رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع والثلاثون37 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع والثلاثون37 بقلم عاشقة القلم

........✍️ما إن وصلت دنيز إلى المنزل حتى أسرعت بصعود الدرج، وكأنها تهرب من شيء يطاردها، ثم اندفعت إلى شقة أليها وأغلقت الباب خلفها بعجلة. لم تتوقف حتى بلغت غرفتها، فأغلقت بابها هي الأخرى، وأسندت ظهرها إليه للحظات، تلتقط أنفاسها المتسارعة، بينما كانت صورة مدحت وهو يفرّ من المكان لا تزال عالقة في ذهنها.

في تلك اللحظة، سمعت صفية صوت باب الشقة يُغلق، فخرجت من المطبخ وهي تمسح يديها بطرف مئزرها، لتلمح دنيز وهي تغلق باب غرفتها.

اقتربت منها مسرعة ودخلت خلفها، ثم تأملتها بقلق، وما إن رأت شحوب وجهها حتى قالت:

صفية: ما بك يا ابنتي؟ وجهك شاحب وكأنك رأيت شبحًا!.

ارتبكت دنيز، وحاولت أن تخفي اضطرابها، ثم أجابت متلعثمة:

دنيز: لا... لا شيء يا أمي، فقط خفت أن يعود أبي مبكرًا ويكتشف أنني خرجت من دون إذنه.

تنفست صفية الصعداء، وقالت بحنان:

صفية: الحمد لله أنك عدت قبله، وهل اشتريت ما كنت تحتاجين إليه؟.

أومأت دنيز سريعًا، محاولة إنهاء الحديث قبل أن تفضح عيناها ما تخفيه.

دنيز: نعم يا أمي... هل يمكنك أن تحضري لي كوبًا من شاي الأعشاب؟، أشعر بتشنجات مؤلمة في بطني.

لم تتردد صفية لحظة، فقد كانت تظن أن ابنتها تعاني بالفعل، فقالت:

صفية: حاضر يا ابنتي، لقد انتهيت من إعداد المحاشي، وهي الآن على النار، سأذهب لأحضر لكِ كوبًا من اليانسون، ثم أغسل الأواني، استلقي أنتِ وارتاحي.

ارتسمت على وجه دنيز ابتسامة باهتة، وقالت:

دنيز: حسنًا يا أمي، سأغير ملابسي وأتناول حبة مسكن إلى أن تعدّي لي شيئًا ساخنًا.

طمأنتها صفية بنظرة حانية، ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها.

وما إن اختفى صوت خطواتها حتى تبدلت ملامح دنيز تمامًا.

تلاشت تلك الابتسامة المصطنعة، وحل محلها التوتر والغضب. مدت يدها سريعًا إلى جيب حقيبتها وأخرجت هاتفها، ثم حدقت في الشاشة لحظة قبل أن تجري اتصالًا.

ما إن جاءها صوت مدحت حتى انفجرت فيه بغضب مكتوم:

دنيز: ألو!....ماذا فعلت؟!، هربت وتركتني أواجه مصيري وحدي!، لا تظن أنك نجوت... فإذا وقعت، فسنقع جميعًا، هل فهمت؟.

جاءها صوته متوترًا، لكنه حاول أن يبدو متماسكًا:

مدحت: وماذا كنت تنتظرين مني؟، أن أتشاجر معه أو أقتله؟، ثم ماذا عنكِ؟، ألم تهربي أنتِ أيضًا؟.

قبضت دنيز على الهاتف بقوة وقالت بانفعال:

دنيز: لقد استغلت فرصة مطاردته لك وهربت!، ولحسن حظي، ما إن وصلت إلى الشارع حتى وجدت سيارة أجرة، فتمكنت من العودة إلى هنا... لكنه بالتأكيد سيلحق بي، أنا متأكدة من ذلك!.

ساد الصمت لحظة، ثم جاءها صوت مدحت أكثر هدوءًا:

مدحت: أنكري كل شيء، جملةً وتفصيلًا، ليس معه أي دليل مادي، ومن المستحيل أن يصدق أهلك كلامه، خصوصًا بعد ما حدث منه.

ظلت دنيز صامتة للحظات، تستعيد في ذهنها ما جرى، ثم قالت وهي تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنعه:

دنيز: حسنًا... سأغير ملابسي وأستلقي في فراشي، لقد أخبرت أمي قبل أن أخرج أنني مريضة، وهي الآن تعد لي شاي الأعشاب، سأتمسك بهذه القصة وأتظاهر بأنني متعبة.

أجابها مدحت دون تردد:

مدحت: هذا أفضل حل، تصرفي وكأن شيئًا لم يحدث، ولا تدعي الشك يتسلل إليكِ.

أغلقت دنيز عينيها لحظة، ثم قالت ببرود:

دنيز: حسنًا... إلى اللقاء.

مدحت: إلى اللقاء، وأخبريني فورًا إذا حدث أي شيء.

أنهت دنيز المكالمة، وظلت تحدق في شاشة هاتفها لثوانٍ، بينما كان قلبها لا يزال يخفق بعنف.

ثم ألقت الهاتف فوق السرير، وأخذت نفسًا عميقًا، قبل أن تتمتم لنفسها:

دنيز: لن أسمح لأحد أن يكشف ما حدث... مهما كان الثمن.

ثم اتجهت إلى خزانة ملابسها لتبدل ثيابها، وتستعد لتمثيل دور المريضة أمام والدتها، وكأن شيئًا لم يحدث... وكأن الخوف الذي ينهش صدرها لم يكن سوى وهمٍ عابر.


لم يكن مراد يرى أمامه سوى الطريق، وسيارة الأجرة تلك لابد انها دنيز وقد هربت.

أسرع لسياراته يركب على متنها، أدار المحرك ثم ضغط على دواسة الوقود بقوة، وانطلقت سيارته تشق الشوارع بسرعة، بينما كانت يداه تقبضان على المقود بعنف، وعيناه مثبتتين على الطريق أمامه.

كان يريد اللحاق بدنيز قبل أن تختفي.

كان يريد أن يواجهها أمام الجميع، أن يكشف حقيقتها، أن يعرف أين أخفت ديلان، وأن يقتص منها عن كل لحظة ألم عاشتها زوجته بسببه.(مراد ظن ان دنيز هي من اخفت ديلان).

لكن خلف ذلك الغضب كله كان هناك شيء آخر ينهشه...

الخوف.

الخوف من أن يكون قد تأخر.

الخوف من أن تكون ديلان قد رحلت بعيدًا، أو أنها قررت ألا تعود إليه بعد أن حطم قلبها بيديه.

ترددت كلمات مدحت في رأسه:

"نجحت الخطة... طرد مراد ديلان..."؛

ثم صوت دنيز:

"أظنه صدق ما قلناه له..."؛

أغمض عينيه للحظة قصيرة، ثم فتحهما بسرعة.

مراد: يا الله... ماذا فعلت؟،

تخيل وجه ديلان وهي تقف أمامه في تلك الليلة، حين طردها من البيت.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها لم تتوسل إليه،

لم تصرخ،

لم تدافع عن نفسها كما كان يتوقع،

فقط نظرت إليه بنظرة موجوعة، طردها دون حتى ان تأخذ حقيبتها وغادرت،

يومها ظن أنه انتصر،

أما الآن، فقد أدرك أنه كان يهدم قلب امرأة بريئة،

رن هاتفه، لكنه لم يلتفت إليه،

كان بارن يتصل به ليطمئن عليه عندما لم يراه على طاولة الإفطار صباحا.

كانت عيناه تراقبان الطريق، بينما كان عقله غارقًا في فوضى من الندم والغضب.

وفجأة، ظهرت شاحنة أمامه عند تقاطع الطريق.

كانت تخرج من شارع جانبي بسرعة، ولم ينتبه مراد إليها إلا في اللحظة الأخيرة.

اتسعت عيناه،

ضغط على المكابح بقوة،

انحرفت السيارة بعنف، وصرخت الإطارات فوق الإسفلت، لكن المسافة كانت أقصر من أن تسمح له بتفاديها بالكامل.

مراد: انتبه!.

اصطدمت مقدمة سيارته بمقطورة الشاحنة اصطدامًا عنيفًا.

ارتج المكان بصوت معدني هائل.

من شدة الاحتكاك مالت به السيارة، وغيرت مسارها لتصطدم مأخرة السيارة بالمقطورة، ثم انقلبت السيارة قليلًا من شدة اللصطدام، قبل أن تنحرف إلى جانب الطريق وتصطدم بحاجز إسمنتي.

ارتطم جسد مراد بقوة داخل السيارة، وخرجت الوسادة الهوائية لتثبت جسده، وانحنى رأسه إلى الأمام قبل أن يعود إلى الخلف بعنف.

توقفت السيارة أخيرًا، لكن الصمت الذي أعقب الاصطدام كان أكثر رعبًا من صوت الحادث نفسه.

ظل مراد للحظات ساكنًا بعد ان ثبتته الوسادة.

عيناه مفتوحتان، لكن الرؤية أمامه كانت مشوشة.

حاول أن يحرك يده، فلم يستطع إلا بصعوبة، تنفس بصوت متقطع، وشعر بألم حاد ينتشر في جسده، حاول فتح باب السيارة، لكن ذراعه لم تطاوعه،

رفع عينيه نحو الزجاج المحطم أمامه.

كان الدم يسيل من جبينه، وينحدر ببطء على جانب وجهه.

تمتم بصوت بالكاد سُمع:

مراد: ديلان...

ثم أغمض عينيه للحظات،

لم يفكر في نفسه،

لم يفكر في الحادث،

كان كل ما يشغل ذهنه هو أنها لا تعرف الحقيقة،

أنه لم يعتذر لها،

أنه لم يقل لها إنه صدقها أخيرًا،

وأنه ربما لن يحصل على فرصة أخرى،

حاول أن يفتح عينيه، ثم قال بصوت ضعيف:

مراد: يجب أن... أعود إليها...

لكن صوته انقطع ولم يستطع ان يواصل الكلام، فقد خارت قواه.

وبدأت الأصوات من حوله تتلاشى تدريجيًا،

تجمع الناس حول السيارتين خلال دقائق.

كان أحد المارة قد اتصل بالإسعاف، بينما وقف آخرون بعيدًا عن السيارة المحطمة خوفًا من أن يكون هناك خطر آخر او تنفجر السيارة.

وصلت سيارة الإسعاف، وترجل منها المسعفون مسرعين.

اقترب أحدهم من سيارة مراد، وانحنى محاولًا التحدث إليه.

المسعف: سيدي! هل تسمعني؟،

لم يجب مراد.

طرق المسعف برفق على الزجاج المحطم.

المسعف: سيدي، افتح عينيك!

تحركت جفون مراد ببطء.

المسعف: جيد... ابقَ مستيقظًا، لا تغلق عينيك.

لكن مراد كان قد بدأ يفقد وعيه،

تمتم بكلمات غير واضحة،

اقترب المسعف أكثر،

المسعف: ماذا قلت؟.

تحركت شفتا مراد بصعوبة،

مراد: زوجتي...

لم يفهم المسعف الكلمة جيدًا، لكنه أدرك أن الرجل في حالة خطيرة.

تمت إزالة باب السيارة بصعوبة، بعد ان حظر رجال الاطفاء والشرطة، ثم أُخرج مراد بحذر ووضع على النقالة.

كان وجهه شاحبًا، وأنفاسه ضعيفة، وعيناه مغمضتين.

المسعف: الضغط ينخفض!.

تبادل المسعفون نظرات سريعة، ثم أسرعوا بنقله إلى سيارة الإسعاف.

انطلقت المركبة مسرعة نحو المستشفى، بينما بقيت سيارة مراد المحطمة خلفها شاهدة على لحظة قلبت كل شيء.

في المستشفى، كان الأطباء ينتظرون وصوله.

ما إن دخلت النقالة حتى أحاط به الفريق الطبي.

الطبيب: حادث سير، إصابة في الرأس... جهزوا غرفة الإنعاش فورًا.

ارتفعت أصوات الأجهزة الطبية في الممر، وتحرك الجميع بسرعة.

تم نقله إلى غرفة الطوارئ، ثم بدأت الفحوصات والإجراءات الطبية العاجلة.

خارج الغرفة، كانت الممرضة تجري اتصالًا بالشرطة للحصول على بياناته والتواصل مع عائلته،

وفي الداخل، كان الأطباء يكافحون من أجل استقرار حالته.

وبعد دقائق بدت أطول من الزمن، خرج الطبيب من الغرفة بملامح جادة.

اقتربت منه الممرضة.

الممرضة: كيف حاله؟.

تنهد الطبيب وقال:

الطبيب: حالته حرجة، لديه إصابات خطيرة، ونحتاج إلى مراقبته عن قرب، سننقله إلى غرفة الإنعاش، وقد نحتاج إلى تدخل جراحي دقيق إذا لم تستقر حالته.

ثم أضاف:

الطبيب: يجب إبلاغ عائلته فورًا.

وبعد وقت قصير، أُدخل مراد إلى غرفة الإنعاش.

كان جسده ساكنًا فوق السرير، تحيط به الأجهزة، وأسلاك المراقبة، وصوت جهاز القلب الذي يعلن عن كل نبضة.

أما هو، فكان غائبًا عن العالم.

لا يعرف أن عائلته ستتلقى بعد قليل الخبر الذي سيهز البيت كله.

ولا يعرف أن ديلان، التي قررت أن تمنحه فرصة أخيرة، قد تكون على وشك معرفة أن الرجل الذي تنتظر عودته...

قد لا يستطيع العودة إليها.

وفي مكان آخر، كانت ديلان داخل شقتها، تجهل تمامًا أن القدر قد أوقف مراد في منتصف الطريق.

كانت تنتظر عودته...

بينما كان هو يرقد في غرفة الإنعاش، يصارع الموت بصمت.

وكأن الحياة منحته فرصة أخيرة واحدة فقط...

إما أن ينجو ويصلح ما كسره، أو يرحل قبل أن يقول لديلان الحقيقة التي تأخر كثيرًا في اكتشافها.


كان باران جالسًا خلف مكتبه منهمكًا في عمله، يحاول التركيز في الأوراق المكدسة أمامه، إلا أن شيئًا في داخله لم يكن مستقرًا منذ الصباح.

كان عقله يعود بين الحين والآخر إلى مراد، وإلى ما حدث بينه وبين ديلان، ثم إلى ذلك الشعور الغريب الذي لازمه منذ أن أخبر والديه بأن ديلان وافقت على منح أخيه فرصة أخيرة.

أمسك قلمه وحاول متابعة عمله، لكن رنين هاتفه قطع أفكاره.

نظر إلى الشاشة، فوجد رقمًا غريبًا.

تردد لحظة، ثم أجاب.

باران: ألو، نعم؟.

جاءه صوت امرأة من الطرف الآخر، رسمي لكنه يحمل شيئًا من التوتر:

الموظفة: هل أتحدث مع السيد باران ...؟.

اعتدل باران في جلسته.

باران: نعم، أنا باران. من معي؟.

الموظفة: أنا من مستشفى... هل تعرف السيد مراد؟.

تجمدت يده فوق المكتب.

باران: مراد؟ نعم، إنه أخي، ماذا حدث؟.

ساد صمت قصير في الطرف الآخر، وكأن الموظفة تنتقي كلماتها بعناية.

الموظفة: تلقينا قبل قليل مصابًا إثر حادث سير، وعندما إستلمنا متعلقاته الشخصية وبحثنا في هاتفه، كانت آخر مكالمة مسجلة على هاتفه باسمك، لذلك حاولنا التواصل معك.

شعر باران بأن قلبه هبط إلى قدميه.

باران: حادث...؟.

خرجت الكلمة منه بصعوبة.

الموظفة: نعم، السيد مراد تعرض لحادث سير، وقد نُقل إلى المستشفى وهو في حالة حرجة.

نهض باران من مكانه دفعة واحدة حتى كاد الكرسي يسقط خلفه.

باران: ماذا تقولين؟!، كيف حاله؟، هل هو واعٍ؟، أستطيع التحدث إليه؟.

الموظفة: هو الآن داخل غرفة الإنعاش، والأطباء يتعاملون مع حالته، أرجوك أن تأتي إلى المستشفى في أسرع وقت ممكن، وأن تحضر أحد أفراد عائلته إن أمكن.

توقف باران عن التنفس للحظات.

غرفة الإنعاش...

حالة حرجة...

كلمتان أخذتا تترددان في رأسه كأنهما صدى مرعب.

باران: أنا قادم... سأكون هناك فورًا.

أنهى المكالمة، لكنه ظل واقفًا في مكانه، يحدق في الهاتف وكأنه ينتظر أن تتراجع الكلمات التي سمعها.

مراد تعرض لحادث.

أخوه الذي كان قبل ساعات فقط يطارده الغضب والندم، أصبح الآن بين الحياة والموت.

رفع باران يده إلى وجهه ومسح على جبينه، ثم التفت إلى زميله الذي كان يراقبه بقلق.

باران: يجب أن أغادر فورًا، مراد أخي تعرض لحادث وهو في المستشفى.

لم ينتظر سؤالًا آخر او حتى جوابا.

التقط مفاتيحه وهاتفه، وخرج من مكتبه بخطوات سريعة.

وفي الممر، بدأ يركض تقريبًا.

كل شيء حوله أصبح ضبابيًا، ولم يعد يسمع سوى دقات قلبه.

مراد... لا تفعل بي هذا.

تماسك يا أخي.

يجب أن أصل إليك.

إستقل باران سيارة أجرة بسرعة، كانت توصل احدهم للشركة الاي يعمل بها، وعيناه مثبتتان على الطريق، بينما كانت أصابعه تقبض على هاتفه بقوة.

حاول الاتصال بمراد.

مرة.

مرتين.

ثلاثًا.

لكن هاتفه كان مغلقًا أو لا يجيب، ربنا الممرضة أغلقت الخط وحفظت الهاتف في امانات المستشفى، حتى يستيقظ المريض او تستلم عائلته نتعلقاته الشخصية، وفي كل مرة كان يسمع فيها الرد الآلي، كان قلبه يزداد اضطرابًا.

تذكر حديثهما مساءا،

تذكر ابتسامة مراد حين كان يتحدث عن ديلان،

وتذكر أنه كان ذاهبًا للبحث عنها،

ثم سأل نفسه فجأة:

هل وقع الحادث وهو يبحث عنها؟،

شعر بقشعريرة تسري في جسده،

لم يرد أن يفكر في الأمر.

باران: يا رب... احفظه.

ظل يكرر الدعاء حتى وصل إلى المستشفى.

ما إن أوقف سائق الأجرة سيارته حتى ترجل منها مسرعًا، ودخل إلى قسم الطوارئ.

توجه إلى مكتب الاستقبال وهو يلهث.

باران: أخي... مراد اوزدمير... تعرض لحادث سير، اتصلتم بي قبل قليل.

بحثت الموظفة في الحاسوب، ثم رفعت عينيها إليه.

الموظفة: نعم، السيد مراد اوزدمير.

باران: أين هو؟، كيف حاله؟،

أشارت إلى الممر، إلى الغرفة في آخر الممر.

الموظفة: إنه في غرفة الإنعاش،

اتجه باران بسرعة نحو المكان، لكنه توقف عندما رأى الطبيب يخرج من الباب.

اقترب منه فورًا.

باران: دكتور!.

التفت الطبيب إليه.

باران: أنا شقيق مراد... أخبروني أنه تعرض لحادث، أرجوك، قل لي كيف حاله؟.

نظر الطبيب إليه للحظات، ثم قال بهدوء مهني:

الطبيب: هل أتت عائلته؟.

باران: لا، أنا فقط اتيت عندما إتصلت بي المستشفى.

تنهد الطبيب.

الطبيب: شقيقك وصل إلى المستشفى في حالة حرجة، تعرض لإصابات قوية نتيجة الحادث، ولدينا إصابة في الرأس بالإضافة إلى إصابات أخرى نعمل على التعامل معها.

شعر باران بأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

أسند يده إلى الجدار.

باران: هل... هل هو واعٍ؟.

هز الطبيب رأسه.

الطبيب: لا. هو الآن تحت المراقبة في غرفة الإنعاش.

ابتلع باران ريقه بصعوبة.

باران: لكنه سيعيش، أليس كذلك؟.

صمت الطبيب للحظة.

الطبيب: نحن نبذل كل ما نستطيع، لكن الساعات القادمة مهمة جدًا، لا أستطيع أن أعطيك وعدًا الآن.

خفض باران رأسه.

كانت الإجابة أقسى مما توقع.

رفع عينيه إلى باب غرفة الإنعاش المغلق، وشعر بعجز لم يعرفه من قبل.

أخوه خلف ذلك الباب...

وهو لا يستطيع فعل شيء.

همس:

باران: مراد...

ثم وضع يده على صدره.

باران: قبل ساعات فقط كنت تتحدث عن ديلان... كنت تريد أن تصلح كل شيء.

أغمض عينيه، وقد بدأت الدموع تتجمع فيهما.

باران: لا تجعلها تكون آخر فرصة ضاعت منك.

ابتعد باران قليلًا عن باب غرفة الإنعاش، وأخرج هاتفه.

ظل يحدق في اسم والده على الشاشة.

كان يعلم أن عليه إخباره.

لكن كيف سيقول له؟،

كيف سيخبر عزت أن ابنه الذي خرج من المنزل صباحًا يبحث عن زوجته، أصبح الآن في غرفة الإنعاش يصارع من أجل حياته؟.

ضغط زر الاتصال.

لم تمر سوى لحظات حتى جاءه صوت والده.

عزت: باران؟، هل حدث شيء؟.

توقف باران عن الكلام.

مجرد سماع صوت أبيه جعله يشعر بأن الكلمات تخنقه.

عزت: باران؟، لماذا لا تتحدث؟، أين أنت؟.

أخذ باران نفسًا عميقًا، لكنه لم يستطع منع ارتجاف صوته.

باران: أبي...

ساد الصمت.

عزت: ماذا حدث؟.

أغمض باران عينيه، ثم قال:

باران: اتصلوا بي من المستشفى قبل قليل.

تغير صوت عزت فورًا.

عزت: المستشفى؟ لماذا؟.

ترددت الكلمات على لسان باران.

باران: مراد...

توقف، وكأن نطق الاسم وحده كان كافيًا لكسر صوته.

عزت: ماذا به مراد؟!.

باران: تعرض لحادث سير.

ساد صمت طويل في الطرف الآخر.

ثم جاء صوت عزت مرتجفًا:

عزت: حادث؟، أين هو؟، كيف حاله؟.

باران: أنا في المستشفى الآن.

ثم قال بصوت خافت:

باران: حالته خطيرة يا أبي... إنه في غرفة الإنعاش.

سمع باران شهقة والده.

عزت: ماذا تقول؟!.

باران: الأطباء يقولون إن حالته حرجة، ولا يزالون يحاولون معه لاستقرارها.

جلس عزت في مكانه وكأن الكلمات أفقدته القدرة على الوقوف.

عزت: هل هو واعٍ؟.

باران: لا يا أبي.

ثم أضاف باران بصوت مكسور:

باران: لا أستطيع أن أخفي عنك شيئًا... الطبيب قال إن الساعات القادمة مهمة جدًا.

ساد الصمت من جديد.

ثم سمع باران صوت والده وهو يتمتم:

عزت: يا رب... يا رب احفظ ابني.

قال باران بسرعة:

باران: أبي، تعال إلى هنا، لكن حاول أن تتمالك نفسك، لا نعرف ماذا سيحدث بعد.

عزت: سأأتي فورًا.

وقبل أن ينهي المكالمة، قال باران:

باران: وأخبر أمي بهدوء، لا أريد أن تعرف بطريقة تصدمها.

عزت: سأفعل.

انتهت المكالمة.

ظل باران واقفًا في الممر، والهاتف لا يزال في يده.

رفع عينيه نحو باب غرفة الإنعاش.

ورغم كل ما كان يحدث حوله، لم يكن يفكر إلا في شيء واحد:

لم يكن يعلم أن مراد، قبل ساعات كان مراد يطارد دنيز ليكشف الحقيقة...

عاجز عن العودة إلى زوجته التي اكتشف أخيرًا أنها بريئة.

بل كان يظنه كان يجوب الشوارع بحثا عن زوجته، شعر بغصةةفي قلبه لو إتصل به باركرا واخبره عن مكان ديلان، لكان الان في شقته رفقة زوجته سالما معافى،

لكنه الآن هو خلف ذلك الباب، 

لايعلم إن مان سيخرج منه واقفا على رجليه ام محملا على نقالة.

رفع باران يديه إلى صدره، وتمتم:

باران: يا رب... لا تأخذه قبل أن تمنحه فرصة ليعتذر لها، وقبل أن يصلح ما كسره بيديه.

ثم جلس على أحد المقاعد أمام غرفة الإنعاش، وأخذ ينتظر.

ينتظر والده.

وينتظر الطبيب.

وينتظر خبرًا واحدًا فقط...

أن مراد ما زال حيًا.


كانت عائشة قد عادت إلى شقتها بعد أن نزلت مع ديلان إلى شقتها، ثم انشغلت ببعض الأعمال المنزلية وهي تحاول أن تطرد القلق عن قلبها.

ورغم أنها كانت قد اطمأنت قليلًا بعدما تحدثت مع ديلان، إلا أن شيئًا في داخلها ظل غير مرتاح.

كانت تفكر في مراد،

في الطريقة التي سيعود بها،

وفي الحديث الطويل الذي ستجريه معه هي وعزت قبل أن يخبره أحد بأن ديلان عادت إلى المنزل ومنحته فرصة أخيرة.

أما ديلان، فلم تستطع البقاء في شقتها طويلًا.

كانت قد بدأت بترتيب بعض أغراضها، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن التركيز، كل زاوية في المكان كانت تحمل ذكرى، وكل شيء يذكرها بمراد وما فعله معها، ولهذا نزلت إلى شقة عائشة لتبقى معها قليلًا.

جلست المرأتان في غرفة الجلوس، وكانت عائشة تتحدث معها عن بعض الأمور البسيطة، محاولة أن تخفف عنها توترها.

عائشة: لا تشغلي نفسك كثيرًا يا ابنتي، عندما يعود مراد سنتحدث معه بهدوء، وإن شاء الله تكون هذه بداية جديدة لكما.

ابتسمت ديلان ابتسامة خافتة.

ديلان: أتمنى ذلك يا أمي.

ثم أطرقت رأسها، وأضافت:

ديلان: لا أريد سوى أن يهدأ مراد قليلًا، وأن نتعلم كيف نفهم بعضنا دون أن يتحول كل خلاف بيننا إلى مشكلة كبيرة.

مدت عائشة يدها وربتت على يدها بحنان.

عائشة: وسيحدث ذلك بإذن الله.

وقبل أن تكمل حديثها، دوى رنين الهاتف الأرضي في أرجاء الشقة.

التفتت المرأتان إلى الهاتف.

قالت عائشة:

عائشة: ديلان، هل يمكنك الرد؟، قد يكون والدك أو أحد المعارف.

نهضت ديلان من مكانها واتجهت نحو الهاتف.

كان الرنين يتكرر بإلحاح غريب، وكأن المتصل لا يريد الانتظار.

رفعت ديلان السماعة.

ديلان: ألو، السلام عليكم.

جاءها صوت رجل من الطرف الآخر.

الموظف: وعليكم السلام. هل أتحدث مع عائلة السيد مراد اوزدمير؟.

تغيرت ملامح ديلان قليلًا.

ديلان: نعم... أنا زوجته، من حضرتك؟.

تردد الرجل لحظة، ثم قال:

الموظف: أنا من الشرطة...

تجمدت ديلان في مكانها،

ديلان: الشرطة؟.

الموظف: نعم، تلقينا قبل قليل خبر ان حادث مرور، وقد كان السيد مراد مصابًا إثر حادث سير، وعثرنا على بيانات تشير إلى أنه السيد مراد اوزدمير من خلال الوثائق الثبوتية التي كانت معه.

شعرت ديلان بأن الأرض بدأت تميد تحت قدميها.

قبضت على حافة الطاولة بيدها الحرة.

ديلان: مراد؟!.

خرج الاسم من فمها مرتجفًا.

الموظف: نعم، سيدتي، نحتاج إلى حضور أحد أفراد عائلته إلى المستشفى في أسرع وقت.

لم تستطع ديلان استيعاب الكلمات.

حادث...

مراد...

المستشفى...

بدت الكلمات وكأنها تدور في رأسها دون معنى.

ديلان: كيف حاله؟.

جاءها الرد بعد لحظة قصيرة، لكنها شعرت أنها كانت أطول لحظة مرت عليها في حياتها.

الموظف: حالته حرجة، وهو حاليًا في غرفة الإنعاش، الأطباء يتعاملون معه، لكن نحتاج إلى حضور عائلته.

شهقت ديلان.

ارتجفت يدها حتى كادت السماعة تسقط منها.

ديلان: غرفة الإنعاش...؟.

الموظف: نعم.

لم تستطع الرد.

أغلقت الخط ببطء، وظلت واقفة في مكانها، شاحبة الوجه، تحدق في الفراغ.

لاحظت عائشة تغير ملامحها، فنهضت مسرعة واقتربت منها.

عائشة: ديلان؟، ماذا حدث؟، من كان يتحدث معك؟.

لم تجبها.

عائشة: ديلان، تكلمي يا ابنتي... ماذا قالوا؟.

رفعت ديلان عينيها إليها، كان الخوف فيهما واضحًا إلى درجة جعلت قلب عائشة ينقبض.

ديلان: أمي...

اقتربت عائشة أكثر.

عائشة: ماذا؟.

تحركت شفتا ديلان بصعوبة.

ديلان: اتصلوا من المستشفى.

توقفت أنفاس عائشة.

عائشة: المستشفى؟!.

أومأت ديلان، ثم قالت بصوت مكسور:

ديلان: مراد... تعرض لحادث سير.

وضعت عائشة يدها على صدرها.

عائشة: مراد؟!.

ديلان: قالوا إن حالته حرجة... إنه في غرفة الإنعاش.

كادت عائشة تفقد توازنها، فأسندت نفسها إلى طرف الأريكة.

عائشة: يا الله...

ثم وضعت يدها على فمها، وقد امتلأت عيناها بالدموع.

عائشة: متى؟، كيف حدث ذلك؟.

هزت ديلان رأسها وهي تبكي.

ديلان: لا أعلم... لم يخبروني إلا أنه تعرض لحادث وأن علينا الذهاب إلى المستشفى.

اقتربت عائشة منها وأمسكت بكتفيها.

ديلان: لا تبكي الآن يا أمي، يجب أن نذهب إليه.

لكن ديلان لم تستطع السيطرة على دموعها.

كانت قبل دقائق فقط تتحدث عن عودتها إلى مراد، وعن الفرصة الأخيرة التي قررت منحه إياها.

والآن...

مراد بين الحياة والموت.

رفعت يدها إلى فمها وهي تتمتم:

ديلان: كنت سأنتظره هنا...

ثم انهارت نبرتها:

ديلان: كنت سأنتظره ليعود... لماذا حدث هذا؟.

احتضنتها عائشة بقوة.

عائشة: لا تقولي ذلك، لا يزال حيًا، والأطباء يفعلون ما يستطيعون، لا تفكري إلا في رحمة الله.

ثم ابتعدت عنها ومسحت دموعها بسرعة، محاولة أن تستعيد تماسكها.

عائشة: هيا، سنذهب الآن.

ديلان: أمي...

عائشة: ماذا؟.

نظرت إليها ديلان بعينين مذعورتين.

ديلان: هل يمكن أن يموت؟.

أغمضت عائشة عينيها لحظة، وكأن السؤال طعن قلبها، كانت تعلم جيدا ان ديلان تتألم من عقظة فقد، فبعد ان فقدة والدها بسن صغيرة، جاء حادث صديقتها مريم ليعمق الجراح، وهاهو اليوم حادث مراد يعيدها لنفس حادثة مريم.

ثم أمسكت بيدها وقالت:

عائشة: لا أحد يعرف الغيب يا ابنتي، سنذهب إليه، وسندعو له، والله أرحم به منا جميعًا.

أومأت ديلان، ومسحت دموعها بطرف يدها.

أسرعت عائشة إلى غرفتها، ارتدت عباءتها وحجابها، ثم عادت إليها.

كانت ديلان واقفة قرب الباب، بعد ان إرتدت هي الاخرى عبائتها وحجابها ووضعت نقابها فوق وجهها الشاحب، ترتجف من الخوف.

وحين رأتها عائشة، اقتربت منها وأمسكت يدها.

عائشة: لن أتركك وحدك.

خرجتا معًا من الشقة.

لكن قبل أن تغلق عائشة الباب، رفعت يديها إلى صدرها وتمتمت:

عائشة: يا رب، احفظ ابني... يا رب لا تجعل هذا اليوم آخر عهدي به.

ثم أغلقت الباب.

اوقفت سيارة اجرة بالشارع التي إنطلقت بهما تشق الطريق نحو المستشفى.

في الطريق إلى المستشفى، جلست ديلان إلى جانب عائشة، وكانت تحدق من نافذة السيارة دون أن ترى شيئًا مما يمر أمامها.

كانت الأفكار تتدافع في رأسها.

مراد وهو غاضب.

مراد وهو يطردها.

مراد وهو ينظر إليها بتلك القسوة.

ثم صورته كما عرفته في لحظات أخرى، حين كان يبتسم لها، وحين كان يحاول أحيانًا أن يكون زوجًا أفضل قبل أن تفسد عصبيته كل شيء.

أغمضت عينيها، وانهمرت دمعة على خدها.

ديلان: يا رب...

التفتت إليها عائشة.

ديلان: مهما حدث بيننا... لا أريد أن يموت.

ثم وضعت يدها على صدرها.

ديلان: لم أكن مستعدة لأن أخسره هكذا، يا رب لا تحعلني أذق مرارة الفقد مرة أخرى .

شعرت عائشة بوخزة في قلبها، فأمسكت بيدها.

عائشة: وسيعود إلينا بإذن الله، لا تفكري إلا بهذا.

ثم بدأت تقرأ الأدعية بصوت خافت، بينما ظلت ديلان تردد خلفها وهي تبكي.

وللمرة الأولى منذ أن خرجت من بيت مراد، لم تكن ديلان تفكر في كرامتها، ولا في الظلم الذي تعرضت له، ولا في الفرصة التي قررت منحه إياها.

كان هناك شيء واحد فقط يملأ قلبها:

أن يبقى مراد حيًا... حتى لو كان عليها أن تبدأ معه من جديد من الصفر.

وعندما ظهرت بناية المستشفى أمامهما، تشبثت ديلان بيد عائشة أكثر، وكأنها تستمد منها القوة.

لم تعرف أي واحدة منهما ما الذي ينتظرهما خلف أبواب ذلك المستشفى...

لكن كلتيهما كانتا تحملان الدعاء نفسه في قلبيهما:

اللهم لا ترنا فيه بأسًا يبكينا.

تعليقات



<>