسم الاخير والذي حصل على مسافة ضخمة من الشاشة كان يخص" ياسين" والمعروف أمامهم ب"عمر"، وهو يقضي على رجال عائلة "إلياسان" الإجرامية، وقد حملت له الكاميرا أكثر من زواية، لتوضح مدى براعته باستخدامه أسلحة "عثمان" الخاصة، الذي قام باختراعها خصيصًا لتلك المواقف الغادرة، والزوايا الأخرى التي توضح مدى قوته الجسمانية، والتي جعلته المسيطر القوي على تلك الحفلة، وقد ساهم بإخماد تلك المعركة بنسبة تخطت السبعين بالمئة. 

انتقل الارتباك بين وجهيهما، وكلاهما يتطلعان لبعضهما البعض، في انتظار انتهاء التسجيل أو خروج "عثمان" عن صمته. 

أوقف "عثمان" التسجيلات بعد انتهائها، وبزر الريموت الالكتروني فعل إضاءة الجناح بالكامل، ثم استدار لهما بالمقعد، يراقبهما بسكون قاتل، يينما يجزم سماعه لدقات قلبيهما من محله. 

فتك بالصمت كالغراب الأسود الذي قُبض على يد وحشٍ مفترسٍ : 
_إيه رأيكم؟ 

ورفرف برأسه للخلف وهو يطلق صفيرًا مُستمتعًا، كأنه يتلقي مكالمة هامة رغم أنه لم يكن يحمل أية أجهزة، وفجأة انفجر بنوبة من الضحك جعلته يعود ويميل للخلف،  وهو يردد بمكر داهٍ: 
_هارون بيتحداني! 

تعجب "كنان" و"تيام" مما يستمعان إليه، بينما يعود "عثمان" للصفير مجددًا وحينما توقف تطلع إلى "كِنان" بشكلٍ مُفاجئ وقال: 
_من بكره هترجع لمكانك اللي أخده منك هارون، معاكم تصريح مباشر مني باستعادة حقكم على الملأ، بدل ما كنتوا بتخططوا تنتقموا بدون علمي! 

جحظت الأعين وكلاهما يشعران بأن الهواء ينسحب من المكان، بينما يستدير "عثمان" إلى الشاشة مجددًا، يتعمق فيها بصمت كان ثقيلا عليهما كثقل الدهر. 

جلس مُستكينًا بالتطلع لمقاطع "زين" و"ياسين"، المعروفين لهما باسماء "عمر"  ، و"سلطان"، عاد يتابع الفيديوهات مرة والأخرى، حتى شق صوته جلباب الصمت المرعب، وهو ينطق بما سلب به أنفاسهما: 
_شكلنا لاقينا فئران تجارب قوية من الفصيلة المفضلة عندي! 

تعليقات



<>