رواية اسميتها ريحانه الجزء الثاني2من عشقت محتالة الفصل الثاني2بقلم سلمي جاد
"إنتي مين؟"
تلعثمت قليلًا، ثم أجابت:
"أنا... أنا ريحانة."
وأكملت، وهي تحرك يديها بعفوية كعادتها كلما توترت:
"أنا فكرت إن بابا قال لوالدك إني جاية... بس يا ريت محدش هنا يعرف إن بابا له حصة في الشركة. أنا بنت أدهم السويسي... أنا ريحانة السويسي .........
بعد دقايق .. كانت تجلس على الكرسي المقابل له، تحرك أصابعها بتوتر أسفل المكتب.
لم يكن من عادتها أن تتوتر بهذا الشكل، فهي شخصية هادئة، وأعصابها أقرب إلى البرود... ولكن نظراته المتفحصة هي ما كانت تربكها.
تحدث بنبرة رجولية خشنة:
"إنتِ خريجة إيه؟"
أجابته بهدوء، وهي تتحاشى النظر إلى عينيه الحادتين:
"أنا لسه متخرجتش، أنا داخلة سنة رابعة في بيزنس، قسم إدارة أعمال."
ابتسم بخفة.
فقد كانت تلك نفس كليته، ونفس القسم الذي درس فيه.
"أممم... إحنا فعلًا عايزين ناس لتنسيق المشاريع، بس..."
ثم رفع بصره إليها وأكمل:
"بس يكونوا متخرجين، مش لسه طلاب."
ضمت شفتيها بتوتر، لكنها حاولت التحدث بثقة:
"أكيد، بس ده في الحالة العادية... لكن أنا مختلفة."
أسند ظهره إلى الكرسي، وارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه.
"إيه اللي مخلي ثقتك مختلفة؟"
ردت وهي تعيد خصلة شعر شاردة خلف أذنها:
"أنا أخدت كورسات كتير في البزنس، وفي التعامل مع العملاء، ده غير إني بعرف أتكلم لغتين .. إنجليزي وفرنساوي، وعندي سوفت سكيلز تمكني من التعامل مع الناس في بيئة العمل."
ثم بدأت تستعرض أمامه جميع الكورسات التي حصلت عليها خلال سنوات الجامعة.
صمت لثوانٍ...صمتٌ جعل ريحانة تشعر بالقلق.
لم يعد يُسمع داخل المكتب سوى صوت أنفاسها المتسارعة.
وأخيرًا قطع ذلك الصمت، قائلًا:
"تمام... إنتِ مقبولة في الشغل معانا."
شقّت ابتسامة رقيقة ملامحها فور سماعها كلماته.نهضت بسرعة، ومدت يدها إليه، قائلة بحماس:
"شكرًا... أوعدك إني أكون على قد المسؤولية."
نظر إلى كفها الممدودة نحوه.ثم مد يده يصافحها.
ابتلع ريقه حين تلامست يداهما.
أنزل بصره إلى كفها الصغير، الذي كاد يختفي داخل كفه الغليظ.
أما هي...
فشعرت بقشعريرة تسري في أوصالها، حين أحاط دفء كفه بيدها.
رفعت بصرها إليه.وتجمدت في مكانها عندما التقت عيناها بعينيه السوداوين، الداكنتين كالفحم، اللتين تزينهما رموش كثيفة تكاد تلامس وجنتيه، ومع نظرته الحادة والعميقة إليها، شعرت بفراشات تعبث في معدتها.
سحبت يدها سريعًا.أما هو، فحك ذقنه محاولًا فرض سيطرته على الموقف، ثم سألها:
"ليه مش عايزة حد يعرف إن والدك له أسهم في الشركة؟"
تنهدت بهدوء، ثم أجابت:
"مش عايزة حد يعاملني بمحسوبية، أو يقول إني اشتغلت بالواسطة عشان بابا."
ابتسم بإعجاب بشخصيتها، ثم قال:
"تمام... تقدري تبدأي من بكرة."
وأردف موضحًا طبيعة عملها:
"تنسيق المشاريع هيكون شغلك. هتدرسي ملفات المشروعات، وتعملي إحصائيات الربح والخسارة، وتعرضيها عليّا، وطبعًا هتحضري الاجتماعات مع العملاء، عشان تشرحي لهم خطتنا في العمل."
هزت رأسها بفهم.
"تمام."
أنزل بصره إلى الحاسوب المحمول أمامه، وقال:
"تقدري تتفضلي دلوقتي، ومن بكرة تبدأي شغلك."
ابتسمت وهي تحمل حقيبتها بحماس:
"أوكي... عن إذنك."
غادرت المكتب بهدوء.وما إن أُغلق الباب خلفها...حتى أغلق سليم الحاسوب بقوة، ثم أدار الكرسي ليستند إليه، واضعًا يده فوق رأسه.
انهالت عليه الذكريات دفعة واحدة، بينما كان صوت داخله يردد:
"لسه ملحقتش أفوق من صدمة إني هشارك أدهم السويسي... أكتر إنسان بكرهه. أقابلها بعد كل السنين دي ليه؟ وليه دلوقتي؟"
____________________________________________________
في قصر السويسي...
فتحت الخادمة الباب للطارق، لتدلف فتون.ابتسمت قائلة:
"إزيك؟ طنط جميلة جوه؟"
أجابتها الخادمة:
"أيوة يا فتون هانم، جميلة هانم في المطبخ، اتفضلي."
في المطبخ...
كانت جميلة تقف تُحضّر الغداء، لتسمع صوت فتون الرقيق وهي تدخل المطبخ:
"طنط جميلة."
ابتسمت لها بحب، ثم احتضنتها، فهي تعتبرها مثل ريحانة، بالإضافة إلى أنها زوجة يزن المستقبلية.
"حبيبة قلبي، عاملة إيه؟ وبابا وماما عاملين إيه؟"
"الحمد لله يطنط ،أومال ريحانة فين؟"
"ريحانة في أوضتها. جت من الإنترفيو على أوضتها على طول، حتى مقالتليش عملت إيه."
قالت فتون:
"خلاص يا طنط، أنا هطلع أشوفها."
"ماشي يا حبيبتي، اطلعي اقعدي معاها، واعملي حسابك هتتغدي معانا."
ابتسمت فتون قائلة:
"طبعًا، هو حد يفوّت أكل جيمي الخطير؟"
ضحكت جميلة وقالت:
"بس يا بكاشة."
صعدت فتون درجات السلم حتى وصلت إلى جناح ريحانة.طرقت الباب بهدوء، ثم دخلت.
كانت ريحانة تقف أمام المرآة تمشط شعرها، شاردة في أفكارها، فلم تنتبه لنداء فتون المتكرر.
"يا بنتي... سرحانة في إيه؟"
انتبهت ريحانة فجأة، وقالت:
"فتون! إنتِ هنا من إمتى؟"
جلست فتون على السرير وهي تقول:
"ده إنتِ مش هنا خالص. سرحانة في إيه يا هانم؟"
ريحانة همست:
"مفيش."
رفعت فتون أحد حاجبيها وقالت:
"عليا برضو؟ طيب بلاش... احكيلي، عملتي إيه في الإنترفيو؟"
استلقت ريحانة براحة على السرير بجوار فتون، وهي تضم الوسادة إلى صدرها، ثم همست:
"مش عارفة."
وضعت فتون يدها على جبينها وقالت باستغراب:
"إنتِ سخنة ولا إيه؟ احكيلي إيه اللي حصل، شقلب حالك كده."
همست ريحانة بشرود:
"أصل حصلت حاجة غريبة أوي."
"حاجة إيه؟"
تنهدت، ثم بدأت تسرد لها كل ما حدث، منذ دخولها المكتب وحتى مغادرتها.
أخذت فتون وسادة هي الأخرى، واحتضنتها وهي تستلقي بجوار ريحانة، ثم سألتها:
"وإيه اللي خلاكي تحسي الإحساس ده؟"
هزت ريحانة كتفيها وقالت:
"مش عارفة... أنا متأكدة إني مشوفتوش قبل كدهزفي حياتي، بس... حاسة من جوايا إني عارفاه ،كإني شوفته في حلم وشوفت عيونه... أصل عيونه مميزة أوي."
تنهدت فتون بحالمية، وقالت:
"عيونه مميزة إزاي؟"
وما إن همّت ريحانة بالإجابة، حتى أدركت ما كانت تقوله، فأسرعت قائلة:
"لا لا... عادي. عيون عادية زي أي عيون.
ضحكت فتون، وقالت بمشاكسة:
"شكلك وقعتي يا ريحانة! أول مرة أشوفك متلخبطة كده. ده أنا كنت خلاص فاقدة الأمل فيكي بسبب برودك."
هزت ريحانة رأسها بعنف، وقالت:
"أنا مش متلخبطة ولا حاجة. أنا بس مش فاهمة ليه حاسه بكده .... تصدقي؟ أنا غلطانة إني حكيتلك. قومي غوري."
نهضت فتون متجهة نحو الباب، وهي تضحك:
"خلاص، متزقيش. أنا هنزل أساعد طنط في الغدا."
بعد خروج فتون. تنهدت ريحانة وهي تهمس لنفسها:
"انا إيه اللي بيحصلي؟"
أما فتون...
فكانت تسير في الطرقة، تدندن بإحدى الأغاني.وما إن اقتربت من السلالم، حتى فُتح باب إحدى الغرف المطلة على الطرقة، وخرجت يد لتسحبها إلى الداخل.
شهقت فتون، ولم تدرك ما حدث، حتى جذبها شخص إلى الغرفة، ثم أغلق الباب بسرعة
___________________________________________________
خرج من مكتبه واضعًا جاكت بدلته على ساعده، ثم توقف أمام مكتب السكرتيرة، وتحدث بإرهاق:
"سهيلة، أنا همشي."
وقفت سريعًا، وبدت معالم القلق على وجهها، قائلة:
"ليه يا فندم؟ حضرتك تعبان؟"
مسح عينيه بتعب، ثم قال:
"لا، أنا كويس... بس صدعت فجأة. إحنا كده ورانا شغل أو اجتماعات تانية؟"
هزت رأسها بالنفي، وقالت:
"لا، مفيش غير ملف صفقة الأجهزة، بس أنا ههندله، متقلقش."
أومأ برأسه، ثم قال:
"تمام يا سهيلة. معلش، أنا عارف إني بتعبك، وبعملك فوق شغلك، بس استحمليني لحد ما آخد على الشغل هنا. كفاية إنك وافقتي تبقي السكرتيرة بتاعتي بعد ما كنتي سكرتيرة بابا."
نظرت إليه وعيناها تلمعان من فرط الإعجاب، وقالت:
"متقولش كده يا سليم بيه... تعبك راحة."
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:
"تمام، أنا همشي بقى، وهاجي بكرة ألاقيكي مجهزالي ملف اجتماع وفد الفرنسيين بتاع بكرة، عشان لسه مقرأتوش."
هزت رأسها بطاعة.ظلت تتابع سيره في الطرقة حتى استقل المصعد.
تنهدت بحالمية وهمست لنفسها:
"آااه يا بت يا سهيلة... لو اللي في بالك يحصل ويحبك، وبعدها يتجوزك، وتعيشي في العز ده."
ثم ضحكت بخفة، وهي تتخيل نفسها واحدة من أغنى سيدات المجتمع... وزوجة سليم الدالي.
(سليم الدالي=سليم السويسي ،هيتم التوضيح خلال الأحداث عشان متتلغبطوش)
____________________________________________________
في إسطبل الخيل...
وقف سليم في ساحة الإسطبل أمام فرسته الخاصة، يمسح على شعرها الفحمي الطويل بيد، وباليد الأخرى يطعمها بعض الأعشاب.
كانت هوايته المفضلة منذ المراهقة هي الاهتمام بالخيل، فقد كان يجد الراحة والسلام في الإسطبل، وسط الخيول. حتى رأى فرسة حديثة الولادة، فتعلق بها واهتم بها بشدة. كبرت معه بمرور السنين، وأصبحت فرسته الخاصة.
فجأة، جاءه صوت من خلفه يقول:
"كنت متأكد إني هلاقيك هنا."
التفت إلى مصدر الصوت، ليجد ياسين.
"عرفت مكاني إزاي؟"
أجابه ياسين:
"لما لقيتك مش بترد على موبايلك بقالك ساعات، قولت أكيد مود الاختفاء اشتغل عندك. وبما إنك متعرفش أماكن كتير في مصر تستخبى فيها، قولت أكيد روحت الإسطبل."
هز سليم رأسه بصمت، وما زال يطعم الفرسة.
فانتبه ياسين فجأة، وقال بصدمة:
"مش معقول!... ريحانة؟! إنت جبتها من أمريكا؟!"
أجاب سليم بهدوء، وهو يمسح على عنقها:
"مكنتش أقدر أجي مصر وأسيبها. سفرتها بري من أمريكا، ولسه واصلة النهارده الفجر."
أما ياسين، فأخذ يتأمل المكان، وقال بحنين:
"ياااه... بقالي سنين مجتش هنا. تقريبًا من وقت ما كنا بنيجي سوا، مجتش تاني لوحدي."
ابتسم سليم قائلًا:
"من وقت ما دراعك اتكسر."
ضحك ياسين وقال:
"متفكرنيش... ده أنا اتعقدت من يومها."
لف سليم حول الفرسة وهو يسير بجانبها، وقال:
"لازم يكون فيه مقابل عشان الخيل يتعود عليك. أنا إيدي ورجلي اتكسروا أكتر من مرة، لحد ما فهمت الخيل."
هز ياسين رأسه، ثم قال:
"ماشي يا سيدي... المهم مالك؟ أنا عارف إنك مش بتروح الإسطبل غير لما يكون فيه حاجة. احكيلي."
تنهد سليم، ثم قال بنبرة عادية، وكأنه يخبره بحالة الطقس:
"شوفت ريحانة."
نقل ياسين بصره إلى الفرسة، وقال ببلاهة:
"ريحانة... الفرسة؟"
نظر إليه سليم ببرود، فانتفض الآخر قائلًا:
"أوعى يكون اللي في بالي! شوفتها إمتى؟ وإزاي؟ هو إنت راجع مصر عشان كده؟"
أجاب سليم بهدوء:
"أنا منكرش إني راجع مصر عشان السبب ده، بس كنت مخطط أظهر في حياتها بطريقة تانية."
سأله ياسين بفضول:
"أومال إيه اللي حصل؟"
بدأ سليم يسرد له ما حدث خلال اليومين السابقين، بدايةً من الشراكة غير المتوقعة مع عدوه، وحتى لقائه بريحانة داخل الشركة.
نظر إليه ياسين بصدمة، وقال:
"إنت إزاي متحكيليش كل ده؟"
أجابه سليم بهدوء:
"كنت هحكيلك، بس أنا مشغول في الشركة."
تنهد ياسين، ثم قال:
"طيب... وهتعمل إيه يا سليم؟ لسه مصمم على اللي في دماغك بعد كل السنين دي؟ انسى بقى يا صاحبي."
اشتعلت عينا سليم بالغضب، وانطلقت منهما شرارات الحقد، وقال:
"أنسى ليه؟ أنسى إن أدهم السويسي هو السبب في موت أهلي؟ أنسى إنه خلاني يتيم وأنا عندي عشر سنين؟ أنا عمري ما هنسى. لإني لما حاولت أنسى وأسـامحه عشانها زمان... رجعت لقيت أمي ميتة."
قال ياسين بهدوء:
"أيوة يا سليم... بس ربنا عوضك بأنكل سعد، اللي اتبنّاك واعتبرك زي ابنه."
أغمض سليم عينيه للحظة، ثم قال:
"وعشان كده مكنتش عايز أدخله في الانتقام ده. بس اتفاجئت إنه شارك صاحبه، واللي من بين كل الناس يطلع أدهم السويسي."
سأله ياسين بقلق:
"طيب... إنت ناوي تعمل إيه دلوقتي؟"
نظر سليم أمامه بنظرة غامضة، ثم تحدث بنبرة تشبه فحيح الأفعى:
"هنتقم منه في بنته... هكسرله قلبه. هخليها تحبني ،وبعدها ... أبعد عنها وأكسرها."
______________________________________________________________
"يزن ! خضتني."
تحدث بنبرة حنونة:
"سلامتك من الخضة يا قلبي."
ابتعدت عنه قليلًا، ثم قالت:
"طيب، عايز إيه؟"
نظر إليها بخبث، وقال:
"وحشتيني. لقيت غزال شارد ماشي عندنا في الطرقة، قولت لازم أصطاده."
رفعت أحد حاجبيها، وقالت بخجل من تشبيهه لها، لكنها تماسكت:
"طيب، افتح الباب بقى."
ضيّق ما بين حاجبيه باستغراب:
"وأفتحه ليه؟"
"عشان مينفعش الباب يبقى مقفول."
رفع حاجبه وقال:
"نعم يا أختي؟ إنتِ مراتي، لو مش ناسية."
ابتسمت بخجل:
"مش ناسية."
ثم أردفت:
"يا يزن، ماشي... بس برضه مينفعش. ثم لو حد فتح علينا الباب دلوقتي، منظري هيبقى وحش."
هز كتفيه بلا مبالاة، وقال:
"أنا محدش له عندي حاجة."
هزت رأسها نفيًا، ثم نظرت إلى الجناح باشتياق، وهمست:
"ياااه... جناحك. بقالي كتير مدخلتش هنا."
ابتسم وقال:
"أيوة، من ساعة ما أبوكي عرف إني بحبك."
ابتسمت بخجل، وقالت:
"كنا لسه أطفال."
اقترب منها، ولمس وجنتها التي اشتعلت خجلًا، ثم قال بصوت دافئ:
"أنا بحبك من وإنتي لسه في بطن أمك يا فوتي، ومن أول يوم جيتي فيه الدنيا، وأنا واخد عهد على نفسي أحميكي بروحي."
تنهدت فتون بحالمية، وقالت:
"يزن... إنت بتجيب الكلام الحلو ده منين؟"
أمسك يدها، ووضعها فوق قلبه الذي كان ينبض بقوة من فرط مشاعره، ثم قال:
"من هنا... كلامي بيخرج من هنا يا فوتي، مش بيعدّي حتى على عقلي يتفلتر. كل كلمة بقولها ليكي طالعة من قلبي."
اقترب منها أكثر...
لكن فجأة، انفتح باب الجناح، وصدح صوت يقول:
"إنتوا بتعملوا إيه؟"
شهقت فتون، وابتعدت عن يزن بسرعة، أما يزن فنسح على شعره بإحراج قائلًا:
" بابا . "
تحركت فتون بسرعة وهي تقول بتوتر:
"أنا... أنا هروح أساعد طنط في الغدا."
انتظر أدهم حتى خرجت، ثم اقترب من يزن، وقال بضيق:
"شكلك زي الزفت، وخليت شكل فتون وحش قدامي. وتلاقي البنت مش عارفة تبص في وشي، رغم إني عارف إنك إنت المسؤول."
ابتسم يزن وقال ببساطة:
"مراتي يا بابا، إنت مش حضرتك كتب الكتاب؟"
ضربه أدهم على كتفه بخفة، وقال:
"يا غبي، فيه حاجة اسمها أصول."
ابتسم يزن بخبث، وقال:
"أصول إيه بس يا بوب؟ هو إنت ناسي إن جميلة كانت عايشة معاك في بيت واحد، وإنت عارف إنها مش أختك؟"
حمحم أدهم بخشونة، وقال:
"أنا وجميلة وضعنا كان مختلف... ثم اللي يسمعك وإنت بتقول كده، يقول إننا كنا لوحدنا في البيت. إنت ناسي إنك كنت طابق على نفسنا؟"
ابتسم يزن بمكر، وقال:
"يا بوب، أنا كنت باخد بالي برضه... صايع طول عمرك."
ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي أدهم، وقال:
"أومال يا ابني. ده إحنا الشقاوة فينا، بس ربنا هدينا."
تعالت ضحكاتهما.
ثم قال يزن وهو يربت على بطنه:
"طيب يلا ننزل نشوف الليديز عملولنا غدا إيه، عشان أنا واقع من الجوع."
ابتسم أدهم، وقال:
"يلا."
_______________________________________________________________
في صباح يوم جديد...
دخلت ريحانة مقر الشركة بابتسامة هادئة، وهي ترتدي فستانًا صيفيًا باللون البيج يصل إلى لبعد ركبتها، مع حذاء رياضي أبيض، ورفعت شعرها على هيئة كعكة أنيقة، بينما تركت بعض الخصلات تنسدل على وجنتها ورقبتها. كانت تحمل كوبًا من القهوة بيدها.
دخلت المصعد، وضغطت على رقم الطابق الأخير، فأُغلق الباب وبدأ المصعد بالصعود. لكن بعد لحظات توقف عندما طلبه شخص آخر.انتظرت ثوانٍ حتى انفتح الباب مرة أخرى...
فتجمّدت في مكانها.تبادل الاثنان النظرات لثوانٍ معدودة، قبل أن يدخل سليم المصعد بهدوء، ويقف بجانبها دون أن ينطق بكلمة.
اختلست النظر إلى انعكاسه في مرآة المصعد؛ كان يرتدي بدلة زيتي أنيقة ذات طابع رجولي، مع قميص أبيض ناصع، يزيد من هيبته.
حمحمت قائلة بتوتر:
"حضرتك هتنزل في أنهي دور؟"
صمت لثوانٍ، قبل أن يلف رأسه لتصبح بمواجهتها، ثم قال بهدوء:
"أعتقد إننا في نفس الدور."
هزت رأسها، ثم نفخت بضيق من غبائها عندما تذكرت أنهما بالطبع في نفس الطابق
ساد الصمت مرة أخرى، ولم يُسمع سوى صوت المصعد وهو يعبر الطوابق المتتالية.
قطع سليم الصمت أخيرًا، وقال بنبرة عملية:
"اعملي حسابك، ورانا اجتماع النهارده مع وفد فرنسي. جهزي نفسك، لأنه هيبدأ بعد ساعة."
همست بتوتر:
"بس أنا..."
قاطعها ببرود:
"عارف إنه لسه أول يوم ليكي، بس إنتي هتحضري الاجتماع، وتكتبي الملاحظات بس."
هزت رأسها موافقة:
"تمام."
وصل المصعد أخيرًا، وانفتح الباب.
خرج سليم دون أن يتفوه بكلمة أخرى، أما ريحانة فتنفست الصعداء، ثم خرجت من المصعد وهي تدعو الله أن يمر يومها الأول على خير.
____________________________________________________________
في إحدى عيادات الأطفال بمدينة القاهرة...
مكان راقٍ ذو دهانات وديكورات تتسم بالرقي، تتواجد به الكثير من الشهادات الطبية والأبحاث باسم الدكتور ياسين برهام، بالإضافة إلى العديد من الأمهات برفقة أطفالهن في انتظار دورهم.
أما غرفة الكشف، فكانت على عكس تمامًا من الخارج؛ إذ اتسمت بألوان طفولية ورسومات كرتونية، بالإضافة إلى الحلوى والألعاب البسيطة كمكافأة للأطفال.
على سرير الكشف، كان ياسين يرتدي معطفًا طبيًا، يفحص طفلًا لم يتجاوز الخامسة من عمره.
أنهى الكشف، ثم تحدث إلى الممرضة:
"جهزيلي حقنة **."
فزع الصبي، وبدأ في البكاء بهستيرية:
"مش عايز حقنة"
ابتسم ياسين للطفل، وقال برفق:
"متخافش يا حبيبي، مش هتوجعك."
ازداد بكاء الطفل عندما اقترب ياسين وفي يده الحقنة.
تحدثت الأم وهي تحمل طفلها:
"يلا بقى عشان تبقى شاطر، والدكتور يديك كاندي من اللي إنت بتحبها."
وما إن همَّ ياسين بغرس سن الحقنة في جسد الطفل، حتى تحرك الصغير بقوة، وأمسك برأس ياسين، مما أدى إلى سقوط السماعة من أذنه وارتطامها بالأرض.
حل الصمت في الغرفة...
لكن الصمت عند ياسين كان أقوى من أي صمت آخر؛ كان صمتًا مطبقًا، لا يتخلله أي صوت.ابتعد بسرعة، وانحنى يلتقط السماعة التي تهشمت إلى عدة قطع.
تحدثت الأم بإحراج شديد:
"أنا آسفة بجد يا دكتور، حقك عليا."
هز ياسين رأسه، فقد توقع أنها تعتذر بالتأكيد.
ثم التفت إلى الممرضة بسرعة، وهو يخلع معطفه ليبقى مرتديًا تيشيرتًا أسود، وقال:
"أنا هجيب حاجة من العربية، وجاي على طول."
خرج مسرعًا من غرفة الكشف، ثم من العيادة بأكملها، يكاد يقع من شدة سرعة خطواته ...
فهو لم يتعرض لهذا الموقف من قبل سوى مرة واحدة خلال طفولته، عندما تهشمت سماعته، ودخل وقتها في حالة من الفزع والخوف الشديد، وهو يرى الجميع يتحدثون، لكنه لا يسمع سوى الصمت الرهيب المخيف.
وصل أخيرًا إلى الطريق الرئيسي، ونظر إلى سيارته التي يركنها في الجهة المقابلة من الطريق .. فهو يضع بسيارته سماعة إحتياطية تجنبا لهذا الموقف .
تنفس بتوتر، ثم تقدم ليعبر الطريق السريع الذي تمر به عشرات السيارات.
وصل إلى منتصف الطريق، وأصبح وسط السيارات، ولم يسمع صوت كلاكس السيارة القادمة نحوه بسرعة طائشة، حتى لم يعد يفصله عنها سوى سنتيمترات قليلة.
وفجأة ...
شعر بشخص يدفعه بقوة، ليسقطا معًا على الرصيف.
لم يدرِ ما حدث، حتى فتح عينيه الزرقاوين ليراها...
ملقاه بجانبه على الرصيف ،قريبة جدا تكاد تكون بين أحضانه
فتاةً جميلة .. لا .. بل جميلة جدا .ذو بشرة بيضاء حليبية وعيون عسلي، ترتدي حجاب زهري.
نظرت إليه الفتاة بخوف، وكانت عيناها العسليتان ترمقانه بقلق، ثم همست برقة ممزوجة بخوف:
"انت كويس يا أستاذ؟اتعورت؟ ازاي مش سامع كلاسات العربية؟"
