
رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الواحد والعشرون21 بقلم ايه محمد رفعت
وابل من الرصاص أمطر على الملهى الليلي من جميع الاتجاهات، وقد سقط عدد كبير من رجال آل "التميمي"، ومازال تيام يختبأ بالمكتب رفقة ياسين وحيدر مثلما طلب منهم كِنان، الذي عاد بعد قليل بصدره المكشوف، وشعره المبعثر، هيئته التي جعلت ياسين يسجل كل شيءٍ بتركيزٍ.
اتجه كِنان إلى حائط مثقوب، فتحه وسحب صندوقًا ضخمًا من الاسلحة الغريبة، التي يراها ياسين للمرة الأولى، وكل سلاح يحمل رمز «A.O»، دفع كِنان السلاح إلى حيدر الذي حمله باستعداد تام، وقدم الآخر إلى تيام وهو يخبره:
_الكلاب قضوا على رجالتنا وحاوطوا المكان كله، هحاول أنا وحيدر نشتتهم وإنت خد صاحبك وإخرج من هنا.
وقف تيام أمامه يمنعه من الخروج وهو يتساءل:
_طيب وإنت؟؟
أشار له وهو يشير إلى حيدر:
_متقلقش أنا وحيدر قداها، احنا واخدين على كده، إنت وصاحبك مالكوش في الليلة دي، خدوا واخرجوا ولينا قعدة تانية مع بعض.
قالها ونظرات الغموض تتوزع بينهما، فاذا بياسين يسحب سلاحين من الصندوق، قائلًا وهو يتفحصهما بتركيزٍ:
_صاحبه له في كل حاجة، ومبيعرفش ينسحب زي الستات من مكان بيحوم فيه الشر.
استدار صوبه كِنان يتطلع له بغموضٍ، بينما يقابله تيام بدهشةٍ وهو يدفعه برفقٍ:
_عمر إنت اتجننت ولا أيه، سيب الاسلحة دي وتعالى معايا بسرعة.
تجاهله ياسين وإتجه رفقة كِنان الذي بدى له قويًا، ذكيًا، وقد قرأ ما يفكر فيه حيال عدم تعجبه مما يحدث، فبات على ثقة أن تيام قد أخبره بكل شيء متعلق بالعائلة.
قابله ياسين بجسده القوي، والذي بات على مقربة كبيرة من حيدر، بل كانت عضلاته القوية توحي بمدى إتقانه لاساليب القتال.
تحرر عن صمته حينما قال بذكاءٍ راق لمن يقابله بسكونٍ:
_تفرقنا عن بعض هيسهل وقوعنا كلنا، لو طلعت لوحدك مع الحارس بتاعك، مش هلحق أخرج بتيام، لإنهم هيكونوا وصلوا لينا، طلوعنا مع بعض هيشتتهم وهيخليهم ميتوقعوش عددنا.
خطف كِنان نظرة لما يحمله، وردد بنبرة غامضة:
_هتعرف تستخدمه؟
رفع الجنرال السلاح إليه يتفحصه بدقةٍ، ثم قال بابتسامة حويطة:
_لأول مرة بتعامل مع سلاح زي ده، بس متقلقش المصريين بيعرفوا يتعاملوا على أي وضع.
وأضاف وهو يتقدمهما بشجاعةٍ وثقته بعودته سالمًا تلخصت بقوله:
_بعد ما الليلة تخلص هنقعد قعدتنا اللي إنت متحمس ليها.
وانسحب ياسين من أمامهم، انسحاب ملكًا واثق الخطوات، حتى دون أن يستفسر منه عن كيفية استعمال السلاح!
استدار كنان صوب تيام، وردد بضيق واضح:
_الظاهر إن شكوكي كانت صح، إنت كاشف نفسك للواد ده، وعارف عنك كل حاجة.
تنهد تيام بغضب صريح:
_ ده وقته يا كنان، وحتى لو ده كان صح محدش له عندي حاجة، عمر شخص موثوق فيه والدليل أهو قدامك متخلاش عني أبدًا.
هز رأسه ساخطًا، وسحب أسلحته ثم أشار إلى حيدر باتباعه، بينما يوجه تعليماته إلى تيام:
_خليك هنا جوه الممر السري، أوعى تطلع الا لما أبعتلك حيدر أو أجيلك بنفسي.
زم شفتيه بسخرية وهو يلقي سلاحه أرضًا:
_مش محتاج تكرر تعليماتك أخدت اني أستخبى زي الفيران كل ما نتعرض لهجوم.
أجابه كنان وهو يستعد للخروج:
_حمايتك أهم من تعرض أي واحد فينا لأي خطر، وإنت عارف ده كويس.
ومنحه نظرة سريعة وهو يذكره:
_دي تعليمات الديزل لو ناسي!
أحاطه بنظرة كراهية حيال الشخص الذي كان يخشاه، يحاوطونه بالحماية كونه يمتلك العقل الذي أسس خمسون بالمئة من تلك الامبراطورية الفاسدة، تخلف تيام عن سكوته وهو يخبره:
_خلي بالك من عمر، لو جراله حاجه منهم أو منكم مش هكمل في القرف ده حتى لو قتلتوني!
تهديده الصريح كان علامة فارقة له بأنه يعلم بالخطر الذي يرفرف حول رفيقه من نسل عائلته قبل أن يكون الخطر موجه من أعضاء المافيا الداخلية.
وصلت الرسالة كاملة إلى كنان الذي أشار إلى حيدر بالخروج، ثم وقف قبالة ابن عمه يخبره بانزعاج:
_لكام مرة هقولك أنا في صفك مش ضدك! لو هتخاف عليه يبقى مش مني، من هارون اللي زمانه على الطريق بأمر من الديزل، عمومًا لا ده موضوعنا ولا ده وقته للكلام ده أصلًا، خليك بالمكان السري لحد ما الحرب دي تخلص وهنشوف ساعتها قرار عثمان بخصوص عمر صاحبك، لأنه للاسف بخروجه معانا للكلاب دول بقى في الصدارة وش لوش مع عثمان، يعني مبقاش مخفي عن عيون عثمان خلاص!!
قال ما قال وانصرف للخارج على الفور، وما فعله حينما صرف حيدر كان ليتمكن من التحرك بحرية، وحينما استخدم أجنحته وحلق على مسافة عالية ليلتقط صورة كاملة حيال عددهم وأماكن وجودهم، تفاجأ بأعداد كبيرة منهم يتمددون أرضًا والدماء تنهمر من أجسادهم، في البقعة التي يقف بها ياسين!!
انخفض أرضًا وهو يقترب من مكانه، وعينيه مُفعلة بالدهشة والغرابة من هذا الرجل، الذي أجاد التعامل مع السلاح ببراعةٍ بالرغم من أنه يستخدمه لمرته الأولى!!
اختبئ ياسين خلف الحائط الضخم، يلتقط أنفاسه اللاهثة من فرط حركته السريعة، وحينما شعر بتحرك الهدف، خرج يركض ويقفز بجسده في نفس لحظة تحرر الرصاص من سلاحيه، فانطلقت رصاصة في رأس غريمه، ورصاصة السلاح الأخر في قلب العدو!
تابع كِنان ما يحدث وقد انزوت داخله الشكوك حيال هذا الشخص، الذي من المؤكد بأنه اعتاد على تلك الامور الاجرامية.
وبينما يراقبه شعر بأحد يتسلل من خلفه، فعلى الفور سحب سلاحه من سرواله واستدار يفجر رأسه ببرود، وألقى كل شيءٍ جانبًا ثم بدأ يحارب بساحة المعركة.
ظهرت سيارات هارون بالخارج، تدفق منها رجاله المسلحون، فزاد فريقهم قوة، وتمكنوا من غلب تلك المجموعة لكثرة عدادهم، ولكن المجهود المرهون لنجاتهم حتى وصول هارون ورجاله كان واضحًا وضوح العين.
والمشهد الآن يكتمل بانتهاء تلك المعركة، التي ظهر فيها هارون وهو يرنو صوب ياسين، الذي يتطلع له ببرود وكأنه ينتظر ذلك اللقاء!
*****
_يعني أيه يا قدس؟
قالها زين بدهشةٍ مما أخبرته به، فاذا بها تراقب الاجواء بالخارج وتهمس له:
_زي ما قولتلك يا زين، في حاجة مش طبيعية الكلب ده بيعملها معايا، وبمجرد ما بفوق مبفتكرش أي حاجه!
احتقنت عينيه بالدماء، التي كادت أن تحيل هذا القصر لدمار قاتل، فاذا به يتساءل بسؤالٍ له مكنون واضح:
_قربلك؟
هزت رأسها تنفي تفكيره عن هذا الأمر، بل وقالت بذكاء يظنه الديزل لن يزورها حيال الأمر:
_لا، ولا بيعمل اللي يخليني أتكلم وأنا مغيبة،أنا اتدربت معاكم إني لو اتعرضت لكده أكون واعية لكل حرف خارج على لساني، الموضوع أكبر من كده يا زين، ومش قادرة أكشفه ولا حتى أوصله، بس اللي متأكدة منه إن حالة الاغماء اللي بتجيني دي وراها حاجة مش طبيعية.
التحف بصمته يوزن ما تقوله، ثم قال بعقلانية ورزانة:
_أكيد عثمان ده واصل بمهارته لاكتر من اللي القادة وصلوله ودربونا عليه.
ثم تطلع لها وهو يخبرها:
_إنتِ لازم تنسحبي من المهمة وفورًا يا قدس.
رمشت بعدم استيعاب، وقالت مستنكرة ما قال:
_ازاي!! انسحابي هيخليه يشك فيا، وجايز يوصل ليكم لو أنا اديته فرصة إنه يدخلني خانة الشك.
قال برجولة لا تتجرأ عنه:
_ما يشك ولا يولع، المهم إنتِ! أكيد القادة مش هيقبلوا بأي ضرر ليكِ، طالما الموضوع وصل لهنا يبقى استوب، اطلعي منها وسيبنا انا وياسين نتعامل معاه ومع الكلاب اللي وراه.
اندهشت مما يقول، وتساءلت بحيرة:
_ومرين؟
أجابها وهو ينفث غضبه الجحيمي:
_هتنسحب هي كمان، أنا أساسًا قلقان عليها من مقابلة الحقير ده وخصوصًا بعد اللي إنتِ حكتهولي.
واضاف وهو يتفقد جهازه:
_اتصالي بها اتقطع من لما دخلت القصر، وده قلقاني! مفضلش غير الجهاز اللي زرعه ياسين وطبعًا مش هقدر ألجئ ليه دلوقتي.
طمنته حينما فاهت:
_متقلقش، مرين ذكية ممكن تكون فصلت اتصالها بيك قبل دخولها لجناح عثمان، أكيد شكت بوجود اجهزة تابعة لعثمان ممكن تكشفها.
واستطردت وهي تتجه إلى حقيبتها، حملتها وعادت له:
_أساسًا أنا كنت طالعه للحقير ده كمان نص ساعه عشان معاد الدوا، هطلع دلوقتي عشان أطمن عليها.
أوقفها زين هاتفًا:
_لو طلعتي بدري هيشك فيكِ، ومش بعيد يربط إن في علاقة بتربطك بمرين.
منحته ابتسامة ساخرة، وأجابته:
_بالعكس لو طلعت في معادي هيشك فعلا فيا، أنا من يوم ما دخلت هنا وأنا بخالف كلامه وقوانينه كلها.
هز رأسه بخفةٍ، وأشار وهو يرتدي القناع:
_خليكِ لحد ما أخرج.
وبالفعل تحرك بخفته بين الاشجار، وهو يحفظ أماكن الحرس والكاميرات، مستهدفًا الممر السفلي من بين النخيل، حتى وصل للسور الخارجي، اندفع بجسده فوق النخيل، واختار الجزء المنطفئ من السلوك التي قد سبق للفريق أن عطل الكهرباء عنها، وبعد مشقة من القفز ومتابعة الحرس ببراعة فلقد سبق وتم التدريب مُسبقًا على نموذج مصغر شبيه بحائط القصر الخارجي، المرصود بالأجهزة والصواعق الكهربائية.
*******
حافظت على ثباتها أمامه، وهي تحاول أن تكتشف ماذا يريد منها بالتحديد، الصمت يطول ومازالت تدرسه بزُرقتها، حتى صرحت عن سؤالها الذكي:
_اشمعنا أنا؟
راق له سؤالها فابتسم، وقال بثباتٍ لا يليق سوى بهذا الغامض:
_وصولك عندي هنا مش إجابة كافية لسؤالك؟
زوت حاجبيها بعدم فهم، فاستطرد:
_مفيش واحدة قدرت تهز كيان هارون غيرك، وبأمانة عاجبتيني، قدرتي تعملي كنترول على شخص معندوش كنترول تجاه الستات، وهو ده اللي أنا عايزه.
نطقت وهي تتأمله من محل جلوسها:
_مش فاهمه؟
اتسعت بسمة عثمان، وفجاة تلاشت وهو ينطق:
_من الآخر شخصيتك كلها على بعضها عاجبني، وأكيد وجودك جنبي ومعايا هيفرق معايا، هسيبلك حق الاختيار بيني وبينه، بس زي ما قولتلك إنتِ بالذكاء اللي يخليني أثق إني اختيارك.
تهدلت شفتيها عن ابتسامة غامضة، وقالت بعدها:
_ولو اخترتك مطلوب مني أيه بعدها؟
ضم يديه معًا بثقة زادت على معالمه:
_تكوني مرآيتي،اللي بأمر مني تقضي على هارون وتيجي مكانك جانبي هنا.
ضحكت بصوتها الانثوي الرقيق، ورددت:
_ده عرض جواز غير مباشر؟
صدر عنه ضحكة مسموعه، وقال بصوتٍ منخفض:
_عجباني جرأتك، ولعلمك أكتر حاجه عجبتني اللي عملتيه مع صفوت.
وأضاف وهو يتفحصها بنظرة دقيقة:
_اعتبريه عرض جواز، أنا يلزمني واحدة في قوتك وجراتك، من الآخر إنتِ تركيبة موردتش عليا في واحدة ست قبل كده.
زمت شفتيها بنزقٍ، ومالت للأمام بقوة ظهرت بنبرتها قبل عينيها:
_كلامك مش هيغير نفس الحدود اللي اتحطت لهارون قبل كده، اعتبرها اتحطت ليك من دلوقتي.
اتسعت بسمته ووضع يده على صدره بدراما:
_آووه، هعتبرني مسمعتش حاجة، لاني مش من طبعه ولا هو من مقامي.
قطعهما صوت دقات باب الغرفة، بينما يردد عثمان بصوته الخشن:
_Show me , my dear
إريني عزيزتي.
طرحت من أمامه شاشة صغيرة، تريه من الطارق، أشار بالسماح لها بالدخول، فولجت قدس على الفور، منحتها مرين نظرة باردة كالجليد، والآخرى أجادت نفس الشيء ببراعة، بل هتفت :
_معاد الدوا.
أبقى نظراته على مرين، التي بدورها منحته سؤالًا من عينيها، فتبسم وقال:
_دي الدكتورة بتاعتي، اتخلقت عشان تعصي كل أوامري!
نهضت مرين تحمل حقيبتها، ورنت إليه وهي تتمتم:
_أعتقد وجودي مبقاش له لزمة، عشان نتمم اتفاقنا محتاجين لاكتر من قعدة، وزي ما قدرت توصلي هتقدر تجمعني بيك تاني.
قالتها وانطلقت للخروج، دون أن تضيف كلمة واحدة، ومازالت نظراته الهائمة تلحقها، حتى أنه تجاهل قدس عن عمد، ففرقعت أصابعها وهي تقول بسخرية:
_غريبة، كنت فاكرة إن وحش القلعة معندوش قلب، ومفيش واحدة ست تقدر تجذب انتباهه.
ضحك بصوته كله، ومال برأسه للامام بهيبة وكأنه أمسك ضحكته وأسقطها داخله بعمقٍ:
_مش معقول تكون الجميلة غيرانة على الوحش اللي بتنفر منه!
صنعت الدواء أمامه وهي تبتسم بسخرية:
_إنت ليه محسسني إننا كتبنا الكتاب وأنا مش واخدة بالي!
رد بوجه خالي من أي مزاح:
_لان دي الحقيقة يا دكتورة، مراتي وبعقد رسمي!
حملت الكوب، وإتجهت إليه تقدم الدواء ببسمة ساخرة، التقط منها الادوية يرتشفها وهو يتلذذ بعدم تصديقها لما يقول، ظنته يمزح.
ارتشف المياه بعدما انتهى من الادوية، قدم لها الكوب وهو يقول:
_تعرفي إن دي من المرات القليلة اللي بثق فيها في حد!
أغلقت حقيبتها بعدما أعادت داخلها الادوية، واستدارت تتساءل:
_إزاي؟
قال وهو يشير لها على الحقيبة ومازال يحافظ على بسمته:
_بأخد أدويتك بهدوء ومن غير ما أبحث وراكِ، أو أتاكد من الادوية.
نصبت عودها المتناسق وقالت وهي تربع يديها أمام صدرها:
_هكون حطالك أيه يعني! إنت ليه محسسني إنك زعيم مافيا ومطلوب تصفيتك بأي وقت.
ضحك وهو يجيبها بمشاكسة:
_لإن دي الحقيقة، أنا أبشع من زعماء المافيا، دماغي نفسها لا تقدر بتمن يا جميلة!
شملته بنظرة ساخرة، وعادت تستكمل غلق حقيبتها وهي تتمتم بسخط:
_مغرور!
حملت قدس الحقيبة وإتجهت للمغادرة، فاذا به يقبض على يده ويفوه بخبث:
_مش قولتلك انك بقيتي مراتي، يعني مسمحولك تفضلي معايا هنا، وتدخلي وتخرجي زي ما تحبي.
فتحت حقيبتها واستخرجت منه مشرط دون أن ينتبه لها، وفجأة وجده يحيط عنقه ونظرات تلك الشرسة تجابهه بعنفوان:
_ايدك عني، أوعى تكون فاكر إني عشان دكتورة أبقى هادية ومثقفة وماليش غير في قراية الكتب، أنا قولتهالك قبل كده وهقولهالك تاني، أنا اتعلمت اللي يخليني أقدر أحمي نفسي بعد وفاة أبويا.
قابل مشرطها بنظرة متفحصة ثم تطلع لها والابتسامة تتسع مع همسه:
_آووه، طلعتي خطيرة يا دكتورة، بس ناقصك تعرفي إن عقلك الذكي ده عمره ما هيجيبلي آخر.
منحته نظرة تحذيريه ليده التي مازالت قابضة على معصمها، تركها عثمان وأخذ يراقبها وهي تغادر لباب جناحه، فأطلق صفيرًا أوقفها وخاصة حينما ردد:
_شكلي كده والله أعلم حبيتك يا دكتورة.
استدارت قدس تجاهه بصدمة، فاذا به يشير ببراءة خبيثة:
_مش مسموح للمريض يقع في حب الدكتورة بتاعته!
ابتسمت بسخرية وهي تقول:
_لا مسموح عادي، بس بردو مسموح للدكتورة تدوس على قلب المريض وتقوله Good luck next time (حظ سعيد في المرة القادمة!)
وأضافت وهي تدقق النظر فيه بجمود:
_إن شاء الله لما أمشي من هنا يجيلك دكتورة تانية تحبها وتقع هي في حبك، وتعيشوا في تبان ونبات وتخلفوا في قلعة الوحش بتاعتك صبيان وبنات.
ولوحت بيدها له:
_تصبح على خير يا وحش!
أغلقت الباب من خلفها، فاذا برأسه يميل للخلف وهو يطلق صفيره باستمتاعٍ تام، هامسًا بسخرية:
_مش بمزاجك يا دكتورة، سكنتي قلعة الوحش من أول ما رجليكِ دخلت فيه!
*****
تفقدت مرين الطريق، وحينما شعرت بأن هناك من يراقبها، اتجهت لشقتها التي أقنعت هارون بأنها تقطن بها، انتظرت ساعتين وحينما تأكدت من رحيلهم، هبطت من الباب الخلفي بعدما أبدلت فستانها لبنطال وتيشرت أسود وجاكيت ضخم أخفى بقبعته وجهها.
استلت الدرجة النارية وقادتها بسرعةٌ جنونية حتى عادت للمقر السري، ولجت إلى الداخل فوجدت زين ينتظرها، وهو يبتسم بخبث:
_عجبني تتويهك للكلاب اللي طلعوا وراكِ من قصر الحقير ده.
وأسرع يتساءل بحماس:
_ها طمنيني، عملتي أيه؟
ظهر الارتباك باديًا على ملامحها، حتى أنها تهربت بسؤالٍ آخر:
_القائد رجع؟
نفى ذلك، وقال وهو يتجه للاريكة:
_دخل حرب طاحنه مع رجالة القذر اللي خلصت عليه، أمنتله الحماية من قبل دخولي لقدس، ومنسحبتش غير لما الحوار خلص، بس انتهى بظهور الأورني اللي كنتِ معاه، انا استغربت جيه ازاي وسابك لوحدك ليه؟
تضاعف التوتر داخلها، فاذا به يردد بقلق:
_مروان يا اشطا سكوتك هيقطعلي خلفي من قبل جوازي، نيلت أيه؟؟
وأضاف ليشجعها:
_تعالى سكة ودغري عشان ألحق ألم الليلة قبل ما الجارحي يرجع يغفلقها فوق دماغنا.
إلتحف صوتها برقةٍ جعلت الاخير يقتل خوفًا:
_هو إنت دايمًا متشائم مني يا زين، المفروض تكون متفائل شوية وآ...
ردد بصدمة احتلته:
_قتلتي عثمان؟؟ استفزك فجبتي كرشه بالخناجر المدسوسة بفستانك المنيل ده؟ صارحيني عشان أتنيل أتصرف!!
هزت رأسها وهي تجيبه برقة بينما تعيد خصلاتها خلف أذنها:
_مش بالظبط يعني، قولتلك خليك متفائل.
صاح بنفاذ صبر:
_لو مش عايزاني أتشائم بجد انطقي، خلقي أبويا مضيقه خلقه إنجزي.
ارتسمت ابتسامة بالكد زرعتها ورددت بصوتٍ غير مسموع:
_عثمان عايز يتجوزني!
تخلف عنه العقل، جعلته الصدمة يهدر بعدم تصديق:
_نعــم يا قلب أمك!!! عيدي الكوبليه ده تاني، أنا تقريبًا إتطرشت ومحتاج آ....
ثم عاد يهتف بهدوء مضحك:
_طيب والأورني موافق ولا هتخزوقه في الآخر؟
نفت موافقته على تلك الزيجة، بينما تهز رأسها موافقة على آخر حديثه، فابتلع ريقه بارتباك وهو يردد:
_طيب وبالنسبة للجارحي وضعه من الليلة دي كلها أيه؟؟ كنا بنتكلم في عريس واحد والنيران كان هيبصقها في وشنا لما يعرف بأنك راجعلنا تتمختري بعريسين من جوه المافيا هيعمل فينا أيه؟؟؟
ثم فرقع أصابعه:
_لاقيتها، إنتِ تعتزلي وتنسحبي من المهمة النيلة دي، أنا عايز أزفك لعريسك مش للقبر يا بايرة.
وأضاف وهو يطرق كفًا بالآخر:
_عريسين يا مرين، اتنيـــــــــن!!
هزت كتفيها ببراءة ورددت:
_ماليش دعوة أنا بريئة يا زيزو!
هز رأسه بهدوء مخيف، وفجاة قفز فوق سطح الطاولة الفاصلة بينهما، يجذبها من خصلات شعرها وهي يصرخ فيها بعنف:
_هلاقيها منين ولا منين، بقى أنا واقف لياسين بالمرصاد عشان غيرتي عليكِ ومستحمل خروجاتك مع الكلب هارون تطلعيلي بعثمان، خطايك كتروا يا بايـــــــرة؛!!
جحظت عينيها في صدمة، وتصلبت محلها وهي تخشى أن تستدير فتنتزع خصلاتها:
_زين لا يا زين شعري لاااااااا.
صاح بعصبية مفرطة:
_ده أنا هولع فيكِ، دخلتي بيني أنا وصاحبي وعملتي بينا فتنة طائفية، بعتناكي لشياطين الجن زلزلتي الحرب بينهم وراجعه تتمختري!! إحنا عايزين نجيب اللي وراهم مش عايزينهم يخلصوا على بعض يا بومة!
_أيه اللي بيحصل هنا دااا؟!
كلمات ترددت على لسان ياسين الذي يراقبهما بصدمة، وقد انتقل الخوف إلى معالم وجه مرين، خاصة حينما دفعها زين وهو يهدر بسخرية:
_البايرة راجعالي بعريس زيادة، كل ما بنسرح في المهمة بيطلع عين اللي جابونا بينما بتلم هي في عرسان!
اتسعت عسلية ياسين في دهشة وذهول، وتحرر سؤاله الثقيل:
_عريس مين؟!
أجابه زين وهو يسحب سلاحه ويرتب ملابسه:
_الراس الكبيرة يا جارحي، عثمان التميمي!!
******
عاد تيام إلى القصر، ولكنه تعمد أن يصعد من الباب الخلفي للتراس، عساه أن يهتدي برؤيتها مثلما أعتادها تجلس هنا بالفترة الاخيرة.
غامت عينيه حزنًا حينما لم يجدها بالتراس العلوي، فاحتى رأسه في وجعٍ، ومضى إلى الداخل، فاذا به يتوقف أمام الباب وهو ينحني تجاه تلك القلادة التي وجدها أرضًا.
حملها تيام وعينيه تتوسعان بفزعٍ حينما دقق النظر في الدماء الملتصقة بالسلسال الذي كادت أن تقتل روحها حتى لا تفقده، فجأة يجده مُلقى بهذا الشكل وبتلك العلامات التي سلبت قلبه من بين صدره.
أطبق تيام عليها وهو يشعر بالدوار يهاجمه، بينما يحتل صدرها نغزة قاتلة، وشعوره حيالها يتضاعف بأنها ليست على ما يرام!
******
أسرع هارون إلى جناح عثمان، واللهفة تحتل ملامحه لرؤيتها، وحينما دخل تفاجأ بالمكان فاىغ من حوله فتساءل بصدمة:
_فين غزل؟
أجابه من يجلس بوقاره:
_مشت من حياتك كلها!! ومش هتدخلها تاني الا بمزاجي أنا.
ضيق عينيه بعدم فهم لما يقول، فتابع عثمان بقوته المعهودة:
_إنت فاكر قانون اللعبة ولا نسيته يا هارون، اللي عينه تروح عليه ايدك تسيبه على طول!
اتسعت عينيها حتة كادت بالخروج عن محجرها، لولا أن أضاف:
_وأنا عيني لقطتها، زي ما عينك زمان لقطت اللي يخص تيام!
وببسمته المخيفة قال:
_بس لإني بموضع قوة هيخيرك، تنساها بارادتك، أو بمساعدة وتدخل مني، وفي كلتا الحالتين هتنساها!!
وسحب نفسًا طويلًا وهو يقول:
_فياريت تختصر الطريق علينا وتعرفني هتختار أنهي طريقة؟؟