
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم عاشقة القلم
.......✍️ما إن سحب باران أخاه مراد بعيدًا عن والده، حتى شعر بثقل الغضب الذي كان يشتعل في صدره، لكنه لم يسمح له بأن ينفلت أكثر.
كان يعرف والده جيدًا، ويعرف أن ارتفاع انفعاله قد يؤثر في صحته، لذلك لم يترك لمراد مجالًا للاعتراض، أمسك بذراعه وسحبه خلفه، بينما كان مراد يسير معه صامتًا، منكّس الرأس، كأن كل خطوة يخطوها كانت تثقل صدره أكثر.
صعدا الدرج إلى شقة مراد، وما إن دخلا حتى أغلق باران الباب خلفهما بقوة، ثم استدار نحو أخيه.
كان الصمت بينهما للحظات أشد قسوة من أي صراخ.
وقف مراد في مكانه، شاحب الوجه، وعيناه تحملان إرهاق ليلة كاملة قضاها في القلق والندم. أما باران فكان ينظر إليه بنظرة لم يستطع مراد تفسيرها؛ غضب، وعتاب، وخوف على ديلان، وربما خيبة من أخ لم يكن يتوقع منه يومًا أن يصل به الأمر إلى هذا الحد.
تقدم باران نحو غرفة الجلوس، ثم التفت إلى أخيه وقال بصوت حازم، خرجت كلماته متتابعة كأنها كانت محبوسة في صدره منذ اللحظة التي علم فيها بما حدث:
باران: ما الذي فعلته يا أخي؟
لم يجبه مراد.
اقترب باران منه أكثر، ثم تابع وقد ارتفع صوته قليلًا:
باران: أَيُعقل أن يخرج رجلٌ زوجته من بيتها دون ستر، ويتركها في الشارع، والليل يوشك أن يُسدل ستاره على المدينة؟!، ألم تفكر لحظة واحدة في المخاطر التي قد تواجهها؟، ألم تفكر بأنها فتاة شابة، لا تعرف ماذا يمكن أن يحدث لها في الطريق؟!.
خفض مراد عينيه أكثر، ولم يجد في نفسه قدرة على الدفاع عن نفسه.
لكن باران لم يتوقف.
باران: كيف استطعت أن تفعل ذلك يا مراد؟، كيف استطعت أن تغلق الباب خلفها وتتركها تواجه المجهول وحدها؟!.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، إلا أن غضبه لم يهدأ.
باران: إنها زوجتك يا أخي... أمانة في عنقك، امرأة خرجت من بيت أهلها لتعيش تحت سقفك، ورضيت بك زوجًا وسندًا لها، فكيف تكون أنت أول من يجعلها تحرب الخوف من الشارع؟، كيف يكون بيت زوجها هو المكان الذي تُطرد منه في لحظة غضب؟.
ارتجفت شفتا مراد قليلًا، لكنه ظل صامتًا.
كان كل حرف يقوله باران يصيب مكانًا يؤلمه بالفعل.
رفع باران يده قليلًا، وقال:
باران: هذه ليست رجولة يا مراد، الرجولة ليست أن ترفع صوتك على زوجتك، ولا أن تجعلها تخاف منك، ولا أن تستخدم سلطتك عليها كلما غضبت، الرجولة أن تكون لها أمانًا حين تضيق بها الدنيا، وأن تحميها حتى عندما تكون غاضبًا منها.
ثم حدق في عيني أخيه مباشرة.
باران: أين كانت غيرتك عليها حين دفعتها إلى الشارع؟، أين كان عقلك وانتى ترميها للكلاب الضالة؟، هل توقفت لحظة لتسأل نفسك ماذا يمكن أن يحدث لها بعد أن تغلق الباب خلفها؟.
ابتلع مراد غصة مؤلمة، ثم قال بصوت خافت:
مراد: يكفي يا أخي... يكفي.
لكن باران لم يكن يقسو عليه رغبة في إيذائه، بل لأن الخوف على ديلان كان يمزق صدره، وحتى يعود اخاه لحادة صوابه ويدرك فداحة ما فعله.
قال مراد وهو يمرر يده على وجهه بإرهاق:
مراد: منذ الأمس وأنا لم أنم، أقسم لك أنني لم أنم دقيقة واحدة، كنت أظن أنها ستذهب إلى أمي كما تفعل كل مرة نتشاجر فيها، ولم يخطر ببالي أنها ستترك البيت وتغادر.
حدق فيه باران للحظات، ثم سأله:
باران: ولماذا لم تفكر في ذلك؟.
رفع مراد عينيه إليه.
باران: لماذا كنت واثقًا إلى هذه الدرجة بأنها ستبقى تحت رحمتك إلى الأبد؟، تفعل بها ما تريد، ثم تتوقع منها أن تعود إليك كل مرة وكأن شيئًا لم يحدث؟.
سكت مراد.
باران: ألم تفكر أنها إنسانة؟، لها قلب، ولها كرامة، ولها طاقة على الاحتمال؟، ألم تفكر أن للصبر نهاية؟، وأن الإنسان مهما تحمل، سيأتي عليه يوم ينهار فيه كل شيء داخله، ويقول: كفى؟.
بدأت ملامح مراد تتغير، وظهر الألم واضحًا على وجهه.
باران: كنت تظن أنها لن تتمرد يومًا على معاملتك لها، أليس كذلك؟، كنت تظن أنها ستظل صامتة مهما فعلت، لكنك نسيت شيئًا مهمًا يا مراد...
توقف باران لحظة، ثم قال بهدوء أشد وقعًا من الصراخ:
باران: ديلان ليست ملكًا لك.
ارتعشت عينا مراد.
باران: هي زوجتك، وليست سجينة عندك، لك حقوق، ولها حقوق، لك كرامة، ولها كرامة، وغضبك لا يمنحك الحق في أن تفعل بها ما تشاء ثم تندم عندما تقع الكارثة.
أشاح مراد بوجهه، وكأن كلمات أخيه نزعت عنه كل الأعذار التي حاول طوال الليل أن يتمسك بها.
ثم قال بصوت متهدج:
مراد: كفى... أرجوك، كفى يا باران.
رفع عينيه إليه، وقد امتلأتا بالندم.
مراد: أنا أتألم منذ الأمس... والله يا أخي، أتألم.
صمت لحظة، ثم تابع:
مراد: لا أعرف كيف فعلت ذلك. طوال الأيام الماضية كنت غاضبًا منها، وكانت الأمور بيننا تزداد سوءًا، لكنني لم أفكر أن أصل إلى تلك اللحظة، هي استفزتني، واحتد النقاش بيننا، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أفتح الباب وأطردها من البيت.
ارتجف صوته.
مراد: لم أفكر أين ستذهب... ولا ماذا ستفعل... ولا ماذا يمكن أن يحدث لها، كنت غاضبًا فقط، وبعد أن خرجت... انتهى غضبي، وبقي الخوف.
تنهد باران ببطء، لكنه لم يخفِ عتابه، كان يحاول ان يجعل اخاه يرى تلك الأحداث من زاوية أخرى.
باران: والغضب يا مراد لا يعفيك من عواقب أفعالك.
اقترب منه خطوة.
باران: لقد طردتها، وانتهى الأمر، والآن نحن لا نعرف أين هي.
ساد الصمت.
كأن الجملة الأخيرة أعادت إلى مراد حقيقة الأمر بكل قسوتها.
ديلان مفقودة.
منذ الأمس.
وفي مكان ما، ربما كانت وحدها، خائفة، لا تعرف إلى أين تذهب.
أغمض مراد عينيه، وشعر بوخزة حادة في صدره.
تابع باران:
باران: أخبرني، ماذا ستقول لوالدتها إن حدث لها مكروه؟.
فتح مراد عينيه بسرعة.
باران: كيف ستقف أمامها وتخبرها أنك أنت من أخرجت ابنتها من بيتها ليلًا؟، ماذا ستقول عندما تسألك: لماذا تركتها وحدها؟، ولماذا لم تحمها؟.
لم يجب مراد.
باران: والأهم من ذلك... ماذا ستقول حين تقف أمام الله؟.
اهتز وجه مراد.
باران: أنت أخذت على نفسك عهدًا حين تزوجتها، قبلت أن تكون مسؤولًا عنها، وأن تصونها وترعاها، ثم في لحظة غضب نسيت كل ذلك.
خفض مراد رأسه حتى كاد ذقنه يلامس صدره.
مراد: أعرف...
خرجت الكلمة منه بالكاد.
مراد: أعرف يا أخي.
ثم رفع يده إلى صدره.
مراد: ضميري يؤنبني منذ أن خرجت من الباب، كلما أغمضت عيني رأيتها أمامي وهي تخرج... رأيت وجهها، وطريقة نظرها إليّ... وكأنها لم تصدق أنني فعلت بها ذلك.
صمت لحظة، ثم قال بصوت منكسر:
مراد: تمنيت لو أنني أستطيع إعادة تلك اللحظة. تمنيت لو أنني أوقفت نفسي قبل أن أنطق بكلمة واحدة.
كان باران يراقبه بصمت.
رأى الندم الحقيقي في وجه أخيه، ورأى كيف أنه لم يعد بحاجة إلى المزيد من اللوم.
لقد فهم مراد خطأه، لكن فهم الخطأ لم يكن كافيًا الآن.
كان المطلوب أن يجد ديلان.
تقدم باران نحوه، وخفت حدة صوته.
باران: وأنا لا أريد أن أضغط عليك أكثر.
ثم تنهد وقال:
باران: لكن ما حدث حدث، والندم وحده لن يعيدها.
رفع مراد رأسه ببطء.
تبادل الشقيقان نظرة طويلة.
ثم سأل باران:
باران: وما العمل الآن؟.
ظل مراد صامتًا.
كانت عيناه تبحثان في الفراغ، كأن عقله يحاول أن يجد أي خيط يمكن أن يقوده إليها، لكنه لم يجد شيئًا.
رفع كتفيه بعجز، وقال بصوت خافت، يحمل كل الخوف الذي أخفاه منذ الأمس:
مراد: لا أعلم يا أخي...
ثم ابتلع غصته وأعادها بصوت أكثر انكسارًا:
مراد: لا أعلم أين أبحث عنها.
ساد الصمت من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن صمت غضب.
كان صمت رجلين أدركا أن الأمر تجاوز حدود الشجار العائلي، وأن ديلان أصبحت في مكان مجهول، وأن كل دقيقة تمر دون العثور عليها قد تحمل معها شيئًا لا يستطيع أي منهما احتماله.
نظر باران إلى أخيه طويلًا، ثم قال بحزم:
باران: إذن سنبحث عنها.
رفع مراد عينيه إليه.
باران: سنبحث عنها في كل مكان يمكن أن تكون قد ذهبت إليه... ولن نتوقف حتى نجدها.
لم يجب مراد.
لكنه لأول مرة منذ ساعات شعر أن هناك من يقف إلى جواره.
وبينما كان باران يتجه نحو الباب، وقد وصل ألى حيث يريد، ظل مراد واقفًا في مكانه للحظات، ثم أغمض عينيه وهمس في داخله، بقلب يثقله الندم والخوف:
لقد أضعتُها بيدي... فهل سأجدها قبل أن أخسرها إلى الأبد؟.
كان باران يراقب أخاه بصمت، وقد تبدلت نظرته إليه شيئًا فشيئًا.
فالغضب الذي كان يشتعل في صدره قبل دقائق لم يختفِ تمامًا، لكنه تراجع أمام ذلك الندم الصادق الذي كان يراه واضحًا في عيني مراد، لم يكن أخوه يحاول تبرير فعلته هذه المرة، ولم يكن يبحث عن حجة يعلّق عليها خطأه، بل بدا كمن وقف فجأة أمام مرآة ورأى للمرة الأولى مقدار الأذى الذي ألحقه بزوجته.
شعر باران أن هذه اللحظة قد وصل ألى ما يريد ان يوصله لمراد، وأن في هذه اللحظة تكون الفرصة الوحيدة التي يستطيع فيها أن يخرج ما يختبئ في صدر أخيه منذ زمن، وأن يجعله يواجه مشاعره الحقيقية بعيدًا عن الغضب والعناد.
تنهد بهدوء، عاد ثم اتجه إلى الأريكة وجلس إلى جواره.
وبعد لحظات من الصمت، مد يده وربت على كتف أخيه بحنان، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
باران: والآن... بعد أن أدركت خطأك وندمت على ما فعلته بديلان، ماذا ستفعل؟.
التفت مراد إليه، فتابع باران:
باران: أعني... إذا وجدناها، ماذا ستفعل؟، هل تريد حقًا أن تعود ديلان إلى هذا البيت؟.
تعلقت عينا مراد بعيني أخيه، وكأن السؤال أصابه في مكان عميق داخله.
ولم يحتج إلى وقت طويل حتى أجاب.
مراد: نعم.
خرجت الكلمة من فمه دون تردد.
ثم ابتلع غصته، وأطرق برأسه للحظات قبل أن يضيف بصوت مثقل بالندم:
مراد: أريدها أن تعود... بل أريدها أن تعود أكثر مما كنت أظن أنني أريدها.
رفع عينيه إلى باران، وكانت مشاعر كثيرة تتصارع داخله.
مراد: لم أعرف قيمتها إلا حين فقدتها.
سكت قليلًا، وكأن الاعتراف بما سيقوله بعد ذلك كان مؤلمًا له.
مراد: لقد ظلمت ديلان كثيرًا يا أخي.
ارتجفت نبرته.
مراد: ظلمتها حين لم أسمع إليها، وحين كنت أرفض أن أعطيها حتى فرصة لتشرح لي ما يحدث، وحين حرمتها من أبسط حقوقها، كنت أقرر عنها، وأحكم عليها قبل أن أسمع كلمة واحدة منها، كنت قاسيًا معها... فظًا في كلامي وتصرفاتي، وجعلتها تدفع ثمن غضبي وشكي.
خفض رأسه، ثم قال:
مراد: وهي... صبرت.
صمت للحظة.
مراد: تحملت مني الكثير، ومع ذلك كانت تحاول أن تكون زوجة صالحة، وكانت تتحمل كل ما أفعله بها، وأنا لم ألتفت إلى شيء من ذلك.
شعر باران بانقباض في صدره وهو يستمع إليه، لكنه لم يقاطعه.
كان يريد أن يتركه يتحدث.
أن يخرج كل ما كتمه خلف كبريائه وغضبه طوال الفترة الماضية.
رفع مراد يده ومسح بها وجهه، ثم تابع:
مراد: كنت أظن أنني أرى الحقيقة، بينما كنت في الحقيقة لا أرى شيئًا.
ثم ابتسم ابتسامة موجعة، سرعان ما اختفت.
مراد: لم أرَها إلا عندما غابت عن عيني.
سقطت الكلمات بينهما بثقل.
ثم رفع مراد رأسه وقال بإصرار:
مراد: إذا عادت إليّ... سأطلب منها أن تسامحني.
توقف قليلًا، ثم تابع:
مراد: سأطلب منها أن نطوي صفحة الماضي بكل ما فيها، وأن نفتح صفحة جديدة بيننا، لن أسمح لغضبي أن يقودني إليها من جديد، ولن أترك شكي يتحكم في عقلي كما فعل من قبل.
ثم شد على يده بقوة، وكأنه يتعهد بذلك لنفسه قبل أن يتعهد به لأخيه.
مراد: وقبل أن أحكم عليها... سأسمعها.
نظر إلى باران مباشرة.
مراد: سأدعها تتحدث وتشرح، وسأسمع وجهة نظرها كاملة، لن أحكم عليها قبل أن أسمعها، ولن أرفض كلامها لمجرد أنني غاضب أو أشك بشيء.
تنفس بعمق، ثم قال بصوت متهدج:
مراد: كنت مغيبًا يا باران... وكأنني لم أكن أرى الحقيقة إلا من الزاوية التي رسمها غضبي وشكي.
ثم خفض عينيه.
مراد: لكنني الآن بدأت أرى أشياء كثيرة لم أكن أراها من قبل.
رفع رأسه من جديد.
مراد: ولا أريد أن أفقدها.
خرجت الجملة الأخيرة منه محملة بخوف صادق.
مراد: إذا عادت إليّ... سأعوضها عن كل ما فات، عن كل كلمة جرحتها، وعن كل مرة شعرت فيها أنها وحيدة وهي معي، وعن كل موقف جعلتها تشعر أنني لست أمانًا لها.
ظل باران ينظر إليه طويلًا، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الابتسامة الهادئة:
باران: وهل أعتبر هذا وعدًا؟.
نظر إليه مراد.
فأضاف باران:
باران: أم أنها مجرد كلمات تقولها الآن لأنك خائف من فقدانها؟.
هز مراد رأسه بسرعة، وقال دون تردد:
مراد: لا يا أخي... إنه وعد.
ثم أمسك بيد باران بقوة.
مراد: أعدك.
كانت عيناه تلمعان بشيء يشبه الدموع، لكنه لم يحاول إخفاء ذلك هذه المرة.
مراد: فقط ساعدني لأجدها قبل أن تضيع مني.
نظر باران إلى يد أخيه التي أمسكت بيده، ثم إلى وجهه الذي أنهكه القلق والندم.
فمد يده وربت على كتفه.
لكن ما إن فعل ذلك حتى انهار آخر حاجز كان يحاول مراد التمسك به.
اندفع نحو أخيه وعانقه بقوة.
تجمد باران للحظة من المفاجأة، ثم أحاطه بذراعيه وربت على ظهره.
دفن مراد وجهه في كتف أخيه، وخرج صوته مكتومًا وهو يقول:
مراد: أنا أتألم يا أخي...
شد على ثيابه كطفل يخشى أن يفقد آخر شخص يستطيع الاتكاء عليه.
مراد: ساعدني... أرجوك ساعدني لأجد نفسي، وأجد ديلان.
أغمض باران عينيه، وشعر بحرارة أنفاس أخيه المضطربة عند كتفه.
مراد: وجودك إلى جانبي يساعدني كثيرًا... أكثر مما تتصور.
ثم ابتعد قليلًا، لكنه ظل ممسكًا بكتفي باران.
مراد: أنا أعرف نفسي... أعرف أنني متسرع، وأعرف أنني عصبي، وأعرف أن هذه هي مشكلتي، أغضب، ثم أتصرف قبل أن أفكر، وبعد أن يهدأ غضبي أكتشف أنني هدمت أشياء لم يكن من السهل بناؤها.
ارتجف صوته.
مراد: لكن لا تتركني يا أخي.
نظر إلى عينيه مباشرة.
مراد: لا تتركني لغضبي... لا تتركني حتى يهدم بيتي بيدي، إن رأيتني أخطئ، أوقفني، إن رأيتني أعود إلى ما كنت عليه، ذكرني بهذا اليوم، وذكرني بديلان وهي تغادر البيت.
صمت باران لحظات، ثم رفع يده ووضعها على رأس أخيه بحنان.
باران: حسنًا يا أخي.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، رغم القلق الذي لم يفارق قلبه.
باران: لا تقلق، سأساعدك.
تنفس مراد بارتجاف، وكأن تلك الكلمات منحت قلبه بعض السكينة.
تابع باران:
باران: سنبحث عنها معًا، وسنطرق كل باب يمكن أن يقودنا إليها، ولن أتوقف حتى نعرف أين هي.
ثم أضاف:
باران: وسأتحدث مع والدينا.
رفع مراد عينيه إليه.
باران: لكن لا تنتظر أن ينسيا ما فعلته بهذه السرعة، أنت أخطأت، وعليك أن تتحمل نتيجة خطئك.
هز مراد رأسه موافقًا.
مراد: أعلم.
باران: وإذا أردت منهما أن يغفرا لك، وأن يرضيا عنك من جديد، فعلينا أولًا أن نجد ديلان.
صمت قليلًا، ثم قال بنبرة مطمئنة:
باران: وبعدها... لكل حادث حديث، أما الآن، فلا تفكر إلا في شيء واحد.
مراد: ديلان؟.
أومأ باران.
باران: ديلان.
ثم ضغط على كتف أخيه وقال:
باران: والباقي يحله الله بإذنه،
أطرق مراد رأسه، وأغمض عينيه للحظات.
وللمرة الأولى منذ غادرت ديلان البيت، لم يكن يشعر أنه يواجه خوفه وحده.
كان إلى جواره أخوه.
وكان بين يديه وعدٌ جديد...
وعد بأن يبحث عنها، وأن يعيدها إن استطاع، وأن يكون الرجل الذي كان ينبغي أن يكونه منذ البداية.:::
في الطابق السفلي، داخل شقة عزت، كان الهدوء يخيّم على غرفة الجلوس، إلا أن الوجوه المجتمعة حول عزت كانت تحمل من القلق ما يكفي لقتل ذلك الهدوء.
كان إبراهيم يجلس إلى جوار ابنه روني، بينما جلس عزت أمامهما، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحه، فمنذ أن أخبرهما بما فعله مراد، لم يستطع إبراهيم أن يخفي دهشته، وظل للحظات عاجزًا عن استيعاب ما سمعه.
هز رأسه بأسف، ثم قال:
إبراهيم: لا أصدق ما فعله مراد... ألهذه الدرجة وصل به الغضب؟، وهل تستحق زوجته أن تُطرد من بيتها بهذه الطريقة المهينة، وفي مثل ذلك الوقت؟.
تنهد، ثم تابع وهو يستعيد في ذاكرته موقفًا سابقًا:
إبراهيم: منذ أيام فقط، اشتعل غضبه على روني عندما وجده في شقته، لا اقول مافعله روني صحيح، مع أن روني لم يذهب إليها من تلقاء نفسه، بل كان مراد هو من طلب منه أن يذهب إلى ديلان ليأخذ منها تلك الذاكرة الإلكترونية. لكنه عندما رأى روني هناك، أعماه غضبه ونسي أنه هو من أرسله إليها، وانهال عليه بالضرب قبل أن يمنحه فرصة حتى لشرح ما حدث.
خفض روني عينيه للحظة، وكأنه لا يزال يشعر بوخز ذلك الموقف، ثم قال بهدوء:
روني: فعلًا يا عمي... مراد لم يعد كما كان.
رفع عينيه نحو عزت.
روني: الغضب أعماه، حتى أصبح يتصرف قبل أن يفكر، وأحيانًا أشعر أنه لا يرى أمامه شيئًا عندما يثور، أتمنى فقط أن يعود إلى رشده قبل أن يخسر كل شيء بيده.
ثم تنهد وقال:
روني: ديلان لا تستحق منه هذه المعاملة، مهما حدث بينهما، ومهما كان الخلاف، لم يكن من حقه أن يطردها بتلك الصورة.
ساد الصمت للحظات.
كان عزت يستمع إليهما، وفي عينيه مزيج من الغضب والألم. لم يكن غاضبًا من مراد بصفته ابنه فحسب، بل كان يشعر بخيبة عميقة لأنه ربّى رجلًا لم يستطع في لحظة غضب أن يضبط نفسه.
قال أخيرًا بصوت مثقل:
عزت: آمين.
ثم تنهد وأضاف:
عزت: نسأل الله أن يهديه ويعيده إلى صوابه قبل أن يهدم بيته بيديه.
سكت قليلًا، ثم أضاف بنبرة حاسمة:
عزت: والله لن يجد زوجة أفضل من ديلان، ولو طاف الأرض كلها بحثًا عنها، هذه الفتاة صبرت عليه وتحملت منه ما لم تكن مضطرة إلى تحمله، وكان عليه أن يعرف قيمتها قبل أن يصل الأمر إلى هذه المرحلة.
نظر إبراهيم إلى عزت، ثم أومأ موافقًا.
أما روني فظل صامتًا، وقد تسلل إلى قلبه القلق على ديلان، متسائلًا في نفسه أين يمكن أن تكون الآن، وهل هي بخير، وهل وجدت مكانًا آمنًا تلجأ إليه.
وفي الجهة الأخرى من المنزل، كانت عائشة تجلس في غرفتها برفقة صفية.
كانت صفية قد جاءت لتطمئن على حالها، وجلست إلى جوارها تسألها عن صحتها، بينما كانت عائشة تجيبها بين الحين والآخر، لكن القلق كان يطغى على حديثهما مهما حاولا الابتعاد عنه.
وبعد دقائق، وجدت دنيز نفسها تفتح الحديث عن ديلان، وكأنها تحاول معرفة ما يدور في العائلة، فقالت صفية بأسف:
صفية: حقًا، مراد مخطئ، كيف استطاع أن يطرد زوجته بهذه الطريقة؟، وفي الليل أيضًا!.
كانت عائشة تجلس صامتة، لكن ملامحها انقبضت عند سماعها ذلك.
أما دنيز، فأمالت رأسها قليلًا وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها تبدو متعاطفة:
دنيز: ربما استفزته وأخرجته عن جادة صوابه... وأنتن تعرفن كم هو عصبي، وكم يصعب عليه التحكم في غضبه عندما يصل إلى أقصى حد.
لكن صفية لم تسمح لها بإكمال كلامها.
التفتت إليها وقالت بجدية:
صفية: وإن يكن! هل هذا عذر؟.
صمتت دنيز.
تابعت صفية:
صفية: حتى لو استفزته، وحتى لو أخطأت بحقه، كان عليه أن يسيطر على نفسه،ولا يطردها في ذلك الوقت وهو يعلم انه آخر النهار، الغضب ليس مبررًا لأن يهين الإنسان من أمامه أو يعرّضه للخطر.
ثم هزت رأسها بأسى.
صفية: في النهاية، هي زوجته... وعِرضه، كيف هان عليه أن يرميها إلى الشارع بتلك الطريقة؟، كيف استطاع أن يفعلها دون أن يفكر فيما قد يحدث لها؟.
كانت عائشة تستمع إليهما بصمت، لكن كلمات صفية حركت جرحًا عميقًا في داخلها.
فهي لم تكن ترى ديلان مجرد زوجة لابنها.
منذ دخلت الفتاة حياتهم، شعرت أنها واحدة من أبنائها.
قالت عائشة بصوت حازم، وقد امتزج الغضب بالحزن:
عائشة: لن أرضى عنه.
نظرت صفية إليها.
عائشة: لن أرضى عن مراد حتى تعود ديلان إلى بيتها معززة مكرمة، وحتى أشعر أنها عادت إليه وهي مطمئنة، لا خائفة ولا مكسورة.
ثم أضافت بأسى:
عائشة: ديلان لم تكن تستحق شيئًا مما حدث لها.
ساد الصمت في الغرفة.
وفي تلك اللحظة، اهتز هاتف دنيز في يدها، معلنًا عن مكالمة واردة.
توقفت دنيز للحظة، ونظرت إلى شاشة الهاتف بسرعة، ثم أطفأتها قبل أن تتمكن والدتها من رؤية اسم المتصل.
لكن صفية لاحظت ارتباكها.
صفية: من يتصل بك يا ابنتي؟.
ارتبكت دنيز للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت:
دنيز: إنها صديقة لي.
رفعت عائشة حاجبها باستغراب.
تابعت دنيز بسرعة، محاولة أن تجعل الأمر يبدو طبيعيًا:
دنيز: كان بيننا موعد اليوم، لكن أبي منعني من الخروج، ويبدو أنها تتصل لتعرف لماذا لم أذهب.
ثم نهضت من مكانها.
دنيز: سأخرج قليلًا لأتحدث إليها وأخبرها بما حدث.
أومأت والدتها دون شك ظاهر، فقالت دنيز:
دنيز: أستأذن منكما.
وغادرت الغرفة بخطوات هادئة ظاهريًا.
لكن ما إن أغلقت الباب خلفها، حتى تغيرت ملامحها تمامًا.
توقفت في الممر، وأخرجت هاتفها من جديد، ثم حدقت في الشاشة للحظات.
كانت المكالمة التي قطعتها منذ قليل لا تزال تظهر أمامها.
رفعت عينيها نحو باب الغرفة المغلق، ثم ابتعدت عنه قليلًا لتدخل غرفة الطعام، وضغطت على زر الاتصال، بينما كانت ملامحها تخفي خلف هدوئها شيئًا آخر تمامًا.
شيئًا لم تكن تريد لأحد في هذا البيت أن يعرفه.:::
بعد أن أنهى مراد حديثه مع باران، نهض الأخير من مكانه واتجه نحو الباب، بينما بقي مراد للحظات غارقًا في أفكاره.
كان يشعر بأن صدره لم يعد يتسع لكل ما يدور داخله؛ الندم، والخوف، والرغبة العارمة في العثور على ديلان قبل أن يصيبها مكروه.
ثم نهض بدوره، وخرج من الشقة ليلحق بباران.
وما إن نزل إلى الطابق السفلي، حتى كان على وشك التوجه إلى غرفة الجلوس، لكنه توقف فجأة عندما التقطت أذناه صوت دنيز القادمة من إحدى الغرف.
لم يكن يقصد التنصت، ولم يكن يبحث عن شيء، لكن إحدى الجمل التي قالتها جعلته يتباطأ دون أن يشعر.
دنيز: موعدنا غدًا... في المكان نفسه والساعة نفسها.
تجمد مراد في مكانه.
بقي للحظات لا يتحرك، وكأن الكلمات علقت في رأسه بطريقة غريبة.
"غدًا... المكان نفسه... الساعة نفسها."
عقد حاجبيه، ثم عاد بهدوء خطوات قليلة إلى الخلف ودخل للمطبخ، محاولًا أن يفهم ما سمعه.
دنيز؟،
منذ فترة، كانت قريبة من ديلان،
بل إن مراد كان قد لاحظ بنفسه كيف أصبحتا تتحدثان كثيرًا، وكيف كانت دنيز تزور ديلان باستمرار، حتى إنه لم يكن يستغرب أن تذهب إحداهما إلى الأخرى في أي وقت.
ومع اختفاء ديلان، لم يستطع عقل مراد أن يمنع نفسه من الربط بين الأمرين.
هل يمكن أن تكون دنيز تعرف أين هي؟،
ام ان دنيز عاى علاقة وتخفي الامر خوفا من عمه؟،
شعر قلبه يخفق بقوة،
ربما كانت ديلان قد تواصلت معها،
وربما كانت دنيز تعرف المكان الذي اختبأت فيه،
وربما... كانت المكالمة التي سمع جزءًا منها تتعلق بها.
رفع مراد عينيه نحو باب الغرفة التي كانت دنيز تتحدث فيها، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
لم يرد أن يتسرع ليذهب ويواجهها بما سمع، لقد أدرك للتو أن التسرع كان أحد أسباب كل ما حدث، لذلك قرر هذه المرة أن يفكر قبل أن يتصرف،
سأراقبها غدًا،
وسأمتشف الحقيقة بنفسي، هل دنيز تعرف مكان ديلان، ام الأمر يخصعا هي وتخفي علاقتها بشاب خوفا من عمه.
كانت الفكرة واضحة في رأسه.
سيتبع دنيز من دون أن تشعر، وسيرى إلى أين تذهب، ومن تلتقي، وربما تقوده خطواتها إلى ديلان.
وعندها...
عندها لن يضيع لحظة واحدة،
سيذهب إليها بنفسه،
سيعتذر لها،
وسيطلب منها أن تعود معه إلى البيت، لكن هذه المرة لن يجبرها، ولن يأمرها، ولن يرفع صوته عليها.
بل سيترك لها حرية الاختيار،
فإن قبلت، سيحاول أن يبدأ معها من جديد،
وإن رفضت... فلن يلومها، ولكن سيحاول معها مرة أخرى ليكسبها، فهو من أوصلها إلى هذه النقطة.
تنفس مراد ببطء، ثم توجه إلى غرفة الجلوس وكأنه لم يسمع شيئًا.
لكنه طوال الطريق كان يعيد الجملة ذاتها في ذهنه:
"غدًا... المكان نفسه والساعة نفسها."
ورغم أن ما سمعه لم يكن دليلًا قاطعًا، إلا أنه كان أول خيط حقيقي يشعر أنه قد يقوده إليها.
أما باران، فكان قد اتخذ قراره هو الآخر.
بعد أن غادر إبراهيم وروني إلى شقتهما، وصعد مراد إلى شقته، بقي باران مع والديه في غرفة الجلوس.
كان عزت جالسًا بصمت، وقد بدت على وجهه آثار التعب والانفعال، بينما كانت عائشة لا تزال غارقة في حزنها وقلقها على ديلان.
جلس باران أمامهما، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
باران: أريد أن أتحدث معكما بشأن مراد.
رفعت عائشة عينيها إليه، وكذلك فعل عزت.
تابع باران:
باران: تحدثت معه مطولًا، ورأيت الندم في عينيه، لم يكن يحاول تبرير ما فعله هذه المرة، بل كان يلوم نفسه بشدة، وقد رأيت بعيني كم يؤلمه ما حدث.
تنهدت عائشة بحزن، لكنها لم تقاطعه.
باران: لقد أدرك خطأه، واعترف بأنه ظلم ديلان كثيرًا، ووعدني بأنه إذا عادت إليه فسوف يطلب منها أن تسامحه، وسيغير طريقة معاملته لها، قال لي إنه لن يسمح لغضبه أو شكه بأن يقوداه من جديد، وأنه سيستمع إليها قبل أن يحكم عليها.
سكت قليلًا، ثم نظر إلى والدته.
باران: لذلك أريد أن أقترح شيئًا.
قالت عائشة:
عائشة: ماذا؟.
باران: لنترك الأمر لديلان.
ثم أضاف بهدوء:
باران: نصعد إليها، ونتحدث معها، ونسألها عن رأيها. هل تريد العودة إلى مراد؟، هل ما زالت مستعدة لمنحه فرصة أخرى؟.
صمتت عائشة للحظات.
كانت فكرة عودة ديلان إلى مراد تثير في قلبها مشاعر متناقضة.
فهي غاضبة من ابنها، وربما أكثر من أي وقت مضى، لكنها في الوقت ذاته كانت تتمنى ألا ينتهي زواجهما بهذه الطريقة.
لم تكن تريد أن تخسر ديلان.
كانت قد أحبتها كابنة، ولم تكن تتخيل البيت من دون وجودها.
قالت أخيرًا:
عائشة: نعم.
ثم نهضت من مكانها وكأنها اتخذت قرارها بالفعل.
عائشة: لنصعد إليها الآن.
نظر إليها باران، فأضافت:
عائشة: أريد أن أسمع منها بنفسها، لا أريد أن يقرر أحد عنها هذه المرة.
ثم تنهدت، وقالت بصوت يحمل رجاءً صادقًا:
عائشة: وأتمنى أن تمنحه فرصة أخرى... ليس من أجل مراد وحده، بل لأنني لا أريد أن أخسر ديلان.
ارتجف صوتها قليلًا.
عائشة: مراد لن يجد زوجة أفضل منها، وأنا أعرف ذلك جيدًا.
تدخل عزت بصوت هادئ:
عزت: إن عادت إليه، فعليه أن يعرف قيمتها هذه المرة، لن أسمح له بأن يعيد الكرة مرة أخرى.
أومأ باران.
باران: وهذا ما أخبرته به.
ثم نظر إلى والدته.
باران: لكن القرار في النهاية قرار ديلان.
مدت عائشة يدها إلى خمارها، وارتدته على عجل، بينما نهض باران إلى جوارها.
كان كلاهما يحمل في قلبه أمنية واحدة؛ أن تكون ديلان بخير، وأن تكون هذه المرة هي من تختار ما تريد، بعيدًا عن ضغط الجميع.
......✍️صعدا الدرج معًا.
وكان كل منهما غارقًا في أفكاره.
أما عائشة، فكانت تفكر في وجه ديلان الحزين، وفي الأيام التي عاشت فيها الفتاة تحت سقف ابنها وهي تكتم الكثير من الألم.
وأما باران، فكان يفكر في مراد، وفي الوعد الذي قطعه له.
لكن شيئًا واحدًا لم يكن أي منهما يعرفه...
أن مراد، في اللحظة نفسها، كان قد بدأ يضع خطته الخاصة لمراقبة دنيز في اليوم التالي.
وأن الجملة التي سمعها مصادفة قد تكون أول خيط يقوده أخيرًا إلى مكان ديلان.:::
كانت ديلان تجلس في الغرفة الخاصة لباران، التي لجأت إليها منذ أن غادرت شقة مراد، وقد اعتادت خلال الساعات الماضية أن تعيش في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أفكارها المتصارعة.
وفجأة...
طرق أحدهم الباب.
رفعت رأسها، وتجمدت للحظة.
لم تعد بحاجة إلى أن تسأل من الطارق؛ فقد أصبحت تعرف ذلك الطرق جيدًا.
نهضت عن مكانها، وأسرعت إلى ارتداء حجابها ونقابها، ثم اقتربت من الباب وفتحته بحذر.
وما إن فتحت حتى وجدت عائشة تقف أمامها، وخلفها كان باران.
اتسعت عينا ديلان قليلًا، ثم تنحت جانبًا قائلة بصوت خافت:
ديلان: تفضلا.
دخلت عائشة أولًا، وتبعها باران، ثم أغلقت ديلان الباب خلفهما.
جلست عائشة إلى جوارها على طرف السرير، بينما سحب باران كرسيًا ووضعه أمامهما، ثم جلس عليه.
ساد الصمت للحظات.
كانت ديلان تنظر إليهما باستغراب، تحاول أن تفهم سبب هذه الزيارة وفي هذا الوقت المتأخر، بينما كان باران يبحث عن الطريقة المناسبة لبدء الحديث.
وأخيرًا قال:
باران: ديلان... أردت أن أتحدث معك في موضوع مهم.
رفعت ديلان عينيها إليه.
ديلان: نعم؟ ما الموضوع الذي تريد أن تحدثني فيه؟.
تنفس باران ببطء.
باران: أردت أن أتحدث معك عن مراد.
ارتجف قلبها بمجرد سماع اسمه، لكنها أخفت اضطرابها وخفضت عينيها.
تابع باران:
باران: هل فكرتِ فيما ستفعلينه بعد ما حدث؟، وإلى أين ستؤول علاقتك بمراد؟.
سكتت ديلان قليلًا، ثم أجابت بصراحة:
ديلان: لم أفكر في ذلك.
نظرت عائشة إليها بحنان، ومدت يدها لتضعها فوق يدها.
عائشة: وإلى أين ترين أن علاقتكما ستؤول يا ابنتي؟.
هزت ديلان رأسها ببطء.
ديلان: لا أعلم... لم أفكر في الأمر بعد.
كان صوتها هادئًا، لكن خلف هدوئه كانت تختبئ حيرة كبيرة.
أخذ باران نفسًا عميقًا، ثم قال:
باران: ديلان، لا أريد أن أضغط عليك، ولن أفعل، لكنني تحدثت مع مراد، ورأيت ندمه بعيني.
رفعت ديلان نظرها إليه.
باران: هو نادم فعلًا على ما فعله، اعترف بأنه أخطأ في حقك كثيرًا، وقال إنه يريد أن يطوي صفحة الماضي، ويفتح معك صفحة جديدة.
صمت لحظة، ثم تابع:
باران: يريدك أن تسامحيه على ما مضى، وعلى كل ما فعله بك، وقد وعدني بأنه سيغير طريقته معك، وسيحاول أن يعوضك عن كل ما مررتِ به بسببه.
كانت ديلان تستمع بصمت.
كل كلمة كان يقولها باران كانت تحرك في داخلها شيئًا.
مراد نادم.
لكن هل يكفي الندم؟.
هل يمكن أن تمحو كلمة "آسف" كل الليالي التي نامت فيها وقلبها مثقل بالخوف؟،
هل يمكن لصفحة جديدة أن تجعلها تنسى الصفحات القديمة؟
خفضت عينيها، ولم تجب.
فقال باران بهدوء:
باران: لكنني لا أريد منك جوابًا الآن، لقد وعدتك من قبل أنني سأحترم رأيك، وما زلت عند وعدي.
ثم نظر إلى عائشة، وكأنه يترك لها الحديث.
اقتربت عائشة من ديلان أكثر، وقالت بصوت أمّ تخشى أن تضغط على ابنتها وهي تحاول مساعدتها:
عائشة: فكري جيدًا يا ابنتي.
ثم تنهدت.
عائشة: بناء البيت ليس أمرًا سهلًا، وهدمه ليس سهلًا أيضًا. والقرار الذي ستتخذينه لن يكون بسيطًا.
سكتت قليلًا، ثم تابعت:
عائشة: لن أقول لك عودي إلى مراد وانسي كل ما حدث وكأنه لم يكن، ما حدث كان مؤلمًا، وأنا أعرف أنك تحملت الكثير.
ضغطت على يد ديلان بحنان.
عائشة: لكنني لن أخفي عنك شيئًا... أتمنى أن تمنحي مراد فرصة أخرى.
ارتجف قلب ديلان.
عائشة: أتمنى أن تمنحيه فرصة ليصحح الأخطاء التي ارتكبها، وأن تمنحي نفسك فرصة لترَي إن كان قادرًا فعلًا على التغيير.
ثم أسرعت تضيف:
عائشة: لكنني لن أضغط عليك.
كانت عيناها تلمعان بالدموع.
عائشة: أريدك فقط أن تفكري جيدًا، وألا تتسرعي في اتخاذ القرار.
ثم احتضنت يد ديلان بين يديها.
عائشة: وأنا معك، أيًّا كان قرارك. إن اخترتِ العودة إليه، سأكون إلى جانبك، وإن اخترتِ الانفصال عنه، فسأكون إلى جانبك أيضًا.
ارتجف صوتها وهي تقول:
عائشة: لن أتخلى عنك مهما كان قرارك، فلا تخافي من أن تختاري ما ترينه صحيحًا.
نظرت ديلان إليهما.
إلى باران الذي كان ينتظر قرارها دون أن يفرض عليها شيئًا.
وإلى عائشة التي تحدثت معها كأم، لا كأم لزوجها.
شعرت بغصة في حلقها.
لم تجد ما تقوله.
فاكتفت بأن أطرقت رأسها، بينما راحت أصابعها تتشابك فوق حجرها في توتر.
نهض باران بعد لحظات.
باران: لن نضغط عليك أكثر، خذي وقتك وفكري.
وقفت عائشة أيضًا، وربتت على كتف ديلان.
عائشة: صلّي واستخيري يا ابنتي... واسألي الله أن يدلك على ما فيه الخير لك.
أومأت ديلان بصمت.
غادرا الغرفة، وأُغلق الباب خلفهما.
وبمجرد أن أصبحت وحدها، شعرت ديلان وكأن كل الكلمات التي سمعتها عادت دفعة واحدة إلى رأسها.
هل أعود إلى مراد؟،
جلست على طرف السرير.
ماذا لو تغير فعلًا؟،
ثم سرعان ما ظهر السؤال الآخر:
وماذا لو لم يتغير؟،
ارتجفت أصابعها.
ماذا لو عاد غضبه؟، ماذا لو عاد شكه؟، ماذا لو عادت الأيام نفسها؟
وضعت يدها على صدرها.
لكن فكرة أخرى كانت أكثر قسوة.
وإن طلبت الطلاق... إلى أين أذهب؟.
نظرت حولها.
كانت هذه الغرفة ملجأً مؤقتًا، فهي غرفة باران وقد حهزها من أحل عمله، لينجز الاصاميم التي تكلب منه في هدوء وسكينة، وسيأتي يوم وتغادرها، والافضل لها ان تتركها قريبا ولاتثقل عليه، ففي الاخير لم تكن بيتها.
لا يمكنها البقاء هنا إلى الأبد.
ولم يكن لديها مكان آخر تذهب إليه بسهولة.
ازدادت حيرتها، حتى شعرت بأن رأسها يكاد ينفجر من كثرة التفكير.
نهضت أخيرًا، واتجهت إلى الحمام.
توضأت بماء بارد، وشعرت مع كل قطرة ماء تنساب على وجهها بأن شيئًا من اضطرابها يهدأ.
ثم عادت، وفرشت سجادة الصلاة.
وقفت بين يدي الله.
وحين رفعت يديها للدعاء، انكسر كل ما كانت تحاول أن تبدو قوية خلفه.
ناجت ربها بصوت خافت، وسألته أن يدلها على الطريق الصحيح، وأن يختار لها ولا يكلها إلى نفسها، وأن يبعد عنها ما فيه شر، ويقرب إليها ما فيه خير.
طال وقوفها.
وطال دعاؤها.
حتى شعرت أن قلبها بدأ يهدأ شيئًا فشيئًا.
وبعد وقت طويل، عادت إلى سريرها.
استلقت، لكن النوم لم يأتِ سريعًا.
ظلت عيناها معلقتين بالسقف، بينما تتردد في ذهنها كلمات باران وعائشة.
مراد نادم...
يريدها أن تعود...
يريد أن يبدأ من جديد...
لكنها لم تكن تعرف إن كان قلبها قادرًا على العودة.
وبعد وقت طويل، غلبها النعاس.
استسلمت للنوم، لتعود إليها الرؤيا نفسها التي زارتها في الليلة السابقة.
عاد ذلك الحلم بكل تفاصيله...
ذلك اللقاء الذي كان يربك قلبها ويترك في روحها أثرًا لا تستطيع تفسيره.
رأت باران أمامها مرة أخرى.
كان قريبًا منها...
وكانت يداه تمسكان بيدها.
استيقظت ديلان فجأة.
جلست على السرير، وأنفاسها متسارعة.
وفي اللحظة نفسها، تسلل إلى الغرفة صوت أذان الفجر.
رفعت عينيها نحو النافذة.
كان الليل ينسحب ببطء، والفجر يعلن بداية يوم جديد.
وضعت يدها على صدرها.
ثم همست لنفسها:
ديلان: مرة أخرى...
نظرت أمامها بشرود.
ديلان: هذه هي الليلة الثانية التي أحلم فيها به.
ارتجف قلبها، لكنها سرعان ما هزت رأسها وكأنها تريد طرد الفكرة من عقلها.
ديلان: لا... لا يجب أن أفكر في الأمر.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
ديلان: ربما السبب هو هذا المكان.
نظرت حولها.
ديلان: بقيت هنا وأنا أفكر فيه... وفي الماضي... وفي كل ما حدث، لذلك ربما يخدعني عقلي، ويعيد إليّ صورته حتى في نومي.
ثم قالت لنفسها بحزم:
ديلان: وهذا لا يجوز.
صمتت قليلًا، ثم أغمضت عينيها.
ديلان: حتى لو طلبت الطلاق من مراد، لا يمكن أن يكون هناك شيء بيني وبين باران.
ارتجف صوتها.
ديلان: لقد افترقت طرقنا منذ زمن... وكل واحد منا اختار طريقه، ومستحيل أن نجتمع مرة أخرى.
ثم راحت تقنع نفسها بما قررته:
ديلان: لذلك سأمنح مراد فرصة أخرى.
مسحت على وجهها، ثم نهضت.
ديلان: ربما يتغير... وربما أستطيع أن أبدأ معه من جديد.
توضأت مرة أخرى، ثم وقفت لأداء صلاة الفجر.
وبعد الصلاة جلست على سجادة صلاتها، وفتحت مصحفها.
راحت تتلو آيات القرآن بصوت خافت، محاولة أن تجد في كلمات الله السكينة التي افتقدتها.
ومع مرور الساعات، عاد يومها إلى روتينه الهادئ.
ذكرٌ...
وتلاوة...
وصلاة...
وصمت طويل تتخلله محاولات لإقناع قلبها بأن القرار الذي اتخذته هو الطريق الصحيح.
لكن في مكان عميق داخلها، ظل سؤال صغير لا تعرف كيف تطرده:
هل كان ذلك المنام مجرد حديث نفس...
أم أن قلبها كان يحاول أن يخبرها بشيء لم تجرؤ هي على سماعه؟:::
أشرقت شمس الصباح على المدينة بهدوء، فيما كانت العائلة قد استيقظت باكرًا، وكل واحد منهم يحمل في صدره شيئًا مختلفًا عن الآخر.
كان القلق لا يزال يخيّم على المنزل منذ اختفاء ديلان، لكن عائشة حاولت أن تبدأ يومها بشيء تستطيع فعله من أجلها.
دخلت المطبخ وأعدّت لها وجبة إفطار، واختارت لها بعض الأطعمة التي تعرف أنها تحبها، ثم رتبتها بعناية في صينية، وكأنها بذلك تستطيع أن تخفف شيئًا من الألم الذي تعيشه تلك الفتاة.
وحين انتهت، ناولت الصينية لباران وقالت:
عائشة: اصعد بها إليها يا بني، ربما لم تتناول شيئًا منذ الأمس.
أومأ باران، وصعد الدرج حاملًا الصينية.
وقف أمام الباب، ثم طرقه طرقًا خفيفًا.
لم تمضِ سوى لحظات حتى فُتح الباب، وظهرت ديلان أمامه بعد أن ارتدت حجابها ونقابها.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، ثم رفع الصينية أمامها.
باران: أمي أرسلت إليك هذا الإفطار.
مد يديه ووضع الصينية بين يديها.
باران: قالت إنك ربما لم تتناولي شيئًا منذ الأمس.
أومأت ديلان بخجل.
ديلان: جزاها الله خيرًا.
ثم همّ باران بالانصراف، إذ لم يكن يريد أن يضغط عليها أكثر بعد الحديث الذي دار بينهما في الليلة الماضية، كنا انه يعلم جيدا ان وقوفه معها لايصح فهي زوجة اخيه وبمكان وحدها وهذا لايجوز.
لكن صوت ديلان أوقفه.
ديلان: باران...
استدار إليها.
كانت واقفة عند الباب، والصينية بين يديها، لكن شيئًا في نظرتها كان مختلفًا.
ترددت لحظات، ثم قالت:
ديلان: لقد فكرت جيدًا.
ظل باران ينظر إليها منتظرًا بقية حديثها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت:
ديلان: وسأمنح مراد فرصة أخرى.
ساد الصمت لثوانٍ.
لم يبدُ على باران الفرح بقدر ما ظهر عليه الارتياح؛ فقد كان يعرف أن هذا القرار لم يكن سهلًا عليها، وأنها لم تتخذه إلا بعد صراع طويل مع نفسها.
قال بهدوء:
باران: وهل تريدين مني أن أبلغه بذلك؟.
أومأت ديلان.
ديلان: نعم.
خفض باران رأسه قليلًا، ثم قال:
باران: حسنًا... سأبلغه.
وقبل أن تغلق الباب، أضاف:
باران: أتمنى أن يكون قرارك خيرًا لك يا ديلان.
نظرت إليه للحظة، ثم أغلقت الباب بهدوء.
بقي باران أمام الباب لثوانٍ، ثم تنفس بارتياح، واتجه نحو الدرج.
كان يحمل في داخله خبرًا يعرف أنه سيغير شيئًا في قلب مراد.
أما في شقة مراد، فكان الباب مغلقًا.
طرق باران مرة...
ثم مرة ثانية.
انتظر قليلًا، ثم طرق من جديد.
باران: مراد؟.
لم يأته أي جواب.
قطب حاجبيه.
طرق الباب بقوة أكبر.
باران: مراد، افتح الباب.
لكن الصمت وحده كان جوابه.
تراجع باران خطوة، ثم نظر إلى الباب باستغراب.
أين ذهب؟.
خطر في باله أنه ربما نزل إلى شقة والديه.
أسرع بالنزول، واتجه إلى شقة عزت، لكنه ما إن دخل حتى أخذ يبحث عنه بعينيه.
لم يكن هناك.
توقف باران في مكانه.
سأل عنه، فأخبره الجميع أنهم لم يروه منذ الأمس..
عقد حاجبيه.
هل خرج مجددًا للبحث عن ديلان؟،
لم يكن أمامه تفسير آخر.
تنهد، ثم أخرج هاتفه، لكنه لم يجد منه أي اتصال، ثم قال في نفسه.
باران: لابأس دعه يبحث عنها قليلا ثم سأخبره.
وفي الوقت نفسه، لم يكن باران يعلم أين كان مراد حقًا.
فمنذ ساعات الصباح الأولى، كان مراد قد غادر الشقة دون أن يخبر أحدًا.
لم يكن ذاهبًا للبحث عن ديلان هذه المرة بطريقة عشوائية، بل كان يحمل في رأسه خطة واضحة.
كان يتذكر تلك الجملة التي سمعها بالأمس من دنيز:
"موعدنا غدًا... في المكان نفسه والساعة نفسها."
ومنذ أن سمعها، لم تفارقه الفكرة.
كان يعتقد أن مراقبة دنيز قد تقوده إلى المكان الذي تختبئ فيه ديلان.
خرج قبل أن تستيقظ العائلة، واختار مكانًا يستطيع منه مراقبة تحركاتها دون أن تراه.
كان قلبه يخفق بعنف، لكن هذه المرة لم يكن الخفقان بسبب الغضب.
كان بسبب الأمل.
أمل أن يجد ديلان أخيرًا.
أمل أن يصل إليها، ويعتذر، ويخبرها أنه يريد أن يبدأ معها من جديد.
كان يظن أن ما سيحدث اليوم لن يتجاوز معرفة المكان الذي تذهب إليه دنيز.
لم يكن يعلم أن خطواته ستقوده إلى ما هو أكبر بكثير.
لم يكن يعلم أن خلف تلك المكالمة سرًا ظل مخفيًا عنه، وأن دنيز لم تكن مجرد شخص قد يعرف مكان ديلان.
كان هناك شيء آخر...
مؤامرة.
مكائد حيكت بعيدًا عن عينيه، واستُخدمت فيها مخاوفه وشكوكه وغضبه حتى يصبح هو نفسه أداة في إيذاء زوجته.
وكانت الحقيقة التي اقترب منها مراد أقسى مما تخيل.
فطوال الوقت، كان يظلم ديلان.
كان يشك فيها، ويحاكمها، ويحمّلها ذنب أشياء لم ترتكبها، بينما كانت الحقيقة تُخفى عنه عمدًا.
وكانت ديلان...
فتاة بريئة لم يكن ذنبها سوى أن القدر وضعها في طريق أشخاص لم يروا فيها إنسانة لها قلب ومشاعر، بل رأوا فيها عقبة تقف أمام مصالحهم.
أشخاص لم يهتموا بمن سيتأذى، ولا بمن سينكسر، ما داموا سيصلون إلى ما يريدون.
ومع كل دقيقة تمر، كان مراد يقترب أكثر من الحقيقة.
حقيقة ستجبره على إعادة النظر في كل شيء.
في ديلان...
وفي نفسه...
وفي الأشخاص الذين وثق بهم.
وربما، حين يعرف الحقيقة كاملة، سيكتشف أن أكثر شخص ظلمه في حياته لم يكن عدوه...
بل تلك الفتاة التي كان من المفترض أن يحميها.
والآن، كان الصباح يحمل له مفاجأة لم يكن يتوقعها.
فبينما كان باران يبحث عنه ليخبره بأن ديلان وافقت على منحه فرصة جديدة، كان مراد في مكان آخر، يراقب دنيز من بعيد...
دون أن يعلم أن تلك المراقبة ستفتح الباب أمام الحقيقة التي ظل الجميع يخشون ظهورها.:::