رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السادس والثلاثون36 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السادس والثلاثون36 بقلم عاشقة القلم

✍️ما إن غادرت عائلة إبراهيم شقة عزت متجهة إلى شقتهم، حتى انصرف كل فرد منهم إلى غرفته، وقد أثقل التعب أجسادهم بعد يوم طويل.

أما صفية، فلم تكد تدخل الغرفة خلف زوحها، حتى لحقت بابنتها دنيز إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفهما، ثم استدارت إليها بنظرة امتزج فيها الغضب بالقلق، وكأنها كانت تحمل في صدرها حديثًا لم تستطع تأجيله أكثر.

قالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:

صفية: ما الكلام الذي القيتي به انا زوجة عمك ذاك، ثم من كانت صديقتك تلك التي اتصلت بك؟.

حاولت دنيز أن تبدو هادئة، وأجابت دون أن ترفع عينيها كثيرًا عن والدتها:

دنيز: صديقة قديمة من أيام المعهد، وأنتِ لا تعرفينها، لقد خُطبت مؤخرًا، وليس لها أحد يرافقها، فطلبت مني أن أذهب معها لشراء بعض مستلزمات لجهازها، لكن أبي منعني من الخروج، ونسيت أن أخبرها بذلك.

ضيّقت صفية عينيها، ثم قالت بلهجة عاتبة:

صفية: أبوكِ منعكِ من الخروج، اليس بسب تصرفك المتهور بذلك الشكل؟، هل ما فعلته يليق بكِ؟، لولا ستر الله، لكان مراد شوّه وجهكِ أمام الناس!.

ارتسمت على وجه دنيز ابتسامة ساخرة، وردت بنبرة مشوبة بالغيظ:

دنيز: هو لا يُظهر رجولته إلا علينا نحن، أما زوجته تلك، فلا يفعل معها شيئًا.

تغيرت ملامح صفية، وصاحت بها:

صفية: وما الذي تعرفينه عما يفعله معها حتى تتحدثي بهذه الطريقة؟!.

ثم أخذت نفسًا عميقًا، وقالت وقد خفَّ غضبها قليلًا، وحل محله شيء من الصراحة التي طالما أخفتها عن ابنتها:

صفية: بل على العكس... ما فعله بها مؤخرًا جعلني أحمد الله ألف مرة لأنه لم يتزوجكِ، أتدرين ماذا كنتِ ستعيشين معه؟، رجل يتحكم في كل شيء!، حرمها من عملها المحترم، ثم أخذ منها هاتفها، ومنعها من الخروج، وأراد أن تبقى حبيسة البيت لا لخدمته وحده، بل لخدمة والديه وأخيه وابنة أخته أيضًا، ثم بلغ به الأمر أن طردها من البيت عند الغروب!.

سكتت لحظة، ثم هزت رأسها بأسى وهي تتابع:

صفية: لو كانت تلك الفتاة ابنتي، لما سمحت لها بالعودة إليه أبدا بعد ما فعله بها.

تجمدت دنيز في مكانها، وكأن كلمات أمها جاءت في غير موضعها تمامًا.

دنيز: ما الذي تقولينه يا أمي؟،

نظرت إليها صفية بثبات، وقالت:

صفية: أقول لكِ أن تصرفي نظركِ عن مراد، وأنا أعرف عائشة جيدًا، ولن ترضى بغير ديلان زوجةً لابنها وكنةً لها، مهما فعلتِ، لن تستطيعي تغيير ذلك.

اتسعت عينا دنيز، وظهر الامتعاض على وجهها.

دنيز: والآن تقولين لي هذا يا أمي؟، بعد أن وصلتُ إلى هذا العمر؟، بعد كل ما حدث؟.

اقتربت صفية منها، وخففت نبرتها:

صفية: أبوكِ مصمم على أن يزوجكِ لأول رجل يطرق بابنا، وأنا أخشى عليكِ من نفسكِ، أتمنى ألا تفعلي شيئًا متهورًا كما فعلتِ في ذلك اليوم، لأن عاقبته لن تقع على رأسكِ وحدكِ، بل علينا جميعًا، لهذا جئت لأحدثكِ وأحذركِ قبل أن تفعلي شيئًا تندمين عليه.

ثم تركتها وخرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفها.

لكنها لم تكن تعلم أن كلماتها لم تُطفئ النار المشتعلة في قلب ابنتها، بل زادتها اشتعالًا.

جلست دنيز على طرف سريرها، تحدق في الفراغ بعينين غاضبتين، كانت كلمات أمها تتردد في رأسها، إلا أن كل كلمة كانت تدفعها أكثر نحو العناد.

لقد أخبرتها أن تتراجع عن تفكيرها..... لكن صفية لم تكن تعلم ما الذي فعلته إبنتها وما الذي تخطط له أيضا، لم تدرك ان أبنتها لم تكن مستعدة لذلك.

بل على العكس، أصبح إصرارها أشد من ذي قبل.

في صباح اليوم التالي، غادر والدها إلى عمله، وتوجه شقيقها إلى جامعته، بينما بقيت دنيز في المنزل تساعد والدتها في ترتيب المائدة بعد الإفطار.

وحين انتهت، مسحت يديها، ثم التفتت إلى والدتها وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة منذ استيقاظها.

دنيز: أمي، أريد الخروج قليلًا لشراء بعض الأغراض التي تخصني.

رفعت صفية رأسها إليها، ثم تنهدت:

صفية: لقد منعكِ أبوكِ من الخروج وحدكِ، وأوصاني ألا أسمح لكِ بذلك.

اقتربت دنيز منها، وقالت بإلحاح:

دنيز: لكنني بحاجة إليها يا أمي.

صفية: أخبريني ما هي، وسأطلب من أبيكِ أن يشتريها لكِ في طريق عودته.

ارتبكت دنيز للحظة، ثم سرعان ما وجدت مخرجًا:

دنيز: لا يمكن يا أمي... إنها أشياء خاصة، ولا أستطيع أن أطلب من أبي أن يشتريها لي، إنها أمور تخصنا نحن النساء، وأحتاج إليها اليوم تحديدًا، ولا يمكن لأي شخص آخر أن يشتريها.

نفخت صفية خديها بضيق، ثم نظرت إلى ابنتها طويلًا قبل أن تستسلم.

صفية: لو لم يطلب مني أبوكِ أن أجهز له المحاشي على الغذاء، لخرجت معكِ بنفسي، حسنًا، اذهبي... لكن لا تتأخري، أريدكِ هنا بعد ساعة واحدة، هل فهمتِ؟، لا أريد مشاكلا مع أبيكِ.

ما إن سمعت دنيز موافقة والدتها حتى تبدلت ملامحها في لحظة. اقتربت منها، وقبلت جبينها بحنان مصطنع وهي تبتسم:

دنيز: أنتِ أفضل أم في الدنيا، شكرًا لكِ.

ابتسمت صفية رغمًا عنها، ولم تدرك أن ابنتها لم تكن تشكرها على شراء بعض الأغراض، بل كانت تشكرها لأنها منحتها الطريق الذي كانت تبحث عنه.

دخلت دنيز غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم أسرعت نحو هاتفها. جلست على طرف السرير، وأخرجته من جيبها، ثم طلبت رقمًا كانت قد حفظته عن ظهر قلب.

انتظرت لحظات، وما إن جاءها الرد حتى قالت بصوت خافت:

دنيز: ألو... نعم، انتظرني بعد ربع ساعة من الآن في المكان المعتاد. أنا قادمة.

توقفت لحظة تستمع إلى الطرف الآخر، ثم قالت:

دنيز: حسنًا... إلى اللقاء.

أغلقت الهاتف، ووقفت أمام خزانتها.

راحت تختار ملابسها بعناية، قطعة تلو الأخرى، بينما كانت ابتسامة خفية ترتسم على شفتيها.

لم تعد تفكر في تحذير أمها، ولا في غضب أبيها، ولا حتى في العواقب التي قد تترتب على ما تنوي فعله.

كان هناك هدف واحد يسيطر على عقلها...

مراد، وكيف ستحصل عليه،

وما كانت تخطط له لم يكن لقاءً عابرًا، بل خطوة جديدة في الطريق الذي اختارته لنفسها، مهما كان الثمن.


بعد أن طرق باران باب شقة أخيه مرارًا، انتظر قليلًا، ثم أعاد الطرق من جديد، لكن الصمت ظل سيد المكان، لا صوت لخطوات تقترب من الباب، ولا حركة توحي بأن أحدًا في الداخل.

قطّب حاجبيه، وألقى نظرة على الساعة في هاتفه، ثم طرق للمرة الأخيرة، هذه المرة بقوة أكبر.

باران: مراد! هل أنت بالداخل؟.

لم يجبه أحد.

تراجع باران عن الباب، وقد بدأ القلق يتسلل إلى نفسه، كان يعرف أن أخاه في الآونة الأخيرة يمر بمرحلة صعبة، خصوصًا بعد ما حدث بينه وبين ديلان، لكنه لم يتوقع أن يختفي بهذا الشكل.

ظل للحظات واقفًا أمام الباب، يفكر في المكان الذي يمكن أن يكون قد ذهب إليه، ثم قرر ألا يضيع المزيد من الوقت، فاتجه إلى شقة والديه في الطابق السفلي.

ما إن فتح الباب ودخل حتى وجد والدته عائشة ووالده عزت يتناولان إفطارهما، رفع كلاهما عينيه إليه، فلاحظت عائشة على الفور ملامح الحيرة المرتسمة على وجهه.

خلع باران معطفه ووضعه جانبًا، ثم ألقى نظرة سريعة حوله، وكأنه يبحث عن شخص بعينه.

باران: أمي... ألم يأتِ مراد إلى هنا؟.

رفعت عائشة حاجبيها باستغراب.

عائشة: لا يا بني، لم يأتِ منذ الأمس، لماذا؟ ألم يكن في شقته؟.

هز باران رأسه.

باران: مررت عليه قبل أن آتي إلى هنا، طرقت الباب كثيرًا، بل ناديت عليه أيضًا، لكن لم يجبني أحد.

تبادل عزت وعائشة نظرة سريعة، ثم قال عزت وهو يضع كوب الشاي أمامه:

عزت: ربما لم يُرد أن يلتقي بنا بعد ما حدث بالأمس.

ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف بنبرة يغلب عليها الظن:

عزت: أو ربما خرج باكرًا للبحث عن زوجته.

جلس باران على أحد الكراسي، وأسند ظهره إليه وهو يطلق زفرة هادئة.

كان كلام والده منطقيًا.

فمراد، بعد أن أدرك خطورة موقفه، ربما خرج يبحث عن ديلان قبل أن يضيع المزيد من الوقت.

ابتسم باران ابتسامة صغيرة، وقال:

باران: لا بأس... دعه يحاول ويبحث عنها، وحين يعود، سنخبره بالمفاجأة.

توقفت عائشة عن تناول طعامها، ونظرت إليه باهتمام.

عائشة: مفاجأة؟ أي مفاجأة يا بني؟.

رفع باران عينيه إليها، فرأى في نظرتها فضولًا واضحًا، بينما اعتدل عزت في جلسته هو الآخر، وقد بدا عليه الاهتمام بما سيقوله ابنه.

ابتسم باران، وقال متعمدًا أن يتركهما لحظات في انتظار كلماته:

باران: لقد تحدثت مع ديلان.

شهقت عائشة بخفة، ووضعت ما بيدها جانبًا.

عائشة: تحدثت معها؟، متى؟.

باران: هذا الصباح، عندما طلبت مني ان اصعد لها بطعام الإفطار،

ثم أضاف:

باران: تحدثنا عن مصيرها ومصير مراد، وعن علاقتهما... وإلى أين ستؤول الأمور بينهما.

كانت عائشة تستمع إليه وقلبها يخفق بسرعة، فمنذ أن صعدت لها بالامس ليلا مع باران، وهي لا تستطيع إخراج تلك الفتاة من تفكيرها، كانت تعلم أن ديلان مجروحة، وأن ما تعرضت له لم يكن أمرًا يسهل تجاوزه بكلمة اعتذار.

لكنها، في الوقت ذاته، كانت تتمنى من أعماق قلبها أن تمنح ابنها فرصة لإصلاح ما أفسده.

قالت بلهفة:

عائشة: عندما أخذت لها طعام الإفطار... هل تحدثت معك بشأن ذلك؟، ماذا قالت لك؟.

أومأ باران.

باران: نعم يا أمي.

ثم ابتسم ابتسامة هادئة وهو يقول:

باران: ديلان وافقت على العودة إلى مراد... ومنحه فرصة أخيرة.

ظل الصمت للحظات.

حدقت عائشة في ابنها وكأنها تريد التأكد من أنها سمعت جيدًا، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة لم تستطع إخفاءها.

عائشة: ألم أقل لكما إنها فتاة طيبة؟.

نظرت إلى عزت، ثم عادت بعينيها إلى باران.

عائشة: قلت لك إن ديلان ليست من الفتيات اللواتي ينسين المعروف بسهولة، وإن قلبها أكبر من أن يحمل الحقد، حتى لو جال مراد الأرض كلها بحثًا عن زوجة مثلها، فلن يجد.

ابتسم باران، وقال:

باران: معك حق يا أمي، أخي يمتلك جوهرة نادرة، لكنه لم يعرف قيمتها إلا بعدما كاد يفقدها.

ثم تغيرت ملامحه قليلًا، وأضاف:

باران: لكنه هذه المرة أدرك خطأه، ومن حديثه معي بالأمس، بدا لي أنه نادم فعلًا، قال إنه مستعد لفعل أي شيء حتى تعود إليه ديلان.

تنهد عزت بعمق، وأطرق رأسه للحظات.

كان الأب يشعر بمزيج من الراحة والخوف في آن واحد؛ الراحة لأن بيته ربما لن يشهد انكسار أسرة ابنه، والخوف من أن يكون ندم مراد مجرد اندفاع مؤقت سرعان ما يزول.

رفع رأسه وقال:

عزت: أتمنى ذلك يا بني... أتمنى من قلبي أن يكون قد فهم الدرس هذه المرة.

ثم نظر إلى باران بجدية.

عزت: أتمنى أن يتخلص أخوك من غضبه وعناده، وأن يتعلم كيف يهتم ببيته ويحافظ على زوجته ويؤدي واجباته تجاهها، الزواج ليس سيطرة على الطرف الآخر، ولا يعني أن يمتلك الإنسان حياة شريكه كما يشاء.

سكت قليلًا، ثم قال بأسى:

عزت: ديلان تحملت أكثر مما ينبغي، ولا أريد أن تعود إليه لتعيش الألم نفسه مرة أخرى.

أومأ باران موافقًا.

باران: وأنا أتفق معك يا أبي، ولهذا أظن أن عودتها يجب ألا تكون سهلة.

نظرت إليه عائشة، وكأنها كانت تفكر في الأمر نفسه.

عائشة: لن تكون سهلة.

قالتها بحزم جعلت عزت ينظر إليها.

عائشة: إذا كانت أمها لا تعلم بما حدث كله، فأنا سأكون أمها في هذا الأمر، لن أسمح لمراد بأن يستعيدها لمجرد أنها سامحته، ثم يعود إلى عاداته القديمة.

تنهدت، ثم قالت بنبرة أكثر حزمًا:

عائشة: سأضع له شروطًا واضحة، إذا أراد ديلان زوجةً له، فعليه أن يعرف أولًا أنها ليست خادمة عنده، وليست شخصًا يستطيع التحكم في حياته كيفما شاء، لها كرامتها وحقوقها، وعليه أن يحافظ عليها.

ابتسم باران إعجابًا بكلام والدته.

باران: كنت أعلم أنك ستقولين ذلك.

ثم نظر بين والديه، وقال:

باران: إذن ماذا تريان؟، هل أتصل بمراد وأخبره بأن زوجته عادت إلى البيت وأنها موجودة هنا في شقتكم؟.

هزت عائشة رأسها بسرعة.

عائشة: لا.

رفع باران حاجبه باستغراب.

باران: لا؟.

عائشة: لا تخبره بشيء الآن.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها اتخذت قرارها بالفعل.

عائشة: دعه يعود أولًا، وليبحث عنها قليلًا، وليذق شيئًا من القلق الذي ذاقته هي، وعندما يأتي، سأخبره بكل شيء بطريقتي.

ضحك عزت بخفة، وقال:

عزت: يبدو أن ابني سيواجه اليوم محكمة كاملة.

نظرت إليه عائشة بطرف عينها.

عائشة: بل سيواجه أمه أولًا، وبعدها زوجته.

ضحك باران، وانفرجت ملامح التوتر التي كانت تكسو وجهه منذ دخوله.

لكن خلف تلك الابتسامات، كانت هناك مشاعر أخرى لا يستطيع أحد منهم تجاهلها.

كانوا جميعًا سعداء لأن ديلان وافقت على العودة، لكنهم كانوا يدركون أن الطريق لم ينتهِ بعد.

فالمسامحة شيء، وعودة الثقة شيء آخر.

ومراد، إن كان صادقًا في ندمه، فعليه أن يثبت ذلك بالأفعال لا بالكلمات.

بعد أن أنهوا إفطارهم، نهض عزت من مكانه وتناول مفاتيحه.

عزت: هيا يا باران، سنتأخر عن العمل.

وقف باران، ثم التفت إلى والدته.

باران: أمي، هل ستصعدين إليها الآن؟.

أومأت عائشة.

عائشة: نعم، سأصعد إليها وأتحدث معها بهدوء قبل أن يعود مراد، أريد أن أعرف منها كل شيء، وما الذي جعلها تقبل بالعودة، وما الذي تنتظره منه.

ابتسم باران.

باران: إذن اطمئني عليها من أجلي.

اقترب منها وقبّل رأسها، ثم قال:

باران: أظن أن ديلان تحتاج إلى أم تقف إلى جانبها أكثر من حاجتها إلى أي شيء آخر الآن.

وضعت عائشة يدها على كتفه بحنان.

عائشة: وأنا لن أتخلى عنها، سواء عادت إلى مراد أم لم تعد.

ثم غادر باران برفقة والده، بينما بقيت عائشة وحدها في المطبخ.

وقفت للحظات وسط المكان، تنظر إلى الأطباق التي لم تنتهِ من ترتيبها، ثم بدأت تجمعها واحدة تلو الأخرى.

لكن عقلها لم يكن مع ما تفعله يداها.

كان مع ديلان.

ومع ذلك اللقاء الذي ستصعد إليه بعد قليل.

كانت تعرف أن الفتاة وافقت على العودة، لكنها أرادت أن تسمع منها السبب بنفسها، أرادت أن تتأكد من أن قرارها لم يكن نتيجة خوف أو ضعف أو شعور بالذنب.

وحين انتهت من ترتيب الأغراض، مسحت يديها، وتوجهت نحو الباب.

رفعت عينيها إلى الطابق العلوي، وقالت في نفسها:

هذه المرة لن أتركك وحدك يا ابنتي... ولن أسمح لأحد أن يكسر قلبك مرة أخرى.

ثم صعدت الدرج بخطوات هادئة، تحمل في قلبها الكثير من الأسئلة، والكثير من الحنان، وعزمًا لا تعرف ديلان بعد مدى قوته.

أما في الخارج، فكان مراد لا يزال بعيدًا عن البيت، يطارد أثر زوجته في كل مكان يخطر له، غير عالم بأن ديلان التي ظن أنه فقدها قد عادت بالفعل...

وأن عودتها هذه المرة لن تكون كما كانت من قبل.


بعد أن أنهت عائشة ما كانت تقوم به، وأوصلت الصغيرة ملك إلى المدرسة القرآنية، عادت إلى المنزل وقلبها مشغول بما سمعته من باران، فمنذ أن أخبرها أن ديلان وافقت على العودة إلى مراد ومنحه فرصة أخيرة، لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الأمر.

هل كان قرار ديلان نابعًا من رغبتها حقًا؟،

أم أنها عادت لأنها لم تجد لنفسها مكانًا آخر؟.

كانت عائشة تريد أن تعرف الحقيقة منها مباشرة، لا أن تكتفي بما نقله إليها باران.

صعدت الدرج حتى بلغت الطابق الرابع، ثم وقفت أمام الغرفة التي كانت ديلان تقيم فيها مؤقتًا. رفعت يدها وطرقت الباب طرقات خفيفة، ثم قالت بصوت حنون:

عائشة: ديلان... هذه أنا، أمك عائشة، افتحي يا ابنتي.

لم تمضِ سوى لحظات حتى فُتح الباب، وظهرت ديلان أمامها.

وما إن وقعت عينا عائشة عليها حتى ابتسمت لها بحنان، ثم مدت ذراعيها واحتضنتها وقبّلت رأسها، لتبادلها ديلان التحية وهي تشعر بشيء من الدفء يتسلل إلى قلبها.

دخلت عائشة إلى الغرفة، وأغلقت ديلان الباب خلفها، ثم جلستا جنبًا إلى جنب على طرف السرير.

ساد بينهما صمت قصير، لم يكن ثقيلًا، لكنه كان يحمل الكثير من الكلام الذي لم يُقل بعد.

مدت عائشة يدها وأمسكت بيد ديلان بين كفيها، وضغطت عليها برفق، ثم قالت:

عائشة: أخبرني باران أنك وافقتِ على العودة إلى مراد، وأنك قررتِ أن تمنحي زواجكما فرصة أخرى ليصلح ما أفسده بينكما.

خفضت ديلان عينيها إلى يديهما المتشابكتين، وظلت للحظات صامتة.

كانت الكلمات التي ستقولها بعد قليل ثقيلة على قلبها، لأنها لم تكن تريد أن تظهر وكأنها عادت إلى مراد خوفًا منه أو ضعفًا أمامه.

وأخيرًا قالت بصوت هادئ:

ديلان: نعم يا أمي... فكرت كثيرًا قبل أن أتخذ هذا القرار، لم يكن الأمر سهلًا عليّ، لكنني قررت أن أمنح زواجي من مراد فرصة أخرى.

رفعت عائشة عينيها إليها، تستمع دون مقاطعة.

تابعت ديلان:

ديلان: أنت تعلمين كيف ينظر مجتمعنا إلى المرأة المطلقة، قد يقول الناس إنهم لا يهتمون، لكنني أعرف كيف تكون نظراتهم، وكيف تتحول المرأة في لحظة إلى موضع حديث وهمس، مهما كانت مظلومة.

ابتلعت غصتها، ثم قالت:

ديلان: وأنا... ليس لدي مكان أذهب إليه.

تغيرت ملامح عائشة، فتابعت ديلان بصوت أكثر انخفاضًا:

ديلان: لقد أخبرتكِ عن زوج أمي، وأنت تعرفين ما عانيته بسببه، لا أستطيع أن أعود إلى ذلك البيت وكأن شيئًا لم يكن، وفي الوقت نفسه، لا أستطيع أن أستأجر منزلًا وأعيش وحدي بسهولة... المجتمع لا يرحم يا أمي.

كانت عائشة تستمع إليها وقلبها يعتصر ألمًا.

ثم قالت بحزم، وهي تضغط على يدها:

عائشة: إذا كانت هذه هي الأسباب التي جعلتكِ تفكرين في العودة إلى مراد، فأنا أقول لك شيئًا واحدًا يا ابنتي... بيتي مفتوح لكِ.

رفعت ديلان عينيها إليها.

عائشة: أنتِ لستِ غريبة عني، ولن تكوني يومًا كذلك، إن كنتِ بحاجة إلى مكان يحميكِ، فبيتي بيتكِ، وأنا أمكِ، ولن أسمح لأحد أن يمسكِ بسوء ما دمتِ تحت سقفي.

ارتجفت شفتا ديلان، وكادت الدموع تملأ عينيها، لكنها سارعت إلى مسحها.

ديلان: أعلم يا أمي... وأقسم لكِ أنني فكرت في كل شيء جيدًا.

ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها قبل أن تقنع عائشة.

ديلان: أنا مقتنعة بقراري.

سكتت قليلًا، ثم قالت:

ديلان: مراد ليس إنسانًا سيئًا يا أمي، اعلم جيدا ان قلبه طيب، لكن عصبيته تفسد كل شيء، وشكه أحيانًا يكون بلا مبرر، لو استطاع أن يتخلى قليلًا عن غضبه وشكوكه، لكانت حياتنا أفضل بكثير.

كانت عائشة تريد أن تقاطعها، أن تقول لها إن الطيبة وحدها لا تكفي، وإن الحب لا يمنح الإنسان الحق في ظلم من يحبه، لكنها رأت في عيني ديلان شيئًا جعلها تصمت.

كان هناك إصرار هادئ.

ليس إصرار امرأة لا ترى الحقيقة، بل امرأة قررت أن تمنح الرجل الذي تزوجته فرصة أخيرة، رغم كل الألم الذي سببه لها.

تابعت ديلان:

ديلان: سأحاول قدر استطاعتي أن أتلافى غضبه، وأن أتعامل معه بهدوء، وأدعو الله أن يصلحه ويهديه إلى الصواب، أنا لا أريد أن أهدم بيتي يا أمي.

ثم أطرقت برأسها، وقالت بصوت خافت:

ديلان: لقد منحتُه فرصة... فرصة ليصلح كل ما كسره بيننا.

ظلت عائشة تنظر إليها للحظات، وفي قلبها خليط من الشفقة والإعجاب والخوف.

كانت أمامها فتاة تعرض قلبها للجرح مرة أخرى، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها لا تزال تأمل أن يكون وراء الرجل الذي آذاها زوجٌ أفضل لم يظهر بعد.

رفعت عائشة يدها، ومررت أصابعها على رأس ديلان بحنان، ثم انحنت وقبّلتها.

عائشة: والله يا ابنتي... لو طفت الأرض كلها، لما وجدت فتاة في أخلاقكِ ولا في طيبة قلبكِ.

ثم احتضنتها لحظات، وكأنها تريد أن تمنحها من أمانها ما يكفيها لمواجهة القادم.

وبعد أن ابتعدت عنها، قالت:

عائشة: حسنًا يا ديلان، ما دمتِ اتخذتِ قراركِ عن قناعة، فلن أقف في طريقكِ.

ثم أضافت بحزم:

عائشة: لكن تذكري شيئًا واحدًا... منحكِ مراد فرصة لا يعني أن تتنازلي عن كرامتكِ أو حقوقكِ، وإن عاد إلى ما كان عليه، فلن أطلب منكِ أن تتحملي فوق طاقتكِ.

أومأت ديلان برأسها، وقد شعرت بأن كلمات عائشة منحت قرارها قدرًا من الطمأنينة.

ابتسمت عائشة ابتسامة صغيرة، ثم قالت:

عائشة: والآن هيا، انزلي إلى شقتكِ ووضبي أموركِ، وعندما يعود مراد، سيكون لوالدكِ ولي حديث طويل معه قبل أن نخبره بأنكِ عدتِ إليه ومنحته فرصة لإصلاح علاقتكما.

رفعت ديلان حاجبيها قليلًا.

ديلان: هل ستخبرانه أولًا؟.

ابتسمت عائشة.

عائشة: بالتأكيد، لن نضعكِ بين يديه دون أن يعرف أولًا ما الذي ينتظره منكِ وما الذي ننتظره منه.

هزت ديلان رأسها موافقة، ثم وقفت.

خرجتا معًا من الغرفة، وسارتا نحو الدرج.

طوال الطريق، كانت ديلان صامتة، بينما كانت عائشة تلقي عليها بين الحين والآخر نظرات مليئة بالأمومة.

وحين وصلتا إلى شقة مراد، أخرجت عائشة المفتاح وفتحت الباب.

وقفت ديلان للحظة أمام عتبة منزلها.

منزلها...

ذلك المكان الذي دخلته يومًا بقلب مليء بالأمل، ثم خرجت منه مكسورة القلب.

والآن تعود إليه بإرادتها، حاملة في صدرها خوفًا كبيرًا، وأملًا صغيرًا بأن تكون هذه العودة مختلفة.

التفتت إلى عائشة، فابتسمت لها الأخيرة مشجعة.

عائشة: اذهبي يا ابنتي، واهدئي، وكل شيء سيكون بإذن الله خيرًا.

دخلت ديلان إلى الشقة، ثم استدارت وأغلقت الباب خلفها.

ظلت عائشة واقفة أمام الباب للحظات، تنظر إليه وكأنها تستطيع رؤية ابنتها من خلاله،

ثم تنهدت بعمق، واستدارت لتعود إلى شقتها.

وفي أثناء نزولها الدرج، رفعت يديها إلى صدرها، وتمتمت بدعاء خرج من أعماق قلبها:

عائشة: اللهم اهده يا رب... أصلح قلبه وعقله، وأبعد عنه الغضب والشك، واجعله يعرف قيمة زوجته قبل أن يخسرها إلى الأبد، اللهم اجعل هذه الفرصة بداية خير بينهما، ولا تجعلها سببًا في ألم جديد لابنتي.

توقفت لحظة، ومسحت دمعة تسللت إلى طرف عينها.

ثم أكملت طريقها وهي تقول في سرها:

يا رب... ديلان لم تطلب سوى بيت يحميها وقلب يطمئنها، فلا تجعل مراد يهدم بيده البيت الذي أعطته إياه، ولا تجعل قلب هذه الفتاة يندم لأنها سامحت.

وفي الطابق العلوي، كانت ديلان تقف وحدها وسط شقتها.

نظرت حولها، ثم أغمضت عينيها للحظات.

كانت تعرف أن مراد سيعود في أي لحظة...

وأنها هذه المرة لم تعد تنتظر منه مجرد عودة إلى المنزل.

بل كانت تنتظر أن يعود إليها مراد الذي تمنت أن يكونه، لا الرجل الذي كسر قلبها.


بعد أن غادر مراد المنزل، ركب سيارته وأدار محركها، لكنه لم ينطلق بعيدًا.

كان شيء في داخله يخبره أن عليه أن يبقى قريبًا.

أوقف السيارة في أحد الشوارع الجانبية القريبة من المنزل، وأطفأ المحرك، ثم بقي خلف المقود يراقب مدخل البناية من خلال المرآة الأمامية.

لم يكن يعرف ما الذي ينتظره بالضبط، لكنه منذ استيقظ ذلك الصباح كان يشعر بقلق غريب يضغط على صدره.

ظل ينتظر.

مرت دقائق طويلة، ثم ظهرت الحركة عند مدخل البناية.

خرج عمه أولًا، ثم تبعه روني، ابن عمه، وبعدهما خرج والده برفقة باران.

راقبهم مراد بصمت حتى ابتعدوا جميعًا، ثم بقي يحدق في مدخل البناية.

أين أنتِ يا ديلان؟

كان السؤال ينهش عقله منذ طردها.

كلما تذكر وجهها وهي تغادر شقته عند الغروب، يزداد شيء في داخله اختناقًا، كان غاضبًا منها، أو هكذا أقنع نفسه، لكنه منذ تلك اللحظة لم يشعر بالراحة.

غير مراد مكان سيارته قليلًا، واقترب أكثر من البناية حتى أصبحت الرؤية أوضح، ثم أعاد إطفاء المحرك وراح ينتظر.

مر أكثر من ساعة.

كان الصمت يثقل عليه، إلى أن لمح أخيرًا باب البناية يُفتح.

ظهرت دنيز.

اعتدل مراد في جلسته، وراح يتابعها باهتمام.

خرجت دنيز إلى الشارع، ثم سارت بخطوات سريعة نحو الشارع الرئيسي القريب، وأوقفت سيارة أجرة.

انطلقت السيارة، وبعد لحظات تحرك مراد خلفها، محافظًا على مسافة كافية حتى لا تلاحظ وجوده.

لم يكن يعرف إلى أين تتجه، ولا لماذا خرجت بهذه السرعة، لكن إحساسًا غريبًا دفعه إلى متابعتها.

ظل خلفها حتى ابتعدت السيارة عن المنطقة التي يعرفها، ودخلت إلى حي أكثر هدوءًا وأقل ازدحامًا.

ثم توقفت سيارة الأجرة بالقرب من شارع فرعي تحيط به مبانٍ قديمة ومخازن متداعية.

نزلت دنيز.

انتظر مراد حتى تحركت سيارة الأجرة وابتعدت، ثم أوقف سيارته في مكان بعيد، ونزل منها.

أغلق الباب بهدوء، ثم تبع دنيز من بعيد.

كانت تسير دون أن تلتفت خلفها، ولم تكن تعلم أن خطوات أخرى كانت تتبعها.

كلما توغلت في ذلك المكان، ازدادت دهشة مراد.

إلى أين تذهب؟، ولماذا جاءت إلى مكان كهذا؟.

وبعد دقائق، توقفت دنيز أمام مخزن قديم مهترئ، بدا كأنه مهجور منذ سنوات.

وقفت للحظات، وكأنها تنتظر شخصًا.

ثم ظهر رجل من الجهة الأخرى.

توقف مراد في مكانه.

حدق في الرجل، ثم اتسعت عيناه بدهشة.

مراد، في نفسه: مدحت؟.

لقد عرفه فورًا.

مدحت... جار ديلان الذي سبق أن أخبره عن الرجل الذي ادعى أنه عشيقها، والذي كان كلامه أحد الأسباب التي جعلت الشك يتسلل إلى قلب مراد.

لكن ما الذي يجمعه بدنيز؟.

شعر بقلبه يخفق بعنف.

ماذا تفعل دنيز معه؟.

تراجع خلف أحد الجدران القديمة، ثم اقترب بحذر، محاولًا ألا يشعر أي منهما بوجوده.

كانت المسافة بينهما تقل شيئًا فشيئًا، حتى استطاع سماع أصواتهما.

قال مدحت بلهجة متوترة:

مدحت: لم تخبريني بما حدث، هل طرد مراد ديلان؟، وهل نجحت الخطة؟.

توقفت أنفاس مراد.

أما دنيز فأجابته بثقة:

دنيز: أجل، نجحت، أظنه صدق كل ما قلناه له، فمنذ يومين طرد مراد ديلان.

تجمد مراد في مكانه.

شعر وكأن الكلمات اخترقت صدره.

الخطة؟،

ماذا يعني أنها نجحت؟،

لكن مدحت كان قد قال بدهشة:

مدحت: ماذا؟!، ولكن أين ذهبت؟، لم تذهب إلى بيت والدتها؟.

دنيز: لا يهم أين ذهبت، المهم أنه طردها.

عقد مدحت حاجبيه وقال:

مدحت: إياكِ أن تلعبي من ورائي يا دنيز، لقد اتفقنا منذ البداية، مراد يطلق ديلان بعد أن يطردها ذليلة، وحينها أتزوجها أنا، بينما تتزوجين أنتِ مراد.

ثم ارتفع صوته:

مدحت: أنا أنتظر منذ زواجه بها!، قلتِ لي إن مراد لن يتزوجها، لكنه تزوجها وأقام لها عرسًا، ثم قلتِ إنه لن يبقيها سوى شهر وسيطردها ذليلة... ولم يحدث شيء من ذلك!.

كانت الكلمات تصل إلى مراد واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة منها كانت تحطم شيئًا داخله.

تابع مدحت:

مدحت: والآن، بعد كل هذا، أتلعبين بي؟، إذا كنتِ تخططين لخداعي فسأخبر مراد بكل شيء، سأخبره بما فعلتِه منذ جئتِ إلى بيتنا، وكيف اتفقنا على تشويه سمعة ديلان، وكل ما فعلناه منذ ذلك اليوم حتى الآن.

ارتبكت دنيز، ثم قالت بغضب:

دنيز: ماذا تقول؟!، بعد أن وصلنا إلى هدفنا، تقول هذا؟، صبرنا كل هذه المدة، وعندما تحقق ما أردناه تريد أن تخل باتفاقنا؟.

هز مدحت رأسه بعصبية.

مدحت: أنتِ تقولين إن مراد طرد ديلان، لكنك تقولين أيضًا إنه لم يطلقها بعد، وهي لم تذهب إلى بيت والدتها، أين هي إذن؟، واشعر انك لست صادقة معي، أحذرك إذاكنت ستكشفين الامر لإبن عمك لتظهرين مالملاك، فلست انا من ياكل لحمه ويرمى عضمه، وانا لديا كل الصور التي تثبت ان ذلك الشاب الذي إدعينا انه عشيق ديلان، ماهو ألا استاذها بالجامعة وسأخبر أبنوعمك ذاك الحبيب الاحمق انك انت من خططت لكل ذلك.

رفعت دنيز كتفيها.

دنيز: ربما تختبئ عند أحد معارفها حتى تهدأ الأمور، ثم يطلقها مراد، عمي وزوجته لن يهدآ حتى يجداها، وربما يعيدانها إليه، ولهذا ربما تختبئ منهم.

ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة.

دنيز: لا تنسَ أن عمي وزوجته كانا السبب في البداية، لقد نجحت خطتنا، وصدق مراد أن لديلان عشيقًا، وأراد إلغاء الزواج، لكنهما أصرا عليه حتى يتم الزواج، لولاهما لكانت ديلان قد طلقت قبل أن تصبح زوجته، ولكانت سمعتها على كل لسان، ولكان من السهل عليك الزواج بها.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال مدحت بحقد:

مدحت: أجل... لقد رفضتني أنا لتقبل بمراد، ما الذي وجدته فيه حتى تفضلني عليه؟، رجل أحمق وغبي!، صدق كل تلك الأكاذيب والاتهامات دون أن يفكر أو يتحقق منها، مغفل!.

لم يعد مراد يسمع شيئًا بعد ذلك.

كأن العالم كله توقف.

وقف خلف الجدار، شاحب الوجه، وعيناه مثبتتان في الفراغ.

بدأت الكلمات تتجمع في رأسه، ثم اتصلت ببعضها كقطع أحجية طالما عجز عن فهمها.

دنيز.

مدحت.

الأكاذيب.

الرجل الذي أخبره عن ديلان.

الاتهامات.

الشك.

كل شيء كان مؤامرة.

كل شيء كان كذبة.

أما ديلان...

فكانت بريئة.

بريئة طوال الوقت.

أغمض مراد عينيه للحظة، فانفجرت في ذاكرته صور لم يستطع الهرب منها.

ليلة زفافه.

وجه ديلان الخائف.

دموعها.

برودُه معها.

شكوكه.

كلماته القاسية.

منعه لها من أشياء كثيرة.

ثم الأيام التي عاشتها معه وهي تحاول أن تثبت له براءتها، بينما كان هو يرفض حتى الاستماع إليها.

وأخيرًا...

ذلك المساء الذي طردها فيه من البيت.

رآها في ذاكرته وهي تغادر عند الغروب، تخرج من الشقة وقلبها محطم، بينما هو وقف جامدًا خلفها.

شهقت أنفاسه.

وضع يده على صدره، وكأن قلبه بالفعل يريد أن يخرج من بين أضلعه.

ماذا فعلت؟،

ماذا فعلت بكِ يا ديلان؟،

اشتعل الغضب داخله حتى لم يعد قادرًا على السيطرة عليه.

خرج من خلف الجدار فجأة، واتجه نحوهما بخطوات غاضبة.

استدارت دنيز، وما إن رأته حتى تجمد الدم في عروقها.

أما مدحت، فما إن التقت عيناه بعيني مراد حتى شحب وجهه.

قال مراد بصوت مرتجف من شدة الغضب:

مراد: إذن... أنتِ؟.

تراجعت دنيز خطوة.

دنيز: مراد...

قاطعها بصوت أعلى:

مراد: لا تنطقي باسمي!.

ارتج المكان بصوته.

اقترب منها، وعيناه تشتعلان غضبًا وصدمة.

مراد: إذن أنتِ، يا ابنة عمي، من نسجتِ لي تلك المؤامرة؟.

لم تستطع دنيز الرد.

مراد: أنتِ من جعلتني أصدق كل الكلام الذي قيل عن ديلان؟، أنتِ من جعلتني أشك فيها؟، أنتِ من دفعتِني إلى اتهامها بكل تلك التهم والافتراءات؟!.

بدأ صوت مراد يختنق، لكنه لم يتوقف.

مراد: جعلتِني أعيش في جحيم طوال هذه الأشهر... جعلتِني أظلم فتاة بريئة لا حول لها ولا قوة!

تراجعت دنيز أكثر.

دنيز: مراد، اسمعني...

مراد: أسمعك؟!.

ضحك ضحكة قصيرة موجوعة.

مراد: لقد سمعت ما يكفي!.

ثم أشار إليها بغضب.

مراد: كل هذا بسبب هوسك بي!.

ارتجفت دنيز.

مراد: كان باران على حق، طوال هذه المدة كان يقول لي إنك لا تحتملين رؤيتي مع فتاة أخرى، وإنك لا تحبين ديلان وتريدين التخلص منها... وأنا كنت مثل الأحمق أدافع عنك!.

تلعثمت دنيز:

دنيز: أنا...

مراد: كنت أظن أنك ابنة عمي التي تريد مصلحتي!.

ثم ضرب كفه بقبضته الأخرى من شدة الغضب.

مراد: بينما كنتِ تخططين لهدم بيتي بيدك!.

تسارعت أنفاس دنيز، وأدركت أن كل شيء انتهى.

أما مدحت، فكان يراقب المشهد للحظات، ثم بدأ يتراجع خطوة... ثم أخرى.

لم ينتبه مراد إليه إلا عندما استدار فجأة، فرأى مدحت يركض بين المخازن.

مراد: مدحت!.

اندفع خلفه.

ركض بأقصى سرعته بين الممرات الضيقة، بينما كان مدحت يلتفت بين الحين والآخر محاولًا الإفلات منه.

مراد: توقف أيها الحقير!.

لكن مدحت اختفى خلف أحد المخازن.

تابع مراد مطاردته، إلا أن الممرات المتشابكة والمباني القديمة جعلته يفقد أثره.

توقف يلهث، وأخذ ينظر حوله.

لا أحد.

عاد مسرعًا إلى المكان الذي ترك فيه دنيز.

لكنها لم تكن هناك.

حدق في المكان بذهول.

ثم لمح في آخر الشارع سيارة أجرة تبتعد بسرعة.

أدرك فورًا.

مراد: دنيز...

لقد هربت هي الأخرى.

عاد إلى سيارته بخطوات غاضبة، وفتح الباب بعنف، ثم جلس خلف المقود وأدار المحرك.

كان الغضب لا يزال يشتعل في صدره، لكن شيئًا آخر بدأ يطغى عليه.

الندم.

ندم مرير يكاد يخنقه.

أمسك المقود بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

كانت صورة ديلان أمام عينيه.

وجهها يوم طردها.

نظرتها الأخيرة إليه.

ذلك الانكسار الذي لم يحاول حتى فهمه.

تمتم بصوت خافت، وكأنه يخاطبها رغم أنها ليست أمامه:

مراد: سامحيني يا ديلان...

ثم ضغط على دواسة الوقود.

هذه المرة لم يكن عائدًا إلى البيت ليواجه دنيز فقط.

كان عائدًا ليكشف الحقيقة كاملة أمام عائلته...

وليبحث عن المرأة التي ظلمها بيديه، بعدما اكتشف متأخرًا أنها كانت بريئة طوال الوقت.

وكان يعرف في أعماقه أن كلمة آسف لن تكون كافية هذه المرة.

فالجرح الذي صنعه بنفسه في قلب ديلان لم يكن جرحًا يُمحى بكلمة، بل جرحًا سيحتاج منه أن يثبت، يومًا بعد يوم، أنه نادم حقًا.

تعليقات



<>